ما هو دور كل أقنوم فى حياتى؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو دور كل أقنوم فى حياتى؟

أ. حب الله الآب لى:

1 - خلقنى أعظم من كل خليقة على الأرض!

2 - رعايته الإلهية تحتضنى!

3 - يحول كل الإمور لخيرى!

4 - أبوته الحانية حتى فى تأديبه لى!

5 - بالحب والحكمة يمنحنى المواهب اللائقة.

6 - قدم لى الخلاص بالمجانى!

7 - أحضانه الإلهية تُرحب بىّ!

ب - نعمة الابن الوحيد تخلصنى:

1 - أسماؤه وألقابه تعلن حبه لى! 2 - تجسد لأجلى.

3 - تألم لأجلى! 4 - صُلب لأجلى!

5 - أقامنى معه! 6 - أصعدنى إلى سماواته!

7 - وهبنى الحياة الجديدة.

ج - شركة الروح القدس:

1 - وهبنا الوحى بالأسفار المقدسة. 2 - قدم لنا الشركة مع الله.

3 - أعطانا روح التبنى للآب (الميلاد الجديد فى المعمودية).

4 - خليقة جديدة للنفس! أو إعادة طبيعتنا إلى الصورة الإلهية.

5 - مغفرة الخطايا. 6 - استنارة الذهن.

7 - العضوية فى الكنيسة جسد السيد المسيح.

8 - قوة النصر على الخطية والموت والشيطان، مع رفع القلب إلى السماء.

كيف يعمل الثالوث القدوس معاً فينا؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

كيف يعمل الثالوث القدوس معاً فينا؟

مع وحدة جوهر الله، الثالوث القدوس، وتمايز الأقانيم، فإن كل عملٍ إلهىٍ يعبِّر عن حبه الفائق للإنسان، إنما هو عمل الثالوث القدوس معاً. وكما يقول البابا أثناسيوس الرسولى: "يعمل الآب كل الأشياء بالكلمة فى الروح القدس، بهذه الوسيلة تُحفظ وحدة الثالوث القدوس[373]. كل الأعمال الإلهية سواء الخلقة أو الخلاص أو القيامة أو نوال الأمجاد الأبدية هى عطايا إلهية يقدمها الآب فى ابنه الوحيد الجنس بروحه القدوس.

يقول القديس كيرلس السكندرى: [لم ينل قوة من آخر لكى يخلق، وإنما هو قوة الله الآب، الابن الوحيد، الذى يعمل كل شيءٍ مع الآب والروح القدس. لأن كل شيءٍ من الآب بالابن، لأنه لو خلق الابن منفصلاً عن الآب لما استطاع الابن أن يقول: "أنا فى الآب والآب فيِّ" (يو14: 10).].

يقول القديس أمبروسيوس: [إذ تعتمدون باسم الثالوث، فإننا فى كل ما نفعله نحفظ سرّ الثالوث. فى كل موضع الآب والابن والروح القدس، عمل واحدا، قداسة واحدة... كيف؟ الله (الآب) مسحك، والرب ختمك، ووضع الروح القدس فى قلبك. لهذا تسلمت الروح القدس فى قلبك[374].] كما يقول: [إن كانت توجد نعمة واحدة، وحب واحد، وشركة واحدة (2كو13: 14) للآب والابن والروح القدس، فحتماً توجد عملية واحدة، وحيث توجد عملية واحدة بالتأكيد لا يمكن تقسيم القوة، ولا فصل الجوهر[375].].

يقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [أتستطيعون أن تروا عظمة حب الله لنا؟ من هو الطرف الذى هُوجم؟ إنه هو! من الذى بدأ بالخطوة الأولى للمصالحة؟ إنه هو! قد يقول البعض إنه أرسل ابنه بدلاً منه، لكن فى هذا سوء فهم للموقف. لم يأتِ المسيح منعزلاً عن الآب الذى أرسله، لقد انشغل كلاهما فى عمل المصالحة (2كو5: 19) [376].].

يمكننا مع القديس باسيليوس الكبير أن نقول بأن العمل الإلهى أو محبة ألله للإنسان تجلت فى ثلاثة أنواع من الخلقة تتكامل معاً، يقوم بها الثالوث القدوس. [يشير الكتاب المقدس إلى ثلاثة خلائق: الخليقة الأولى الانطلاق من اللاوجود إلى الوجود. والثانية: التغير من الرديء إلى الأفضل. والثالثة القيامة من الموت. فى هذه الخلائق الثلاثة تجدون الروح القدس يعمل مع الآب والابن... الآن تُخلق البشرية للمرة الثانية بالمعمودية. "إن كان أحد فى المسيح، فهو خليقة جديدة" (2كو5: 17) [377].].


[373] Epistola ad Serapionem 28: 1 - 29. PG 596: 26 A.

[374] De Myster. 2: 8: 5 - 68.

[375] The Holy Spirit, 12: 1: 13.

[376] Homilies on Cor. , 5: 11.

[377] Letter 8.

ما هو التدبير الإلهى لخلاصنا؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو التدبير الإلهى لخلاصنا؟

ما ان سقط الإنسان فى الخطية وفقد قداسته ونقاوة قلبه حتى كشف الله لآدم وحواء عن التدبير الإلهى لخلاص محبوبه الإنسان. حينما نقول "التدبير الإلهى" نقصد خطة الثالوث القدوس وعمله لأجل خلاصنا، لأنه هو عمل إلهى واحد، ولكل أقنوم دوره المتميّز فى خلاصنا.

أعلن السيد المسيح عن محبة الله الآب بقوله: "هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكى لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية" (يو3: 16) وكشف الرسول بولس عن محبة الابن بقوله: "أحبنى وأسلم نفسه لأجلى" (غل2: 20)، كما كشف لنا السيد المسيح عن دور الروح القدس فى خلاصنا بقوله: "يأخذ مما لى ويخبركم" (يو16: 14).

لماذا لم يكتفِ الله بأن يُقدِّم الإنسان توبةً عن خطيته؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

لماذا لم يكتفِ الله بأن يُقدِّم الإنسان توبةً عن خطيته؟ [370]

إن كان الله رؤوف وكثير الرحمة، إلاَّ إنه صادقً أيضاً فى أحكامه ووعوده وكلامه حيث يقول الكتاب المقدس: "ليكن الله صادقاً، وكل إنسانٍ كاذباً" (رو3: 4)، كما يتكرَّر مراراً فى الكتاب تعبير "صادقةً هى الكلمة" (1تي3: 8؛ 2تي2: 11) أى كلمة الله. لذلك لم يكن يليق بالله أن يتراجع عن الحكم الذى سبق أن حذَّر آدم منه إذا أكل من شجرة معرفة الخير والشر. ويقول القديس أثناسيوس: [لأن الموت أيضاً، وكما قلتُ سابقاً، صارت له سيادة شرعية علينا (بسبب التعدِّى)، منذ ذلك الوقت فصاعداً، وكان من المستحيل التهرُّب من حكم الناموس، لأن الله هو الذى وضعه بسبب التعدِّى، فلو حدث هذا لأصبحت النتيجة مرعبة حقاً وغير لائقة فى نفس الوقت. لأنه من غير اللائق طبعاً أن الله بعدما تكلَّم بشيءٍ مرَّةً يتَّضح أنه فيما بعد كاذبً، أى أن الله بعد أن أمَرَ أن الإنسان يموت موتاً، أن يتعدَّى الوصية ولا يموت، بل تَبطُل كلمة الله. وسيكون الله غير صادق إن كان الإنسان لا يموت بعد أن قال الله إنه سيموت[371].].

ويضيف القديس أثناسيوس أن الندم على فعل الخطية أو التوبة عنها لم تكن كافيةً لرفع حكم الموت: [لكن إن كان هذا هو ما يجب أن يحدث، فمن الناحية الأخرى نجد أنه لا يتفق مع صدق الله الذى يقتضى أن يكون الله أميناً من جهة حكم الموت الذى وَضَعَه، لأنه كان من غير اللائق أن يظهر الله أبو الحق كاذباً من أجلنا. إذاً، ماذا كان يجب أن يُفعَل حيال هذا؟ أو ما الذى كان يجب على الله أن يعمله؟ أيطلب من البشر التوبة عن تعدِّياتهم؟ ويمكن أن يرى المرء أن هذا يليق بالله ويقول: كما أن البشر صاروا إلى الفساد بسبب التعدِّى، فإنهم بسبب التوبة يمكن أن يعودوا إلى عدم الفساد وللخلود. لكن التوبة تعجز عن حفظ أمانة الله لأنه لن يكون الله صادقاً إن لم يظل الإنسان فى قبضة الموت (لأنه تعدَّى فحُكِمَ عليه بالموت كقول الله الصادق). ولا تقدر التوبة أن تُغيِّر طبيعة الإنسان، بل كل ما تستطيعه هو أن تمنعه عن أعمال الخطية. فلو كان تعدِّى الإنسان مجرد عمل خاطئ ولم يتبعه فساد، لكانت التوبة كافية. أما الآن بعد أن حدث التعدِّى، فقد تورَّط البشر فى ذلك الفساد الذى كان هو طبيعتهم ونُزِعَت منهم نعمة مماثَلة صورة الله، فما هى الخطوة التى يحتاجها الأمر بعد ذلك؟ أو مَنْ ذا الذى يستطيع أن يُعيد للإنسان تلك النعمة ويرده إلى حالته الأولى إلاَّ كلمة الله الذى خلق فى البدء كل شيءٍ من العدم؟ [372]] يؤكِّد هنا القديس أثناسيوس نفس النقطة السابقة عن أن قبول الله لتوبة الإنسان يتعارض مع صدق أقواله "التوبة تعجز عن حفظ أمانة الله".

ويضيف القديس أثناسيوس: "ولا تقدر التوبة أن تُغيِّر طبيعة الإنسان، بل كل ما تستطيعه هو أن تمنعه عن أعمال الخطية. فلو كان تعدِّى الإنسان مجرد عمل خاطئ ولم يتبعه فساد، لكانت التوبة كافية". أى أن التوبة لا يمكن وحدها أن تعيد الإنسان إلى حالة النقاوة التى كان عليها أولاً، كما لا تستطيع التوبة أن تشفى طبيعة الإنسان التى أصابها الفساد نتيجة الخطية.

ويمكن تشبيه هذا الأمر بمريض مصاب بنزلة برد لتعرُّضه للبرد الشديد دون أن يستعد بالملابس الثقيلة المناسبة، فيذهب إلى الطبيب للعلاج. فهل يمكن أن يكتفى الطبيب بأن ينصحه بألا يفعل ذلك ثانيةً وأن يلبس الملابس الثقيلة المناسبة للجو البارد؟! بالطبع لا، بل عليه أن يقدِّم له العلاج أولاً ثم تأتى النصيحة بعد ذلك.

لكن وإن كان الله لم يتراجع عن الحكم على الإنسان بالموت، ولم يكتف بتوبته لأنها غير كافية لشفاء طبيعته من الفساد، إلا أنه بمقتضى رحمته أخذ طبيعتنا البشرية بالتجسُّد لكى يُجدِّدها، ويأخذ عنِّا حكم الموت الذى كان محكوماً به علينا عن استحقاقٍ.

ومن ذلك نفهم أن الله لم يسامح الإنسان، ولم يتراجع عن الحكم عليه لأن هذا يتعارض مع صدق أقوال الله وأحكامه. ومن جهةٍ أخرى لم يكتفِ الله بأن يقدِّم الإنسان توبةً لأن التوبة لا تستطيع نزع الفساد من طبيعته وتجديدها.


[371] تجسُّد الكلمة ف 6 / 3، 2.

[372] تجسُّد الكلمة ف 7 / 1 - 4.

ما هو موقف الله من الإنسان بعد عصيانه للوصية الإلهية؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو موقف الله من الإنسان بعد عصيانه للوصية الإلهية؟

اشتاق الإنسان إلى العالم، وصار الوجود فى حضرة الله بالنسبة له هو مجرد ألفاظ وكلمات! صارت الخطية وكأنها من روتين فى حياة الإنسان، يشعر أحياناً بثقلها ومرارتها، ولكن فى لحظات يعود لينحنى لها بكل جوارحه وميوله ورغباته وكل طاقته. وهكذا فقد أمسك الإنسان بعجلة القيادة فى داخله. وكما يقول الرسول "فإنى أعلم أنه ليس ساكن فيّ، أى فى جسدى شيءٍ صالح، لأن الإرادة حاضرة عندى، وأما أن أفعل الحُسنى، فلست أجد. لأنى لست أفعل الصالح الذى أريده، بل الشر الذى لست أريده فإياه أفعل. فإن كنت ما لست أريده إياه أفعل، فلست بعد أفعله أنا، بل الخطية الساكنة في" (رو7: 18 - 20). فما هو موقف الله من الإنسان؟ هل لازال يحبه؟!

وماذا يفعل الإنسان لكى يجدد طبيعته التى أفسدها بإرادته؟

هل الله مشغول بأمجاده فى سماواته، أم ينزل إلى الإنسان؟

هل يحرره من سلطان الخطية التى سمح لها الإنسان بإرادته أن تحتل مركز القيادة؟

أقول لله إلهى: هل لازلتَ أيها الحب تحب الإنسان، وتشتاق أن ترده إلى أحضانك؟

لن يستطيع الإنسان الصعود إليك، فهو غارق فى خطاياه وضعفاته، فهل تنزل إليه أيها القدوس؟

أيها الحب الأزلي الخالد، هوذا السماء تشتاق أن تتعرف على سرّ حكمتك المملوءة حباً، هل تعلن لها ولنا أسرار حبك؟

الآن يا إلهى ها قد فسدت حياتنا وصرنا محتاجين إلى من يغير طبيعتنا ويرفع عنا موتنا الأبدي، فماذا تفعل من أجلنا أيها الحب المطلق؟!

يقول القديس كيرلس الكبير: [الله من فرط محبته للإنسان هيأ له طريق الخلاص والفداء، وذلك بالإيمان بالله الآب والابن والروح القدس، والاعتراف بهذا الإيمان أمام الجميع حتى ينقيه من خطاياه، ويمتلئ بغنى الروح القدس، وشركة الطبيعة الإلهية[368]، ويحصل على نعمة التبنّي.].

الإيمان بالثالوث القدوس إعلان إلهى خلاله يختبر المؤمن الحب الإلهى الفائق، والدخول فى خبرة شخصية مع الآب والابن وبالروح القدس. يجد المؤمن الحقيقى فى الثالوث شبعاً لكل احتياجات الداخلية. إيماننا بالثالوث يمس حياتنا وكياننا، فلا حياة لنا دون خبرة التمتع بحب الثالوث القدوس لنا، مع أعمال محبته الفائقة. يقول القديس غريغوريوس النزينزي: [ليقودنى الكلمة الإلهى فى نهاية حياة مملوءة بالدموع إلى المسكن غير المتغير، حيث يوجد ثالوثى، وبهاء سموه المجتمع، ظلال الثالوث تمجدنى[369].].


[368] هذا التعبير وأمثاله فى الكتاب المقدس وعند آباء الكنيسة لا يعنى أن الإنسان يشترك فى الجوهر الإلهى، حاشا! بل بالنعمة الإلهية يسترد صورة الله المفقودة بسبب الخطية، وينال عدم الموت وعدم الفساد فى الأبدية، ويتمتع بحياة البرّ والقداسة وثمر الروح القدس.

[369] Poemata de seipso, 11. PG 1165: 37 - 66.

[370] القس مرقس داود ومراد مجدى: خدمة الخلاص، 2007، ص52 - 54.

ماذا فعلت بي الخطية؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ماذا فعلت بي الخطية؟

لقد اخترتُ بإرادتى الاستقلال عن الله ليكون لى كيان خاص بي، بعيداً عن لُجَّة محبة الله. هذه هى خطية آدم الأولى، بل وكل خطية نرتكبها. فقد فصلت نفسي عن مصدر سعادتها وشبعها وحياتها، وسقطت تحت نير الخطية، ووقعت تحت سطوة ظلمها. إذ اخترت الخطية بإرادتي، قدمت لي كل ما عندها ورغماً عني، وماذا لدى الخطية إلا الحرمان والظلم والموت الخ.

أ. حرمان: قدمت لي تفاحة من "شجرة جيدة للأكل، بهجة للعيون، وشهية للنظر"، لكنها أفقدتني الشبع، وحرمتنى من الفردوس، أبعدتنى عن السلام والفرح والخير والمعرفة الحقيقة.

ب. ظلم: الخطية لا تعرف قانوناً ولا ناموساً. إن كان لها قانون، فهو التشويش والظلم عينه.

ج. موت: الخطية هى انفصال عن الله خالق كل شيءٍ. هي حرمان للنفس عن الله واهب الحياة. هذا ما وصلت إليه النفس البشرية بإرادتها. انحرفت الصورة عن أصلها، فتلاشى جمالها، وفسدت طبيعتها، وزال سلطانها، ولم تعد قادرة على الحياة أو اللقاء مع الله مصدر حياتها.

ارتبك الإنسان وارتعب، ولكن عبثاً يحاول أن يخضع نفسه لإلهة بقوته الذاتية. لقد حاول آدم أن يُصلح خطأه بذاته، فأكد رغبته بالأكثر فى استقلاله عن الله بذاتيته الخاصة، مما أضاف إلى النتيجة الأولى نتائج متوالية. فإذ صنع لنفسه لباساً من ورق التين، جف الورق، وكان اللباس فى ذاته كافياً ليؤكد للإنسان عريه، ويفضح جريمته أمام نفسه. لقد فلت زمام الأمر من يديّ الإنسان، وصار لابد أن يتدخل الله ليمحو نتائج ما ارتكبه الإنسان بإرادته.

هل يتدخل الله على حساب العدالة فيغفر، ولكن كيف تتحقق العدالة التى بلا حدود. هل يمكن لإله هذا هو حبه ورحمته، أن يترك الإنسان يشقى ويهلك هلاكاً أبدياً؟! هناك حاجة إلى عملية مصالحة بين الله والإنسان، فيها يدفع الله أجرة الخطية دون أن يتنازل عن عدالته، ويحقق العدالة فى أعماق حبه!

يقول القدِّيس مقاريوس الكبير: [أمور النعمة، يصحبها فرح وسلام ومحبة وحق... أما أشكال الخطية، فيصحبها اضطراب وليس محبة ولا فرح نحو الله[365].] كما يقول: [النفس فى ذاتها لا هى من طبيعة اللاهوت، ولا هى من طبيعة ظلمة الخبث، بل هى خليقة عاقلة، جميلة، عظيمة، وحسنة كمثال لله وصورته. وإنما عن طريق التعدي دخل فيها خبث أهواء الظلمة[366].].

ويقول القدِّيس أغسطينوس: [أما الإنسان الذى له طبيعة تميل بين الطبيعة الملائكية والحيوانية، فإن الله خلقه هكذا، حتى إذا بقيَ خاضعاً لخالقه، كسيدٍ له بحقٍ، ويحفظ وصاياه بورعٍ، تصير له شركة مع الملائكة، وينال خلوداً مباركاً أبدياً، دون أن يصيبه الموت. أما إذا عصى الرب إلهه باستخدامه حرية إرادته بعجرفةٍ وفى عصيانٍ، فإنه يخضع للموت، ويسلك عبداً للشهوة، ويُحكم عليه بالموت الأبدي.].

ويقول: [يا لشقائي... لقد سادت عليَّ الظلمة، ومع أنك أنت النور، إلا أنني حجبت وجهي عنك!

يا لشقائي... أصابتنى جراحات كثيرة، ومع أنك أنت المعزي واهب السلام، غير أننى ابتعد عنك!

يا لشقائي... لقد انتابتنى حماقات جمَّة، ومع أنك أنت هو الحق، غير أننى لم أطلب منك المشورة!

يا لشقائي... لقد تعددت طرق ضلالي، ومع أنك أنت هو الطريق، إلا أننى ابتعدت عنك!

يا لشقائي، فالموت يحطمنى بضربات كثيرة، ومع انك أنت الحياة، لكننى لم أكن معك أبداً!

يا لشقائي، فإننى أسقط فى الشر والعدم كثيراً، ومع أنك أنت هو "الكلمة" الذى به كان كل شيءٍ، إلا أننى انفصلت عنك، يا من بدونك لم يكن لى وجود!

أيها الكلمة ملكي، أيها الكلمة إلهى، أيها النور الخالق، أيها الطريق والحق والحياة... يا مبدد الظلمة والشر والضلال والموت...

أيها النور بدونك يصير الكل فى ليلٍ دامسٍ. أيها الطريق بدونك لا يوجد سوى الضلال. ايها الحق الذى بدونك لا يوجد سوى الباطل. أيها الحياة الذى بدونك يخيِّم الموت على الكل].

الآن ما هو موقف الله بعد أن حطمت الخطية كل كيان الإنسان؟ حتماً لن يقف متفرجاً عل محبوبه، بل سبق فوضع خطةً لأجل خلاصه ليتمتع بغفران خطاياه، ويحمل البرّ الإلهي، وينطلق إلى الأحضان الإلهية ويستقر فيها. ما هى هذه الخطية، وما هو دور الثالوث القدوس فيها؟ وكيف أعدّ البشرية لإدراكها والتفاعل معها. وكيف تحققت؟ وكيف ننعم بها؟

هذا ما يدعونا إلى الحديث عن حاجاتنا إلى الخلاص والمخلص الإلهى[367].


[365] عظة 7: 3.

[366] عظة 7: 1 (ترجمة بيت التكريس لخدمة الكرازة، 1978م).

[367] راجع الحب الإلهى، الكتاب الثانى، 2010، ص 352 الخ.

هل تعرف من أنت؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل تعرف من أنت؟

كثيراً ما يتصاغر الإنسان أمام نفسه، فيرى نفسه، المخلوق الصغير أمام تلك الطبيعة بكل جبروتها. إنه يظهر قليلاً، وكخيال يتمشى على الأرض ليختفى. قد يعثر بحجرٍ صغيرٍ، فيسقط ميتاً، أو يهاجمه ميكروب ما، فيلقيه على الفراش يتلوَّى سنوات طويلة، يتوق إلى الموت فلا يجده. إنه كائن ضعيف، ربما من أجل شهوة بسيطة دنيئة ينسى كرامته، ويبعثر أمواله، ويهدم وحدة الأسرة، وربما يفقد كل شيءٍ، وهو يعلم أنها لذة وقتية سرعان ما تزول!

أتريد أن تعلم من أنت؟ إنك موضوع حب الله، موضوع اهتمامه وعنايته، حتى يبدو كما لو نسي العالم كله من أجلك. عندما خلقك، "رأى الله كل ما عمله، فإذا هو حسن جداً" (تك1: 31). يتطلع إليك، فيرى فيك صورته ومثاله. فيك العقل، ولك حرية الإرادة، أنعم عليك بالقدرة على الحب، والانجذاب نحو الخالق لتشبع منه، وتنعكس انطباعاته عليك، فيفرح بك.

خلق السماء والأرض ليزولا يوماً ما (مت24: 35)، أما أنت فاوْجدك لتحيا خالداً إلى الأبد. هذه هى نفسك التى لم يقبل الرب أن يقارنها بالعالم كله قائلاً: "ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟ (مر8: 36)".

هل فقد آدم وحواء الرجاء فى الخلاص بعد سماعهما الحكم كثمرة لعصيانهما؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل فقد آدم وحواء الرجاء فى الخلاص بعد سماعهما الحكم كثمرة لعصيانهما؟

إن كانت ثمرة الخطية هى الموت، فقد أعلن الله رحمته عليهما وعلى نسلهما، بأن ينزل ابنه الوحيد متجسداً، ويقدم لهما الخلاص المجانى بصلبه وقيامته وصعوده إلى السماء. بهذا انفتح باب الرجاء خلال مراحم الله. لقد سمعا قول الله للحية "" وأضع عداوة بينك وبين المرأة، وبين نسلك ونسلها. هو يسحق رأسك، وأنت تسحقين عقبه "(تك3: 15).

لماذا لم يسمح الله لآدم وحواء بالأكل من شجرة الحياة؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

لماذا لم يسمح الله لآدم وحواء بالأكل من شجرة الحياة؟

بسقوط الإنسان فى عصيان الوصية صار عارفاً للشر، وساقطاً تحت سلطانه، وأصابه الفساد، وخضع للموت وطُرِدَ من الجنة. ومن محبة الله للإنسان أنه لم يسمح له بالأكل من شجرة الحياة وهو على هذا الحال المؤلم، لأنه إذا أكل منها وهو على هذا الحال فسيحيا إلى الأبد هكذا، أى يبقى فى الموت والفساد إلى الأبد. لذلك قال الرب: "والآن لعلَّه يَمُدَّ يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضاً ويأكل ويحيا إلى الأبد". وكلمة "الآن" يقصد بها هنا وقت ما بعد السقوط، وما وصل إليه الإنسان من فساد وموت. من جانبِ آخر، بالسقوط صار محكوماً على الإنسان بالموت، أى بالحرمان من الحياة. وبالتبعية صار محروماً من الأكل من شجرة الحياة التى فى وسط الجنة، فأقام الله الكاروبيم ولهيب سيفٍ مُتقلِّبٍ لحراسة طريق شجرة الحياة.

الآن بعد تجسد الكلمة نقول مع القديس يوحنا الرسول عن ربنا يسوع: "الذى كان من البدء الذى سمعناه، الذى رأيناه بعيوننا، الذى شاهدناه، ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة. فإن الحياة أُظهِرَت، وقد رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبدية التى كانت عند الآب وأُظهِرَت لنا". (1يو1: 1 - 2). لذلك عاد الإنسان ليأكل من شجرة الحياة الحقيقية، مرَّةً أخرى، من خلال سرِّ الإفخارستيا الذى فيه نأكل جسد ربنا يسوع المسيح ونشرب دمه المبذول عنا، هذا السرُّ الذى بواسطته نُعطَى خلاص وغفران للخطايا وحياةً أبديةً لكل مَنْ يتناول منه.

جاء الابن الكلمة متجسداً حتى تسمعه مع يوحنا وبقية التلاميذ ينادى الخطاة والعشارين بأسمائهم مترفقاً بهم بلا عتاب أو توبيخ. تسمعه بأذنين نقيتين يغفر لك خطاياك، مصالحاً إياك مع أبيه، دافعاً ثمن المصالحة: دمه الثمين. وتشاهده يبحث عنك كراعٍ صالحٍ وأبٍ حقيقىٍّ. يذهب بإرادته إلى الصليب ويُفتح جنبه حصناً وستراً لك، ترى فيه الأحشاء الملتهبة حباً لك. تراه قائماً من بين الأموات، صاعداً إلى السماوات، فيرتفع قلبك به ومعه ويستقر فيه، لتكون حيث هو جالس. وتلمسه مع أمه العذراء مريم فتشتاق إليه، مقدماً نفسك عروساً بتولاً عذراء نقية له، وتلمسه مع توماً معترفاً بألوهيته وربوبيته. تلمس قدميه مع المرأة الزانية، وتغسلهما بدموعك. فلا يستنكف منك بل يطوِّبك ويباركك. لا يرفض لمسات يدك ولا يستخف بدموعك، بل يحرص عليها كجواهرٍ ثمينةٍ لديه. إنه شجرة الحياة التى صارت لنا.

كما جاء فى سفر الرؤيا: "مَنْ يغلب فسأعطيه أن يأكل من شجرة الحياة التى فى وسط فردوس الله." (رؤ2: 7) وأيضاً: "طوبى للذين يصنعون وصاياه لكى يكون سلطانهم على شجرة الحياة، ويدخلوا من الأبواب إلى المدينة، لأن خارجاً الكلاب والسَّحَرَة والزناة والقَّتَلَة وعَبَدَة الأوثان وكل مَنْ يُحِبَّ ويصنع كَذِباً" (رؤ22: 14، 15).

هكذا يؤكِّد سفر الرؤيا أن الأكل من شجرة الحياة لن يكون إلاَّ للغالبين الذين تمسَّكوا بوصايا الله فى حياتهم على الأرض لينالوا الحياة الأبدية فى ملكوت السماوات. فالقلب الفاتر فى حبه قلب جائع، لذلك يحتاج إلى الشبع من الرب "شجرة الحياة"، فهو المشبع للقلب والشافي له (رؤ22: 2) وهو المكافأة المقدمة للغالبين.

ما هو الموت الذى حلّ على آدم وحواء بسبب عصيانهم الله؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو الموت الذى حلّ على آدم وحواء بسبب عصيانهم الله؟

حلّ موت مضاعف عليهما: موت الجسد بأنفصاله عن النفس مصدر حياة الجسد، وبالتالى يفقد الجسد حواسه وينحل. أما النفس إذ تموت بالخطية تفقد النور الروحى والفرح الداخلى والسلام الإلهى والسعادة، لكنها لا تنحل كالجسد، بل تبقى فى ظلمةٍ وألمٍ ومرارةٍ.

حلّ أيضاً الفساد بنسلهما وصاروا قابلين للموت. يقول الرسول بولس: "من أجل ذلك كأنما بإنسانٍ واحدٍ دخلت الخطية إلى العالم، وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع" (رو8: 12).