ما هو الموضوع الرئيسى لأنبياء العهد القديم؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو الموضوع الرئيسى لأنبياء العهد القديم؟

يرى القدّيس يوحنا الذهبى الفم فى العبارة: "بسطت يديّ طول النهار إلى شعبٍ متمردٍ" (إش65: 2؛ رو10: 21) إشارة إلى العهد القديم بأكمله حيث بسط الرب يديه خلال نداء الأنبياء المستمر، وإعلانه عن حُبّه لهم رغم عنادهم ومقاومتهم. إنه أب يبسط يديه نحو شعبه، كما نحو طفله الصغير الذى يرفض أحضان أبيه المتّسعة له بالحب. ويرى القدّيس يوستين فى هذا القول النبوي (إش65: 2) إشارة إلى الصليب حيث بسط الرب يديه عند موته ليحتضن الكل[384].

جاء فى القداس الغريغورى: [أنت يا سيدى حوَّلتَ لى العقوبة خلاصاً. كراعٍ صالحٍ سعيتَ فى طلب الضال. كأبٍ حقيقيٍّ تعبتَ معى أنا الذى سقط. ربطتَنى بكل الأدوية المؤدِّية إلى الحياة. أنت الذى أرسلتَ لى الأنبياء من أجلى أنا المريض. أعطيتنى الناموس عوناً. أنت الذى خدمتَ لى الخلاص لَمَّا خالفتُ ناموسك. كنورٍ حقيقيٍّ أشرقتَ للضالين وغير العارفين.] فالناموس والنبوات من الوسائط التى أعطاها الله للإنسان كجزء من الإعداد للفداء فى انتظار المسيح الفادى والمخلِّص الذى سيَهِبُ البرّ، ويفتح الطريق إلى السماء.

ويقول القديس أغسطينوس عن النبوات كبرهان قاطع لصدق إيماننا بالمسيح: [ "لكنهم مخدوعون كثيراً، أولئك الذين يعتقدون بأننا نؤمن بالمسيح بدون أية أدلةٍ بخصوصه. فهل هناك برهان أوضح من هذا: أن الأمور التى قد أنبِيءَ عنها نراها الآن قد تحقَّقت؟] فكل أحداث حياة السيد المسيح لم تكن أموراً مفاجئةً، طالبنا السيد المسيح بعد ذلك أن نؤمن بها، بل إنه هو نفسه كان يؤكِّد باستمرار، حتى بعد قيامته، أن هذه كلها كانت مكتوبة عنه فى الكُتُب.


[384] Dial. with Trypho 97.

لماذا يعاتب القدّيس بولس الرسول شعبه اليهودي؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

لماذا يعاتب القدّيس بولس الرسول شعبه اليهودي؟

لتجاهلهم الدور الرئيسى الذى كان يجب أن يقوموا به كشعب الله المختار، وهو الكرازة بالمسيّا الذى شهد له العهد القديم برموزه ونبواته. بمعنى آخر كان يليق بهم عوض الدخول فى مناقشات غبيّة بتشامخٍ وكبرياءٍ ضد الأمم أن يكونوا هم الكارزين لهم بالإيمان. هذا ما قصده الرسول بقوله: "فكيف يدعون بمن لا يؤمنوا به؟ وكيف يؤمنون بمن لم يسمعوا به؟ وكيف يسمعون بلا كارز؟ وكيف يكرزون أن لم يُرسلوا؟ كما هو مكتوب ما أجمل أقدام المبشرين بالسلام، المبشرين بالخيرات..." (رو10: 14 - 15).

كيف شهد الناموس للسيد المسيح؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

كيف شهد الناموس للسيد المسيح؟

إن كان برّ الناموس صعباً بل ومستحيلاً، فقد جاء السيد المسيح لا ليقدّم وصايا سهلة، ولا ليتهاون مع مؤمنيه، وإنما قدّم ذاته قريباً من مؤمنيه، بل ساكناً فيهم، لا ليتمّموا أعمال الناموس إنما به يزيد برّهم عن الكتبة والفرّيسيّين، كقوله: "إن لم يزد برّكم على الكتبة والفرّيسيّين لن تدخلوا ملكوت السماوات" (مت5: 20).

لماذا أصرَّت الكنيسة أن تعتبر كتاب العهد القديم جزءاً لا يتجزأ من الكتاب المقدس؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

لماذا أصرَّت الكنيسة أن تعتبر كتاب العهد القديم جزءاً لا يتجزأ من الكتاب المقدس؟

رَبَطّت الكنيسة بينه وبين قراءة العهد الجديد فى كل الصلوات الكنسية الليتورجية. كما تصدَّت الكنيسة بكل شدَّةٍ لكل الهراطقة[380] الذين حاولوا رفض كتاب العهد القديم من أن يكون جزءاً أساسياً من الكتاب المقدس. "لأن غاية الناموس: هى المسيح للبرّ لكل من يؤمن، لأن موسى يكتب فى البرّ الذى بالناموس: إن الإنسان الذى يفعلها سيحيا بها" (رو10: 4 - 5). اقتبس الرسول بولس من موسى العبارة: "تحفظون فرائضى وأحكامى التى إذا فعلها إنسان يحيا بها" (لا18: 5). وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبى الفم[381] إن الإنسان لا يمكن ان يحيا ولا أن يتبرّر ما لم يتمّم كل الفرائض وأحكام الناموس، الأمر الذى يعتبر مستحيلاً. لهذا فإذ أراد اليهود أن يتبرّروا بالناموس، فالناموس عينه يُعلن عن العجز التام لكل إنسانٍ أن يحقّق البرّ والحياة... بهذا يدفعنا إلى الإيمان بربنا يسوع المسيح الذى وحده لم يكسر الناموس، بل وقادر على تبرير مؤمنيه. بهذا لم يترك الرسول بولس لليهود عذراً يلتمسونه، فإن الناموس نفسه يُعلن عن المسيح بكونه وحده يتركّز فيه البرّ، من ينعم بالبرّ الذى قصده الناموس، ومن يرفضه إنما يرفض البرّ حتى وإن ظنَ فى نفسه أنه بالناموس يتبرّر. يقول القدّيس إكليمنضس السكندرى: [المسيح هو غاية الناموس للبرّ، الذى أنبأنا عنه بالناموس لكل من يؤمن[382].].

فى القديم كان اليهود يعتزون بأنهم شعب الله الذى تسلم الشريعة الإلهية بواسطة موسى بيد ملائكة (عب2: 2)، أمّا الآن فقد جاءنا الكلمة نفسه متجسداً، يهبنا ذاته، ويجعلنا فيه أبناء الآب فى مياه المعموديّة بالروح القدس. يقول القدّيس أغسطينوس: [أرسل الناموس بواسطة خادم، أمّا النعمة فجاء بنفسه من أجلها[383].].


[380] من اشهرهم واحد يدعى "مارقيون" من القرن الثانى، وقد ارتبط رفضه لكتاب العهد القديم بإنكاره للاهوت السيد المسيح.

[381] In Rom. hom 17.

[382] Strom 9: 2.

[383] In loan. tr. 2: 3..

ما هو مفهوم المصالحة مع الله؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو مفهوم المصالحة مع الله؟

يقول القديس كيرلس إن ربنا يسوع المسيح ليس فقط صالحنا مع الآب خلال ذبيحته، وإنما هو نفسه الأقنوم الذى يصالحنا، لأننا أخطأنا ضده[379].


[379] Thesaurus 15, de adoratione et cultu in spiritu etveritate,1.

ما هو الوعد بالخلاص الإلهى والتنبؤ بمجيء المخلّص عبر الأجيال؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو الوعد بالخلاص الإلهى والتنبؤ بمجيء المخلّص عبر الأجيال؟

نذكر على سبيل المثال، أن الوعد تكرر مع إبراهيم، إذ قيل له: "يتبارك فى نسلك جميع أمم الأرض" (تك22: 18). وتكرر بعد ذلك مع داود النبى والملك: "أقيم بعدك نسلك الذى يخرج من أحشائك وأثبت مملكته، هو يبنى بيتاً لاسمي وانا اثبت كرسى مملكته إلى الأبد" (2صم7: 12 - 13). وأيضاً مع آخاز: "يعطيكم السيد نفسه آية. ها العذراء تحب وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل" (إش7: 14).

كيف هيأت الذبائح الدموية لذبيحة العهد الجديد؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

كيف هيأت الذبائح الدموية لذبيحة العهد الجديد؟

الذبائح الدموية التى أعلنها لآدم، وأوضحها بالتفصيل فى سفر اللاويين، ليس لها فى ذاتها القدرة للإعلان عن حب الله للإنسان الخاطئ، لأن الإنسان محتاج إلى العودة لحياة القداسة، التى بدونها لا يقدر أحد أن يعاين الله أو يتلامس معه. إنه عاجز عن أن يتلامس مع حب الله أو مبادلته الحب بالحب. لهذا يحتاج إلى مُصلح قادر أن يتوسط بين الله وبينه.

لقد كنا فى حاجة إلى تجسد الله الابن، الكلمة، الأقنوم الثانى، ليتقدم هذا الإله المتجسد فى أعماق محبته لى، حاملاً الموت عنِّي فى جسده. لكن هذا الأمر من يقدر أن يقبله، لأن العقل يعجز عن إدراك أعماق حب الله له. كيف يمكن لله الكلمة أن يصير جسداً، وهو المالئ الكل بلاهوته؟! هل الله الكلمة بتجسَّد ليتألم ويحمل العار؟!

"أليس أنا الرب ولا إله آخر غيرى. إله بار ومخلص ليس سواى" (إش45: 21).

"إلهاً سواي لست تعرف، ولا مخلِّص غيري" (هو13: 4).

إنه إذ يحبنى لا يريد أن يوجه أنظارى إلى غيره، فهو فادىّ ومخلصى. هو – الابن – شفيعى عند الآب. تجسَّد لأجلى، ومات كذبيحة كفَّاريَّة عن خطاياى (1يو2: 1).

هذا هو الخلاص الذى قدمه الابن، بل اشترك فيه الثالوث القدُّوس كل أقنوم يكمل الأقنومين الآخرين، كل الأقانيم تعلن عن الحب الإلهى لنا. لكن كيف تتقبل البشرية هذا الخلاص، هذا هو موضوع الكتاب المقدس فى العهد القديم قبل مجيء المخلص، وفى العهد الجديد أيضاً.

ماذا وراء قصة الأقمصة من الجلد؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ماذا وراء قصة الأقمصة من الجلد؟

بعد السقوط فى الخطية، ألبس الله آدم وامرآته أقمصة من الجلد (تك3: 21). يكشف القميص الجلدى عن تقديم ذبيحة دموية، هى فدية عنه فيما ارتكب، تقوم بالنيابة عنه فى تنفيذ حكم الموت، ولستر عورته! وقد جاءت الأجيال المتعاقبة، كل يتعلم من سلفه أن يقدم ذبائح دموية، حتى يندر أن تجد ديانة يخلو طقسها من سفك دم، وإن كانت قد تشوّهت عبر الأجيال بصورة أو أخرى فى كثير من الأديان، حتى صار البعض يذبحون أولادهم!

وقد حان الوقت الذى فيه تسلّمت البشرية على يديّ موسى الشريعة المكتوبة التى تحتم ضرورة تقديم ذبائح دموية، لأنه "بدون سفك دم لا تحصل مغفرة" (عب9: 22). بالدم يتقدس كل شيءٍ، وبغيره لن يكون شئ ما أو إنسان ولو كان رئيس كهنة مقدساً للرب. "لأن موسى بعدما كلم جميع الشعب بكل وصية بحسب الناموس، أخذ دم العجول والتيوس مع ماء. وصوفاً وقرمزياً وزوفاً، ورشَّ الكتاب نفسه، وجميع الشعب، قائلاً: هذا هو دم العهد الذى أوصاكم الله به؛ والمسكن أيضاً وجميع آنية الخدمة كذلك بالدم، وبدون سفك دم لا تحصل مغفرة" (عب9: 19 - 22).

كيف أفسد الخطية رؤية الإنسان لله؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

كيف أفسد الخطية رؤية الإنسان لله؟

بسقوط الإنسان فى العصيان فسدت مفاهيمه، وانغلقت بصيرته عن أن تعاين الله فى حبه. صار الإنسان يراه الإله القاسي. لقد وقف أيوب البار فى لحظات ضعفه، عندما أثقلته التجارب ونصائح أصدقاؤه، فرأى الله قاسياً، إذ يقول له: "يداك كوَّنتاني وصنعتاني كلي جميعاً، أفتبتلعني؟... أفتعيدني إلى التراب؟... وإن ارتفعت أتصطادني كأسدٍ؟، ثم تعود فتتجبَّر عليَّ. تجدِّد شهودك تجاهي، وتزيد غضبك عليَّ. فلماذا أخرجتنى من الرحم؟... كف عنيّ، فأتبلج (فأبتسم) قليلاً" (أى10: 8 - 20).

يتطلع القلب الذى أفسدته الخطية، فيرى الله فى دينونته قاضياً ظالماً، يحصد من حيث لم يزرع، ويجمع من حيث لم يبذر (مت25: 24). لا يترفق بضعفات الإنسان ولا يشعر بعجزه، يعد حياة أبدية لقدِّيسين يندر أن يُوجدوا، ويهّيّئ عذابات يكيلها لخطاة هذا عددهم!

أليس كثير من الفلسفات الحديثة تحاول ان تتخلص من هذا الإله؟ أليس حتى بعض رجال الدين يحاولون أن يُظهروا أن هذا الإله لا علاقة له بشئون البشر الخاصة، وهم فى هذا يظنون أنهم يحاربون الموجة الإلحادية!

أخى، لا يوجد من ينكر وجود الله، حتى أولئك الملحدين، ففى أعماق نفوسهم يشعرون به. لكنهم يرونه حسب فكرهم إلهاً قاسياً ظالماً، فيحاربونه ويحاولون التخلص منه. لهذا فإننا محتاجون اليوم، لا أن نثبت وجود الله، قدر ما نشهد عن حب لله للإنسان فى حياتنا العملية.

لماذا صدر الحكم على الإنسان: “موتاً تموت”؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

لماذا صدر الحكم على الإنسان: "موتاً تموت"؟

لم يكن هذا عن عدم حب لله من جهة الإنسان، أو بسبب غضب الله عليه، أو للانتقام منه؛ إنَّما هو ثمرة طبيعية للخطية، يجنيها الإنسان مما فعله بإرادته. فبغباوة أقحم الإنسان نفسه فى دائرة الموت، وما كان لله المحب أن يلزم الإنسان على الامتناع عن الخطية، أو يوقف عملها الطبيعى.

رفض الغنوصيون العهد القديم لأنهم صُدموا فى بعض نصوصه التى تشير إلى غضب الله أو ندمه. وكان سبب صدمتهم أنهم فسروها تفسيراً حرفياً وليس روحياً. يقول أوريجينوس إن الإشارة إلى التشبيهات البشرية لله anthropomorphism مثل غضب الله لا يمكن فهمها حرفياً. "حينما تسمع عن غضب الله وسخطه لا تفهم ذلك بمعنى ممارسة الله لمشاعر الغضب والحنق". يستخدم الله اللغة البشرية، والهدف هو تصحيح الأخطاء البشرية، كما يوجّه الأب طفله. "نحن أيضاً يكون لنا وجه عنيف الملامح حينما نوّجه أطفالنا، ليس لأن هذه هى مشاعرنا الحقيقية، ولكن من أجل نزولنا إلى مستواهم، فإذا ما سمحنا لملامحنا الطيبة فى الظهور على وجوهنا نُفسد الطفل. الله لا يغضب فى الحقيقة، لكننا نختبر آثار غضبه حينما نقع فى تجربة بسبب شرنا، هذا هو التأديب الذى ندعوه" غضب الله[378] ".


[378] In Jer. hom, 7: 18 - 10, Carl A. Volz: Li è and Practice in the Early Church. Minneapolis, 1990,p. 114.