كيف نصير شركاء في الروح القدس؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

كيف نصير شركاء في الروح القدس؟

اولاً: خلال الصلوات الحارة: يقول رب المجد: "فإن كنتم وأنتم أشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيدة، فكم بالحريّ الآب الذى من السماء يُعطي الروح القدس للذين يسألونه" (لو11: 13). إن كنا نهتم أن نقدِّم خبزاً وسمكة وبيضة لأولادنا لكى يقدروا أن يعيشوا على الأرض، فإن الآب الذى من السماء يعطينا الروح القدس الذى وحده روح الشركة، فهو يثَبِتنا فى الابن الوحيد الجنس منطلقاً بنا إلى حضن الآب السماوى. عمله أن يهبنا "الحياة الجديدة" الحاملة للسِمة السماويَّة. لكى نعود إلى الحضن الأبوي من جديد. يقول القدِّيس إكليمنضس السكندرى: [إن كنَّا ونحن أشرار نعرف أن نعطي عطايا صالحة فكم بالحري طبيعة أب المراحم، أب كل تعزية، الصالح، يترفَّق بالأكثر وبرحمة واسعة يطيل أناته منتظراً الراجعين إليه؟ [518]].

ثانياً: بواسطة المعمودية وتجديد الروح القدس: "ولكن حين ظهر لطف مخلّصنا الله وإحسانه لا بأعمالٍ فى برٍّ عملناها نحن بل بمقتضى رحمته خلّصنا بغسل الميلاد الثانى وتجديد الروح القدس. الذى سكبه بغنى علينا بيسوع المسيح ملّخصنا" (تى3: 4 - 6). يعلق القديس أمبروسيوس على هذا القول قائلاً: [الروح القدس هو الذى يخلصنا من دنس الأمم! سامية هى هذه النعمة التى تغير غضب الوحوش إلى بساطة الروح[519].] كما يقول: [من هو هذا الذى يُولد من الروح ويصير روحاً (روحانياً) إلا الذى يتجدد بالروح فى ذهنه ". (أف4: 23)! هذا هو بالتأكيد ذاك الذى يولد بواسطة الماء والروح حيث ننال رجاء الحياة الأبدية خلال جرن الميلاد الذى للروح القدس[520].] ويعلق القديس أغسطينوس قائلاً: [فى المعمودية غُسلت كل الخطايا السابقة. وخلالها يكون عون الروح الذى به يشتهي ضد الجسد فلا ننهزم فى حربنا، (الروحية). وخلالها تكون للصلاة الربانية فاعليتها حين نقول" أغفر لنا ذنوبنا ". هكذا يُعطى لنا التجديد، ونُعان فى صراعنا، وتسكب الصلاة، ويكون قلبنا غير مشوب. وبهذا نكون بلا لوم[521].] كما يقول القديس غريغوريوس النزينزي: [إن كان الروح لا يُعبد، فكيف يمكنه أن يؤلهني فى المعمودية؟... من الروح ننال ما يجددنا. هكذا أنتم ترون الروح يعمل بكونه الله واهب المِنح لنا، هكذا أنتم ترون ما نُحرم منه إن أنكرنا أن الروح هو الله. بالروح أعرف الله. هو نفسه الله، وفى الحياة الأخرى يؤلهنى[522].].

ثالثاُ: التمتع بغذاء النفس. حسن أن يجاهد الإنسان بكل وسائل النعمة سواء بقراءة الكتاب المقدس والصلاة والأصوام والمطانيات، لكن بدون نعمة الله واقتناء الروح القدس غذاء النفس، لن يقدر الإنسان أن يتمتع بالحياة الأبدية. هذا ما أبرزه القديس مقاريوس الكبير، بقوله:

[حينما خلق الله جسدنا هذا لم يمنحه أن تكون له حياة من طبيعة الله الخاصة، ولا أن يحيا الجسد بذاته، وإنما دبر له الطعام والشراب واللباس والأحذية[523]، وهكذا عيّن الله له أن يأخذ كل حاجات الحياة من الخارج، إذ صنع الجسد نفسه عرياناً. ولا يمكن للجسد أن يعيش بدون الأشياء الخارجة عنه، أى بدون الطعام والشراب واللباس. فإن حاول أن يعتمد على طبيعته وحدها دون أن يأخذ شيئاً من الخارج، يضمحل ويموت. وهذا هو نفس الحال بالنسبة للنفس أيضاً، فهى لا تملك النور الإلهى بالرغم من أنها مخلوقة على صورة الله، وهكذا نظم الله أحوالها وقد أراد بأن لا تحصل على الحياة الأبدية من طبيعتها الخاصة، ولكن من لاهوته، أى من روحه، ومن نوره، تنال طعاماً وشراباً روحانياً، ولباساً سماوياً وهذه هى حياة النفس، أى الحياة بالحقيقة.

إن الطبيعة الإلهية فيها خبز الحياة الذى قال: "أنا هو خبز الحياة" (يو6: 35)، "والماء الحي" (يو4: 10)، "والخمر التى تفرح قلب الإنسان" (مز104: 15)، "وزيت الابتهاج" (مز45: 7)، وجميع أصناف طعام الروح السماوى ولباس النور، تلك التى تأتى من الله. وفى هذه الأشياء تكون حياة النفس الأبدية. ويل للجسد حينما يعتمد على طبيعته الخاصة، لأنه حينئذ يضمحل ويموت، وأيضاً ويل للنفس إن استندت على طبيعتها الخاصة، ولم تضع ثقتها فى شيءٍ سوى أعمالها الخاصة، ولم تنل شركة روح الله، فإنها تموت إذ لم تحصل على حياة اللاهوت الأبدية الممنوحة لها.

ففى حالة المرض بالجسد، بمجرد أن يفقد الجسد القدرة على تقبل الغذاء، لا يعود هناك أمل فى هؤلاء المرضى، ويبدأ أصدقاؤهم الحقيقيون وأقرباؤهم ومحبوهم فى البكاء وذرف الدموع. بنفس الطريقة، فإن الله والملائكة يبكون على النفوس التى لا تتغذى بطعام الروح السماوى[524].].


[518] Who is the Rich man.. 39?.

[519] St. Ambrose: On the Holy Spirit, 107: 2.

[520] St. Ambrose: On the Holy Spirit, 64: 3.

[521] St. Augustine: On the Psalms. Ps. 80: 10.

[522] Oratio 31. Theologica 28: 5 PG 105: 36 A.

[523] احتاج الجسد إلى اللباس والأحذية بعد أن حرم نفسه من برّ الله بعصيانه الوصية الإلهية واعتزاله الله القدوس.

[524] راجع عظات القديس أنبا مقار الكبير، ترجمة مؤسسة القديس أنبا أنطونيوس لدراسات الآباء،.عظة 11 - 10: 1.

إن كان الروح تكلم بواسطة الأنبياء وحلّ على التلاميذ في شكل ألسنة نارية، فهل يعمل أيضاً فى المؤمنين؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

إن كان الروح تكلم بواسطة الأنبياء وحلّ على التلاميذ في شكل ألسنة نارية، فهل يعمل أيضاً فى المؤمنين؟

يقول الرسول: "أما تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم؟!" (1كو3: 16).

هل يشهد الكتاب المقدس أن الروح تحدث بواسطة الأنبياء؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل يشهد الكتاب المقدس أن الروح تحدث بواسطة الأنبياء؟

يقول الرسول: "الذين أُعلن لهم أنهم ليس لأنفسهم بل لنا كانوا يخدمون بهذه الأمور التى أخبرتم بها، أنتم الآن بواسطة الذين بشروكم فى الروح القدس المُرسل من السماء" (1بط1: 12).

ما هو دور الروح القدس في العهدين، القديم والجديد؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو دور الروح القدس في العهدين، القديم والجديد؟

فى العهد القديم كان روح الله يحلّ على الإنسان لمهمةٍ معينة، وإذ يتممها يفارقه؛ فلا يقطن فيه كهيكل إلهي. أما فى العهد الجديد، فكما يقول الرسول بولس: "أما تعلمون أنكم هيكل الله، وروح الله يسكن فيكم؟!" (1كو3: 16).

كثيراً ما أشار العهد القديم إلى الروح القدس أو روح الرب العامل فى أناس الله. كمثالٍ حين طلب يشوع من موسى النبي أن يردع اليداد وميداد لأنهما تنبأ، "قال له موسى: هل تغار أنت لي؟! ليت كل شعب الرب كانوا أنبياء، إذ جعل روحه عليهم" (عد11: 29).

أما العهد الجديد فقد أبرز عمل الروح القدس كواهبٍ لعطايا تفوق الطبيعة. فقيل عن يوحنا المعمدان: "ومن بطن أمه يمتلئ من الروح القدس" (لو1: 15). كما قيل عن أليصابات: "وامتلأت أليصابات من الروح القدس" (لو1: 41). وعن زكريا الكاهن: "وامتلأ زكريا أبوه من الروح القدس وتنبأ قائلاً..." (لو1: 67). وعن سمعان الشيخ قيل: "وكان قد أوحي إليه بالروح القدس أنه لا يرى الموت قبل أن يرى مسيح الرب" (لو2: 26).

وفى حديث للسيد المسيح مع المرأة السامرية، قال لها: "لو كنتِ تعلمين عطية الله ومن هو الذى يقول لك أعطينى لأشرب، لطلبتِ أنتِ منه فأعطاكِ ماء حياً" (يو4: 10). "وفى اليوم الأخير العظيم من العيد وقف يسوع ونادى، قائلاً: إن عطِش أحدّ فليقبل إليّ ويشرب. من آمن بي كما قال الكتاب تجري من بطنه أنهار ماءٍ حيّ. قال هذا عن الروح القدس الذى كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه لم يكن أعطي بعد، لأن يسوع لم يكن قد مُجِّد بعد" (يو7: 37 - 39). لقد مُجّد يسوع على الصليب حيث بذل حياته من أجل خلاص العالم، ووُهب للمؤمنين به أن يصيروا هيكل الله وروح الله يسكن فيهم (1كو3: 16).

ما هي علاقة الروح القدس بالسيد المسيح كمخلص؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هي علاقة الروح القدس بالسيد المسيح كمخلص؟

فتح ميلاد السيد المسيح حسب الجسد الطريق لنا لحلول الروح القدس فينا، فقد جاءت حياة السيد المسيح تشهد لعمل الروح القدس، الذى هو روحه واحد معه فى اللاهوت. جاء يوحنا السابق الملاك الذى أعد الطريق للسيد المسيح مملوءً من الروح وهو بعد فى الرحم (لو1: 15). ذات الروح حلّ على القديسة العذراء مريم وظللها مثل الشكينة التى حلت فى جبل سيناء، حتى يهيئها لكى يكون المولود منها القدوس المدعو ابن الله (لو1: 35). وعند زيارة القديسة مريم لأليصابات امتلأت الأخيرة من الروح القدس وارتكض الجنين فى بطنها بابتهاج (لو1: 41 - 42). وسبحت مريم وزكريا بوحي الروح (لو1: 46، 68). وبالروح القدس استقبل سمعان الشيخ الطفل يسوع فى الهيكل (لو2: 25 - 32). وقاد الروح القدس ربنا يسوع إلى البرية ليُجرَّب (مر1: 12).

يقدم لنا السيد المسيح الروح القدس ليحل فينا، فنحمل المسيح فى داخلنا، ويصير هو نفسه صلاتنا وعبادتنا "بالروح" إذ تصرخ أعماقنا نحو الآب: "يا آبا، الآب" (رو8: 15؛ غلا4: 6).

يقول القديس غريغوريوس النزينزي: [المسيح وُلد (تجسد)، والروح هو السابق له. المسيح اعتمد والروح حمل شهادة له. المسيح جُرَب، وهو الذي عاد به (إلى الجبل). المسيح صنع عجائب، والروح رافقه. المسيح صعد، والروح خلفه[507].] كما يقول: [أعمال المسيح الجسمانية انتهت، وأعمال الروح تبدأ[508].].

عمل الروح القدس اللائق به هو تحقيق وحدتنا مع المسيح. كما يقول القديس كيرلس الكبير:

[إنه الروح الذى يوحدنا، نقول إنه يجعلنا نتجانس مع الله، استقباله يجعلنا شركاء الطبيعة الإلهية، ونحن نتسلم هذا من الابن، وبالابن من الآب[509].].

[(الابن نفسه) يشَّكلنا حسب مجده، ويوسمنا بخاتم شكله[510].].

[واهب الروح الإلهي المعطي الحياة ومعطيه هو الابن المولود من الله[511].].

[الملء المُعطى لنا بالآب والابن يتحقق... بالروح القدس الذى يملأنا بالمواهب الإلهية به ويجعلنا شركاء فى الطبيعة التى لا يُنطق بها[512].].

[هكذا حيث يعيش الابن فينا بطريقةٍ لا توصف وذلك بروحه (غلا4: 6)، نقول إننا مدعّوون لروح البنوة[513].].

[شكراً للاتحاد مع الابن الذى يتحقق بوساطة الروح فى الذين يقبلونه حتى أننا نتشكل للبنوة[514].].

[إن كانت الصورة الحقيقية التى تعبر بكمال عن التشبه بالابن نفسه، بلا خطأ، فالشبه الطبيعى للابن هو الروح الذى نتوافق معه بدورنا خلال التقديس، والذى يشكلنا إلى شكل (الآب) نفسه[515].].

[نحن نتشكل حسب المسيح، ومنه نتقبل الصورة (غلا4: 9)، وشكل الروح حسناً جداً، كمنْ مِنْ أحد شبيه له بالطبيعة[516].].

[بسبب قوته وطبيعته يمكن للروح بالتأكيد أن يُصلحنا إلى الصورة الفائقة[517].].


[507] Oratio 31, Theologica 31: 5,29 PG 159: 36 B.

[508] Oratio 41, Pentecosten 5. PG 436: 36 B.

[509] In Joannis evangelium 10: 11. PG 544: 74.

[510] De SS. Trinitate Dialogus,3. PG 837: 75A.

[511] De SS. Trinitate Dialogus,3. PG 964: 75 A.

[512] De SS. Trinitate Dialogus,3. PG 800: 75 C.

[513] De SS. Trinitate Dialogus,3. PG 833: 75.

[514] De SS. Trinitate Dialogus,3. PG 837: 75 A.

[515] De SS. Trinitate Dialogus7. PG 1089: 75 A.

[516] De SS. Trinitate Dialogus,7. PG 751089 B.

[517] De SS. Trinitate Dialogus,7. PG 1113: 75 A.

هل كان السيد المسيح محتاجاً لحلول الروح القدس عليه أثناء عماده في نهر الأردن؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل كان السيد المسيح محتاجاً لحلول الروح القدس عليه أثناء عماده في نهر الأردن؟

يجيب القديس إيرينيؤس على هذا السؤال قائلاً: [وعد الرب بالأنبياء أن يسكب روحه على خدامه وخادماته فى نهاية الأزمنة. هذا هو سبب نزوله على ابن الله الذى صار ابن الإنسان، إذ صار معتاداً به أن يسكن فى الجنس البشري ويستقر على البشريين، وأن يحيا فى خليقة الله، يجددهم من العتق إلى جدة المسيح... لهذا السبب وعد الرب أيضاً أن يرسل الباراكليت الذى يهيئنا لله[504].

ويقول القديس كيرلس الكبير: [بدأ الله الآب يعطى الروح من جديد، وكان المسيح أول من قبل الروح كباكورة الطبيعة المتجددة، لأن يوحنا شهد قائلاً: "إنى قد رأيت الروح نازلاً من السماء فاستقر عليه" (يو1: 32)... لم يقبل المسيح الروح لأجل نفسه، بل بالأحرى لأجلنا نحن فيه، لأن كل الصالحات تفيض أيضاً فينا بواسطته. لأنه إذ حاد جدنا آدم بالخديعة سقط فى العصيان والخطية ولم يحفظ نعمة الروح. وهكذا فقدت فيه الطبيعة البشرية كلها الخير المُعطى لها من الله، لهذا يلزم أن الله الكلمة غير المتغير يصير إنساناً حتى إذا ما نال كإنسانٍ يمكنه أن يحفظ الصلاح فى طبيعتنا على الدوام. ودليلنا فى تفسير هذه الأسرار هو المرتل الإلهي نفسه، إذ يقول للابن: "أحببت البرّ وأبغضت الإثم، من أجل ذلك مسحك الله إلهك بدهن الابتهاج أكثر من رفقائك" (مز45: 7).].

كما قال: [فى الأنبياء القديسين بريق غنى خاص، يستمدونه من مصدر الاستنارة من الروح القدس، القادر أن يقودهم إلى إدراك أمورٍ عتيدة ومعرفة أنباء مخيفة. لكننا نثق أن الذين يؤمنون بالمسيح لا يكون لهم مجرد استنارة من الروح القدس، بل الروح نفسه يسكن ويجعل إقامته فيهم... لنفهم أنه يعني سكنى الروح القدس فى البشر كاملة وبالتمام.].

ويقول القديس أمبروسيوس: [هذا بالتأكيد النهر الصادر عن عرش الله، أى الروح القدس الذى يشرب منه من يؤمن بالمسيح كما قال المسيح نفسه[505].].

ويقول القديس أغسطينوس إنه بعد قيامته وهبنا الروح القدس الذى به نحب الكنيسة ونتمتع بوحدتها وحبها، وبهذا ننعم بالقيامة معه، حيث نهاجر بقلوبنا العالم لنحيا معه فى السماء. [يكون لنا الروح القدس إن كنا نحب الكنيسة، لكننا نحب الكنيسة إن ثبتنا فى وحدتها وحبها... نحن هنا نولد ونموت، ليتنا لا نحب هذا العالم، بل نهجره بالحب، بالحب نسكن فى الأعالى، بذات الحب الذى به نحب الله، فى هذه الرحلة لحياتنا ليتنا لا نفكر فى شيءٍ غير اننا لن ندوم هنا، وأنه بالحياة الصالحة نعد لأنفسنا موضعاً حيث لا نهجره قط[506].].


[504] Adv. Haer. 17: 3: 1 - 2 PG 929: 7 - 30.

[505] Of the Holy Spirit Book 20: 3: 153 - 154.

[506] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate 8: 32 - 9.

لماذا لا ينال المؤمن النطق بكل لغات الأمم عند عماده وتمتعه بالروح القدس؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

لماذا لا ينال المؤمن النطق بكل لغات الأمم عند عماده وتمتعه بالروح القدس؟

يرى القديس أغسطينوس أن الروح القدس قد حلّ على كثيرين قبل أن يتمجد يسوع بقيامته، مثل سمعان الشيخ وحنّة النبيّة والقديسة مريم عند التجسد الإلهى، لكن حلول الروح القدس بعد القيامة جاء حلولاً عاماً على الكنيسة فى عيد العنصرة حيث نطقت بكل لغات الأمم. أما لماذا لا ينال المؤمن النطق بكل لغات الأمم عند عماده الآن ونواله الروح القدس؟ فيجيب القديس أغسطينوس بأنه إذ انتشرت الكنيسة فى العالم صار المسيحيون ينطقون بكل لغات العالم، فكل مسيحى كعضوٍ فى الكنيسة الجامعة يحسب نفسه كمن يتكلم بكل لغات الأمم، لأن ما ينطق به إخوته كأنما ينطق به هو كعضوٍ فى الجسد الواحد[501].

مرة أخرى يقول القديس أغسطينوس أن السيد المسيح بعد قيامته وهبنا الروح القدس الذى به نحب الكنيسة ونتمتع بوحدتها وحبها، وبهذا ننعم بالقيامة معه، حيث نهاجر بقلوبنا العالم لنحيا معه فى السماء. [يكون لنا الروح القدس إن كنا نحب الكنيسة، لكننا نحب الكنيسة إن ثبتنا فى وحدتها وحبها... نحن هنا نولد ونموت، ليتنا لا نحب هذا العالم، بل نهجره بالحب، بالحب نسكن فى الأعالي، بذات الحب الذى به نحب الله. فى هذه الرحلة لحياتنا ليتنا لا نفكر فى شيء غير أننا لن ندوم هنا، وأنه بالحياة الصالحة نعد لأنفسنا موضعاً حيث لا نهجره قط[502].].

يقول القديس أمبروسيوس: [الروح القدس هو النهر الذى يفيض من المسيح إلى الأراضي. وقد قبلنا هذا كما تنبأنا فم إشعياء (إش66: 12). هذا النهر العظيم الذى يفيض على الدوام ولن يتوقف، ليس فقط نهراً بل هو أيضاً أحد المجاري الغزيرة التى تفيض عظمة، كما قال داود: "مجرى النهر يفرح مدينة الله" (مز46: 4). فإنه لا ترتوي تلك المدينة، أورشليم السماوية بقناة، أى بنهرٍ أرضىٍ، بل بالروح القدس المنبثق من مصدر الحياة. المجرى الذى يصدر عن ذاك الذى يشبعنا، يبدو أنه يفيض بوفرة بين العروش السماوية والسيادات والقوات والملائكة ورؤساء الملائكة، جارياً فى أكمل نصيب لفضائل الروح السبع[503].].


[501] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate 7: 32.

[502] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate 8: 32 - 9.

[503] Of the Holy Spirit 16: 1: 177 - 178.

ماذا يعني: من آمن بي كما قال الكتاب تجري من بطنه أنهار ماء حي (يو38:7)؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ماذا يعني: من آمن بي كما قال الكتاب تجري من بطنه أنهار ماء حي (يو7: 38)؟

يقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [هنا يقول: "كما قال الكتاب، تجرى من بطنه أنهار"، ملمحاً نحو عظمة النعمة وفيضها... وقد دعاها فى موضع آخر "حياة أبدية" أما هنا فيدعوها "أنهار ماء"... فإن نعمة الروح إذ تدخل الذهن وتقيم، تفيض أكثر من أى ينبوع. إنها لن تتوقف ولن تفرغ... فلكى يعني إنها تقدم عوناً لا ينضب، وفى نفس الوقت طاقة لا تخيب، دعاها "بئراً" وأنهاراً، ليست نهراً واحداً، بل هى أنهار لا تُحصى. يمكن للشخص أن يدرك بوضوح ما تعنيه إن وضع فى اعتباره حكمة اسطفانوس ولسان بطرس وغيرة بولس[499].].

كما يقول القديس أمبروسيوس: [هكذا يؤمر النبى (إيليا) من الرب أن يعبر إلى النهر (1مل17: 2) لكى يشرب من العهد الجديد ليس فقط بنهر بل "تجري من بطنه انهار ماء حيّ" (يو7: 38)، أنهار فهم، وأنهار تأمل، وأنهار روحية، هذه التى تجف فى زمن عدم الإيمان لئلا يشرب مدنسو المقدسات وغير المؤمنين. فى ذلك الموضع عرف الغربان ما لم يعرفه اليهود. أطعم (إيليا) الغربان، ذاك الذى اضطهده الجنس الملوكي الشريف[500].].


[499] Hom 51. PG 300: 59 - 301.

[500] Letter, 78: 63 - 79.

ما هي خبرات آباؤنا الأولين في الشرب من هذا الينبوع الذي أعلن عنه السيد المسيح حاسباً نفسه الينبوع الذي يروي العطاش؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هي خبرات آباؤنا الأولين في الشرب من هذا الينبوع الذي أعلن عنه السيد المسيح حاسباً نفسه الينبوع الذي يروي العطاش؟

أولاً: يشار إلى الرب أنه نهر يفيض بنعمته ليروي ظمأ بني البشر، إذ يقول المرتل: يروون من دسم بيتك ومن نهر نعمك تسقيهم. لأن عندك ينبوع الحياة بنورك نرى نوراً "(مز36: 8 - 9) يفيض على الأمم بالسلام والمجد (إش66: 12LXX). من يؤمن بى ويقبلنى بكونى المسيا الذى تنبأت عنه الأسفار المقدسة، فإنه يسكن فى قلبه أو فى أحشائه الروح القدس الذى يفيض حياة. يصير ينبوعاً يفيض بثمار الروح من حب وفرح وسلام وحرية واستنارة. وقد أعتاد اليهود ان يشبهوا عمل الروح القدس بالمطر المبكر والمتأخر والينابيع والآبار والأنهار الخ (مز36: 8 - 9؛ إش44: 3 - 4؛ يوئيل2: 23). بقوله" إن عطش "يعني من يشعر بفقره إلى البرّ أو احتياجه إلى البركات الروحية أو بالفراغ الداخلى." فليقبل إليّ ويشرب "، لا يقف بعد عند رئيس الكهنة ويُعجب بالإناء الذهبى الذى يسكب منه قليلاً من ماء بركة سلوام، ولا يذهب إلى الفلسفات الوثنية الكثيرة والمتضاربة التى لها جاذبية تخدع الإنسان، بل ليأتى إلى السيد المسيح كما قدمه لنا الكتاب المقدس بعهديه. يقول القديس كيرلس الكبير: [مجازاة الإيمان عظيمة وبلا نهاية، يقول من يؤمن ينعم بأغنى نعم الله، لأنه سيمتلئ بعطايا الروح، فلا يسمن ذهنه فقط، بل يصبح قادراً على أن يفيض على قلوب الآخرين، كتيار النهر المتدفق الذى يفيض بالخير المُعطى من الله على جاره أيضاً.] ويقول القديس أغطسينوس: [ما هو الينبوع، وما هو النهر الذى يفيض من بطن الإنسان الداخلى؟ الميل إلى عمل الخير، الذى به يراعي الإنسان الاهتمام بأخيه. فإن تصوّر أن ما يشربه يلزم أن يكون لشبعه هو وحده لن يكون فيض من المياه الحيّة من بطنه، لكنه إن أسرع إلى الاهتمام بصالح قريبه لا يكون جافاً بل كون فيه فيض[490].].

فى بيت الرب، الكنيسة، ينتعش المؤمنون الحقيقيون بخمر الحب الإلهي؛ يمتلئون فرحاً وبهجة، ويرتوون، فلا يعطشون بعد إلى ينابيع الشهوات الأرضية والملذات الزمنية ومباهج الحياة. يجدون فى المخلص سرّ فرحهم الحقيقى وبهجتهم وارتوائهم!

يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [الذين يشربون من غنى بيت الله ومجرى مسرته يرتوون، كما يخبرنا النبي (مز36: 8). بهذه الوسيلة سكر داود ولم يدر بنفسه؛ وإذ كان فى دهش عاين ذلك الجمال الإلهي الذى لا يقدر مائت على معاينته[491].].

ثانياً: يدعونا القديس جيروم أن نكون جادين فى الشرب من هذا الينبوع، إذ يقول: [إنه لا يقول: "يجب أن تشربوا... بل من كان راغباً وقادراً على الجري والشرب، فسيغلب ويرتوي[492].] ويقول الأب قيصريوس أسقف آرل: [ما هو هذا الينبوع إلا ربنا يسوع المسيح...؟! إنه الينبوع الصالح الذى يعطينا بروده بعد نيران هذه الحياة وحرارتها، وبفيضه يلطف جفاف قلوبنا[493].].

ثالثاً: يدعونا القديس أغسطينوس أن نتحرك نحو الينبوع بحبٍ: [إن كنا عطشى فلنأتي، لا بأقدامنا بل بعواطفنا. نأتى لا بالتحرك من موضعنا بل بالحب[494].].

رابعاً: يدعونا القديس كيرلس الكبير أن نشرب منه بفرحٍ: [على المرء أن يأخذ كل شيءٍ من داخل النهر أو الوادي وهو متهلل بذلك. يُقارن ربنا يسوع المسيح بنهرٍ، فيه نجد كل مسرة وتمتع فى الرجاء، وفيه نفرح فرحاً روحياً إلهياً.].

خامساً: يرى القديس غريغوريوس أسقف نيصص أن نفس المؤمن أو روحه تشتهي أن تشرب من ينبوع عريسها السماوي أى من كلمات فمه بمسرةٍ وبلا توقفٍ، إذ يقول: [إن الروح بالرغم من اتحادها مع الله فهى لا تشعر بملء السعادة بطريقة مطلقة، بل كلما تمتعت بجماله يزداد اشتياقها إليه. إن كلمات العريس روح وحياة (يو5: 24)، وكل من التصق بالروح يصير روحاً. كل من التصق بالحياة ينتقل من الموت إلى الحياة كما قال الرب. وهكذا تشتاق الروح البكر دائماً للدنو من نبع الحياة الروحية. النبع هو فم العريس الذى تخرج منه كلمات الحياة الأبدية. إنه يملأ الفم الذى يقترب منه مثل داود النبى الذى اجتذب روحاً خلال فمه (مز118: 131). لما كان لزاماً على الشخص الذى يشرب من النبع أن يضع فمه على فم النبع، وحيث أن الرب ذاته هو النبع كما يقول: "إن عطش أحد فليقبل إليّ ويشرب" (يو7: 37)؛ لذلك فإن الأرواح العطشانة تشتهي إن تضع فمها على الفم الذى ينبع بالحياة، ويقول: "ليقبلنى بقبلات فمه" (نش1: 2). من يهب الجميع الحياة ويريد إن الجميع يخلصون يشتهى أن يتمتع كل واحدٍ بنصيب من هذه القبلات، لأنها تطَّهر من كل دنس[495].].

كما يقول: [يلزمنا أن نفكر بعمقٍ فى الكلمات المقدسة بالنشيد: "هلمي معي من لبنان، هلمي معي من لبنان انظري من رأس أمانة، من رأس شنير وحرمون، من خدور الأسود من جبال النمور" (نش4: 8). ماذا نفهم إذن من هذه الكلمات؟ يجذب ينبوع النعمة إليه كل العطشى. وكما يقول الينبوع فى الإنجيل: "إن عطش أحد فليقبل إليّ ويشرب" (يو7: 37). لا يضع المسيح لهذه الكلمات حدوداً لعطشنا ولا لتحركنا نحوه، ولارتوائنا من الشرب، ولكن يمتد أمره إلى مدى الزمن، ويحثنا أن نعطش وأن نذهب إليه. وإلى هؤلاء الذين ذاقوا وتعلموا بالتجربة أن الله عظيم وحلو (مز34: 8)، فإن حاسة التذوق عندهم تُصبح حافزاً لزيادة التقدم. لذلك فالشخص الذى يسير باستمرار نحو الله لا ينقصه هذا الحافز نحو التقدم[496].].

ويقول أيضاً: [إذا أردنا أن نسوق شاهداً أعظم من الكتاب المقدس نسجل ما قاله السيد المسيح إلى هؤلاء الذين آمنوا به: أنهار ماء حيّ ستفيض من كل من يؤمن به "من آمن بي كما قال الكتاب تجرى من بطنه أنهار ماء حيّ" (يو7: 38). وتٌضيف أن القلب النقى يُشار إليه بالتعبير "بطن". ويصبح لوح للشريعة المقدسة (رو2: 15) كما يقول الرسول. يوضح تأثير الشريعة المكتوبة فى القلب ليس بحبرٍ (2كو3: 3)، ولكن بروح الله الحيّ الذى يرسم هذه الحروف فى النفس، وليس على ألواح حجرية كما يقول الرسول، ولكن على لوح القلب النقى، الخفيف والمضئ. يلزم أن تُنقش الكلمات المقدسة الموجودة فى الذاكرة النقية الصافية، على القدرة القائدة للنفس، بحروف بارزة واضحة. تُشير الزفير فى الحقيقة إلى تمجيد بطن العريس فقط باللوح الذى يشع نوراً بلون السماء. ترشدنا هذه الصورة لكى نكون متنبهين للأشياء السماوية، مكان كنزنا (مت6: 21). فإذا ثبتنا فى حفظ وصايا الله تتكون لدينا آمال مقدسة تنعش عيون نفوسنا[497].].

أيضاً يقول: [بعد ذلك يرفع النشيد العروس إلى أعلى قمة للمجد، مُضفياً عليها اسم ينبوع المياه الحيّة المتدفقة من لبنان. لقد تعلمنا من الكتاب المقدس عن طبيعة الله المعطية الحياة كنبوة من شخص الله تقول: "تركونى أنا ينبوع المياه الحيّة" (إر2: 13). ثم يقول السيد المسيح للمرأة السامرية: "لو كنتِ تعلمين عطية الله، ومن هو الذى يقول لكِ أعطينى لأشرب، لطلبتِ أنتِ منه فأعطاكِ ماء حياً" (يو4: 10). ثم قال: "إن عطش أحد فليقبل إلىّ ويشرب. من آمن بي كما قال الكتاب تجرى من بطنه أنهار ماء حيّ. قال هذا عن الروح الذي كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه" (يو7: 37 - 39). تقول كل من هذه الفقرات أن الماء الحى هو الطبيعة المقدسة، لذلك جاز للنشيد أن يسمى العروس بصدق بئر ماء حي يفيض من لبنان. هذا فى الحقيقة يتعارض مع ما هو معروف، فجميع الآبار تحتوى على مياه راكدة، والعروس وحدها عندها مياه جارية فى بئر عميق، ومياهها تفيض باستمرار. من يستحق أن يفهم العجائب الممنوحة للعروس؟ يتضح أنها قد وصلت إلى أقصى ما تتمناه، فقد قورنت بالجمال الأبدى الذى منه نشأ كل جمال. وفى نبعها تشبه نبع عريسها تماماً، وحياتها بحياته، وماؤها بمائه. إن كلمته حية، وبها تحيا كل نفسٍ وتستقبله. هذه المياه تفيض من الله كما يقول ينبوع المياه الحيّة: "لأنى خرجت من قبل الله وأتيت" (يو8: 42). تحفظ العروس فيض مائه الحي فى بئر نفسها، وتصبح بيتاً يكنز هذه المياه الحيّة التى تفيض من لبنان، أى التى تكوّن سيولاً من لبنان. لقد أصبحنا فى شركة مع الله باقتنائنا هذه البئر، حتى نحقق وصية الحكمة (أمثال5: 17، 18)، ونشرب مياها من بئرنا، وليست من بئرٍ آخر. نتمتع بهذا فى المسيح ربنا له المجد والعظمة إلى الأبد، آمين[498].].


[490] St Augustine: On the Gospel of. John, tractate 4: 32.

[491] Comm. On Canticle, sermon 10.

[492] Against Jovinianus, 12: 1.

[493] Sermon 3: 170.

[494] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate 2: 32.

[495] نشيد الأناشيد للقديس غريغوريوس أسقف نيصص، تعريب الدكتور جورج نوّار، 1993، عظة 1.

[496] نشيد الأناشيد للقديس غريغوريوس أسقف نيصص، تعريب الدكتور جورج نَوّار، عظة 8.

[497] نشيد الأناشيد للقديس غريغوريوس أسقف نيصص، تعريب الدكتور جورج نوّار، عظة 14.

[498] نشيد الأناشيد للقديس غريغوريوس أسقف نيصص، تعريب الدكتور جورج نوّار، عظة 9.

لماذا حلّ الروح القدس على الكنيسة بعد أن تمَجد السيد بآلامه وصلبه وموته ودفنه وقيامته وصعوده إلى السماء؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

لماذا حلّ الروح القدس على الكنيسة بعد أن تمَجد السيد بآلامه وصلبه وموته ودفنه وقيامته وصعوده إلى السماء؟

يقول الإنجيلى: [لأنه لم يكن قد تمجّد بعد "، ماذا يعني هنا بالمجد الذى لم يكن قد تحقق بعد؟ إنه لم يكن بعد أقتيد إلى المحاكمة بإهانة وسخرية، ولم يكن بعد قد جُلد وصُلب ومات بالجسد، وبالتالى لم يكن قد دُفن فى القبر، ثم قام وصعد إلى السماوات". إنه يحسب كل ما فعله السيد المسيح أو ما حلّ به هو مجد، لأن هذا كله لم يكن ثمرة خطية ارتكبها، إنما من أجل حبه ورغبته فى خلاص الخطاة. يقول القديس كيرلس الكبير أنه ما فعله السيد المسيح هو لحسابنا.

أما دور الروح القدس فهو ان يأخذ مما للمسيح يخبرنا، أى يجعله لحسابنا. فمن أجلنا أقتيد للمحاكمة وأُتّهم ظلماً، ونحن إذ نُحاكم ظلماً نُحسب شركاء المسيح المتألم. وكما حسبه المسيح مجداً له لأنه قبله بفرح لحسابنا نحسبه نحن أيضاً مجداً لنا أن نشاركه آلام المحبة خاصة إن كانت ظلماً.

من أجلنا جُلد وصُلب لنترنّم بالروح القدس مع الرسول: "مع المسيح صُلبت، فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيّ" (غل2: 20). ومن أجلنا دُفن وعبرت نفسه إلى الهاوية لتحمل نفوس الراقدين على رجاء ويقدمها غنيمة يُسر بها الآب، إذ صارت تحمل برّ المسيح.

وما نقوله عن الصلب نقوله عن القيامة والصعود، فصارت السماوات بيتنا الأبدي.