من الذي أرسل الروح القدس الآب أم الابن؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

من الذي أرسل الروح القدس الآب أم الابن؟

الروح القدس مُرسل من الآب بكونه مدبر الخلاص والتقديس، ومُرسل من الابن بكونه قد دفع الثمن على الصليب لكى يستقر الروح فى الإنسان ويجد فيه برّ المسيح.

يقول القديس أمبروسيوس: [أرسل كل من الآب والابن الروح القدس. أرسل الآب الروح القدس، إذ كُتب: "وأما المعزّى الروح القدس الذى سيرسله الآب باسمي" (يو14: 16). وأرسله الابن إذ قال: ومتى جاء المعزّي الذى سأرسله أنا إليكم من الآب، روح الحق "(يو15: 26). إذن إن كان الابن والروح القدس يرسلان بعضهما البعض، كما يرسل الآب، فلا يوجد منزلة أقل بالخضوع بل شركة فى السلطة[561].] ويقول القديس أمبروسيوس: [نفس المعزي يرسله أيضاً الآب كما سبق فعلمنا قائلاً:" وأما المعزي الروح القدس الذى سيرسله الآب باسمى "(14: 26). انظروا وحدتهما، فإن من يرسله الآب يرسله الابن أيضاً[562].].


[561] On the Holy Spirit, Book 1: 3: 8.

[562] Of the Christian Faith, 9: 2: 76.

هل كان التلاميذ في حاجةٍ إلى معلمٍ آخر يعزيهم؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل كان التلاميذ في حاجةٍ إلى معلمٍ آخر يعزيهم؟

أولاً: شجع السيد المسيح تلاميذه على قبول المعزى الآخر بكونه المعلم الذى لا ينافسه. بل يذَّكرهم بما قاله السيد، ويكشف لهم عن أسرار أخرى، لأنه روح الحكمة. إنه لا يأتي بإنجيل جديد، بل يذكرهم بإنجيل المسيح، ويعلن لهم ما لم يكونوا قادرين على قبوله قبلاً. إذ قال لهم: "وأما المعزي الروح القدس الذى سيرسله الآب باسمي، فهو يعلمكم كل شيءٍ، ويذكركم بكل ما قلته لكم" (يو14: 26). يقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [يدعو الروح القدس معزياً بسبب الهموم التى استحوذت عليهم حينئذ. وهذه الأقوال قالها السيد المسيح لتلاميذه مكلفاً إياهم أن يحتملوا مفارقته بأوفر صبرٍ، إذ هى علة نعمٍ عظيمةٍ صالحةٍ لهم.].

وعدهم السيد المسيح أنهم يتمتعون بمجيء "روح الحق" الذى يرشدهم إلى كل الحق. فقد سبق فقدم السيد نفسه لهم قائلاً: "أنا هو الحق"، من يقتنيه يقتنى الحق. لكنهم كيف يقتنونه؟ بالروح القدس الذى هو روح الحق، يعمل فيهم، فيثبتهم فى المسيح الذى هو الحق الإلهى.

هل أخفي السيد المسيح الحق عن تلاميذه؟ لقد جاء إلى العالم ليقدم الحق. تحدث مع تلاميذه قدر ما يحتملون، ومع الجماهير حسب قدرتهم. لكنهم كانوا عاجزين عن قبول كل الحق، لذا بعث بروحه القدس لكى يقودهم ويدخل بهم إلى أعماق جديدة فى الحق. هذا وقد أكد السيد أن روح الحق لا يعلم بشئ يناقض ما يعلم به السيد المسيح، بل ما يسمعه من الآب والمتناغم من الابن، فينطق به لمجد الثالوث القدوس وخلاص البشر.

يقول القديس أمبروسيوس: [لقد أعلن أننا بدون الروح نعيش كأطفالٍ صغارٍ. لقد قال إن الروح سيأتى، هذا الذى يجعل من الأطفال الصغار رجالاً أقوياء بالنمو، أقصد فى العمر الروحى. وقد أبرز هذا، لا لكى يجعل قوة الروح فى المركز الأول، وإنما ليظهر أن كمال القوة هو فى معرفة الثالوث[547].] كما يقول: [يقول ابن الله بخصوص الروح القدس أنه لا يتكلم من نفسه، بمعنى ليس بدون الشركة مع الآب ومعى. لأن الروح لا ينقسم ولا ينفصل، بل ينطق بما يسمع... هذا يعنى أنه لا يتكلم بدونى، إذ ينطق بالحق، إنه يتنسم بالحكمة. لا ينطق بدون الآب، لأنه روح الله. إنه يسمع لا من ذاته، لأن كل الأشياء هى من الله. لذلك ما يقوله الروح هو قول الابن ولا ينطق الروح شيئاً من ذاته. لأن الثالوث لا يتكلم بشئ خارج عنه[548].] ويقول أيضاً: [هذا لا يعنى أى سماع لكلمات واقعية (ملموسة) بل وحدة الإرادة والقوة التى توجد فى الآب والابن والروح القدس. ما يقوله الروح يقوله الابن هنا (يو16: 13). لنتعلم أن ما يقوله الروح يقوله الابن أيضاً، وما يقوله الابن يقوله الآب أيضاً، إذ يوجد فكر واحد، وطابع واحد للعمل فى الثالوث[549].].

ثانياً: يقول القديس أغسطينوس: [لا يسكن الروح فى إنسانٍ بدون الآب والابن، ولا الابن أيضاً بدون الآب والروح القدس، ولا الآب بدونهما. سكناهم غير منفصل، لكن أحياناً يعلنون عن أنفسهم برموزٍ مقتبسة من الخليقة منفصلين، ليس فى جوهرهم[550].] كما يقول: [الثالوث القدوس كله يتكلم ويعلم (يو6: 45؛ مت23: 10؛ أع10: 20)... لكنهم غير منفصلين[551].].

ويقول القديس غريغوريوس النزينزي: [إذ أبداً فى التأمل فى الوحدة يغمرنى الثالوث بإشراقه. وما أن أبدأ فى التفكير فى الثالوث حيث تستولى عليّ الوحدة. حينما يظهر لى أحد الثالوث أظن أنه الكل، يملأ عينى بالكامل، يهرب الفيض منى. ولا يكون فى ذهني المحدود جداً فى إدراكه أقنوم واحد موضع لأكثر من ذلك. عندما اربط الثلاثة فى فكر واحد أرى لهيباً واحداً، فلا أستطيع أن اقسّم النور الواحد ولا أحلّله[552].].

ثالثاً: يقول مار اسحق أسقف نيصيبين: [عندما يؤسس الروح سكناه فى إنسان، لا يتوقف الأخير عن الصلاة، لأن الروح لا يتوقف عن الصلاة فيه.].

رابعاً: يرى القديس إيرينيؤس أنه حيث يوجد روح الله تكون الكنيسة وكل نعمة، وهو الذى يهب المؤمن ثمر الروح، إذ يقول: [إننا نحفظ بكل اهتمام الإيمان الذى نتسلمه من الكنيسة، فإنه خلال عمل روح الله، يكون وديعة ثمنها عظيم، مودعة فى إناءٍ صالحٍ، تتجدد بغير انقطاع، وتجعل الإناء الذى يحفظها متجدداً. تُمنح عطية الله (الروح القدس) للكنيسة كالنسمة التى قّدمت للإنسان فى خليقته، حتى يشترك كل الأعضاء فيها ويحيون بها. فى الكنيسة تودع الشركة مع المسيح أى الروح القدس، عربون عدم الفساد، ثبات إيماننا، سلم للصعود إلى الله... فإنه حيث توجد الكنيسة يكون أيضاً روح الله، وحيث يوجد روح الله تكون الكنيسة وكل نعمة[553].] كما يقول: [كما ان الأرض القفر لا تقدر أن تأتى بثمرٍ ما لم تستقبل ماءً، هكذا نحن الذين كنا قبلاً خشباً جافاً، ما كان يمكننا أن نحمل ثمر للحياة بدون المطر الفياض الذى من العلا. لأن أجسادنا تتقبل الاتحاد مع عدم الفساد خلال غسل المعمودية، وأما نفوسنا فخلال الروح. هذا هو السبب الذى لأجله أن هذا وذاك ضروريان، لأن هذا وذاك يساهمان فى الحياة الإلهية[554].].

خامساً: بدونه لا نتمتع بالاتحاد مع السيد المسيح، ونبلغ إلى الكمال. يقول القديس إيرينيؤس: [كما أن الدقيق الجاف لا يقدر بدون سائل أن يصير عجيناً أو خبزة واحدة، هكذا نحن الكثيرون لا نقدر أن نصير واحداً فى المسيح بدون الماء الذى من السماء. هذا الماء تقَّبله الرب كهبة من الآب، والذى هو يعطيه أيضاً للذين يشتركون معه، مرسلاً الروح القدس على كل الأرض[555].] ويقول العلامة أوريجينوس: [لا نزال نحتاج إلى آخر يكشف لنا، ويعلن عن كل شئ... ومع التوبة التى كرز بها الرب والمخلص، والتحول من الشر إلى الصلاح، ومع غفران خطايانا الذى يُوهب لكل الذين يؤمنون، مع هذا فإن كمال كل الصلاح ومجمله فى هذا: أنه بعد كل هذه الأمور يتأهل الإنسان أن يتقبل نعمة الروح القدس، وإلا فإنه لا يوجد شئ ما يُحسب كاملاً بالنسبة لمن ينقصه الروح القدس الذى به نبلغ سرّ الثالوث المطوّب[556].].

يقول القديس مقاريوس الكبير: [تحتاج النفس إلى السراج الإلهى، وهو الروح القدس، الذى ينير البيت المظلم، وإلى شمس البرّ الساطعة التى تضئ وتشرق فى القلب، وتحتاج إلى الأسلحة التى تغلب بها فى المعركة.].

سادساً: الروح القدس يعمل فى الكنيسة فيجتذب الأمم للإيمان. يقول القديس إيرينيؤس: [إذ ينشط التلاميذ بذات المشاعر يسبحون الله، فيجلب الروح القبائل البعيدة إلى الوحدة، ويقدمون للآب بكور الأمم. هذا أيضاً هو السبب الذى لأجله وعد الرب بإرساله الباراكليت إلينا هذا الذى يهيئنا لله[557].].

يقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [حتى لا يقول التلاميذ للسيد المسيح: فماذا نعمل إن كانوا لم يحفظوا قولك، فلهذا السبب لا يحفظون قولنا، إن كانوا قد طردوك فإنهم سيطردوننا، إن كانوا قد أبصروا آيات لم يبصرها أحد، كائنة من غيرك، إن كانوا قد سمعوا أقوالاً لم يُسمع مثلها من غيرك ولم يستفيدوا، إن كانوا كرهوا أباك وكرهوك معاً، فلِم ألقيتنا فى معاندتهم؟ كيف نتأهل فيما بعد عندهم للتصديق؟ من يصغي إلينا من الذين قبيلتهم قبيلتنا؟ ولكى لا يفتكروا هذه الأفكار فيضطربوا، عزاهم فقال: "ومتى جاء المعزى، الذى سأرسله أنا إليكم من الآب، روح الحق الذى من عند الآب ينبثق، فهو يشهد لى" (يو15: 26). قول السيد المسيح لتلاميذه: "روح الحق"، وما يدعوه الروح القدس لكى يكون مؤهلاً لتصديقه.].

سابعاً: بالروح القدس الذى يسكن فى قلوبنا نتطلع إلى الآب فلا نتوقف عن الصراخ إلى الآب. يقول الرسول: "أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخاً يا أبا الآب" (غلا4: 6). إنه يملأ قلوبنا بالمحبة التى بدونها يكون صراخنا باطلاً، حيث يقول: "ولكن إن كان أحد ليس له روح المسيح فذلك ليس له" (رو8: 9).

ثامناً: الروح القدس يهبنا التعرف على الحب الإلهى. يقول العلامة أوريجينوس: [يليق بنا أن نتحقق كم من أشياءٍ كثيرة يجب أن تُقال عن (هذا) "الحب". وأيضاً، كم من أشياء عظيمة نحتاج لمعرفتها عن الله، حيث أنه بذاته هو "الحب". فكما أنه "ليس أحد يعرف الابن إلا الآب، ولا أحد يعرف الآب إلا الابن، ومن أراد الابن أن يعلن له" (مت11: 27)، كذلك لا يعرف أحد الحب سوى الابن، وبنفس الطريقة لا يعرف أحد الابن، الذى هو الحب ذاته، إلا الآب. بالإضافة إلى ذلك، إذ يُدعى الحب، فالروح القدس المنبثق من الآب، هو وحده الذى يعرف ما بالله، كما "يعرف أمور الإنسان روح الإنسان الذى فيه" (1كو2: 11). هنا إذن الباراقليط الذى هو "روح الحق، الذى من الآب ينبثق" (يو15: 26)، يجول باحثاً عن أنفسٍ مستحقةٍ وقادرةٍ على تَقَبُل عِظَم محبته، أى محبة الله، التى يرغب فى إعلانها لهم[558].].

تاسعاً: الروح القدس ينير أذهاننا للتعرف على تجسد الكلمة. يقول القديس هيلارى أسقف بواتييه: [لأن أذهاننا الساقطة عاجزة عن إدراك الآب أو الابن، فإن إيماننا الذى وجد صعوبة فى تصديق تجسد الله يستنير بعطية الروح القدس، رباط الوحدة ومصدر النور[559].].

عاشراً: يرى القديس باسيليوس الكبير النفوس الحاملة للروح تستنير بالروح فتصير هى نفسها روحية وتبعث نعمة على الآخرين. إنه يقول: [الباراكليت مثل الشمس للعين النقية يُظهر لك فى نفسه الصورة (الابن) التى (للآب) غير المنظور. وبالتأمل الطوباوي للصورة سترى الجمال غير المنطوق به الذى للأصل. إنه هو الذى يشرف فى أولئك الذين يتطهرون من الدنس، ويجعلهم روحيين خلال الشركة معه. وكما أن الأجسام البهية الشفّافة متى سقطت عليها أشعة الشمس، تصير بهية تعكس منها بهاءً على الآخرين، هكذا النفوس الحاملة للروح إذ تستنير بالروح تصير هى نفسها روحية وتبعث نعمة على الآخرين[560].].


[547] Of the Holy Spirit, Book 14: 3: 99.

[548] Of the Holy Spirit, 12: 2 (131, 133, 134).

[549] Of the Christian Faith, 11: 5 (133).

[550] Sermon on N. T. Lessons, 33: 21.

[551] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate, 2: 77.

[552] Gregory Nazianzus: Orati xL, iN Sanctum baptisma 41. PG 417: 36c.

[553] Adv. Haer. 24: 3: 1.

[554] Adv. Haer. 17: 3: 2 PG 903: 7 A.

[555] Adv. Haer. 17: 3: 2.

[556] In Librum Jesu nave, Homilia 2: 3 PG 838: 12A.

[557] Adv. Haer. 17: 3: 2 PG 930: 7.

[558] للقمص تادرس يعقوب ملطى، الروح القدس عند العلامة أوريجينوس، تعريب دكتور جورج بطرس.

[559] On the Trinity 33: 2.

[560] Liber de Spiritu Sancto. 23: 9. PG 109: 32.

ما هو عمل الروح القدس في حياة المؤمن؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو عمل الروح القدس في حياة المؤمن؟

إذ حلّ الفساد بالطبيعة الإنسانية فى آدم الأول خرجت البشرية كلها من الفردوس، وفارقها روح الرب، الذى هو سرّ حياتها وصلاحها بل وهو كنزها المخفي. فصارت الحاجة إلى آدم الجديد الذى وحده يقدر أن يبارك طبيعتنا فيه، كقول القديس غريغوريوس الثيؤلوغوس[544]، هذا الذى وحده لن يفارقه روح الرب، لأنه روحه. بهذا قدم لطبيعتنا مجدها الأول بعودة الروح القدس إليها وثباته فيها. فلم يكن ممكناً تجديد طبيعتنا إلا فى المسيح يسوع، الذى حلّ وسطنا وتوَّجنا بمجد عدم الخطيئة، وأغنى طبيعتنا بروحه القدوس، مقدماً على الصليب ثمن هذا العمل الإلهى. وللقديس كيرلس السكندرى عبارات رائعة فى هذا الأمر، نقتطف منها الآتى: [بسبب تعدي آدم "ملكت الخطيئة على الكل" (رو5: 14)، وفارق الروح القدس الطبيعة البشرية التى صارت مريضة فى كل البشر. ولكى تعود الطبيعة البشرية من جديد إلى حالتها الأولى احتاجت إلى رحمة الله، لكى تحسب بموجب رحمة الله مستحقة للروح القدس. لذلك صار الابن الوحيد كلمة الله إنساناً، وظهر للذين على الأرض بجسد من الأرض لكنه خالٍ من الخطيئة، حتى فيه وحده تتوج الطبيعة البشرية بمجد عدم الخطيئة، وتغتنني بالروح القدس، وتتجدد بالعودة إلى الله بالقداسة[545].].

يدعونا القديس مقاريوس الكبير أن نتمتع بكنز الروح القدس المخفي، فيقول: [إذا كان إنسان غني فى هذا العالم وعنده كنز مخفي، فمن ذلك الكنز والغنى الذى له يمكنه أن يشترى أى شيء يشتهيه. وبسهولة يجمع كل الأشياء النادرة التى يشتهيها فى هذا العالم ويكدسها، معتمداً على كنزه... بنفس الطريقة فإن الذين يطلبون ويسعون إلى الله، وقد وجدوا الكنز السماوى، أى حصلوا على كنز الروح، الذى هو الرب نفسه، مضيئاً فى قلوبهم، فإنهم يتممون كل برّ الفضائل، وكل غنى الصلاح الذى أوصى به الرب، وذلك من كنز المسيح الذى فيهم.

وبواسطة ذلك الكنز يتممون كل فضائل البرّ، معتمدين على مجموع الغنى الروحى الكثير المتجمع فى داخلهم، ويعملون بسهولة كل وصايا الرب بواسطة غنى النعمة غير المنظور الذى فيهم. يقول الرسول: لنا هذا الكنز فى أوانٍ خزفيةٍ "(2كو4: 7). أى الكنز الذى أعطى لهم فى هذه الحياة ليقتنوه فى داخل نفوسهم،" الذى صار لنا حكمة من الله وبراً وقداسة وفداء "(1كو1: 30). فمن وجد واقتنى فى داخله كنز الروح السماوى هذا، يتمم به كل برّ الوصية وكل تتميم الفضائل بنقاوة وبلا لوم، بل بسهولة وبدون تعصب.

لذلك لنتضرع إلى الله، ونسأله ونطلب منه بشعور الاحتياج، أن ينعم علينا بكنز روحه، لكى ما نستطيع أن نسلك فى وصاياه كلها بطهارة وبلا لوم، ونتمم كل برّ الروح بنقاوةٍ وكمالٍ، بواسطة الكنز السماوى، الذى هو المسيح...

فليغصب كل واحد منا نفسه ليطلب من الرب أن يُحسب أهلاً أن ينال وأن يجد كنز الروح السماوى. لكى ما يستطيع أن يتهيأ بدون صعوبة، أن يعمل كل وصايا الرب بنقاوة وبلا لوم، تلك الوصايا التى لم ينجح قبل ذلك فى أن يعملها مهما غصب نفسه[546].].


[544] قداس الإلهى القبطى "باركت طبيعتى فيك".

[545] دكتور جورج بباوى: شرح تجسد الابن الوحيد للقديس كيرلس الإسكندرى، 1975، ص12، 11.

[546] راجع عظات القديس أنبا مقار الكبير، ترجمة مؤسسة القديس أنبا انطونيوس لدراسات الآبا، عظة 18: 1 - 3.

ما هو دور الروح القدس فى حياة الكنيسة بعد صعود السيد المسيح إلى السماء؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو دور الروح القدس فى حياة الكنيسة بعد صعود السيد المسيح إلى السماء؟

عيد البنطقستي (حلول الروح القدس على الكنيسة) يزيل الارتباك بين صعود المسيح إلى السماء وجلوسه على يمين الآب وبين وعده: "ها أنا معكم كل الأيام وإلى الانقضاء[539]" (مت28: 20). يقول القديس مقاريوس أنه عندما يحل المسيح والروح فينا نختبر ذلك بطرق متنوعة: فى فرح أو دموع، فى سكون أو نشوة طرب. توجد أشكال متعددة لحضور الله، أما ثمر الروح فهو دائماً حضور المسيح واهب الوحدة، الذى يعيش فى الكنيسة وفى قلب المؤمن[540].

ويقول القديس أغسطينوس إذ يحل الروح القدس على الكنيسة يحمل التلاميذ الذين رافقوا السيد المسيح منذ بداية خدمته إمكانية الشهادة له، الأمر الذى لم يكونوا قادرين عليه أثناء حديث السيد المسيح معهم، إذ لم يكن ملء الروح قد حلّ فيهم. متى حلّ الروح القدس يهبهم الإيمان العامل بالمحبة، والمحبة الكاملة تطرد الخوف خارجاً. فلا يعود بطرس الرسول ينكر المسيح كما حدث عند الصلب، بل يشهد له محتملاً الآلام الاضطهادات من أجل اسمه بفرحٍ. [إذ يشهد له الروح القدس، ويوحي بمثل هذه الشهادة بشجاعة لا تُقهر، يجرد أحباء المسيح من خوفهم، ويحولهم إلى حبهم لبغض أعدائهم لهم[541].] كما يقول: [فى الكلمات السابقة قوَّى الرب تلاميذه ليحتملوا كراهية أعدائهم، وأعدَّهم أيضاً بتقديم نفسه مثالاً لكى يزدادوا شجاعة فى الإقتداء به، مقدماً لهم الوعد بالروح القدس الذى يأتى ليشهد له، ولكى يصيروا هم شهوداً خلال عمل الروح القدس فى سامعيه. فإن هذا هو معنى: "وتشهدون أنتم أيضاً، لأنكم معى من الابتداء" [27]. بمعنى إذ يحمل شهادة تحملون أنتم أيضاً شهادة. إنه فى قلوبكم، وأنتم فى أصواتكم؛ هو بالوحي وأنتم بالنطق، حتى تتحقق الكلمات: "إلى أقصى الأرض بلغ صوتهم" (مز19: 4). فإنه إن لم يملأهم بروحه لا يحقق كثيراٌ تقديم نفسه مثلاً للهدف[542].].

كان التلاميذ والرسل وكل المؤمنين ينتظرون الروح القدس، روح عريسهم ليخطبهم عروساً له، وهو لم يرسل عبداً أو ملاكاً بل جاءنا روح الله ذاته. وكما أخذ الوكيل "عشرة جمال من جمال مولاه ومضى وجميع خيرات مولاه فى يده" (تك24: 10)، هكذا يكشف الروح القدس للبشرية غنى عريسها وعظمته. لا يقف عمله عند الكشف والدعوة للعريس، وإنما يقدم للعروس العربون مما لعريسنا، إذ "أخرج... آنية فضة وآنية ذهب وثياباً وأعطاها لرفقة"، ويحثنا على السير فى طريق العريس، قائلا: "لا تعوقوني"، ويرافقنا فى السير، ولا يتركنا فى الطريق وحدنا، حتى يتم لقاؤنا وجهاً لوجه مع عريس نفوسنا. هذا هو عمل الروح القدس فينا:

أ - يوم حلوله في يوم الخمسين، هو يوم ميلاد الكنيسة جسد المسيح، إذ صار لنا شركة مع المسيح الرأس، فهو رأسنا ونحن أعضاء جسده. صارت لنا فى الكنيسة خلال الروح القدس شركة مع الثالوث القدوس. فنتمتع فى الآب بالأبوة، إذ وهبنا روح البنوة له. ونتمتع بالمسيح رأساً وعريساً وأخاً بكراً.

ونتمتع بالروح القدس الساكن فينا، روح أبينا وعريسنا فى نفس الوقت، منبثق من الآب. عمله الرئيسى فى حياتنا هو التجديد المستمر، فمع كل صباح نحسب كأننا ننعم بعربون السماء كما لأول مرة. وننعم بالتقديس المستمر لنحمل أيقونة القدوس. كما ننال تعزيات سماوية وأفراح لا تنقطع. ونختبر حياة الحب والوحدة مع الله ومع الطغمات السماوية ومع البشرية.

يقول القديس باسيليوس الكبير: [هذا تجديدنا، يجعلنا على صورة الله من جديد، وذلك بغسل التجديد والروح القدس الذى يجددنا، فنصير أبناء الله، نصير خليقة جديدة مرة أخرى بشركة الروح، ويخلصهما مما كان عتيقاً[543].].

ب - يقدم لنا الروح القدس مواهب، عملها تقديم الخلاص المجاني للبشرية، فتتمتع به وتحيا فيه، وتسلك فى طريق الخلاص نحو تلك الغاية، أن تصير أيقونة المسيح. وتبقى سالكة نامية بعمله فيها إلى يوم رحيلها، حيث تنعم بميراث المجد الأبدي.

ج - يقدم لنا الحق الإلهي والنمو فى المعرفة والتلامس مع الأسرار الإلهية.


[539] Boris Bobrinskoy: The Mystery of the Trinity, St. Vladimir 1999, p. 72.

[540] Boris Bobrinskoy: The Mystery of the Trinity, St. Vladimir 1999, p. 73.

[541] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate, 2: 92.

[542] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate, 1: 94.

[543] Ad. Eunom. 5.

كيف نفسر إرسالية كبير بيت إبراهيم كرمز لارسالية الروح القدس؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

كيف نفسر إرسالية كبير بيت إبراهيم كرمز لارسالية الروح القدس؟

فى دراستنا لسفر التكوين الأصحاح 24 لاحظنا أن تتابع الأحداث الخاصة بإبراهيم وأسرته حملت صورة رمزية لأحداث الخلاص، فإن كان ذبح إسحق بكر سارة يشير إلى صليب المسيح وقيامته، فإن إرسال كبير بيت إبراهيم بعد موت سارة لإحضار رفقة زوجة لإسحق من مدينة ناحور بحاران يشير إلى عمل الروح القدس الذى اجتذب الأمم من أرضهم الشريرة – عبدة الأوثان – ليقيمها عروساً لإسحق الحقيقى ربنا يسوع المسيح عوض سارة. استدعى إبراهيم عبده كبير بيته مدبر كل أمواله وسأله ألا يأخذ زوجة لابنه من بنات الكنعانيين الذين يسكن فى وسطهم بل يذهب إلى عشيرته فى منطقة ما بين النهرين (المصيصة) ويأتى إليه بزوجة من عشيرته، حتى لا يرتبط بكنعانية تسحب قلبه عن محبة الله وتشوه أفكاره وتفسدها. فى إصرار رفض إبراهيم أن يذهب ابنه إلى هناك، مؤمناً بأن الله الذى دعاه هو يرسل لابنه الزوجة التى تعينه فى طريق الرب كما كانت سارة معينة له.

لم يهتم إبراهيم فى اختيار زوجة لابنه أن تكون غنية أو جميلة إنما كان هدفه الأول أن تكون مقدسة ومؤمنة تعين ابنه فى حياته الروحية ولا تكون عائقاً له فى الطريق... لذلك أعطى الرب إسحق رفقة، امرأة جميلة المنظر والروح، كانت سرّ تعزية وفرح له كل أيام غربته.

كان رئيس بيت إبراهيم يشير إلى الروح القدس الذى أرسله الابن الوحيد الجنس من عند الآب، فقد جاءنا إلى حياتنا كما إلى مدينة ناحور لينطلق بنا من أرضنا على جمال سيدنا إلى أرضه، أى يحملنا إلى سماواته لنوجد مع العريس السماوى إلى الأبد.

وكما يقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [إذ أقام المسيح معنا عقداً (زواجياً) عين لى مهراً، لا من المال بل بالدم، هذا المهر هو عربون الصالحات: "ما لم تره عين ولم تسمع به أُذن ولم يخطر على بال انسان" (1كو2: 9). عين لى الأمور التالية مهراً: الخلود، تسبيح الملائكة، الخلاص من الموت، التحرر من الخطية، ميراث الملكوت العظيم، البرّ، التقديس، الخلاص من الشرور الحاضرة، اكتشاف البركات المقبلة. عظيم هو مهري!... جاء وأخذني، وعين لى مهري، قائلاً: أعطيك غناي. هل فقدت الفردوس؟ أرده لك... ومع هذا لم يعطني المهر كله هنا. لماذا؟ لكى أعطيه لك عندما تدخل الوضع الملوكي. هل أنت أتيت إليَّ؟ لا، بل أنا الذى جئت إليك... لا لكى تمكث فى موضعك، إنما آخذك معى، وأرجع بك. فلا تطلب منى المهر وأنت هنا فى هذه الحياة، بل كن مملوءاً رجاءً وإيماناً! [535]].

يأتينا الروح القدس كما على عشرة جمال لكى يقدم للكنيسة من غنى الله ويسحبها على الدوام نحو السماء لتنعم بكمال المجد. والعجيب أن الرجل جاء إلى بئر الماء وقت المساء ليطلب لإسحق عروساً. ما هذا البئر إلاَّ مياه المعمودية التى فيها يلتقى السيد المسيح بكنيسة كعروس له. وكما يقول الآب فيصريوس أسقف Arles: [لو أن الكنيسة لم تأت إلى مياه المعمودية لما ارتبطت بالمسيح[536].] كما يقول: [انظروا أيها الإخوة خادم إسحق، فقد وجد رفقة عن البئر وبدورها وجدت رفقة إسحق عند البئر. فالمسيح لا يجد الكنيسة ولا الكنيسة تجد المسيح إلاَّ بسرّ المعمودية[537].].

ويرى العلامة أوريجينوس فى البئر إشارة إلى الكتاب المقدس الذى فيه تلتقى النفس بعريسها، إذ يقول: [كانت رفقة تذهب إلى البئر كل يوم لتستقي ماءً فالتقت مع خادم إبراهيم وتزوجت بإسحق... تعلموا أن تأتوا إلى بئر الكتاب كل يومٍ لتستقوا مياه الروح القدس بلا انقطاع[538].].


[535] الكنيسة تحبك، 1986، ص61 - 66.

[536] Ser. 3: 85.

[537] Ibid 4: 85.

[538] In Gen. hom 2: 10.

من يقدم لنا تعزيات سماوية أثناء جهادنَّا ومعركتنا مع إبليس الشرس؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

من يقدم لنا تعزيات سماوية أثناء جهادنَّا ومعركتنا مع إبليس الشرس؟

فى حديثه الوداعى قبل القبض عليه أكد السيد المسيح لتلاميذه أنه سيرسل لهم الروح القدس المعزي، قائلاً لهم: "وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزياً آخر ليمكث معكم إلى الأبد" (يو14: 16). "وأما المعزي الروح القدس الذى سيرسله الآب باسمى فهو يعلمكم كل شيءٍ، ويذكركم بكل ما قلته لكم (يو14: 26)." ومتى جاء المعزي الذى سأرسله أنا إليكم من الآب روح الحق، الذى من عند الآب ينبثق، فهو يشهد لي (يو15: 26).

إذ يتمم السيد المسيح عمل الفداء على الصليب، يصعد إلى السماء، ويرسل الروح القدس، ليهب كنيسته عذوبة الشركة فى الصليب وخبرة قوة القيامة وعربون الحياة السماوية. هذا هو المعزي الآخر الذى يأخذ مما للسيد المسيح ويعطينا. يستمر عمل الروح القدس فى حياة الكنيسة حتى انقضاء الدهر، ليقدمها عروساً تحمل أيقونة عريسها السماوي.

كلمة "باراكليت" التى تترجم معزياً تعنى أيضاً محامياً أو مدافعاً Advocate، فهو الذى يقف مدافعاً عن كنيسة المسيح أمام العدالة الإلهية لحساب الخطاة المخطئين الذين بالإيمان الحي العامل بالمحبة حملوا برّ المسيح. يدعو السيد المسيح نفسه "معزيّاً"، إذ يلقب الروح القدس "المعزي الآخر". وقد دعا الترجوم Targum أيام المسيا بأيام التعزية. فالمسيح عزى تلاميذه حين كان معهم بالجسد، وإذ يفارقهم بالجسد يرسل لهم روحه القدوس معزياً آخر.

إذ يقدم السيد المسيح نفسه ذبيحة حب عن البشرية صار من حق مؤمنيه أن يحلّ الروح القدس ويستقر فيهم، هذا الذى لم يعد مستقراً فى الإنسان منذ لحظة سقوط آدم فى الخطية. هذه العطية التى هى بالحقيقة نوال واهب العطايا، عطية دائمة تلازم المؤمن حتى يعبر به من هذه الحياة. لن يفارقه الروح القدس مادام يقبله فيه ويتجاوب معه.

إذ سبق المخلص فقدم أساس المعرفة وهو الإيمان، ثم بنى على هذا الأساس أعمال المحبة التى هى حفظ وصاياه، يبعث إلينا روحه القدوس من عند الآب الذى وحده يقدر أن يحقق هذا كله.

هنا يكشف السيد المسيح عن دور الثالوث القدوس المتكامل معاً لتحقيق خطة تمجيدنا الأبدي. فالآب الذى أرسل ابنه معزياً يبذل نفسه خلاصاً للعالم، الآن يستقبله عند صعوده، فيستقبل الكنيسة الجامعة، من آدم إلى آخر الدهور فى شخصه بكونه رأسها. يستقبل المعزي الأول فيُسر به، إذ أكمل خلاص البشرية وأعلن عن حب الآب عملياً، وإذ يستقبله فى السماء، يبقى هذا المعزي متغرباً عن البشرية بالجسد، لكنه حاضر على الدوام فى وسط كنيسته المقدسة. ويطلب عنها أمام الآب ليرسل المعزي الآخر، الذى يحلّ فى الكنيسة وينيرها ويقدسها ويقودها دون أن يفارق الآب أو ينفصل عنه. هكذا تظهر علاقة الحب المتبادل بين الثالوث القدوس العامل لخلاص البشرية ومجدها الأبدي.

يقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [فإن قلت: لِمّ قال السيد المسيح: "وأنا أطلب من الآب"؟ أجبتك: لأنه لو قال: "أنا أرسله" لما صدقوه، لذلك قال هنا: "وأنا أطلب من الآب" حتى يجعل كلامه عندهم مؤهلاً لتصديقه.].

لماذا قال السيد المسيح: “لكني أقول لكم الحق انه خير لكم أن انطلق، لأنه إن لم انطلق لا يأتيكم المعزي، ولكن إن ذهبت أرسله إليكم” (يو7:16)؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

لماذا قال السيد المسيح: "لكني أقول لكم الحق انه خير لكم أن انطلق، لأنه إن لم انطلق لا يأتيكم المعزي، ولكن إن ذهبت أرسله إليكم" (يو16: 7)؟

يقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [ماذا يحدث؟ هل الروح أعظم منك حتى أننا الآن لا نحتمل، لكن سنحتمل بعد ذلك؟ هل سيعمل الروح بأكثر قوة وأكثر كمالاً؟ لا، ليس كذلك، لأنه هو أيضاً ينطق بكلماتي[533].].

ويقول القديس أغسطينوس: [لم يكن التلاميذ فى ذلك الحين مستعدين أن يموتوا من أجل المسيح عندما قال لهم: "لا تقدر الآن أن تتبعني" (يو13: 36)... ومع ذلك نجد بعد هذا أعداداً بلا حصر من رجال ونساء وأولاد وبنات وشباب وشابات وشيوخ وصغار تُوجوا بالاستشهاد، ووُجد القطيع مستعداً لهذا الذى لم يكن الرعاة قادرين على احتماله عندما نطق الرب بهذه الكلمات... حسناً، ليتنا نقبل الأمر هكذا، إن كثيرين يستطيعون الآن أن يحتملوا هذه الأمور، إذ أرسل الروح القدس، هذا الذى لم يستطع التلاميذ أن يحتملوه قبل مجيئه[534].].


[533] Homilies on St. John, 2: 78.

[534] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate, 2: 96.

من يتحدى رياح الخطية العنيفة وظلمة الشيطان؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

من يتحدى رياح الخطية العنيفة وظلمة الشيطان؟

يدعونا القديس مقاريوس الكبير أن نلجأ إلى الروح القدس الذى برياحه المقدسة ينعش النفس، ويهبها الاستنارة بروح القوة التى تتحدى رياح الخطية المظلمة والقاسية. يقول القديس: [كما يحدث فى أحد الليالى المظلمة الكئيبة أن تهب ريح عاصفة وتحرك وتفتش كل الزروع والنباتات وتهزها، هكذا حينما يسقط الإنسان تحت سلطة ظلام ليل الشيطان، ويصير فى الليل والظلمة، فإنه يتكدر بواسطة ذلك الريح المرعب ريح الخطيئة الذى يهب (عليه)، فيهزه ويقلبه ويفتش أعماق طبيعته كلها: نفسه وأفكاره، وعقله، ويهز أيضاً كل أعضاء جسده، ولا ينجو عضو سواء من أعضاء النفس أو أعضاء الجسد، ويبقى مستكيناً للخطيئة الساكنة فينا. وبالمثل فهناك نهار النور والريح الإلهي، ريح الروح القدس، الذى يهب وينعش النفوس التى تكون فى نهار النور الإلهي[532].].


[532] راجع عظات القديس أنبا مقار الكبير، ترجمة مؤسسة القديس أنبا أنطونيوس لدراسات الآبا، عظة 2: 4.

ما هو الإيمان كأحد مواهب الروح القدس (1كو9:12)؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو الإيمان كأحد مواهب الروح القدس (1كو12: 9)؟

الإيمان من أثمن مواهب الروح، مُقدم للجميع، لكنه من المواهب النادرة يزدري به البعض فى عجرفة واعتداد العمل البشري. يتحدث الرسول عن الإيمان الذى يحرك السماء والأرض، به يمكن أن تنتقل الجبال (1كو13: 2)، ويرى البعض أن الإيمان هو العمل المعجزي فى سحب القلوب لقبول عمل المسيح الخلاصي. ويقول القديس كيرلس الأورشليمى: [الإيمان الذى يُعطى بواسطة الروح كنعمةٍ، ليس إيماناً خاصاً بالتعاليم المجردة، وإنما الإيمان الذى يحمل قوة وحيوية تتعدى الطبيعة البشرية، الإيمان الذى يحرك الجبال... فكما أن حبة الخردل صغيرة، لكنها تحمل طاقة متفجرة، فتأخذ الفرصة بزراعتها ثم تبعث فروعاً عظيمة حول الساق، حتى إذ تنمو تصير ملجأ للطيور، هكذا بنفس الطريقة، الإيمان يقدم فى النفس أموراً عظيمة[531].].


[531] Catech. Lect. On Faith 11: 5.

ما هي أهم العطايا والمواهب التى يهبها الروح القدس؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هي أهم العطايا والمواهب التى يهبها الروح القدس؟

يمكن تقسيم مواهب الروح إلى مواهب خلاصية، ومواهب تقوية، ومواهب للكرازة والشهادة. أما فى الواقع العملي فيصعب الفصل بين هذه المواهب وبعضها البعض، فإن حياة المؤمن وحدة واحدة لا تتجزأ، وخلاصنا فى جوهره تمتع بالاتحاد مع الآب كأبناء له بالمسيح يسوع فى الروح القدس. حياتنا الكنيسة، وسلوكنا الشخصى وشهادتنا لإنجيل المسيح وحبنا للبشرية كلها وخدمتنا لهم بكل وسيلة مقدسة لا تتجزأ. يصعب بل ويستحيل علينا أن نضع حداً فاصلاً بين المواهب الخلاصية والمواهب التقوية ومواهب الكرازة والشهادة. يقول القديس أغسطينوس: [بدون روح الإيمان لا يؤمن أحد بحقٍ، وبدون روح الصلاة لا يصلي أحد بطريقةٍ نافعةٍ. لا يعني هذا أنه يوجد أرواح كثيرة، بل فى كل الأشياء الروح الواحد بعينه يعمل، الذى يقدم لكل واحدٍ فردياً حسبما يشاء (1كو12: 9) [525].].

ويقول القديس أمبروسيوس: [كُتِبَ: "الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء قديماً بأنواع وطرق كثيرة" (عب1: 1). ويقول حكمة الله: "سوف أرسل لهم أنبياءً ورسلاً" (لو11: 49) وأيضاً "لواحد يُعطى بالروح كلام حكمة، ولآخر كلام علم بحسب الروح الواحد، ولآخر إيمان بالروح الواحد. ولاخر مواهب شفاء بالروح الواحد، ولآخر عمل قوات، ولآخر نبوة" (1كو12: 8 - 10). ومن يكون الروح القدس الذى يُعطِي النبوات حسب قول الرسول: ألم يعطِ الآب النبوات وكذلك الابن، فإذا كان الروح القدس يعطي النبوة مثل الآب والابن، فالعمل واحد، والنعمة واحدة والروح القدس الذى هو أيضاً مصدر النبوات ليس إلا الله[526].].

العطايا التى وردت فى سفر إشعياء 11: 2 "يحل عليه روح الرب روح الحكمة والفهم روح المشورة والقوة روح المعرفة ومخافة الرب." إذ جاء السيد المسيح ممثلاً للبشرية حلّ عليه الروح القدس الذى ليس بغريب عنه، لأنه روحه. حلول الروح القدس على المسيح يختلف عن حلوله علينا؛ بالنسبة له حلول أقنومى، واحد معه فى ذات الجوهر مع الآب، حلول بلا حدود. أما بالنسبة لنا فهى نعمة تُمنح لنا فى المسيح يسوع قدر ما تحتمل طبيعتنا ليعمل على تجديدها المستمر.

فى عيد العنصرة تحدث القديس يوحنا الذهبى الفم عن "مواهب الروح القدس" قائلاً: [أية موهبة من بين المواهب التى نتمتع بها فى داخل خلاص نفوسنا لم ننلها خلال خدمة الروح (القدس)؟! فخلاله نتحرر من العبودية، وندعى إلى الحرية! خلاله صرنا أولاَّد الله، بتبنيه إيانا! وفوق هذا كله، إن أمكنني أن أقول، إننا قد تجددنا، خالعين عنا ثقل الخطايا الكريه! خلاله نرى قدامنا طغمات الكهنة! خلاله يساعدنا معلمينا! منه ننال مواهب الإعلانات، ومواهب الشفاء، وكل المواهب الأخرى التى بها يزين الروح القدس كنيسة الله. هذا ما يعلنه الرسول بولس قائلاً: "ولكن هذه كلها يعملها الروح الواحد بعينه، قاسماً لكل واحد بمفرده، كما يشاء" (1كو12: 11). يقول "كما يشاء" وليس "حسبما يؤمر". ويقول: "قاسماً" وليس "مقسمة"، مظهراً أنه هو صاحب هذه المواهب، وليس كمن يخضع لسلطان آخر، فالسلطان الذى يشهد عنه الرسول بأنه للآب هو نفسه ينسب للروح القدس. وكما قال عن الآب: "ولكن الله واحد الذى يعمل الكل فى الكل"، ويقول أيضاً عن الروح القدس: "ولكن هذه كلها يعملها الروح الواحد بعينه قاسماً لكل واحد بمفرده كما يشاء".

انظروا كمال السلطان، فإذ الطبيعة (الإلهية) واحدة، لذلك فإنه لا يوجد أدنى شك من جهة السلطان، وإذ توجد مساواة فى الكرامة فإن القوة والسلطان واحد.].

يتحدث القديس غريغوريوس النزينزي عن عمل الروح القدس فى حياتنا كينبوع صلاحنا، قائلاً:

[يُدعى روح الله وروح المسيح... وهو نفسه الرب. روح النبوة والحق والحرية، روح الحكمة والفهم والمشورة والقدرة والمعرفة والصلاح ومخافة الرب.

إنه صانع كل هذه الأمور، يملأ الكل بجوهره ويحوي كل الأشياء، يملأ العالم فى جوهره ومع هذا فلا يمكن للعالم ان يدرك قوته.

صالح ومستقيم، ملوكي بطبيعته وليس بالتبني. يُقدس ولا يتقدس، يقيس، ولا يُقاس، يهب شركة ولا يحتاج إلى شركة، يملأ ولا يُملأ، يحوي ولا يُحوى، يورث ويمجد... مع الآب والابن.

هو أصبع الله، نار كالله (الآب)... الروح الخالق الذى يخلق من جديد بالمعمودية والقيامة.

هو روح العالم بكل شيء، يهب حيث يشاء، يرشد ويتكلم ويرسل ويفرز ويحزن،.

يعلن وينير ويحييّ، أو بالحري هو ذات النور والحياة.

يخلق هياكل ويؤله (يعطي شركة مع الله).

يهب كمالاً حتى قبل العماد (كما فى حادث كرنيليوس أع10: 9)،.

تطلبه بعد العماد كعطية... يفعل فينا العمل الإلهي،.

ينقسم فى ألسنة ناريِّة مُقسِّماً المواهب، يقيم الرسل والأنبياء والإنجيليين والرعاة والمعلمين. يُفهم بطرق متعددة، واضح، وينخس القلوب[527].].

يقول القديس باسيليوس الكبير [لا يستطيع أحد ان يتقبل كل العطايا الروحية، إنما تُعطى نعمة الروح بما يتناسب وإيمان كل واحدٍ، وعندما يكون شخص ما يعيش فى جماعة مع آخرين، فإن النعمة التى تُوهَب بصفة خاصة لكل فردٍ تصير ملكاً عاماً للآخرين... من يقتني أية موهبة من تلك المواهب، لا يمتلكها لأجل نفسه، بل بالحري لأجل الآخرين[528].].

[نحن نعتقد أن الروح بالنسبة لتوزيع المواهب هو مثل الكل الحاضر فى الأجزاء، لأننا جميعاً أعضاء بعضنا البعض، ولكن لكل واحدٍ موهبته حسب النعمة المعطاة لنا "(رو12: 5 - 6). لذلك لا تقدر العين أن تقول لليد، ليس لى حاجة إليكِ، ولا الرأس للرجلين لا حاجة إليكما" (1كو12: 21) وإنما الكل يُكمِّل جسد المسيح في وحدة الروح، ويقدِّم كل عضو للآخر الخدمة الضرورية التى تأتي من المواهب. ووضع الله الأعضاء فى الجسد حسبما شاء (1كو12: 18) واعضاء وهبت الاهتمام بالأعضاء الأخرى حسب الشركة الروحية التى يقدم العطف المتبادل. لذلك إذا تألم عضو، تألمت معه باقى الأعضاء، وإذا أُكرم عضو فرحت معه بقية الأعضاء (1كو12: 25 - 26). وكما أن الأجزاء فى الكل، هكذا نحن كل فردٍ منا فى الروح، لأننا جميعاً "اعتمدنا إلى جسدٍ واحدٍ بروحٍ واحدٍ" (1كو12: 13) [529].].

كما يقول: [بالروح القدس استعادة سكنانا فى الفردوس، وصعودنا إلى ملكوت السماوات،.

عودتنا إلى البنوة الإلهية، ودالتنا لتسمية الله "أبانا"،.

اشتركنا فى نعمة المسيح، وتسميتنا أبناء النور، حقنا فى المجد الأبدي،.

وبكلمة واحدة حصولنا على ملء البركة فى هذا الدهر وفى الدهر الآتي[530].].


[525] Letter to Sixtus, 191.

[526] On the Holy Spirit, Book ll, chap. Xlll, 143.

[527] Oration 5 on the Holy Spirit, 29.

[528] The Long Rules, 7.. PG 323: 82.

[529] On the Spirit, chap. XXVI, 61.

[530] De Spir, Sanc. 35: 15.