14- كيف نقاوم الخوف؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

14 - كيف نقاوم الخوف؟

إذ نتحدَث عن سلّم يعقوب الذى به تمتَّع يعقوب بالسماء المفتوحة، والشركة مع السمائيّين، فإننا نذكر أن يعقوب قد عانى من الخوف... لقد كان فى عزلة تامة، ليس من اب أو أم أو أخ أو صديق يرافقه ويسنده. كان فى طريقه هارباً من عنف أخيه يعانى من مخاطر جمّة ومن مستقبل مجهول. اتكأ يعقوب على الحجر رمز السيّد المسيح لينام فينعم بالرؤيا السماويّة، ويتلامس مع مخافة الرب، إذ قال: "ما أرهب هذا المكان؟! ما هذا إلا بيت الله؟! (تك 28: 17) حينما نعانى من خوف الجسد أو خوف العالم المُحَطِّم للنفس نتكّئ على مسيحنا حجر الزاوية، فيُستبدَل الخوف المُهلِك بالخوف المقدّس. عوض خوفنا من العالم بكل ظروفه القاسية نرى مجد الله وقداسته وحبّه فنحمل مقدّساً، ونردك أننا نقطن فى بيت الله، بل صرنا" أهل بيت الله "(أف 2: 19). كما نقاوم العاطفة الشرّيرة بالعاطفة المقدّسة، هكذا نقاوم الخوف القاتل بالخوف المقدّس!

13- هل الخوف هو بدء الدرجات نحو السماء؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

13 - هل الخوف هو بدء الدرجات نحو السماء؟

يرى القديس مار فيلوكسينوس أن آباؤنا الأوّلين الذين سلكوا طريق تعاليم المسيح قد حدَّدوا لنا معالم الطريق حتى لا ننحرف عنه يميناً أو يساراً؛ إنه طريق ملوكى هو طريق الوصيّة الإلهيّة (عظة 7: 191). هذا الطريق هو السلّم الذى رآه يعقوب ممتداً من الأرض إلى السماء، والملائكة يصعدون وينزلون عليه (تك 28: 12). إنه السلّم الذى يلتقى فيه البشر الذين يصعدون عليه مع الملائكة النازلين إلينا يصعد عليه المؤمنون كجنودٍ سمائيّين، يُغَيِّرون أسماءهم من "بشر" إلى "ملائكة"، كما كان الجند قديماً يُغَيِّرون أسماءهم عند التحاقهم بالجيش، نحن أيضاً نلتحق بجيش الروحيّين. على هذا السلّم يلتقى المؤمنون بالملائكة فى دائرة الحب، كما يلتقي الروحيّون مع الجسديّين حيث يلزم للفريقين أن يُجاهِد بنعمة الله فى حفظ الوصيّة الإلهيّة.

على هذا السلّم تتحقَّق مشيئة الله، فبالوصيّة الإلهيّة يصعد البشر بنعمة الله كما على درجات السلّم ليعيشوا بروح الحب مع السمائيّين، وبالوصيّة الإلهيّة ينزل الملائكة إلى البشر لخدمتهم (عب 1: 14). وكما يقول مار فيلوكسينوس: [الذين من أسفل هم الجسديّون (البشر) بطبيعتهم، تجعلهم الوصايا الإلهيّة مرتفعين وروحيّين، والمرتفعون الروحيّون بطبيعتهم، تدفعهم وصيّة الخالق للنزول نحو المواضع السفليّة والبقاء دائماً مع الجسديّين. هكذا فإننا نجد كائنات من أنواع مختلفة مجتمعة معاً فى جماعة واحدة، وفى رابطة حب تنفذ مشيئة الله فى تسبحة متناغمة، وتتحرك كلها بحركة واحدة روحيّة، مثلما يتحرك الجسد كله بحياة النفس.] (عظة 7: 193).

12- ما هى أبعاد مخافة الرب؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

12 - ما هى أبعاد مخافة الرب؟

كثيراً ما يُرَكِّز القديس مار فيلوكسينوس على البعد الداخلى لمخافتنا للرب، إذ يقول: [الخادم الروحى لا يخاف الرب مثلما يخاف العبيد أسيادهم، فإن خوف هؤلاء العبيد يظهر على سلوكهم الخارجى، ويرى على أعضاء أجسادهم، فإنهم حتى إن كانوا يكرهون هؤلاء السادة سراً، ويحتقرونهم فى أفكارهم، لكنهم يظهرون لهم من الخارج مظاهر الخوف والاحترام. يا ليت مخافتك للرب لا تكون هكذا، بل اظهر له أنك تخافه ايضاً فى أعماق نفسك، حيث أنه يرى كل حركات نفسك ويعرفها. خف الله بكل كيانك، فى حياتك الخفية والظاهرة. إنه ديَّان أعمالك الخفيّة والظاهرة، لتخجل نفسك من أن تخطئ أمامه. ولتخز أفكارك من أن تنحرف فى حضرته... تذكَّر فى كل حين أن الله ينظر إليك، أنظر أنت أيضاً إليه سراً مثلما ينظر هو إليك سراً، عندئذ لن تبقى الخطيّة موجودة فى أفكارك... حينما تصير وحدك، وحينما تُخبئك حوائط بيتك وأسقفه، يكون درع مخافة الرب ضرورياً لك؛ فالخطيّة ترتكب بسهولة فى الظلام. لذا يجب أن تنتبه وتصحو لتذكّر الله... (عظة 6: 181 - 183).

11- من يحكم على مخافتى للربّ؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

11 - من يحكم على مخافتى للربّ؟

الذى يحكم هى أعماقى، فلا يعرف نفسى الداخليّة إلا أعماقى. يقول القديس مار فيلوكسينوس: [اختبار مخافة الرب موجود فى داخل النفس؛ والإنسان وحده هو الذى يستطع أن يعرف ما إن كان يخاف الله أم لا... هل تذكّرت الله فارتعبت؟ هل فكرت فيه فامتلأت خوفاً؟ هل ارتجفت أفكارك مع أعضائك، ونفسك مع جسدك؟ هل أحنى عقلك رأسك وأصابك الخجل أمام الله؟ إن كانت هذه الأشياء تحدث لك فاعلم أن مخافة الرب موجودة فيك، وتذكُّر الله حاضر بالفعل عندك... (عظة 6: 177 - 178).

أما المقياس الآخر الذى يُقَدِّمه لنا مار فيلوكسينوس لمعرفة أنفسنا إن كنا نخاف الرب ونتذكّره على الدوام، فهو ممارستنا للرياء أو عدمها... وقد ضرب أمثلة كثيرة لذلك مثل ارتداء ثوب الطهارة فى الخارج مع ثوب الشهرة والزنا فى الداخل؛ أو الصوم الظاهر مع اشتهاء ملذات الأطعمة فى الداخل، او ممارسة الحلم والوداعة فى الظاهر مع حدة الطبع فى الداخل، أو حضور اجتماعات الصلاة الجماعية دون الصلاة الخفيّة. (عظة 6: 178 - 179).

10- هل مخافة الله تحمينا من التفكير فى الشرّ؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

10 - هل مخافة الله تحمينا من التفكير فى الشرّ؟

مادام تذكُّر الله الدائم هو مصدر مخافة الرب، فإن من يتأمّل فى الله يتحصَّن من التفكير فى الشرّ، لأنه "أيّة شركة للنور مع الظلمة؟!" (2كو 6: 14) يقول مار فيلوكسينوس: [أقم حول نفسك سور مخافة الرب أيها الحكيم؛ وعندئذ لن يجسر الشرّ أن يدخل فى مدينة نفسك. خف الله فى الخفاء، فتظل نفسك فى نقاوتها. حرِّك فى داخلها مخافة الرب فى كل وقت، بهذا تمتنع عن أن تخطئ بالفكر. وليكن تذكُّر الله ساكنا فيك باستمرار، بهذا لن يقدر تذكُّر الشرّ أن يسكن معه. لأنه طالما أنت تتذكَّر الله، لا يمكن أن تتذكَّر الشرّ، لأن النور والظلمة لا يجتمعان أبداً فى وقت واحد. وتذكرُّ الله وتذكُّر الشرّ لايجتمعان معاً فى النفس... تذكُّر الشرّ هو الخطيّة، وتذكُّر الله هو المعرفة الحقيقيّة، والخطيّة هى الجحيم، والمعرفة هى النور.] (عظة 6: 176).

9- كيف تحقق مخافة الرب النمو الروحى؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

9 - كيف تحقق مخافة الرب النمو الروحى؟

إن كانت النفس التى تلتصق بالله وتتعرَّف عليه تتمتَّع بمخافته كثمر طبيعى أو قانونها الطبيعى التى تعيش به، فإن تعرُّفها على الله وتلامسها معه يتحقَّق حسب مستواها الروحى. يقول مارفيلوكسينوس: [يرتبط موقف كل واحد تجاه تذكُّر الله بموقف الإنسان تجاه نفسه: فإذا كان فى مستوى الخطاة يرى الله كقاض وديّان. وإذا صعد إلى المستوى الأعلى، مستوى التائبين، يرى الله إلهاً متسامحاً غافراً للخطيّة. وإذا كان فى مستوى الرحماء؛ يكتشف غِنَى رحمة الله. وإذا كان متحلياً بالوداعة واللطف، يرى رقة الله ولطفه. وإذا كان حكيماً، يتأمّل غِنَى حكمة الله الفائقة. وإذا كان بعيداً عن الغضب وخالياً من الهموم، وإذا كان السلام والهدوء يملكان على حياته فى كل حين، يرتفع إلى مستوى الرؤية النقيّة التى تعاين الله. وإذا كان نور الإيمان يشعّ باستمرار فى داخل نفسه، يرى فى كل حين أعمال الله العجيبة التى يُدرِكها عقل. أما إذا كان قد وصل إلى أعلى مستوى، مستوى الحب، فيرى الله كلّه حب. هذا هو العجب، أن الله الواحد البسيط فى طبيعته... يتراءى للجميع فى صور متعدّدة. من يبحث عنه يراه من جميع الجوانب التى يريدها... لا تتخيَّل إنك تراه صالحاً وأنت تفعل الشرّ... إنك تراه كما هو إذا صرت مثله ونفذت كل وصاياه. (عظة 6: 170 - 172).

المخافة هى بداية الطريق، تسند الإنسان حتى يبلغ بالنضوج إلى الحب الكامل. يقول مار فيلوكسينوس: [كما أن الخوف يصاحب طفولة هذا العالم ويدفعها لتعليم القراءة والكتابة، هكذا أيضاً تناسب مخافة الرب طفولة النفس، وتدفعها إلى تنفيذ الوصايا وعدم الاستهتار بكلام الله. (عظة 7: 194).

مخافة الرب الحقيقية هى معين المؤمنين فى بداية طريقهم كأطفال روحيّين، وهى أيضاً مُعَلِّم الشعب القديم بكونهم أطفالاً، وكما يقول مار فيلوكسينوس: [إذ كان يصعب جداً على إسرائيل أن يحبّوا الله، دفعهم موسى إلى الخوف منه. وصيّة الحب: "تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن نفسك ومن كل قوتك" (تث 5: 6) تخص الأبرار من بينهم. أما الذين كانوا مثل العبيد يخطئون باستمرار فكان يوصيهم أن يخافوا الرب. الخوف يمنع الشرّ، والحب يفعل الخير. فالوصيتان: خف الله وحب الرب إلهك قد وضعتا فى الناموس، حتى أن الذى يرتفع من خلال المخافة، يجد أمامه طريق الوصيّة الأكثر كمالاً، أى وصيّة الحب. ولكى يوضح الرسول الفرق بيننا وبينهم قال عن تلاميذ المسيح وأولاده: "إذ لم تأخذوا روح العبوديّة أيضاً للخوف" (رو 8: 15)؛ أى أن الرب لم يدعوكم لكى تصيروا عبيداً، ولا لكى تخافونه مثل العبيد، "بل أخذتم روح التبنّى" الذى يفعل كل شيءٍ باختياره.] (عظة 7: 198 - 199).

المخافة تسند المؤمن فى جهاده ضد الشرّ، خاصة فى مقاومته للأفكار الداخليّة. يقول مار فيلوكسينوس: [مخافة الرب هى اللجام الذى يوقف انطلاق الإنسان نحو ارتكاب الشرّ، ويجذبه للخلف حينما يستعبد للجرى وراء شهواته الكريهة، ليس فقط فى حياته الخارجيّة، بل وعلى وجه الخصوص فى حياته الداخلية الخفية.] (عظة 6: 181).

[الإنسان الذى يعيش فى تذكُّر الله كل حين يمتلئ بالمخافة، حتى عند مقاومته فكر شهوة يمر على نفسه، فيصير مرتعباً بسبب هذا الفكر. لكن يهرب الفكر فى الحال أمام مخافة النفس، كالعصفور الذى يهرب من أمام الإنسان الذى يقلق راحته. الخوف واحترام قوانين الناس يحافظان على الجسد ضد الشهوات. والمخافة وخجل الإنسان أمام الله يحافظان على النفس ضد أفكار الشرّ. لأنه إذ يعرف أن الله يراه فى كل حين، يراقب نفسه باستمرار لكى لا يخطئ. (عظة 6: 175 - 176).

8- هل مخافة الرب من طبيعة النفس؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

8 - هل مخافة الرب من طبيعة النفس؟

النفس التى تحمل صورة خالقها بطبيعتها التى خلقها بها الله لا تخاف آخر غيره، فالعالم بكل متاعبه وتهديداته وأحداثه لا يقدر أن يدخل إليها، ولا يهزّ كيانها، إلا إذا سمحت له بالدخول، وانحنت بإرادتها للخنوع له، واستعبدت نفسها له، عندئذ يكون خوفها خارجاً عن طبيعتها. يقول مارفيلوكسينوس: [لا تخاف النفس من رؤية أخطار الجسد، حتى إذا ظهرت خائفة، بسبب اتّحادها مع الجسد. حينما تخاف النفس من هذه الأخطار الجسدية، خوفها هذا يكون خارجاً عن طبيعتها، أى أن بخار خوف الجسد يصعد إليها ويظلم بصيرتها وحكمتها، وبالتالى تخاف مع الجسد من أمور لا تقدر أن تؤذيها] (عظة 6: 168).

واضح أن القديس فيلوكسينوس يُمَيِّز الجسد عن النفس فى الإنسان، لكنه لا يعتنق الثنائيّة، بل يعترف بوحدة الكيان الإنسانى أو الطبيعة البشريّة. للجسد سماته الخاصة به وهو خوفه من الماديّات والزمنيّات، وللنفس سماتها الخاصة بها وهى الخوف من الرب القادر وحده أن يدخل إليها ويسكن فيها. إن أعطى الإنسان لجسده حق القيادة، أخضع النفس لشهوات الجسد وضعفاته كالخوف من الأمور الزمنية، الأمر الذى هو خارج طبيعة النفس. أما إن خضعت نفسه لروح الرب، وصارت قائدة للجسد، يتقدس الجسد فلا يرتعب حتى من الموت، الأمر الخارج عن طبيعته.

بمعنى آخر إما أن يحيا الإنسان جسدانياً يستعبد نفسه لضعفات جسده، فيصير بكليّته فى ضعف كأنه كله جسد ضعيف! وأما أن يحيا إنساناً روحياً بروح الله فيصير بكليّته فى قوة الروح كأنه كلّه روح قوى فى الرب!

7- ما هى مصادر مخافة الرب؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

7 - ما هى مصادر مخافة الرب؟

عالج القديس مار فيلوكسينوس بطريقة إيجابية رائعة التمييز بين "الخوف" الذى يُحَطِّم النفس، وليد الفكر البشرى البحت، والخوف البناء الذى هو عطيّة الله. كثيرون يحاولون الدخول إلى "المخافة" بذارعهم أو فكرهم البشرى البحت، فيرون الله جباراً مخوفاً، يترقَّب الأخطاء ليدين كل بشر، يسكن معتزلاً فى سماواته، ولا يشعر بضعف الإنسان. أما المؤمنون الحقيقيّون فينالون "مخافة الرب" كعطيّة إلهيّة تبعث فيهم حياة التوبة بدموع صادقة، يصاحبها سلام الله الفائق وثقة كاملة فى الله المُخَلِّص، ورجاء حقيقى فى التمتُع بعجائبه وعربون أمجاده.

المخافة الأولى مرض خطير يدفع النفس إلى التقوقع والانغلاق على ذاتها، يلزم استئصاله إن دفعت إلى الندامة غالباً ما يصاحبها اليأس مع الضيق والتبرّم. أما مخافة الرب كعطيّة إلهيّة فإنها تهب مع حزن التوبة سلام الله الفائق، تكشف عن محبة الله فتهب رجاء. يخشى المؤمن الله كديّان، فيهرب لا إلى آخر بل إلى الديّان ذاته كمخلصٍ وفادٍ. ويبقى المؤمن تحت رعاية "خوف الله" الذى يسمو به، ويدخل به إلى أسرار الله الفائقة، حتى ينطلق مع التلاميذ الثلاثة بطرس ويعقوب ويوحنا على جبل تابور (مت17: 1). هناك يتجلَّى الرب فى قلبه، فيسقط معهم كما على الأرض... لكنه ليس سقوط الخزي واليأس؛ إنما سجود المخافة الممتزجة بإشراقات بهاء الله (مت17: 6 - 7). يشتاق ألا ينزل عن الجبل، بل يبقى محصوراً بهذه المخافة العجيبة التى تعكس على النفس بهاء، تشرق عليه بالنور الإلهى، فلا يطيق مفارقة الحضرة الإلهيّة. لعل هذا هو الدافع وراء تأكيد مصادر "مخافة الرب" وهى:

أولاً: الإيمان. يقول مارفيلوكسينوس: [علّمونا أن مخافة الرب الحقيقيّة تولد من الإيمان الحقيقى.] شتّان ما بين من يدفع نفسه بنفسه إلى الخوف، ومن يطلب بإيمان فيهبه الرب مخافته كعطيّة ونعمة مجانيّة. الأول يقول بلسانه إنه يخاف الله، دون أن تتحرك أعماق قلبه... هذا الخوف الكلامى دون الحياة يدفع إلى الفريسيّة، فيعيش الإنسان مرائياً، ينطق بغير ما يبطن؛ الأمر الذى يدفع به إما إلى الاستهتار أو إلى الملل والنفور من الحياة الروحيّة. أما من يفتح بالإيمان أعماقه ليتقبَّل مجاهداً عطيّة الله، تملك مخافة الرب على نفسه، وتحرّك كل طاقتها، ليعيش الإنسان بكل كيانه فى خوف الله المفرح. يخاف الله بلسانه كما بقلبه، بجسده كما بنفسه. يقول مارفيلوكسينوس: [مخافة الرب ليست أن نقول: إننى أخاف الرب، كما يفعل كثيرون؛ بل هى مخافة تتحرك طبيعياً فى داخل النفس، تجعلها ترتجف وترتعب فى داخلها، فتؤثر على جميع أعضاء الجسد، وليس على النفس وحدها.] (عظة 6: 162).

ثانياً: التأمّل فى الله وتذكَّره. يقول مارفيلوكسينوس: [طالما أن الأفكار غير ممتصّة فى تأمّل الله وتذكّره، فإنها تهيم خارج نفسها، وتنشغل فى أمورٍ أخرى بعيدة عن الرب. وحينما تتأمّل فى الخير تسكن فى نور تذكُّر الله. حينما تشرد فى أمور فارغة وباطلة، تكون فى الجحيم، ومن يكون فى ظلام الجحيم لا يرى ولا يُرَى، لا يميز ولا يُميز، لا يعرف ولا يُعرف، بل يكون محروماً من جمال رؤية الخليقة، وغير مميّز لطريقه، وغير عارف بخط سيره] (عظة 6: 160) [كما أن النور يتلألأ فى الحدقة عندما تنفتح العين، هكذا أيضاً تتلألأ مخافة الرب فى الفكر بتذكُّر الله.] (عظة 6: 174).

المخافة التى تنبع عن التمتُع بالحضرة الإلهيّة وتذكُّر الله الدائم، تنقل المؤمن من الظلام كما إلى النور الإلهى، وتهبه نوعاً من الاستنارة: يرى ويعرف ويتمتَّع. يرى الله حاضراً فى كل حياته، ويرى كل ما صنعه جميلاً وممتعاً؛ ويُمَيِّز مشيئة الله عن كل مشيئة مخالفه؛ ويعرف أسرار الله، ويتمتَّع بأعمال الله العجيبة. هكذا بالتذكّر الدائم لله، والتمتّع بحضرته، ينال المؤمن رؤية صادقة وتميزاً ومعرفة وعربون مجد!

بتذكُّر الله أيضاً ينعم المؤمن بمخافة الرب فيصير مرئياً ومميّزاً ومعروفاً! ماذا يعنى هذا؟ من يذكر الله يذكره الله، ومن يخاف الله يهبه الله مخافة وكرامة وتقديراً فى أعين السمائيّين والأرضيّين، بل وفى نظر كل الخليقة. مخافة الرب لا تُحطِّم المؤمن أو تذلّه بل تهبه تقديراً خاصاً ونعمة! خف الله كما يليق، فتصير مخوفاً!

لقد أورد كاتب الاكلمنضيّات ذلك فقال متحدّثاً عن عدو الخير إبليس وكل جنوده: "إن أصغر إنسان مسيحى (يخاف الله) هو أقوى من أعظم شيطان!".

ثالثاً: اللَّهج فى كلمة الله. يقدّم لنا القديس فيلوكسينوس كلمة الله كمصدر حىّ للمخافة الإلهيّة، موصياً إيّانا ألا نردّدها بلساننا فقط، وإنما نعيشها فى قلوبنا، فتُفَجِّر فى داخلنا ينابيع إلهيّة تروى النفس، وتحوّل قفرها إلى فردوس مثمر. يقول مارفيلوكسينوس: [لننشغل دائماً بكلمة الله، ليس فقط بترديدها بألسنتنا، وإنما أيضاً بتأمّلنا فيها فى داخل قلوبنا، لكى يتكلم اللسان من فضلة القلب... من يرتوى باستمرار من التعليم الإلهى، يعطى كل حين ثماراً إلهيّة. تعلن أسرار القلب الخفية، وتظهر من خلال سلوك الحواس الأخرى وتصرفاتها. (عظة 6: 160).

إذ تنعم النفس بمخافة الرب كهبة إلهيّة تتمتَع بها خلال الإيمان الحىّ العامل بالمحبة (غل 5: 6) وتأمّلها الدائم فى الله مخلصها، ولهجها المستمر فى كلمة الله الفعّالة. تصير مخافة الرب قانون النفس أو ناموسها الروحى الطبيعى، وهى غير مخافة الجسد. يقول مارفيلوكسينوس: [يخشى الجسد الأشياء التى تؤذيه، وتخشى النفس ذاك الذى يستطيع أن يهلكها. يخشى الجسد هجمات الحيوانات المفترسة الخارجيّة، ويخاف من النار، ومن السيوف، ومن الغرق، ومن السقوط من المواضع المرتفعة، ويخشى اللصوص، والقضاة، والقيود، والسجون. هكذا تخاف أيضاً النفس بطبيعتها من القاضى والديّان الذى يستطيع أن يعذبها هى والجسد بالعذابات الروحيّة التى تناسب طبيعتها. وكما يخاف الجسد بطبيعته من جميع تلك الأشياء التى ذكرناها، هكذا أيضاً تخاف النفس بطبيعتها من دينونة الله... بالرغم من أن طبيعة النفس لا تتأثر بما يصيب الجسد. لكن لأنها متحدة به تخاف معه. وبالرغم من أن عينىّ الجسد لا تستطيع أن تنظرا العذابات الآتية، فمع ذلك، لأن النفس ترى تلك الآلام فى الخفاء وترعب منها، فإنها تجعل الجسد بجميع أعضائه يخاف ويرتعب. (عظة 6: 163).

6- ما هو مركز “مخافة الرب” فى سلّم الحياة الإيمانيّة العملية؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

6 - ما هو مركز "مخافة الرب" فى سلّم الحياة الإيمانيّة العملية؟

يُقَدِّم لنا مار فيلوكسينوس سلّم الحياة الإيمانيّة العمليّة، فيبدأ بدرجاته الثلاث: الإيمان والبساطة وخوف الرب. ليست هناك شركة مع الله بدون إيمان، ولا يمكن أن يقوم الإيمان إلا من خلال البساطة التى وهبها الله للنفس كى تلتقي معه كطفل بسيط يؤمن بأبيه ويتعلَّق به. هذه البساطة التى تلد الإيمان هى التى تحفظه لتستمر النفس بنعمة الله ثابتة فى إيمانها. خلال هذا الإيمان تتمتَّع النفس بمخافة الرب. تؤمن به وتدرك عظمته، فتخافه، وتكرمه، وتحفظ وصاياه. فالإيمان إذن يلد "مخافة الرب"؛ فيحفظ الإنسان المؤمن الوصية ويطيعها خوفاً من العقاب. وإذ ينمو بالنعمة، يطيع الوصيّة كابن يخشى أن يجرح مشاعر أبيه. يقول مار فيلوكسينوس: [تولد مخافة الرب الحقيقيّة من الإيمان الحقيقى، فمن يؤمن حقيقة، حقاً يخاف ذاك الذى يؤمن به... يولد الإيمان من البساطة الطبيعيّة، كما يحفظ ويثبت أيضاً بتلك البساطة... تحافظ البساطة على الإيمان، وتحافظ مخافة الرب على وصايا الله (عظة 6: 162) كما يقول: [لنتحدَّث عن مخافة الرب بفكر يخاف الرب.] (عظة6: 159).

إنه لا يريد "مخافة" الجدل والكلام، وإنما مخافة خبرة الروح الحية! فالفكر البشرى هو هبة يُقَدِّمها الله للإنسان، تحتاج أن تدخل فى دائرة مخافة الرب، تقوده كطفل صغير فى رعاية أبيه أو أمه، يسير معها ليتعرَّف على أسرار الحياة ويتدرَّب وينمو وينضج!

4- هل مخافة الرب تتجاهل حنوه؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

4 - هل مخافة الرب تتجاهل حنوه؟

قَدَّم الكتبة والفريسيون للسيد المسيح امرأة أُمسِكَت فى زنا، ولما أقاموها فى الوسط، قالوا له: يا معلم هذه المرأة أُمسِكَت (وهى تزنى) فى ذات الفعل. وموسى فى الناموس أوصانا أن مثل هذه تُرجَم، فماذا تقول أنت؟ (يو8: 3 - 5) وجاءت إجابته لا تتجاهل العدالة كما فتحت لها طريق الحنو. لهذا مخافة الرب تكشف عنه أنه حلو وحق فى نفس الوقت. يقول القدِّيس أغسطينوس: [سمعنا صوت العدالة: "من كان منكم بلا خطية فليرمها أولاً بحجر" (يو8: 7)، لنسمع أيضاً صوت الرحمة... ذاك الذى طرد خصومها بلسان العدل رفع عينيّ الرحمة إليها، قائلاً لها: "ولا أنا أدينك؛ اذهبى، ولا تخطئى أيضاً". ليحذر الذين يحبون فى الرب لطفه، وليخشوا حقه! فإن الرب حلو وحق (مز35: 8). أنت تحبه بكونه حلواً، لتخشه بكونه الحق... الرب رقيق، طويل الأناة، حنَّان، لكنه أيضاً عادل وحق. إنه يفسح لك المجال للإصلاح، لكنك تحب تأجيل الدينونة أكثر من إصلاح طرقك! هل كنت بالأمس شريراً؟ لتكن اليوم صالحاً. هل أنت مستمر اليوم فى شرِّك؟ لتتغيَّر غداً... لكن كيف تعرف أن غداً يأتى؟... الله وعد بالغفران لمن يُصلح من شأنه، لكنه لم يعدني بأن يطيل حياتى (للغد)!].

5 - يقول يوحنا: "المحبة الكاملة تطرح الخوف إلى خارج" (يو4: 18)، فلماذا يقول النبى الطوباوى داود: "اتقوا (خافوا) الرب يا قديسيه" (مز34: 9)؟

يجيب القديس دوروثيؤس [هذا يكشف عن نوعين من الخوف: النوع الأول أولي، والنوع الثانى خوف كامل. الأول يخص المبتدئين، والثانى يخص القديسين الكاملين الذين بلغوا إلى قامة الحب الكامل. فمن يطيع إرادة الله بسبب خوفه من العذاب يكون خوفه مبتدئاً. وأما الذى يُنَفِّذ إرادة الله بسبب حُبِّه لله لكى يرضيه، وقد بلغ بهذا الحب إلى الخوف الكامل. وبواسطة هذا الخوف (الكامل) يخاف لئلا يفقد تلك البهجة التى يتمتَّع بها بوجوده مع الله ويخشى لئلا يخسرها. هذا هو الخوف الكامل، المولود من الحب، الذى يطرد الخوف البدائى إلى الخارج[265].].

ويحدثنا القديس مار فيلوكسينوس عن مخافة الرب طوعاً ومخافة الرب كرهاً، قائلاً: [لأن قايين لم يخف الله طوعاً، ملكت المخافة عليه كرهاً، وأصبح مرتعباً، هائماً على وجه الأرض، وتحت عذاب الخوف كان يرجو الله أن يجعل أى إنسان يقتله، لكى يتخلَّص من هذه الحياة المملوءة خوفاً ورعباً!].


[265] - الفيلوكاليا، 1993، ص187.