7- كيف نتهيَّأ بالصوم للدخول فى المعركة الروحية؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

7 - كيف نتهيَّأ بالصوم للدخول فى المعركة الروحية؟

فى التجربة على الجبل وسط البرية كان مسيحنا قائد المعركة صائماً (مت 4: 1 - 2)، حتى نتشبَّه نحن به كجنودٍ صالحين له. إنه النموذج الرائع كقائدٍ لنا، يُدَرِّبنا أثناء أصوامنا أن نُرَكِّز أنظارنا على قائدنا الصائم مُحَطِّم إبليس ومملكته. عرف الآباء أن فترات الصوم الكنسية هى أكثر فترات الحروب الشيطانية. وبفكرهم الروحى الصادق يُعَلِّلون ذلك كعلامة رعبٍ الشياطين من الصائمين الحقيقيين.

يقول القدّيس أغسطينوس: [عندما يوجد صراع متزايد من المُجرّب يلزمنا أن نصوم، حتى يقوم الجسد بالواجب المسيحى فى حربه ضدّ (شهوات) العالم بالتوبة وحث النفس على النصرة فى تواضع!] ويقول القديس يوحنا سابا: [لا تملأ بطنك كثيراً لئلا يعذبك الزنا، ولا تُضعف جسدك لئلا يفرح مبغضوك. تمّسك بطقس الاعتدال، فتسلك فى الطريق الملوكى، ويكون مسيرك بغير خوفٍ[295].].

ويقول القدّيس كيرلس الكبير: [صام المسيح "وجاع" لأنه قَبِلَ أن يكون مثلنا، فكان لابد أن يتحمَّل ما يجب أن يتحمَّله إنسان بشرىٍ.].

ويقول مار اسحق السريانى: [كل جهاد ضد الخطية وشهواتها يجب أن يبدأ بالصوم... خصوصاً، إذا كان الجهاد بسبب خطية داخلية.] كما يقول: [بدأ مُخَلِّصنا عمل خلاصنا بالصوم، وهكذا يليق بكل الذين يريدون أن يقتفوا أثر خطواته أن يبدأوا جهادهم على هذا الأساس. الصوم هو السلاح الذى أسسه الله، فكيف لا يُلام من يحتقره؟! إن كان مُعطِي الناموس قد صام بنفسه، فكيف لا يصوم من وجب عليهم طاعة الناموس؟] ويقول القديس يوحنا التبايسي: [صوم الجسد هو البعد عن المأكولات، أما ا لصوم الروحى فهو جوع الإنسان وعطشه إلى البرّ.].

ويقول القدِّيس جيروم: [بعد أن أعطيتم اهتماماً عظيماً لأفكاركم يليق بكم أن تلبسوا سلاح الصوم، وتتغنوا مع داود: "أدّبت بصومٍ نفسى" (مز 69: 10)، "أكلت الرماد مثل الخبز" (مز 102: 9)، "أما أنا ففى مضايقتهم لى كان لباسي مُسحاً (مز 35: 13). استُبعِدَت حواء من الفردوس لأنها أكلت الثمرة الممنوعة. ومن جانب آخر حُمِل إيليا فى مركبة نارية إلى السماء بعد أربعين يوماً من الصوم... وفى أيوب كتب عن بهيموث:" قوته فى متنيه، وشدته فى عضل بطنه "(أي 40: 16) [296].].

من العادات القديمة أن يكف الإنسان فى حزنه عن الطعام، خاصة فى حالة وفاة أحد أقربائه أو أصدقائه، ويلبس مسوحاً. هنا يُعّبِّر المرتل عن أقسى حالات الحزن، فلا يكف عن الطعام والشراب فحسب، إنما يكون كمن يأكل رماداً (مز 102: 9) يُحَطِّم جسمه، ويزيده عطشاً، وتنسكب دموعه بغزارة، وتتسلل إلى فمه كأنها شراب له.


[295] - رسالة 18.

[296] St. Jerome: Letter 10: 130.

6- لماذا يدعونا الخالق لممارسة الطقس الملائكى؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

6 - لماذا يدعونا الخالق لممارسة الطقس الملائكى؟

باستعباد الإنسان نفسه لبطنه فقد جنة عدن، لكن يبقى الله يشتهى دعوة بنى أدم لا إلى جنة أرضية بل إلى الفردوس السماوى، لا يحتاج الإنسان إلى طعام أو شراب. فالصوم هو علامة قبول المؤمن لهذه الحياة وشوقه إليها بكل فرح. يقول القدّيس غريغوريوس النيسى: [كما أن القيامة تقدّم لنا حياة تتساوى مع الملائكة، ومع الملائكة لا يوجد طعام، فإن هذا يكفى للاعتقاد بأن الإنسان الذى سيحيا على الطقس الملائكى يتبرّر من هذا العمل (من العبوديّة للطعام والشراب) [292].] ويقول القديس باسيليوس الكبير: [لقد نُفينا من الفردوس الأول الأرضى، لأننا لم نصم، فيلزمنا أن نصوم لكى نرجع إلى الفردوس السماوى... لأن الصوم يرد لنا الخسائر المتسببة عن عدم صوم آدم، ويصالحنا مع الله.] ويقول القدّيس جيروم: [صام موسى لمدة أربعين يوماً وأربعين ليلة على جبل سيناء (تث 9: 9)، وأظهر أن الإنسان لا يحيا بالخبز وحده، بل بكلمة لله... تسلم موسى بمعدة فارغة الشريعة المكتوبة بإصبع الله. أما الشعب الذى أكل وشرب قام للعب وصبوا عجلاً ذهبياً، وفضلوا العجل المصرى عن جلال الله... كسر موسى اللوحين، إذ عرف أن السكارى لا يستطيعون أن يسمعوا كلمة الله[293].].

يقول القدّيس مار فيلوكسينوس: [لماذا تغلبك البطن كأنك طفل؟ ولماذا تجعل شهوة الطفولة تسخر بك؟... إن الثمرة التى أكلتها حواء ليست هى التى أدخلت الموت إلى العالم، بل الشهوة. فلو أن حواء أطاعت الوصية ولم تأكل آنذاك بشهوة، لأكلت بعد ذلك مرات عديدة دون أن يلومها أحد، ولاقتربت من الشجرة ببساطة كما تقترب من اية شجرة أخرى وسط الجنة[294].].


[292] On Making of Man 9: 18.

[293] St. Jerome: Against Jovinianus, Book 15: 2,.

[294] Homily 425: 11, 429, 440, 446.

5- ما هو ارتباط الصوم ببنى العرس؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

5 - ما هو ارتباط الصوم ببنى العرس؟

لماذا يقول السيد المسيح: "هل يستطيع بنو العرس أن ينوحوا مادام العريس معهم؟ ولكن ستأتى أيام حين يرفع العريس عنهم فحينئذ يصومون" (مت 9: 15). كأن الصوم ليس مجرّد واجب يلتزم به المؤمنون، إنما هو عمل خاص ببنى العرس الذين يصومون كمعين لهم فى حياة الندامة (النوح) والتوبة، أى ليس كغاية فى ذاته، وإنما من أجل الدخول إلى العريس والتمتّع بالعرس خلال التوبة. فإن كان العريس نفسه حاضراً فى وسطهم فما الحاجة إلى الصوم؟ إنه سيرتفع عنهم جسدياً فتمارس، الكنيسة صومها لتتهيّأ لمجيئه الأخير فتلتقى معه فى العرس الأبدى. مادام العريس مرفوعاً لا نراه حسب الجسد، وجهاً لوجه، فيلزمنا أن نصوم لا عن الطعام فحسب، وإنما عن كل لذّة وترف من أجل طعام أفضل سماوى ولذّة روحيّة أبديّة وأمجاد علويّة هى فى جوهرها تمتّع بالعريس نفسه. يرى القديس باسيليوس الكبير أن الصوم يرفع النفس إلى السماء كأنما على أجنحة، وهو جمال الشيوخ ومربى الشباب ورفيق المسافر[291].

لو أن أخاً زار أخاه بعد غيبة طالت نحو عشرات السنوات، جاءه فجأة، وكان إخوة يأكل، ماذا نتوقع من الأخ الذى يأكل سوى أن يترك طعامه – مهما كان جائعاً – ويحتضن أخاه. ينسى أكله وشربه، فمنذ عشرات السنوات لم يرّ أخاه. إنها مفاجأة مفرحة! هكذا بالصوم نترك موائدنا، لا كنوعٍ من التنسك، وإنما بالأكثر لانشغالنا بالسماوى، نلتقى معه، وندخل معه فى حوارٍ عذب، نعبر عن شوقنا إليه، وعدم انشغالنا حتى بالاحتياجات الجسدية.


[291] - الأب الياس كويتر المخلصى: القديس باسيليوس الكبير، منشورات المكتبة البولسية، بيروت، 1989، ص 75، عظة عن الصوم.

4- لماذا اختار ربنا يسوع موسى وإيليا للتمتع برؤيته والحديث معه فى تجلّيه؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

4 - لماذا اختار ربنا يسوع موسى وإيليا للتمتع برؤيته والحديث معه فى تجلّيه؟

كانت شهوة قلب موسى النبى الذى صام أربعين يوماً وأربعين ليلة أن يرى مجد الله (خر 33: 18) ويتحدث معه. كما تجلى ربنا يسوع أمام موسى وإيليا اللذين صاما أربعين يوماً. وكأن الرب يدعونا أن نشترك معهما فى صومهما، وأن تتقدس أصوامنا بصومه الإلهى فيتجلى رب المجد كما على جبل طابور داخل القلب، ويقيم الرب ملكوته فى داخلنا كوعده الإلهى: "ملكوت الله داخلكم" (لو 17: 21).

ونحن نصوم للانشغال برؤية الله والحديث معه؛ قائلين: "ها نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك" (لو 18: 26). على جبل تابور طلب القديس بطرس: "جيد يا رب أن نكون ههنا" (مت 17: 4). حقاً مسكين من يصوم ولا ينشغل برؤية الرب والحديث معه، فإنه يعانى من جوع الجسد والنفس!

يقول القديس باسيليوس الكبير: [الصوم هو الذى جعل إيليا النبى يشاهد رؤى إلهية. إذ صام مدة أربعين يوماً وتنقت نفسه واستحق أن يرى الرب على جبل حوريب (1مل 19: 8 - 13)، الأمر الذى هو صعب الحديث لأى إنسان. بالصوم أعاد إيليا الحياة إلى ابن الأرملة، فأقامه وسلّمه إليها (1مل 17: 21)، إذ بواسطة الصوم برهن انه أقوى من الموت[290].].


[290] - عظة 1 عن الصوم: 6؛ ص 18. ترجمة د. جورج عوض ود. سعيد حكيم.

3- ماذا فعلت شهوة الطعام فى شعب الله؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

3 - ماذا فعلت شهوة الطعام فى شعب الله؟

يقول القديس باسيليوس الكبير: [من هم الذين سقطوا فى الصحراء أثناء ترحال شعب الله إلى أرض الموعد؟ (عب 3: 17) أليس هؤلاء الذين طلبوا أكل اللحم؟ (عد 11: 33). هؤلاء البشر لم يكتفوا بالمنِّ ولا بالماء الذى خرج من الصخرة، وكانوا بالأمس قد انتصروا على المصريين وعبروا البحر الأحمر. لكن بسبب أنهم اشتهوا اللحم المطبوخ فى الأوانى (انظر خر 16: 3)، تقهقروا إلى الخلف، ولم يرَ أحد منهم أرض الموعد[289].].


[289] عظة 1 عن الصوم: 9؛ ص 25. ترجمة د. جورج عوض ود. سعيد حكيم.

2- ماذا يقول آباء الكنيسة عن الصوم؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

2 - ماذا يقول آباء الكنيسة عن الصوم؟

يقول القديس باسيليوس الكبير: [الصوم حارس للنفس، ورفيق أمين للجسد، الصوم سلاح الشجعان، ومدرب النُساك، الصوم يصَّد التجارب، ويُمهد الطريق للتقوى. إنه رفيق الهدوء وصانع العفة. الصوم يعمل أعمالاً باهرة فى الحروب، ويُعلَّم السكينة فى وقت السلام. الصوم يُقدِّس النذير ويجعل الكاهن كاملاً. الصوم يجعل العاقر تلد أولاداً، ويصنع الأقوياء، ويجعل المشرّعين حكماء لأنه كيف للكاهن أن يصلى بدون صوم؟ لقد كانت ممارسة الصوم أمراً ضرورياً ليس فقط فى عبادة العهد الجديد السرائرية ولكن أيضاً بالنسبة للعبادة الناموسية[286].].

[الصوم هو تشبه بالملائكة، رفيق الأبرار، حياة العفة. الصوم هو الذى جعل موسى مشرِّعاً. وصموئيل أيضاً هو ثمرة صوم حنة النبيه التى صلّت إلى الله بعدما صامت قائلة: "يا رب الجنود إن نظرت نظراً إلى مذلة أمتك، وذكرتنى ولم تنسَ أمتك بل أعطيت أمتك زرع بشر فإنى أعطيه للرب كل أيام حياته" (1صم 1: 11). "وخمراً ومسكراً لا يشرب حتى يوم الموت" (انظر قض 13: 14). الصوم هو الذى أسس ونمّى شمشون العظيم. وحتى ذلك الحين الذى وقف معه آخرين ضد آلاف القتلة من الأعداء، هدم أبواب المدينة وحده والأسوار لم تتحمله بسبب قوة يديه (قض 16: 29 - 30). لكن عندما وقع أسيراً للسكر والزنا، وقع فى أيدى الأعداء بعدما فقد بصره وصار ألعوبة فى أيدى عبيد أمم غريبة (قض 6: 21). وبصوم إيليا توقفت السماء عن أن تُعطى مطراً ثلاث سنين وستة أشهر (1مل 17: 1). فقد دعته الضرورة أن يدعو المستمعين إليه إلى صوم انقطاعى عن الأكل بعدما رأى أنه بسبب شهوة الأكل ازداد الظلم والإهانة بين الشعب. بهذا الإجراء توقف خطيتهم، لأن الصوم قد قطع الطريق نحو تفاقم الشر، كما لو أنه قد قُطع بمقطع حاد[287].].

دانيال الرجل الذى لم يأكل خبزاً لمدة ثلاثة أسابيع ولم يشرب خمراً (دا 10: 2 - 3) علّم الأسود أن تصوم عندما نزل جُب الأسود (انظر 6: 16 - 22) والأسود لم تستطع أن تلتهمه بأسنانها وكأن جسده مصنوع من الحجر الصلد أو النحاس أو من أى معدن آخر صلب. هكذا يُقوَّى الصوم الجسد ليصير مثل الحديد مما جعل الأسود لا تقوى عليه. لأنهم لم يستطيعوا أن يفتحوا أفواههم أمام القديس. الصوم "أطفأ قوة النار وسد أفواه الأسود" [288].


[286] - عظة 1 عن الصوم: 6؛ ص 17 - 18. ترجمة د. جورج عوض ود. سعيد حكيم. بالمركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية 2005.

[287] عظة 2 عن الصوم: 6، ص36 - 37. ترجمة د. جورج عوض ود. سعيد حكيم.

[288] عظة 1 عن الصوم: 7؛ ص 20، ترجمة د. جورج عوض ود. سعيد حكيم.

1- ما هى حاجة المؤمن للصوم؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

1 - ما هى حاجة المؤمن للصوم؟

الله الذى خلق كل شيءٍ من أجل الإنسان ليقيم منه ملكاً يتمتع بالحياة، قدم له وصية واحدة، ألا يأكل من شجرة معرفة الخير والشر. وهو فى هذا لا يطلب أن يحرمه من شيءٍ، إنما أراد له أن تمتد يده ليأكل من شجرة الحياة فيحيا خلال الطاعة فى أبدية سعيدة مثل الملائكة القديسين. وكان يمكن لآدم وحواء أن يتحديا إبليس وكل جنوده بطاعتهما للوصية الإلهية، فيعلنا بصومهما أن حبهما لله يسمو فوق كل شيء. لقد غرس الرب لهما جنة عدن (تك 2: 8) ليقيم من قلبيهما فردوساً فائقاً.

يقول القديس باسيليوس الكبير: [بدأ الصوم فى الفردوس عندما قال الرب لآدم: "لا تأكل من شجرة الخير والشر". وقد طُرد أبوانا الأولان من الفردوس بسبب عدم الصوم. فالصوم إذن هو الذى به ندخل إلى الملكوت. لا ترتجف ولا تخف من الصوم. ألا يحتاج جسدك إلى دواء؟ كذلك نفسك هى بحاجة أحياناً كثيرة إلى دواء. فالصوم هو دواء النفس للتخلص من الخطيئة[285].].

وفى العهد القديم قدمت يهوديت نصيحة للقادة كما للشعب: "اعلموا أن الرب يستجيب لصلواتكم، إن واظبتم على الصوم والصلوات أمام الرب" (يهوديت 4: 12).


[285] - راجع الأب الياس كويتر المخلصى: القديس باسيليوس الكبير، منشورات المكتبة البولسية، بيرت 1989، ص288.

17- كيف لا نخاف من الشيطان؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

17 - كيف لا نخاف من الشيطان؟

يقول هرماس: [اخش الرب واحفظ وصاياه التى تقوّيك فى كل أمورك، فلا يكون مثيل لأعمالك... لا تخف الشيطان إذا خشيت الرب، فإن خشيتك لله تعطيك سلطاناً على الشيطان[278].].

لا يخاف المؤمنون خائفوا الرب من الشيطان، بل تخاف الشياطين من رجال الله[279].

آمن القديس يوحنا الذهبى الفم بالدوافع أياً كانت كعطايا صالحة وهبت لنا من قبل الله. فالغضب عطية عظيمة أعطيت لنا، بدونها لا نقدر أن نمارس التوبة، ولا نحارب الشيطان ونقاتل ضد الخطية. إنه يقول: [لقد زرع فينا الغضب كنوع من المنخاس لكى نصر على أسناننا ضد الشيطان، مملوئين عنفاً ضده، وليس ضد بعضنا البعض. أسلحتنا هى لمحاربة العدو وليس لمحاربة بعضنا البعض. هل أنت غضوب؟ كن هكذا ضد خطاياك. أَدِّب نفسك، واجلد ضميرك، وكن قاضياً قاسياً، واحكم بلا رحمة على خطاياك.] [إنى أؤكد لكم، وأكرر بأعلى صوتى، مخبراً إياكم عن ملجأ شاهق العلو: أن المسيحى لا يخشى أحداً من سكان الأرض... بل ولا من الشيطان، إبليس الطاغية... ما لم يضر الإنسان نفسه أولاً.] ويقول القديس ديديموس الضرير: [إن كانت القوات والقوى ورؤساء عالم الظلمة والأرواح الشريرة تجرينا، فلا يفترض فينا أن ندخل معهم فى حوارٍ أو نقيم معهم مصالحة، إنما يلزم محاربتهم. وعندما نخضعهم وننال سلطاناً أن ندوس على الحيات والعقارب (لو 10: 19)، عندئذ يكون وقت للسلام. هكذا يلزم أولاً سحق الشيطان تحت أقدام القديسين. عندما يكون وقت للحرب يليق بالإنسان أن يطأ على قوة العدو. وعندما نهزمهم يمكننا أن نعيش فى سلامٍ ثابت، ويتحرر تفكيرنا من الارتباك ويكون لنا وقت سلام[280].] ويقول القديس أوغريس: [عمل الغضب الطبيعى (كدافعٍ مقدس) هو شن الحرب ضد الشياطين والصراع ضد كل نوعٍ من أنواع اللذة الشريرة[281].].

يقول القديس أغسطينوس: [الشيطان وملائكته هم الأعداء الذين نُصَلِّى ضدهم. إنهم يحسدوننا على ملكوت السماوات، يريدوننا ألا نصعد إلى الموضع الذى طُرِدوا منه. لنصلّ ضد هؤلاء لكى تخلص نفوسنا[282].] ويقول الشيخ الروحَانى (يوحنا الدّلياتى): [كما يخاف الذئب من اللقاء مع فارسٍ شجاعٍ، هكذا تخاف الشياطين ممن ينظر الخفايا، ويُدَبِّرون الحيل للساقطين فى أيديهم كى لا يذهبوا إلى ناظر الخفايا، فإنهم يلقون على المطيعين لهم خوفاً من اللقاء مع رجل الله. أحياناً يلقون فيهم حياءً منه واحتشاماً؛ مستخدمين كل وسيلة ليبعدوهم عنه، لئلا يجدوا عنده دالة، ويخلصهم من أيديهم[283].] وأشار ما ر أفرآم إلى نقل عظام توما الرسول فى تسابيحه، قائلاً: [يولول (الشيطان) الشرير: أين يمكننى الهروب من البار؟ [284]].


[278]

[279] - راجع للكاتب: الشيطان ونصرتنا عليه 2005، الباب الثالث.

[280] Commentary on Ecclesiastes, 21: 81.

[281]

[282] On Ps. 30.

[283] - ميمر على العطايا التى من الروح للمتمتعين بالهذيذ.

[284] Carmina Nisibena 1: 42: 1 - 2: 2. Cf. C. Nis. 62: 27; 9: 49 - 40; Acta Thomae 1 - 2.

16- ما هو الفرق بين الخوف الذى تطرحه المحبة إلى خارج، والخوف النقى الثابت إلى الأبد؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

16 - ما هو الفرق بين الخوف الذى تطرحه المحبة إلى خارج، والخوف النقى الثابت إلى الأبد؟

يقول القديس أغسطينوس: [يمكننا إدراك الفرق بين الخوف الذى تطرحه المحبة إلى خارج، والخوف النقى الثابت إلى الأبد إذا ما قارناهما بنوعين من النساء:

1. سيدة تشتهى ارتكاب الزنا وتتلذذ بالشر، لكنها تخاف نقمة زوجها. تخافه لكنها لا تزال تحب الإثم، ووجود زوجها يُسَبِّب لها ضيقاً وحزناً. وإن حدث أن سلكت فى الشر تخشى مجيئه... هكذا يخشى البعض مجيء الرب.

2. والثانية تحب زوجها وتشعر أنها مدينة له بقبلاتها الطاهرة، فتحفظ نفسها من الزنا مشتهية مجيئه والجلوس معه.

هكذا كل من الاثنتين تخاف رجلها... الأولى تخشى مجيئه، والثانية تخشى لئلا يرحل عنها. الأولى تخاف عقابه، والثانية تخاف تركه لها. فالنفس التى لها الخوف النقى تئن متألمة "رحمة وحكمة أُغَنِّى لك يارب أرنم. أتعقل فى طريق كامل متى تأتى إلىّ" (مز 101: 1). فى طريق كامل تتعقل فلا تخاف، لأن المحبة تطرح الخوف إلى خارج، وعندما يأتى العريس إلى ذراعيها تخاف لكن كمن هى فى أمان... تخاف لا من أن تطرح فى جهنم، وإنما لئلا يكون فيها إثم أو خطية فيتركها عريسها[275].].

يقول القديس مقاريوس الكبير: [الرسل أنفسهم مع أنه كان فيهم المعزى إلا أنهم لم يكونوا خالين من الخوف مُطلَقاً (1كو 9: 27)، لأنه مع الفرح والبهجة كان فيهم أيضاً الخوف والرعدة (في 2: 12 - 13) الناشئين عن النعمة ذاتها، وليس عن الطبيعة الفاسدة. ولكن تلك النعمة عينها كانت حارسة لهم لئلا يزيغوا ولو قليلاً.] ويقول القديس مرقس الناسك: [الخوف من جهنم يشجع المبتدئين حتى يتركوا شرهم. أما المتقدمون فإن رغبتهم فى المكافأة تُحَفِّزهم على تنفيذ الصلاح. وأما سرّ الحب فهو أنه يسمو بالعقل ليرتفع فوق كل المخلوقات خافياً عن عينيه كل شيء غير الله[276].].

سأل أخّ شيخاً: كيف تقتنى النفس مخافة الله؟ فأجابه: "إذا لم تنظر النفس الله لا تخافه". فقال له: "وبماذا يظهر الله للنفس"؟ أجابه: "بالعزلة والضيقة وصراخها كل حين بشوقٍ لا يفتر قائلةً:" يا ربى يسوع المسيح ". فإذا كان ذكره دائماً فى قلبك كل حين، فهو يجيء ويسكن فيك ويعلِّمك كل الأعمال الصالحة" [277].


[275] St. Augustine: 10 Homilies on 1st Epistle of. John.

[276] - الفيلوكاليا.

[277] - راجع دير القديس مقاريوس الكبير: فردوس الآباء (بستان الرهبان الموسع).

15- من يقدر أن ينزع الخوف عنا؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

15 - من يقدر أن ينزع الخوف عنا؟

يقول القديس أغسطينوس: [لماذا تخافون أيها المسيحيون؟ المسيح يقول: "أنا هو لا تخافوا" (مت 14: 27). لماذا تنزعجون لهذه الأمور؟ لقد سبق فأخبرتكم بهذه الأمور أنها ستحدث حتماً... "أنا هو لا تخافوا. فرضوا أن يقبلوه فى السفينة". إذ عرفوه وفرحوا تحرروا من مخاوفهم. "وللوقت صارت السفينة إلى الأرض التى كانوا ذاهبين إليها". وُجدت نهاية عند الأرض، من المنطقة المائية إلى المنطقة الصلدة، من الاضطراب إلى الثبات، من الطريق إلى الهدف[266].].

كما يقول: إنه يُدخل اسم "أحباء" بطريقة يسحب بها اسم "عبيد"، وليس كمن يضم كليهما فى تعبيرٍ واحدٍ، وإنما الواحد يحتل الموضع الذى يتخلَّى عنه الآخر. ماذا يعنى هذا؟... إنه يوجد نوعان من الخوف، يُنتجان نوعين من الخائفين، هكذا يوجد نوعان من الخدمة، يُنتجان نوعين من الخدم. يوجد خوف يطرده الحب الكامل (1يو 4: 28) ويوجد خوف آخر طاهر يبقى إلى الأبد (مز 19: 9). الخوف الذى ليس فيه حب، يشير إليه الرسول عندما يقول: "إذ لم تأخذوا روح العبودية أيضاً للخوف" (رو 8: 15). لكنه أشار إلى الخوف الطاهر عندما قال: "لا تستكبر بل خف!" (رو 11: 20). فى ذلك الخوف الذى يطرده الحب خارجاً توجد أيضاً الخدمة المرتبطة به، فإن الرسول يربط الاثنين معاً، أى الخدمة والخوف، إذ يقول: "إذ لم تأخذوا روح العبودية (الخدمة) للخوف". مثل هذا الخادم يرتبط بهذا النوع من الخدمة هذا الذى كان أمام عينى الرب عندما قال: "لا أعود أسميكم عبيداً، لأن العبد لا يعلم ما يعمله سيده". بالتأكيد ليس العبد المتسم بالخوف الطاهر، الذى يُقال عنه: "أيها العبد الصالح، أدخل إلى فرح سيدك" (مت 25: 23)، وإنما العبد الذى يتسم بالخوف الذى يطرده الحب خارجاً، والذى قيل عنه فى موضع آخر: "العبد لا يبقى فى البيت إلى الأبد، أما الابن فيبقى إلى الأبد" (يو 8: 35). إذن حيث أعطانا سلطاناً أن نكون أبناء الله (يو 1: 12)، ليتنا لا نكون عبيداً بل أبناء. فبرطيقٍ حقيقىٍ عجيبٍ لا يوصف يكون لنا نحن العبيد السلطان ألا نكون عبيداً[267].

ويقول القديس كيرلس الكبير: [المسيح هو نجاتنا من كل خطر، وهو يحقق الإنجازات بما يفوق توقع الذين يقبلونه. تلاميذه وحدهم وبأنفسهم كنموذج للمعلمين الكنسيين بالتتابع عبر الأزمان كلها، يسبحون خلال أمواج هذه الحياة الحاضرة كنموذج للبحر، يواجهون تجارب عديدة وشديدة، ويتحملون مخاطر لا يُستهان بها عند التعليم، وذلك على أيدى أولئك الذين يعارضون الإيمان ويحاربون الكرازة بالإنجيل. لكنهم سيتحررون من خوفهم ومن كل خطرٍ، وسوف يستريحون من أتعابهم وبؤسهم حينما يظهر المسيح لهم بعد موته أيضاً بقدرته الإلهية، إذ قد وضع العالم كله تحت قدميه. هذا ما يشير إليه سيره على البحر، مادام البحر غالباً ما يُعتبر رمزاً للعالم فى الكتب المقدسة... فحينما يأتى المسيح فى مجد أبيه كما هو مكتوب (مت 16: 27) حينئذ سفينة الرسل القديسين، أى الكنيسة، والذين يبحرون فيها، أى الذين بالإيمان والمحبة نحو الله يرتفعون فوق أمور العالم، دون تأخير وبدون أى تعبٍ، يربحون الأرض التى كانوا ذاهبين إليها، إذ غايتهم هى بلوغ ملكوت السماوات، كما إلى مرفأ هادئ.].

كما يقول: [إننا كأحبَّاء له يلزمنا ألا نخاف الموت بل بالحرى نتمثَّل بالآباء القدِّيسين. فعندما جُرِّب الأب إبراهيم قدَّم ابنه الوحيد اسحق، حاسباُ ان الله قادر أن يقيمه من الأموات (عب 11: 19). أى رعب من الخوف يمكن أن يهاجمنا وقد أبطل "الحياة (المسيح)" الموت، لأن المسيح هو القيامة والحياة (يو 11: 25). ولنضع أيضاً فى ذهننا أن الأكاليل تُقتنَى بالجهاد. فإن المصارعين الأقوياء فى الحلقات ينالون الكمال بالجهاد العنيف مع الخبرة. الشجاعة والذهن الشهم هما اللذان يخدمان أصحاب المهارة فى المعارك. أما من يلقى عنه درعه يحتقره العدو، وإن عاش الهارب من المعركة، يحيا كذليلٍ. أما الذى ثبُت فى المعركة، ووقف ببسالة وشهامة بكل قوَّته ضد العدو، فيُكرم بنواله النصرة، وإن سقط (جريحاً) فيكون موضع إعجابٍ[268].].

[لقد ظن الفرِّيسيُّون أن سلطان هيرودس يرعبه فتذله المخاوف، لكنه هو رب القوات الذى يُوَلِّد فينا الشجاعة الروحيَّة بكلماته: "لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد، ولكن النفس لا يقدرون أن يقتلوها" (مت 10: 28). إنه لم يعطِ اهتماماً للعنف البشرى، بل يقول: "بل ينبغى أن أسير اليوم وغداً وما يليه" (لو 13: 33). بقوله "ينبغى" لا يعنى الإلزمام قسراً، وإنما التزام به بكمال حريته، فبدون خطر يذهب أينما شاء ويتنقل فى اليهوديَّة دون أن يقاومه أحد أو يخطط ضده حتى يتقبل الألم بإرادته خلال الصليب الثمين... بإرادته قبل الألم لكى يموت جسده يبطل الموت ويقوم. وإذ قام من الأموات يقيم معه الطبيعة البشريَّة كلها، ويجددها واهباً لها الحياة التى بلا فساد[269].].

ويقول القدِّيس أمبروسيوس: [يلزمنا أن نخاف عذاب النفس لا قتل الجسد، فالموت يمثل نهاية طبيعيَّة للعذاب الجسدى لكن ليس نهاية للعقاب. فهو يضع نهاية لآلام الجسد (الزمنيَّة)، أما عقاب النفس فأبدى. يلزمنا أن نخاف الله وحده! [270]].

إنه يسمح بالتجربة، مطالباً إيّانا ألا نقلق ولا نهتم كيف نتصرّف ولا بماذا ننطق، إنّما روحه القدّوس هو الذى يعمل فى المتضايقين معلناً مجد المسيح، شاهداً ببهائه فينا ككرازة وشهادة أمام الأخرين. يقول القدّيس أغسطينوس: [إنه يحرّركم من الخوف ويهبكم الحب الذى يشعل غيرتكم بالكرازة بى فتنبعث فيكم رائحة مجدى فى العالم وتمتدحونه[271].] ويتحدّث القدّيس جيروم عن عمل الله فى هذه اللحظات الصعبة، قائلاً: [ها أنتم ترون أنه ليس لدينا مخازن نخزن فيها، لكننا ننال فيضاً فى اللحظة المطلوبة[272].].

يقول القديس يوحنا سابا: [إن كنت غريباً عن كل اضطراب خارجى تسمع داخلك الروح ينطق بالممجدات[273].]، [إن نفسك هى أورشليم المفرحة للمسيح فلماذا لا تزال تتردد فى أسواق البابليون (المتبلبلين)؟ [274]].


[266] St. Augustine: On the Gospel of St. John. tractate 7: 25.

[267] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate, 2: 85.

[268] In Luc Ser 87.

[269] In Luc Ser 100.

[270] In Luc 1: 12 - 7.

[271] In Matt hom. 6: 33.

[272] On Ps. hom 54.

[273] - مقال2.

[274] - رسالة 35.