20- المتألمون الأوفياء

20 - المتألمون الأوفياء

أراد أحد الملوك أن يختبر مدى إخلاص شعبه ورعيته له، لأنه رأى الكل يمدحه ويتملقه ويسجد له ويقبل يده، ولكنه لا يعلم حقيقة من يحبه ومن يهابه ومن يتقى بطشه.

أصدر هذا الملك منشوراً قال فيه: سوف أكافئ الذين يحبوننى، ولكن سوف أختبر محبتهم، وسوف أوزع عدداً من المشورات، كل منشور يقع فى يد أحد من الرعية يحتفظ به لمدة ثلاث سنوات. وفى كل يوم من أيام هذه السنوات الثلاث يوقع فى الخانة المخصصة لذلك. هذا التعهد [أتعهد أن أحب الملك وأكون مخلصاً له وأتحمل من أجله أى شئ كعلامة لهذا الحب].

وفعلاً وزع الملك عشرة آلاف تعهد، وخرج الشعب كله، وتنافسوا الكل لكى يحصل كل واحد على أحد هذه التعهدات، لأن الكل كان يحلم بهذه المكافأة التى لم يعلن عنها.

ووقعت المنشورات فى أيدى عشرة آلاف فرد، لأن المكافأة كانت للفرد وليست للعائلة.

وكل فرد كتب إسمه على المنشور وأستعد لكى يوقع كل ويم خلال الثلاث سنوات ثم يتقدم بعدها ليأخذ المكافأة.

ولكن حدث شئ عجيب جداً، أنه قامت حرب فى اليوم الثانى لتوزيع المنشورات، وتم إحتلال المدينة وأخذ هذا الملك أسيراً، وجاء الملك الآخر الذى إنتصر وعلم بقصة المنشورات. ولذلك جمع قواده وحراسه وقال لهم. إننى أريد عشرة آلاف شخص أمامى هنا وكل شخص لا يرجع إلىّ ولا يمزق المنشور فإننى سوف ألحق به كل الأذى.

وراح العساكر يدخلون كل بيت ويفتشون فى كل مكان، ويعذبون كل من يحمل منشور الأخلاص للملك السابق. وهكذا فإن كثيرين جداً حضروا أمام الملك الجديد ومزقوا المنشور وألغوا توقيعهم على المنشور وسحبوا تعهدهم بالأخلاص للملك المأسور المحبوس.

ان الملك المأسور فتش وبحث فإذا به يجد عدداً قليلاً جداً أصرّ على إخلاصه وعددهم مائة وأربعة وأربعون شخصاً لم يحضروا ولم يسحبوا إخلاصهم للملك القديم.

أمر الملك المنتصر قواده أن يفتشوا عنهم ويحضروهم. فذهب القواد مع العساكر يفتشون فى كل مكان وفى كل منزل حتى أحضروهم أمامه فقال لهم:

- لماذا لم تحضروا وتمثلوا أمامى؟

- لأننا أوفياء للملك الذى أحببناه.

- هل تعلمون أننى أستطيع أن أعذبكم وأضربكم وأجلدكم وأحبسكم؟

نعم نحن نعلم ذلك، ولكن لا تستطيع أن تنوع الحب من قلوبنا للملك الذى نحن نخلص له.

- ولكن لماذا تخلصون وتحبون ملكاً محبوساً قد عزلته وألقتيه فى السجن؟

وهنا سكت المائة والأربعة والأربعون شخصاً، فأجابهم الملك:

هل تظنون أن هذا الملك المحبوس من الممكن أن يرجع مرة ثانية؟ وهنا سكت الأوفياء!!

وعندئذ أمر الملك أن يضربوا ويجلدوا، وسحب الملك منهم المنشور ومزقه، ولكنهم صرخوا قائلين: لن تستطيع أن تنزع الحب والأخلاص من قلوبنا.

وحينما ألقوا فى السجن وعذبوا وضربوا وجرحوا، كان كل منهم يعلن كل يوم أنه من الأوفياء للملك.

وخطر لإحدهم فكر. ماذا نفعل لو خرج الملك الذى نحن نخلص له. نحن لا نحمل المنشور لأنه قد انتزع منا. فقال له الآخر: هيا نكتب هذه الجملة على جسد كل منا.

[نعم أحبك أيها الملك وسأحتمل من أجلك وأنتظر رجوعك]. وفعلاً كتب كل منهم هذه الجملة ووقع عليها بأسمه. وكل يوم كانوا يضربونهم ويجلدونهم، فكانوا يأخذون نقطة من هذه الدماء ويضعونها بجوار هذا التعهد.

ومضت ثلاث سنوات والأوفياء المائه والأربعة وأربعون يتألمون.. حتى قامت حرب جديدة وجاء ملك جديد وأسر الملك المنتصر. وسمع قصة المتألمين الأوفياء فأستدعاهم وقال لهم: لقد سمعت قصتكم وحبكم ووفاءكم. ولذلك أنا حضرت لا لأملك بل لأحرركم وأحرر ملككم. إنكم اليوم سوف تحتفلون مع ملككم الذى أخلصتم له.

وقد أصدر هذا الملك أمراً جديداً بخروج الملك المحبوس وإستلام الملك والأحتفال بهؤلاء المتألمين الأوفياء!!

ولما خرج الملك وإستلم المُلك، أرسل وأستدعى المتألمين الأوفياء وجلس فى وسطهم وتأمل الجروح التى فى أجسادهم وقرأ التعهد الذى كتبوه على أجسادهم، ولما وجدهم يبكون قام لكى يمسح دموعهم. وقام أيضاً لكى يشفى جراحاتهم، ولكنه كشف لهم عن جروحاته وقال لهم: هذه جراحات المحبة من أجلكم، وكلما جرحت كنت أنتظر خروجى لكى أواسيكم وأعزيكم.

واخذ الملك من جروحاته ووضع من الدم الذى عليها على جروح المتألمين الأوفياء، وأمر الملك أن يعطوهم لباس العرس ويجلس معهم، ليأكلوا معه على مائدتهم، وجلس الكل وفرح الكل بعودة الملك، ونسى المتألمون الأوفياء كل جراحاتهم. وكلما تذكروا الألم والجروح نظروا إلى جروح الملك فأستراحت نفوسهم.

وعاش هؤلاء المتألمون الأوفياء مع الملك فى قصره ينعمون بغناه وعطاياه، وصار كل منهم من خاصة الملك، ويفرحون معه وهو أيضاً يفرح بهم.

أما أولئك الذين تنعموا ومزقوا صور حبهم ووفائهم ورفضوا هذا الملك. فإنه أمر خدامه أن يذهبوا ويجمعوهم، ثم أمر بحبسهم وعذابهم دائماً والقوهم فى بئر مظلم مملوء بالدود والنار. وهكذا كانوا يصرخون ويقولون يا ليتنا كنا إحتملنا، ويا ليتنا ن رجع مرة ثانية لنتألم من أجل ذلك الملك. وكانوا يقولون طوبى لأولئك الذين يتألموا وإحتملوا سنوات الألم الثلاث لأننا نحن سنحيا إلى الأبد فى ذلك الظلام لأننا رفضنا الألم من أجل الملك!!

وهنا إستيقظ المريض يوسف من نومه قائلاً:

ما هذا... ما هذا الحلم... المتألمون الأوفياء... من هم؟

والتفت يوسف وإذ به يمسك إنجيله المفتوح على سفر الرؤيا فى الأصحاح السابع حيث كان يقرأ فى ذلك الجزء قبل أن ينام وكانت الأيات هى.

"بعد هذا نظرت وإذا جمع كثير لم يستطيع أحد أن يعدّه من كل الأمم والقبائل والشعوب والألسنه واقفون أمام العرش وأمام الخروف متسربلين بثياب بيض وفى أيديهم سعف النخل. وهم يصرخون بصوت عظيم قائلين الخلاص لألهنا الجالس على العرش وللخروف. وجميع الملائكة كانوا واقفين حول العرش والشيوخ والحيوانات الأربعة وخرّوا أمام العرش على وجوههم وسجدوا لله قائلين آمين. البركة والمجد والحكمة والشكر والكرامة والقدرة والقوة لألهنا إلى أبد الأبدين آمين. وأجاب واحد من الشيوخ قائلاً لى هؤلاء المتسربلون بالثياب البيض من هم ومن أين أتوا. فقلت له يا سيد أنت تعلم. فقال لى هؤلاء هم الذين أتوا من الضيقة العظيمة وقد غسّلوا ثيابهم وبيضوا فى دم الخروف. من أجل ذلك هم أمام عرش الله ويخدمونه نهاراً وليلاً فى هيكله والجالس على العرش يحل فوقهم. لن يجوعوا بعد ولن يعطشوا بعد ولا تقع عليهم الشمس ولا شئ من الحر. لأن الخروف الذى فى وسط العرش يرعاهم ويقتادهم إلى ينابيع ماء حيّة ويمسح الله كل دمعة من عيونهم" (رؤ 7: 9 - 17).

وهنا ردد يوسف هذه الآية "إن أراد أحد أن يأتى ورائى فلينكر نفسه ويحمل صليبه كل يوم ويتبعنى" (لو 9: 23). وقام لكى يصلى بعد أن أستيقظ من نومه وعلم مغزى هذا الحلم. وكانت صلاة يوسف هى:

[يا رب إعطنى أن أحمل الصليب، وأن أقبل كل ألم من أجلك فى فرح لأعلن حبى لك، إجعلنى يا رب من المتألمين الأوفياء ولو طال وقت الصليب، فإن وقت القيامة والمجد أطول. حتى أكون معك فى عرشك وفى مجدك، اعطنى أن أتمسك بصليبك لأعلن حبى وإخلاصى لك. إعطنى أن أصبر لكى أملك معك فى عرشك].

آمين.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

21- ترنيمة وقت الضيقة

19- تدريبات روحية وقت الألم والضيق والتجارب

المحتويات
المحتويات