5- صليب فراق الأحبا

5 - صليب فراق الأحبا[1]

الموت بالنسبة لمن ينتقل من المؤمنين هو حالة فرح وسعادة وطوبى ورجوع الأنسان الى مصدره وهدفه، لأن الله "جعل الأبدية فى قلبهم" (جا 3: 11) ولذلك فإن الأنسان المؤمن المستعد لهذا الهدف وهو الملكوت، نجده فى إنتقاله من هذا العالم يحس بالفرح لأنه يقترب من مكان الفرح حيث لا حزن ولا ألم ولا صراخ ولا وجع "طوبى للأموات الذين يموتون فى الرب منذ الآن. نعم يقول الروح لكى يستريحوا من أتعابهم وأعمالهم تتبعهم" (رؤ 14: 13).

ولكن الصليب والألم والحزن يبقى من نصيب من يعيش فى غربة هذا العالم. نعم يصير الموت قاسياً للزوجة التى مات زوجها، وللزوج الذى ماتت زوجته [صليب الترمل] ويبقى الحزن والألم من نصيب الأب والأم اللذين مات لهما أبن أو أبنة فى ريعان الشباب أو الأبنه والأبن اللذين مات لهما أب أو أم.

ترى كيف نحمل صليب الحزن هذا عند فراق الأحباء وكيف نتعزى وكيف نسمو ونرتفع فوق آلام الجسد والنفس فى صليب الحزن؟؟! ليس من وسيلة سوى الألتجاء الى الرب يسوع المسيح لكى يحمل أحزاننا ويتحمل أوجاعنا.

"لكن أحزاننا حملها واوجاعنا تحملها" (أش 53: 4)

ولذلك يجب أن نقدم دموعنا له وأن نسكب أحزاننا تحت ذبيحة الصليب لكى نتحد بالصليب لأننا نجد فى الصليب أكبر عزاء لقلوبنا المجروحة من شدة الحزن.

نحن لا نستطيع ألاّ نحزن لفراق الأحباء ولكن حزننا يجب أن يمتزج بالرجاء فى الأبدية "لا تحزنوا كالباقين الذين لا رجاء لهم" (1تس 4: 13) فنحن نلجأ الى الله لكى يدخل الرجاء الى حزننا، فيكون حزننا ممتزجاً بالرجاء. أليس هذا هو ما حدث مع داود حين مات إبنه فقال "والآن قد مات فلماذا أصوم (أى لماذا أحزن وألبس المسوح) هل أقدر أن أرده بعد. أنا ذاهب اليه أما هو فلا يرجع إلىّ" (2صم 12: 23) هنا أدخل الله الرجاء فى قلب داود حين قال "أنا ذاهب اليه" وهناك بطل آخر من أبطال الأيمان وهو أيوب حين قال:

"الرب أعطى والرب أخذ فليكن اسم الرب مباركاً" (أى 1: 21)

.

إن الرب يسوع المسيح مملوء بالرحمة والحنان ويستطيع هو وحده فى أحزاننا لأنتقال أحبائنا أن يبرد قلوبنا ويعزى نفوسنا الجريحة التى إنكسرت من الحزن حتى يحفظنا من ظلام اليأس ومن الحزن المفرط الذى يجعلنا نرفض رجاء التعزية.

ونحن كبشر لا نستطيع أن نقبل حكمة الله وأمره بدون أن ندرب أنفسنا على الأيمان والشركة الدائمة مع الله خلال وقت الحزن لأنتقال الأحباء. وها بعض تدريبات روحية فى وقت حزن الأحباء:

1 - الكتاب المقدس:

هو كتاب العزاء الذى من خلاله يسترد القلب الرجاء والعزاء. لذلك فى جلسات التعزية يجب أن لا نترك الكتاب المقدس قراءة وتأملاً وشركة دائمة. وعلى الذين يذهبون لمجاملة الحزانى ألا يتركوا الكتاب المقدس بل يقرأوا ويتأملوا فيه وخاصة الأجزاء التى تتحدث عن الملكوت والأبدية.

2 - الصلاة:

فى وقت تجربة الأحباء الذين أنتقل ذووهم، كثيراً ما يتراخون فى الصلاة أو الحديث مع الله. بل كثيرون يخاصمون الله ويرفضون الحديث معه بل ويتطاولون عليه بالفاظ أو صفات!! ولذلك يغلقون الباب أمام التعزية وهنا يجب أن تقام صلوات الأصدقاء والكهنة والخدام مع الحزانى.

3 - الكنيسة والتناول:

كثير من الحزانى يحجمون عن حضور الكنيسة وقداساتها وعن التناول من جسد الرب ودمه، ولذلك صعب تعزية الحزانى البعيدين عن الكنيسة والتناول إن الكنيسة تحقق شركة مع أحبائنا المنتقلين من خلال الصلاة من أجلهم وذكرهم فى القداس. وتناولنا من جسد الرب يجعلنا نتحد مع أحبائنا المنتقلين كأعضاء فى الجسد الواحد. ان الكنيسة لا تكف طوال القداس أن تمنح نعمة السلام لكل الحاضرين [السلام لجميعكم] ولذلك فإن غيابنا عن الكنيسة هو غياب السلام عن قلوبنا الحزينة، وغيابنا عن التناول هو دخول فى الظلمة النفسية التى تقودنا الى اليأس والحزن المفرطين.

التعزيات الألهية

† "ليس للأنسان سلطان على الروح ليمسك الروح ولا سلطان على يوم الموت" (جا 8: 7).

† "لأننا نعلم أنه إن نقض بيت خيمتنا الأرضى فلنا فى السموات بناء من الله غير مصنوع بيد أبدى" (2كو 5: 1).

† "وبعد أن يفنى جلدى هذا وبدون جسدى أرى الله" (أى 19: 26).

† "تحيا أمواتك تقوم الجثث إستيقظوا ترنموا يا سكان التراب" (أش 26: 29).

† "كأنسان تعزيه أمه هكذا أعزيكم أنا" (أش 66: 13).

† "لكن يقول قائل كيف يقام الأموات وبأى جسم يأتون. يا غبى الذى تزرعه لا يحيا إن لم يمت. والذى تزرعه لست تزرع الجسم الذى سوف يصير بل حبة مجردة ربما من حنطة أو أحد البواقى. ولكن الله يعطيها جسماً كما أراد ولكل واحد من البذور جسمه. ليس كل جسد جسداً واحداً بل للناس جسد واحد وللبهائم جسد آخر. وللسمك آخر وللطير آخر. وأجسام سموية وأجسام أرضية. لكن مجد السمويات شئ ومجد الأرضيات آخر. مجد الشمس شئ ومجد القمر آخر ومجد النجوم آخر. لأن نجماً يمتاز عن نجم فى المجد. هكذا أيضاً قيامة الأموات. يزرع فى فساد ويقام فى عدم فساد يزرع فى هوان ويقام فى مجد. يزرع فى ضعف ويقام فى قوة. يزرع جسماً حيوانياً ويقام جسماً روحياً. يوجد جسم حيوانى ويوجد جسم روحانى. هكذا مكتوب أيضاً. صار آدم الأنسان الأول نفساً حية وآدم الأخير روحاً محيياً. لكن ليس الروحانى. أولاً بل الحيوانى. وبعد ذلك الروحانى. الأنسان الأول من الأرض ترابى. الأنسان الثانى الرب من السماء. كما هو الترابى هكذا الترابيون أيضاً. وكما هو السماوى هكذا السماويون أيضاً.. وكما لبسنا صورة الترابى سنلبس أيضاً صورة السماوى. فأقول هذا أيها الأخوة إن لحماً ودماً لا يقدران ان يرثا ملكوت الله. ولا يرث الفساد عدم الفساد" (1كو 15: 35 - 50).

† "هوذا سر أقوله لكم. لا نرقد كلنا ولكننا كلنا نتغير. فى لحظة فى طرفة عين عند البوق الأخير. فأنه سيبّوق فيقام الأموات عديمى فساد ونحن نتغير. لأن هذا الفاسد لابد أن يلبس عدم فساد وهذا المائت يلبس عدم موت. ومتى لبس هذا الفاسد عدم فساد ولبس هذا المائت عدم موت فحينئذ تصير الكلمة المكتوبة. إبتلع الموت إلى غلبة. إين شوكتك يا موت. أين موت. أين غلبتك يا هاوية" (1كو 15: 51 - 55).

† "لأننا نعلم أنه إن نقض بيت خيمتنا الأرضى فلنا فى السموات بناء من الله بيت غير مصنوع بيد أبدى. فأننا فى هذه أيضاً نئن مشتاقين إلى أن نلبس فوقها مسكننا الذى من السماء. وإن كنا لابسين لا نوجد عراة. فإننا نحن الذين فى الخيمة نئن مثقلين إذ لسنا نريد أن نخلعها بل أن نلبس فوقها لكى يبتلع المائت من الحيوة. ولكن الذى صنعنا لهذا عينه هو الله الذى أعطانا أيضاً عربون الروح. فإذا نحن واثقون كل حين وعالمون أننا ونحن مستوطنون فى الجسد فنحن متغربون عن الرب. لأننا بالإيمان نسلك لا بالعيان. فنثق ونسر بالأولى أن نتغرب عن الجسد ونستوطن عند الرب. لذلك نحترص أيضاً مستوطنين كنا أو متغربين أن نكون مرضيين عنده لأننا لابد أننا جميعاً نظهر أمام كرسى المسيح لينال كل واحد ما كان بالجسد بحسب ما صنع خيراً كان أم شراً" (2كو 5: 1 - 10).

† "إن كان لنا فى هذه الحياة فقط رجاء فى المسح فإننا أشقى جميع الناس" (1كو 15: 19).

† "ومفديو الرب يرجعون ويأتون إلى صهيون بالترنم وعلى رؤوسهم فرح أبدى. أبتهاج وفرح يدركانهم. يهرب الحزن والتنهد. أنا أنا هو معزيكم. من أنتِ حتى تخافى من إنسان يموت ومن أبن الأنسان الذى يُجعل كالعشب" (إش 51: 11 - 12).

† "لأنادى بسنة مقبولة للرب وبيوم إنتقام لألهنا لأعزى كل النائحين" (أش 61: 2).

† "ثم لا أريد أن تجهلوا أيها الأخوة من جهة الراقدين لكى لا تحزنوا كالباقين الذين لا رجاء لهم. لأنه إن كنا نؤمن أن يسوع مات وقام فكذلك الراقدون بيسوع يحضرهم الله أيضاً معه. فإننا نقول لكم هذا بكلمة الرب إننا نحن الأحياء الباقين إلى مجئ الرب لا نسبق الراقدين. لأن الرب نفسه بهتاف بصوت رئيس ملائكة وبوق الله سوف ينزل من السماء والأموات فى المسيح يسوع سيقومون أولاً. ثم نحن الأحياء الباقين سنخطف جميعاً معهم فى السحب لملاقاة الرب فى الهواء. وهكذا نكون كل حين مع الرب. لذلك عزوا بعضكم بعضاً بهذا الكلام" (1تس 4: 13 - 18).

† "عرفنى يا رب نهايتى ومقدار أيامى كم هى فأعلم كيف أنا زائل... صَمَت لا أفتح فمى لأنك أنت فعلت" (مز 39: 4 و9).

صلاة

يا رب صَمَت لا أفتح فاى لأنك أنت فعلت. إن حياتنا فى يديك وديعة متى شئت تستردها. ولكن أنت ترى الوحدة والحزن اللذين يملآن قلبى، وإلى من التجئ والناس من حولى لا يبردون قلبى ولا يجففون دمعى!!

إلى من أذهب يا رب لكى يعزينى غيرك. فأنت هو العزاء. فلا تحرمنى من عزائك. إرفعنى يا رب فوق مستوى كل ما هو مرئى حتى أراك وأرى أحبائى الذين أخذت ارواحهم. أراهم معك. وأراك معهم فأستعد أكثر للرحيل من غربة هذا العالم.

أنا ضعيف يا رب فالأفكار تنازعنى والأحزام تلاطمنى والدموع تلاحقنى ولا أستطيع أن أفعل شيئاً.

ها أنذا يا رب بين يديك، حول حزنى إلى فرح لأن الذين أخذتهم عندك هم. فى فرح، فإعطنى أن أفرح معهم وأتعزى بأنهم معك.

لا تتركنى يا رب فى أحزانى، بل إمسك حياتى واعطنى أن أراك عزاء لحزنى وفرحاً لشوق ورجاء ليأسى.

أيتها العذراء القديسة مريم لقد ذقتِ الحزن حين مات إبنك على الصليب، وسكبتِ دموعاً كثيرة [عندما نظرت الوالدة الحمل والراعى على الصليب معلقاً قالت وهى باكية أما العالم فيفرح لقبوله الخلاص وأما أحشائى فتلتهب عند نظرى إلى صلبوتك الذى أنت صابر عليه من أجل الكل يا إبنى والهى].

إذكرينى أيتها العذراء القديسة مريم أمام صليب إبنك يسوع المسيح لكى يمنحنى العزاء والرجاء والأيمان والحب الذى يبدد كل شك وكل يأس.

آمين.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

6- صليب الترمل

4- سر الصليب من المرارة إلى الحلاوة

المحتويات
المحتويات