10- صليب الشرك الاخر

10 - صليب الشرك الاخر[4]

"فيجب علينا نحن الأقوياء أن نحتمل أضعاف الضعفاء ولا نرضى أنفسنا. فليرضِ كل واحد منا قريبه للخير لأجل البنيان. لأن المسيح أيضاً لم يرض نفسه" (رو 15: 1 - 3).

قد يكون الشريك الآخر زوجاً او زوجة، وقد تكون حماة أو كنه. أو أباً أو أماً. وقد يكون إبناً أو إبنة، وقد يكون أخاً أو أختاً، إنه صليب بمعنى أننا لا نستطيع إلا أن نقبله ولا نرفضه، ولا نقطع ذلك الشريك منا ولا نقطع أنفسنا منه، إنه صليب قبول طبائع الآخرين.

"فأقبوا بعضكم بعضاً كما أن المسيح أيضاً قبلنا لمجد الله" (رو 15: 7)

وإن كان سيصعب علينا تغيير طبائع الآخرين، فإنه يسهل علينا أن نغير طباعنا لكى نقبل الآخرين. وما قبول الشريك الآخر إلا إنفتاح القلب بالحب لذلك الشريك الآخر. وربما يغير هذا الحب طباع الشريك الآخر. ولكن الأمر الذى لا شك فيه أن هذا الحب يوسع قلبنا حتى نستطيع أن نستوعب ذلك الشريك الآخر. وهنا يأتى عمل الصلاة الذى يجعل ذلك الحب ينسكب فى قلوبنا. إن الحب له عمل عجيب أكثر من الكلام وأكثر من الوعظ والأرشاد.

إن الشريك الآخر هو الطرف الذى لا نستطيع أن نقطعه وإلا قطعنا أنفسنا "كذلك يجب على الرجال ان يحبوا نساءهم كأجسادهم. ومن يحب إمرأته يحب نفسه. فإنه لم يبغض أحد جسده قط. بل يقوته ويربيه كما أحب الرب أيضاً الكنيسة" (أف 5: 28 - 29).

ولو تأكدنا أننا جميعاً أعضاء فى جسد واحد، فإن كل عضو يحتمل العضو المريض الآخر. إن الرأس تحتمل اليد، واليد تحتمل الرجل، والجسد كله يحتمل العضو المريض.

"هكذا نحن الكثيرين جسد واحد فى المسيح واعضاء بعضنا لبعض كل واحد للآخر" (رو 12: 5).

إذن الطريق الوحيد لأحتمال صليب الشريك الآخر هو أن يكون كل منا فى المسيح. ولذلك ينحصر الجهاد كله بأن نكون فى المسيح كل عضو (أى كل فرد) يجاهد لكى يكون فى المسيح، وعندئذ يسهل الحب ويسهل الاحتمال ويسهل القبول ويسهل حمل الصليب ويسهل تغيير الطباع. إن الحب والاحتمال ليس للعضو الكامل الصحيح بل هو للعضو الضعيف المريض وما الشريك الآخر الضعيف المريض إلا إختبار للحب الذى فينا لأن "المحبة تحتمل كل شئ" (1كو 13: 7). وهى أيضاً "تصبر على كل شئ" (1كو 13: 7). وهكذا فإن الشريك الآخر هو بمثابة المقص الذى يقلم به البستانى كل الأعضاء حتى تأتى بثمار أكثر "كل ما يأتى بثمر ينقيه ليأتى بثمر أكثر" (يو 15: 2).

إن الحب يُسّهل الصليب ويُخففه بل ويجعله كأنه لا شئ. إن حب يعقوب لشريكة حياته راحيل هو الذى جعله يحتمل طباع الشريك الآخر [هنا كان الشريك الآخر هو حماه لابان].

"فخذم يعقوب راحيل سبع سنين وكانت فى عينيه كأيام قليله بسبب محبته لها" (تك 29: 20).

إن حب يعقوب لراحيل جعله يحتمل طباع لابان لمدة وصلت إلى عشرين عاماً. وهكذا فإن الحب يعطى طاقة إحتمال وقدرة الهيه تفوق القدرات البشرية لتفويت الأمور الصعبة وكأنها لم تكن!!

إن العنف لا يصنع غير العناد، والشدة والقسوة لا تقودان إلا للأنفصال القلبى، أما الشكوى والمحاكمات والقضايا فإنها تقطع كل خيوط المحبة وإمكانيات التسامح. أما صورة الصليب فإنها تظهر حيث التسامح وطول الأناة التى تشفى الطبائع الرديئة "وبحبره [جراحاته] شفينا" (أش 53: 5). وليس المقصود بالشفاء هو شفاء الجسد فقط، بل شفاء النفس وشفاء الطبائع من كل هو ردئ.

إن طول الأناة هى بذرة تنتج وتثمر حباً فى الآخرين، والحب حينما يكمل وينضج فى الآخرين إنما يصير نوراً يبدد كل ظلام.

ولكن الأنتقام، ورد الشر بالشر، ورد الخطأ بخطأ آخر إنما يجعل حب المسيح يغيب، وصليب الرب يبتعد عنا، فنحرم من البركات التى نحن مدعوون اليها.

وإن كان الرب يطالبنا ان نسلك مع عدونا هكذا "إن جاع عدوك فأطعمه، وإن عطش فأسقه. لأنك إن فعلت هذا تجمع جمر نار على رأسه. لا يغلبنك الشر. بل أغلب الشر بالخير" (رو 12: 20). فكم يجب أن يكون سلوكنا مع أقاربنا وشركاء حياتنا.

لقد إحتمال يوسف الصديق صليب الشريك الآخر من إخوته الأردياء فى قسوة فعهم ولذلك رفعه الله الى المجد وتقابل مع أخوته وبالحب أعطاهم وعالهم وأشبعهم وقال لهم "ليس أنتم أرسلتمونى إلى هنا بل الله" (تك 45: 8). ونظر الصديق يوسف إلى كل أعمالهم الرديئة على أنها بسماح من الله لحكمة الهية "والآن لا تتأسفوا ولا تغتاظوا لأنكم بعتمونى إلى هنا. لأنه لأستبقاء حياة أرسلنى الله قدامكم" (تك 45: 5) وقدم يوسف لأخوته حباً فوق كل حب، وطمأنهم إنه لن ينتقهم منهم ولن يعاقبهم، وحين قالوا له "فالآن إصفح عن ذنب عبيد اله أبيك، قال لا تخافوا. هل أنا مكان الله" (تك 45: 17 - 19). يا ليت كل من يحمل صليب الشريك الآخر يفعل كما فعل يوسف مع إخوته. لم يدنهم ولم يشكهم ولم يفضحهم ولم يسئ سمعتهم بل أحبهم وأحتملهم وأكرمهم، وبالحكمة قادهم للتوبة والأعتراف بخطئهم دون أن يذلهم!!

التعزيات الألهيه

† "فيجب علينا نحن الأقوياء أن نحتمل أضعاف الضعفاء ولا نرضى أنفسنا. فليرض كل واحد منا قريبه للخير لأجل البنيان. لأن المسيح لم يُرضِ نفسه" (رو 15: 1 - 3).

† "فألبسوا كمختارى الله القديسين المحبوبين أحشاء رأفات ولطفاً وتواضعاً ووداعة وطول أناة محتملين بعضكم بعضاً ومسامحين بعضكم بعضاً" (كو 3: 12 - 13).

† "لذلك إقبلوا بعضكم بعضاً كما أن المسيح أيضاً قبلنا لمجد الله" (رو 15: 7).

† "ولكن قبل كل شئ لتكن محبتكم بعضكم لبعض شديدة لأن المحبة تستر كثرة من الخطايا" (1بط 4: 8).

† "وكونوا جميعاً خاضعين بعضكم لبعض وتسربلوا بالتواضع لأن الله يقاوم المستكبرين أما المتواضعون فيعطيهم نعمة" (1بط 5: 5).

† "والنهاية كونوا جميعاً متحدى الرأى بحسٍ واحد ذوى محبة أخوية مشفقين لطفاءً غير مجازين عن شر بشر أو عن شتيمة بشتيمة بل بالعكس مباركين عالمين أنكم لهذا دعيتم لكى ترثوا بركة" (1بط 3: 8 - 9).

† "فتمموا فرحى حتى تفتكروا. فكراً واحداً ولكم محبة واحدة بنفس واحدة مفتكرين شيئاً واحداً. لا شيئاً بتحزب أو تعجب بل بتواضع حاسبين بعضكم البعض أفضل من أنفسهم. لا تنظروا كل واحد إلى ما هو لنفسه بل كل واحد إلى ما هو لآخرين أيضاً" (فى 2: 2 - 4).

† "وكونوا لطفاء بعضكم نحو بعض شفوقين متسامحين كما سامحكم الله أيضاً فى المسيح" (أف 4: 32).

† "خاضعين بعضكم لبعض فى خوف الله" (أف 21: 5).

† "كما أنا أيضاً أرضى الجميع فى كل شئ غير طالب ما يوافق نفسى بل الكثيرين لكى يخلصوا" (1كو 10: 33).

† "إحملوا بعضكم أثقال بعض. وهكذا تمموا ناموس المسيح" (غل 6: 2).

† "أيها النساء إخضعن لرجالكن كما للرب" (أف 5: 22).

† "إتبعوا السلام مع الجميع... ملاحظين لئلا يخيب أحد من نعمة الله" (عب 12: 14 - 15).

صلاة

يارب.. إن الشريك الآخر الذى ترسله لى لكى تختبر الحب الذى فى قلبى نحوك ونحو إخوتك كثيراً ما أتذمر عليه، وكثيراً ما أشكو، وكثيراً ما أدين، وكثيراً ما أنتقم ولا أسامح، وعندئذ يا رب يضيع منى بركة حمل الصليب ولذلك إجعلنى أنظر اليك فى صليبك لأنك أنت إحتملت الصليب بكل صوره وأشكاله فأتقوى فيك. إن حبى يا رب غير كامل ولذلك أحاول دائماً أن أبرر نفسى وأسفه الآخرين إننى كثيراً ما أسئ سمعتهم وأشوهها وعندئذ يحزن قلبك وتغيب صورتك عنى وعن الخدمة وعن البيت والأسرة.

إعطنى حباً لك، وحباً لكل شريك تسمح بأن تكون له طبائع مختلفة أو تعاملاً مختلفاً أو حتى سوءاً فى معاملتى.

إعطنى حكمة يوسف مع أخوته، وحب راعوث لحماتها، وإحتمال برنابا لمرقس، وطول أناة الأب لأبنه الضال ودموع وصلاة القديسة مونيكا لأبنها أوغسطينوس.

إمنحنى يا رب نعمتك فى حمل صليب الشريك الآخر إحمله معى إعطنى ألا أشكو ولا أدين ولا أقبح، بل أحب وأحب وأحب حتى ألقاك أيها الحبيب فتعوضنى عن كل تعب الحب.

لك المجد يا من حملت الصليب لكى تجذبنى نحو حبك ونحو صليبك.

آمين.


[5] - كتاب صلاحاً للأغنياء – للمؤلف.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

11- صليب العوز والأحتياج

9- صليب الظلم

المحتويات
المحتويات