الفصل الثامن التجلى

الفصل الثامن التجلى

« وبعد هذا الكلام بنحو ثمانية أيام أخذ بطرس ويوحنا ويعقوب وصعد إلى جبل ليصلى وفيما هو يصلى صارت هيئة وجهه متغيره ولباسه مبيضاً لامعاً وإذا رجلان يتكلمان معه وهما موسى وإيليا اللذان ظهرا بمجد وتكلما عن خروجه الذى كان عتيد ان يكمله فى أورشليم واما بطرس واللذان معه فكانوا قد تثقلوا بالنوم فلما استقظوا رأوا مجده والرجلين الواقفين معه وفيما هما يفارقانه قال بطرس ليسوع يا معلم جيد أن نكون ههنا فلنصنع ثلاث مظال لك واحده ولموسى واحده ولإيليا واحده وهو لا يعلم ما يقوله وفيما هو يقول ذلك كانت سحابة فظللتهم فخافوا عندما دخلوا فى السحابة. وصار صوت من السحابة قائلاً هذا هو ابنى الحبيب له اسمعوا ولما كان الصوت وجد يسوع وحده وأما هم فسكتوا ولم يخبروا أحداً فى تلك الأيام بشئ مما ابصروا» (لو 9: 28 - 36)، (مت 17: 1 - 9) (مر 9: 2 - 10).

اختارت الكنيسة القبطية يوم 13 مسرى من كل عام لكى تحتفل بعيد التجلى ولقد جعلت الكنيسة هذا اليوم عيداً سيدياً لنفرح بتجلى الرب يسوع.

إن التجلى قبل قيامة الرب يسوع المسيح كان سراً لبطرس ويعقوب ويوحنا.

« وبينما هم نازلون من الجبل أوصاهم يسوع قائلاً لا تعلموا احداً بما رأيتم حتى يقوم ابن الإنسان من الأموات» (مت 17: 9)

. أما بعد قيامة الرب يسوع فإن التجلى صار هبة لكل المؤمنين ولكل من رأى القائم من الأموات اصبح له الحق فى رؤية التجلى.

يقول القديس متى فى حديثه عن التجلى انه.

«بعد ستة أيام أخذ يسوع بطرس ويعقوب ويوحنا أخاه وصعد بهم إلى جبل عال منفردين» (مت 17: 1)

. لقد تحدث الرب يسوع أنه.

«ينبغى أن يذهب إلى أورشليم ويتألم كثيراً من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويقتل وفى اليوم الثالث يقوم» (مت 16: 21)

، ثم تحدث الرب عن ضرورة الصليب فى حياة كل احد فقال.

«ان أراد أحد أن يأتى ورائى فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعنى» (مت 16: 24)

، ثم بعد ستة أيام حدث التجلى... اذن نحن نخرج من ذلك بحقيقة إلهية غاية فى الأهمية أن التجلى حدث بعد كلام الرب عن الصليب وتحدث عنه فإنه قد اتممه بالنية ثم تم التجلى. لذلك ان اردنا مجد الأبدية ومجد الرؤية الإلهية الدائمة فعلينا أن نحمل الصليب ونفرح به ونشكر الله عليه بل ونسعى نحوه ولا نفعل مثلما فعل بطرس الذى رفض الصليب.

«فأخذه بطرس اليه وابتدأ ينتهره قائلاً حاشاك يا رب لا يكون لك هذا» (مت 16: 22)

. ولكن الرب رفض فكر بطرس بل رفض فكرنا نحن الذين نبتعد عن الصليب وأعلن الرب أننا فى رفضنا الصليب إنما هو تنفيذ لخطة الشيطان لأنه لا شئ يرهب الشيطان مثل الصليب.

«فالتفت وقال لبطرس أذهب عنى يا شيطان. أنت معثرة لى لأنك لا تهتم بالله لكن بما للناس» (مت 16: 23)

. وهكذا فإن رفض الصليب هو حرمان من التجلى.

ولذلك فإن الرب رفض طلب بطرس حين طلب من الرب قائلاً «يا معلم جيد ان نكون ههنا» لأنه هناك صليب يجب أن يصلب عليه بطرس أولاً قبل أن يأتى إلى ههنا ويدوم بقاؤه.

1 - صعد إلى جبل ليصلى:

إن الرب أخذ بطرس ويعقوب ويوحنا وصعد بهم غلى جبل عال ليصلى وهكذا فإن التجلى هو صلاة بل هو كشف لمجد الصلاة. هنا نحن لا نصلى ولكن الرب هو الذى يصلى عنا. ترى ماذا كان الرب يصلى؟ وما هى الطلبات التى طلبها عنا؟ لا شك أنه صلى من أجل خلاصنا وصلى من أجل أبديتنا. ان الرب يصلى وفى صلاته يكشف لنا عن أسرار الأبدية وما التجلى إلا كشف لسر من أسرار الأبدية ترى ما هو هذا السر؟

2 - «صارت هيئة وجهه متغيره ولباسه مبيضاً لامعاً» (لو 9: 30):

ويتحدث القديس متى فيقول.

«فتغيرت هيئته قدامهم واضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور» (مت 17: 2)

. أما القديس مرقس فوصف بأكثر تفصيل حين قال.

« وصارت ثيابه تلمح بيضاء جداً كالثلج لا يقدر قصار على الأرض أن يبيض مثل ذلك» (مر 9: 3)

.

هنا نستطيع أن نقول أن الرب أعطى قبساً من نور الأبدية حيث نور الرب كالشمس وثيابه تلمع كالثلج. ان النور هو نور الرب، والشعاع هو شعاع بر الرب وطهارته وقداسته. وهو الذى سوف يلمع لنا فى الأبدية وسوف نأخذ من هذا النور فنستنير «بنورك يا رب نعاين النور».

وهكذا نستطيع أن نقول بأن الصلاة الحقيقية هى الدخول إلى الأبدية وسبق تذوقها «أطلبوا أولاً ملكوت الله وبره». ان طلب ملكوت الله هو العبور من ظلمة الجسد ونجاسة الخطية إلى شركة الروح والتمسك بالشركة مع الرب.

3 - موسى وايليا:

لقد ظهر مع الرب على جبل التجلى موسى وإيليا، وهما رمزان للناموس والأنبياء. وهكذا كان الناموس والأنبياء رمزين للمسيحن أو بمعنى آخر أنه فى المسيح تفسر النبوات ويكمل الناموس الذى لم يستطع أحد أن يكمله. ولذلك فانه فى نهاية التجلى « وجد يسوع وحده» اشارة إلى أنه قد كمل الناموس والنبوات فى شخص الرب يسوع المسيح.

ان موسى وإيليا رمزان للخدمة والرهبنة، وللزواج والبتولية، وكلاهما يلتقيان فى المسيح لقد ظهر موسى وإيليا فى مجد «اللذان ظهرا بمجد»، ولكن مجد الرب يسوع فاق بلا شك مجدى موسى وايليا. لقد كان ظهور موسى وايليا رمزاً لما سوف يحدث فى مجئ المسيح الثانى، فسوف يوجد نوعان من الناس من رقد سيقوم ومن لم يرقد يتغير، لأن موسى مات بينما ايليا رفع فى مركبة دون أن يذوق الموت.

ولقد تحدث موسى وايليا مع الرب عن الصليب « وتكلما عن خروجه الذى كان عتيدا ان يكمله فى أورشليم» إن هذا الخروج هو الصليب الذى به خرج الرب من هذا العالم.

إن التجلى هو اعلان عن ملكوت الله ولذلك قال الرب قبل التجلى مباشرة.

«ان من القيام ههنا قوماً لا يذوقون الموت حتى يروا ملكوت الله قد أتى بقوة» (مر 9: 1)

.

فى التجلى لقاء بين التلاميذ (كنيسة العهد الجديد) وبين موسى (الناموس) وايليا (الأنبياء)، وهكذا فى المسيح يلتقى كل من التلاميذ والرسل والأنبياء والناموس. وهذا هو مفتاح الكتاب المقدس، شخص الرب يسوع المسيح. ولذلك فان الكتاب المقدس بعهديه هو تجلى لشخص الرب يسوع حيث نتقابل مع تعاليم الرسل وتفسير الناموس وكمال النبوات.

وهذا هو كمال الأعلان الإلهى والرؤية الأخروية خلال الكتاب المقدس بعهديه.

4 - قد تثقلوا بالنوم:

ان النوم هنا رمز للموت الذى لابد أن نجتازه حتى تكمل الرؤية ويكمل الفرح. ألم يقل الرب عن موت لعازر «لعازر حبيبنا قد نام» ان بطرس ومن معه لم يستطيعوا أن يكملوا رؤيتهم ولذلك ناموا، وهكذا فان رؤيتنا هنا ونحن فى الجسد ستظل ناقصة إلى أن نعبر من ثقل الجسد الذى هنا، وهكذا قال أيوب الصديق.

« وبعد ان يفنى جلدى هذا وبدون جسدى أرى الله» (أى 19: 26).

ولهذا يسجل الكتاب على التلاميذ الثلاثة.

«فلما استيقظوا راوا مجده والرجلين الواقفين معه»

، ان الاستيقاظ هنا رمز للقيامة التى يتبعها رؤية مجد الرب. اننا مهما رأينا هنا فهذا نقطة من محيط، أما بعد القيامة العتيده فإننا سوف نرى مجد الرب بوجه مكشوف.

لذلك هذا هو إيماننا بان الموت هو نوم يعقبه يقظه، وبعد اليقظة رؤية لمجد الرب.

5 - جيد ان نكون ههنا:

فى التجلى مع الرب نطلب ان نبقى وندوم ولكن ها هو القانون «نتألم معه لكى نتمجد معه»، وايضاً «نموت معه لكى نحيا معه» ولكن دون أن نتألم ونموت معه كيف نتمجد معه ونحيا معه.

ولذلك لم يدم التجلى أكثر من لحظات كان بعدها لابد أن ينزل بطرس لكى يجاهد فى كرازته إلى أن يموت منكس الرأسن ويحتمل يوحنا الآلام فى نفيه فى جزيرة بطمس ويستشهد يعقوب بالسيف.

ولقد رجع بطرس بعد صلبه، ويوحنا بعد نفيه وموته، ويعقوب بعد استشهاده، ولكى يعيشوا إلى الأبد مع الرب فى الأبدية لا للحظات ولكن لأبدية لا تنتهى قط.

ولكن نحن كثيراً لا نريد حمل الصليب، ونحتفظ بالقيامة ونتمسك بالتجلى ونريد أن نعبر الضيقات، ولكن ها هو الرب يدخل معنا فى كل ضيقة.

6 - سر السحابة:

«كانت سحابة فظللتهم فخافوا عندما دخلوا فى السحابة». إن السحابة ظللت الشعب فى العهد القديم وقادتهم وسارت بهم إلى أورشليم وكنعان، وهذه كانت رمزاً لسحابة العهد الجديد التى هى الروح القدس الذى يقودنا خلال الكنيسة حتى يوصلنا إلى الأبدية.

إذا كان صوت الآب يقول هذا هو ابنى الحبيب والأبن يتجلى على جبل طابور فتكون السحابة هى الروح القدس.

إن دخولنا فى السحابة معناه الشركة مع الروح القدس خلال الأسرار عن طريق الكنيسة. وهكذا فان الكنيسة تحقق شركتنا مع الروح القدس الذى يقودنا فى برية هذا العالم حتى يصل بنا إلى الملكوت، كما قادت السحابة شعب بنى إسرائيل لأرض كنعان. لقد كانت هناك علاقة بين السحابة وخيمة الأجتماع حيث كانت السحابة تظلل خيمة الأجتماع، وهكذا فان الروح القدس هو الذى يظلل الكنيسة حتى يقود شعبها ورعيتها ودخولنا فى السحابة يعنى الشركة الدائمة مع اسرار الكنيسة.

7 - له اسمعوا:

هذه هى وصية الآب السمائى أن نسمع للأبن ونطيعه وننفذ وصاياه.

« وبهذا نعرف أننا قد عرفناه ان حفظنا وصاياه» (1يو 2: 3)

.

إن سماعنا له هو قبولنا له ربا ومعلماً وقائداً ومخلصاً.

صلاة

يا رب ان صلاتك هى صعود فاصعدنى معك وخذنى

معك. اصعدنى من مستوى الجسد وغرائزه

اصعدنى من مستوى التفكير البشرى والأنفعال

النفسى، وأمنحنى نعمة أن امسك بيدك واصعد معك

على الجبل حيث أعتزل وأخلو معك. وإذ تكشف لى

حلاوة الأبدية والملكوت، أمنحنى أن أستعد للموت

حتى أعاين مجدك بعد القيامة واليقظة. وإذ تحتال

نفسى ان تهرب من الصليب وتبقى معك على جبل

التجلى، أعطنى ان أقبل مرة ثانية سر النزول للجهاد

من أجلك والجهاد معك حتى أرجع ثانية بعد أن يكمل

جهادى لكى أحيا معك للأبد فى ملكوتك.

ان التجلى يا رب هو نور يفوق كل نور. لذلك أرجوك

ان تبدد كل ظلام فى حياتى، أياً كان نوع هذا الظلام،

وأياً كانت كمية فى الظلام، وأياً كان سبب هذا

الظلام. أعطنى يا رب ان اسلك فى النور، لئلا

يدركنى الظلام بغتة.

لك المجد يا رب يا من بقيت وحدك، أعطنى أن تبقى

وحدك فى قلبى وفى حياتى لأن المجد الدائم هو لك.

أصلى لك وأقول "ليأتِ ملكوتك". آمين.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

الفصل التاسع الصليب

الفصل السابع إيمان وسلطان

المحتويات
المحتويات