لماذا دُعي يسوع نوراً وناراً؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

لماذا دُعي يسوع نوراً وناراً؟

يقول القديس إكليمنضس السكندرى: [لو ان الشمس غير موجودة لحلّ الليل فى كل المسكونة، بالرغم من وجود الكواكب الأخرى فى السماء. هكذا لو نعرف اللوغوس، ونستضيء به، لما كنا أفضل من صغار الطير (الكتاكيت) التى تمتلئ سمنة فى الظلام لكى تُشوى بالنار (تؤكل).

لنقبل النور، فنقبل الله. لنقبل النور، ونصير تلاميذ الرب.

لقد وعد أباه هكذا: "أخبر باسمك إخوتي، فى وسط الجماعة أمجدك" (مز22: 22) [462].].

ويقول القديس مار يعقوب السروجي: [ربنا نور لمن يحبه، لكنه نار لمن يدنو منه ليستقصيه.].

ويقول القديس أغسطينوس: [هل الابن أقل لأنه قال إنه مُرسل؟ إننى أسمع عن الإرسال لا الانفصال... بين البشر الراسل أعظم من المُرسل. ليكن، لكن الشئون البشرية تخدع الإنسان، الإلهيات تطهره، لا تتطلع إلى الأمور البشرية التى فيها الراسل يظهر أعظم من المُرسل... ومع ذلك توجد حالات كثيرة فيه يُختار الأعظم لكى يرسله من هو أقل... ترسل الشمس شعاعاً، ولكنه لا ينفصل عنها... والسراج يفيض نوراً ولا ينفصل عنه. إننى أرى إرسالاً دون انفصال... الإنسان الذى يرسل آخر يبقى خلفه بينما يتقدم المُرسل. هل يذهب الراسل مع الذى أرسله؟ أما الآب الذى أرسل الابن لا ينفصل عن الابن... الآب الراسل لا ينفصل عن الابن المُرسل، لأن المرسل والراسل هما واحد[463].].


[462] Protrep. 113: 11: 3,4; 117: 11: 7, 4. ANFrs, Vol 2, P 203, 204.

[463] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate 17: 21.

لماذا دُعي يسوع الصخرة؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

لماذا دُعي يسوع الصخرة؟

لم تتوقف طلبات موسى من إلهه، إذ لم يطمع فى عطاياه فحسب، إنما سأله فى جرأة: "أرني وجهك" (خر33: 18). وكانت إجابة الرب له هكذا: "لا تقدر أن ترى وجهي، لأن الإنسان لا يراني ويعيش" (خر33: 20). أخيراً أجاب الرب موسى سؤاله بقوله: "هوذا عندي مكان، فتقف على الصخرة، ويكون متى اجتاز مجدي إني أضعك في نقرة من الصخرة، وأسترك بيدي حتى أجتاز، ثم أرفع يدي فتنظر ورائي، وأما وجهي فلا يُرى" (خر33: 21 - 22).

هذا الحديث كما يقول القديس أمبروسيوس يُشير[460] إلى التجسد الإلهىي، فقوله "هوذا عندى مكان"، كأنما يعني، لقد حققت طلبك بالقدر الذى تحتمله، فإنى أحملك إلى سرّ التجسد، فتقف على الصخرة، أى ترتكز على السيد المسيح (الصخرة الحقيقة). اما قوله تنظر ورائي فيشير إلى ملء الأزمنة حيث يجتاز الله على العالم معلناً حبه، فنرى الله خلال التجسد الإلهي، كمن هو فى سترة يد الله (المسيح) يرى مجد اللاهوت (فى نقرة من الصخرة)، فيقول مع الرسول يوحنا: "ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب" (يو1: 14). ويُعلّق القدّيس جيروم على عبارات السيد المسيح الخاصة بالبناء على الصخر أو على الرمل (مت7: 24 - 27)، قائلاً: [المطر الذى يعمل على هدم البيت بلا رحمة هو الشيطان، والأنهار تُشير هنا إلى أضداد المسيح، والرياح إلى قوات الشرّ الروحيّة التى فى الهواء، "فإن مصارعتنا ليست مع دم ولحم، بل مع الرؤساء، مع السلاطين، مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر، مع أجناد الشرّ الروحية فى السماويّات" (أف6: 12). هذه وقعت على ذلك البيت فلم يسقط، لأنه كان مؤسّساً على الصخرة. على هذه الصخرة (الإيمان بالسيد المسيح) أسّس الله كنيسته، ومنها استمدّ الرسول بطرس اسمه: "أنت بطرس وعلى هذه الصخرة ابني كنيستي" (مت16: 18). على هذه الصخرة لا يوجد أثر للحيّة، لذا يقول النبي فى ثقة: "وأقام على صخرة رجليّ" (مز40: 2)، وفى موضع آخر يقول: "الصخور ملجأ للوبار" (مز104: 18). فالوبار يلجأ إلى الصخور بكونه خائفاً... (وموسى النبي إذ كان كالوبار صغيراً) قال له الرب بعد خروجه من أرض مصر: "إنى أضعك فى نقرة من الصخرة، واسترك بيدي حتى اجتاز، ثم أرفع يدي، فتنظر ورائي" (خر33: 22 - 23) [461].].


[460] St. Ambrose: On the Holy Spirit 5: 3.

[461] In Matt. 25: 7.

لماذا دُعي يسوع الباب والبواب؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

لماذا دُعي يسوع الباب والبواب؟

يخاطب القدَيس أغسطينوس الآب، قائلاً: [إننا نقول إنه بالمسيح قد صار لنا باب الدخول إليك[458].] ويقول هرماس: [هذه الصخرة وهذا الباب هما ابن الله. قلت: كيف تكون الصخرة قديمة، والباب جديداً؟ قال لى: أنصت وافهم أيها الإنسان الجاهل. إن ابن الإنسان قديم عن كل الخليقة، وهو شريك الآب فى عمل الخلقة، فهو "أزلي". قلت: ولماذا الباب جديد يا سيِّدى؟ أجاب: لأنه "أُظْهِر في الأزمنة الأخيرة" (1بط1: 20)، لهذا صارت البوابة جديدة، حتى أن الذين يخلصون بها يدخلون ملكوت الله. قال: أترى كيف أن الحجارة التى دخلت خلال البوابة استخدمت فى بناء البرج (الكنيسة)، وأما التى لم تدخل، فألقيت مرة أخرى إلى موضعها خارجاً؟ قلت: إنني أرى ذلك يا سيِّدى. ثم أكمل قائلاً: هكذا لا يدخل أحد ملكوت الله ما لم يستلم اسم (المسيح) القدُّوس، لأنك متى رغبت... فى دخول مدينة مسوَّرة بسورٍ وليس لها إلاَّ باب واحد، فإنك لا تقدر الدخول بغيره... هكذا بنفس الكيفية لا يقدر إنسان أن يدخل ملكوت الله إلاَّ بواسطة اسم ابنه الحبيب[459].].


[458] راجع المسيح في سرّ الإفخارستيا، 1973م، ص19 - 27.

[459] كتاب الراعي، ك3، رؤيا 12.

لماذا دُعي يسوع البكر؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

لماذا دُعي يسوع البكر؟

يقول القديس يوحنا الذهبيّ الفم إن الرب بكرنا، لأنه قدم ذاته ذبيحة مقبولة بلا عيب، تسلمها الآب برضا، فصارت البشرية مقبولة فيه ومقدسة فيه. يمتاز البكر بأنه السابق للكل، وأفضل الكل، والمكرس لله، وبه يتقدس المحصول كله. من جهة الزمن لم يكن السيد المسيح هو أول القائمين من الأموات، فقد قام الميت الذى لمس عظام أليشع النبي، وأقام السيد المسيح الصبية ابنة يايرس وآخرين. لكن جميعهم قاموا ثم ماتوا. أما المخلص فقام بسلطانه. إنه السنبلة الأولى الناضجة التى يمسك بها الكاهن ويلوح إعلاناً عن أنها مكرسة لله، بها يتقدس كل الحصاد.

ويقول البابا أثناسيوس الرسولى: [لم يُلقّب بكراً كمساوٍ للمخلوقات، أو أولهم زمنياً، لأنه كيف يكون هذا وهو نفسه الوحيد الجنس بحق؟ لأنه بسبب تنازل الكلمة إلى المخلوقات، صار أخاً لكثيرين. وهو يعتبر وحيد الجنس قطعاً، إذ أنه وحيد وليس له إخوة آخرون، والبكر يُسمّى بكراً بسبب وجود إخوة آخرين... إن كان بكراً لا يكون وحيداً (1يو4: 9)، لأنه غير ممكنٍ أن يكون هو نفسه وحيداً وبكراً إلا إذا كان يشير إلى أمرين مختلفين. فهو الابن الوحيد بسبب الولادة من الآب، لكنه يٌسمّى بكراً بسبب التنازل للخليقة ومؤاخاته للكثيرين... فهو مرتبط بالخليقة التى أشار إليها بولس بقوله: "فيه خُلق الكل" (كو1: 16). فإن كانت كل الخليقة خُلقت بواسطته، فهو مختلف عن المخلوقات، ولا يكون مخلوقاً بل هو خالق المخلوقات[454].] يقول القديس كيرلس الكبير: [ذاق الموت فى جسده من أجل كل إنسان، هذا الذى يمكنه أن يحتمل الموت دون أن يفقد كونه الحياة. لهذا مع كونه قد قيل إنه تألم فى جسده إلا أنه لم يقبل الألم فى طبيعة لاهوته[455].] كما يقول: [حينما تدعوه الكتب الإلهية بالبكر، تضيف حالاً السبب الذى لأجله حمل هذا اللقب. فتقول: "البكر بين إخوة كثيرين" (رو8: 29). وأيضاً "البكر من الأموات" (كو1: 18). ففي المرّة الأولى دُعي بكراً بين إخوة كثيرين لأنه صار مثلنا فى كل شيءٍ ما عدا الخطية. وفى المرَة الثانية دُعي "البكر من الأموات"، لأنه هو الأول الذى أقام جسده إلى حالة عدم الفساد[456].] ويقول القديس أمبروسيوس: [كما أن بكر الموت كان فى آدم هكذا بكر القيامة هو فى المسيح[457].].


[454] Adv. Arian 21: 2: 62. ترجمة مركز دراسات الآباء بالقاهرة.

[455] Letter 34: 55.

[456] Comm. on The Gospel of Saint Luke, Sermon 1 ترجمة: دكتور نصحي عبد الشهيد.

[457] On His Brother Satyrus. 91: 2.

لماذا دُعي يسوع الراعي الصالح؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

لماذا دُعي يسوع الراعي الصالح؟

تصرخ النفس البشرية قائلة: "أخبرني يا من تحبه نفسي أين ترعى؟ أين تربض عند الظهيرة؟ لماذا أكون كمقنَّعة عند قطعان أصحابك" (نش1: 7). يقول القديس غريغوريوس النيسي: [أين ترعى أيها الراعى الصالح، يا من تحمل القطيع كله على كتفيك؟ لأنك حملت خروفاً واحداً على كتفيك، ألا وهو طبيعتنا البشرية. أرني المراعى الخضراء. عرفني مياه الراحة (مز22: 2). قدني إلى العشب المشبع. ادعني باسمي (يو10: 16)، حتى اسمع صوتك، أنا خروفك، أعطنى حياة أبدية[452].] ويقول القدّيس إكليمنضس السكندرى: [أشبعنا نحن أولادك كغنمٍ. يا سيِّدنا، املأنا بصلاحك من مرعاك. يا معلم، أعطنا طعاماً على جبلك المقدس... معلمنا بالحقيقة صالح، يقول: "ما جئت لأُخدَم بل لأخدِم". يُقال عنه فى الإنجيل إنه حزين، إذ تعب من أجلنا، ووعد أن يعطينا حياته "فدية عن كثيرين". لأن المسيح وحده هو الراعى الصالح. إنه كريم، ويعطينا أعظم الهبات، وهى حياته نفسها. إنه عظيم الصلاح ومحب للبشر، إذ وهو الرب يشتهي أن يكون أخاً للإنسان. يا لصلاحه، فقد مات لأجلنا! [453]].


[452] نشيد الأناشيد للقدّيس غريغوريوس النيسي، تعريب الدكتور جورج نوّار، عظة2.

[453] Paedagogus 9: 1.

لماذا دُعي يسوع المعلم الصالح؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

لماذا دُعي يسوع المعلم الصالح؟

مسيحنا واهب الصلاح، يحول ما يبدو لنا شراً إلى ما فيه خيرنا وصلاحنا. لنقتنيه فنقتنى الصلاح نفسه. يقول القدس أمبروسيوس: [عندما قال (الشاب الغني): "أيها المعلم الصالح" (مر10: 17)، قالها بمعنى الصلاح الجزئي لا المطلق مع أن صلاح الله مطلق وصلاح الإنسان جزئي، لذا أجابه الرب: لماذا تدعوني صالحاً، وأنت تنكر إني أنا الله؟ لماذا تدعونني صالحاً والله وحده هو الصالح؟ لم ينكر الرب أنه صالح، بل يشير إلى أنه هو الله... إن كان الآب صالحاً فذاك أيضاً صالح، لأن كل ما للآب فهو له (يو17: 10) [451].


[451] In Luc 18: 18 - 30.

لماذا دُعي يسوع الصديق العجيب؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

لماذا دُعي يسوع الصديق العجيب؟

جاء حديثه الوداعي يكشف عن غاية تجسده والخلاص الذى يقدمه للبشرية، أن يقدم نفسه صديقاً قديراً وفريداً فى حبه. كشف عن ذلك صراحة، بقوله: "هذه هي وصيتي أن تحبوا بعضكم بعضاً كما أحببتكم، ليس لأحدٍ حب أعظم من هذا: أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه. أنتم أحبائى إن فعلتم ما أوصيكم به. لا أعود أسميكم عبيداً، لأن العبد لا يعلم ما يعمل سيده، لكنى قد سميتكم أحباء، لأنى أعلمتكم بكل ما سمعته من أبي" (يو15: 12 - 15). يهب أصدقاءه وزنات متباينة ومواهب مختلفة، ويهتم أن ينميها فيهم بروحه القدوس، فلا يشكلهم فى قالبٍ واحدٍ، إنما لكل منهم شخصيته وقدراته ودوره، وفى هذا كله يتجاوب مع كل أحدٍ كصديقٍ شخصي يقدِّر إمكانيته.

للتعرف على سمو صداقته نقدم أمثلة قليلة، لنرى كيف يقيم من مؤمنيه أصدقاء له:

أ - القديسة مريم: استجاب لطلبتها في عرس قانا الجليل، وحوّل الماء خمراً، وعلى الصليب فى وسط آلامه عن البشرية كلها، خصها باهتمام شخصي، فسلمها للقديس يوحنا الحبيب (يو19: 26).

ب - القديس يوحنا الحبيب: تركه يتكىء على صدره فى تأسيسه سّر الإفخارستيا، وقدم له أعظم هدية، إذ جعل من أمه أماً له.

ج - عند لقائه مع مريم ومرثا بعد موت أخيهما لعازر بأربعة أيام، لم يحتمل دموعهما، فقيل عنه "بكي يسوع" (يو11: 35)، مع أنه جاء ليقيمه من الأموات. إنه لا يحتمل دموع أحبائه.

د - عندما سلمه تلميذه بخيانة بشعة عاتبه بحنو: "أبقبلة تسلم ابن الإنسان؟" (لو22: 48) بهذا أعطاه فرصة ليرجع عما في قلبه.

ه - غالباً ما كان ينادي الإنسان باسمه كعلامة عن الرغبة فى صداقته له، كقوله: "يا زكا، أسرع وانزل" (لو19: 5) "يا سمعان بن يونا، أتحبني؟ (يو21: 15)،" شاول، شاول، لماذا تضطهدني؟ "(أع9: 4)." يا مريم، لا تلمسيني "(يو20: 17).

و - علامة الصداقة التى قدمها لكل البشرية هى أنه ونحن أعداء صولحنا بموته (رو5: 10)، مات عن البشرية كلها لكى يقيم إن أمكن الكل أصدقاء على مستوى أبدي.

يقول الأب مكسيموس أسقف تورين: [من يعرف أن المسيح فى صحبته، يخجل من أن يصنع شراً. على أى الأحوال المسيح هو معيننا فى الأمور الصالحة، وفى مواجهة الأمور الشريرة يكون مدافعاً عنا[448].] ويقول القديس أغسطينوس: [ليتنا أيها الأحباء لكى ما نصير أحباء الرب نعلم ما يعمله سيدنا. فإنه هو الذى جعلنا ليس فقط بشراً بل وأبراراً، ليس نحن الذين جعلنا أنفسنا هكذا[449].].

محب الخطاة والعشارين: فى لقاءاته الجماعية كما الفردية ما يشتهيه هو رد الخطاة إلى الحياة المقدسة. فى تجسده وأعماله الخلاصية، يبسط يديه ليسكب رحمته على كل بشرٍ. يرى القديس يوحنا الذهبي الفم وكثير من الآباء أن أعظم معجزة يصنعها ربنا يسوع أن يقيم من الخطاة قديسين، ومن البشر شبه ملائكة، ومن الأرض سماءً بهذا يفرح السمائيون. يقول القدِّيس أمبروسيوس: [لنعرف أن تجديدنا يبهج جمهور الملائكة، فنطلب شفاعتهم وعونهم ولا نغضبهم. لتكن مُفرحاً للملائكة، إذ يبتهجون برجوعك[450].].

وهبنا اللقاء والحوار معه: يقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [ "حلّ بيننا" حتى نتمكن أن ندنو منه ونخاطبه، ونتصرف معه بمجاهرة كثيرة.].


[448] Maximius of Turin: Sermons, 1: 73.

[449] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate, 2: 85.

[450] In Luc 1: 15 - 7.

لماذا دُعي يسوع رأس الجسد؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

لماذا دُعي يسوع رأس الجسد؟

يقدم لنا الرسول بولس هذا اللقب، لا ليؤكد سلطانه على الكنيسة، وإنما ليعلن حبه لها، فهو القائد البكر من الأموات. هو الرأس الذى ينعش الجسد ويهبه روح الوحدة معاً. "وهو رأس الجسد الكنيسة، الذى هو البداءة، بكر من الأموات، لكي يكون هو متقدماً فى كل شيءٍ" (كو1: 18). كرأس يضمنا فى جسم بشريته لنحمل برْه وقداسته: "فى جسم بشريته بالموت، ليحضركم قديسين وبلا لوم ولا شكوى أمامه" (كو1: 22). "بل صادقين فى المحبة، ننموا فى كل شيءٍ إلى ذاك الذى هو الرأس المسيح، الذى منه كل الجسد مركباً معاً، ومقترناً بمؤازرة كل مفصلٍ حسب عملٍ على قياس كل جزءٍ يحصل نمو الجسد لبنيانه فى المحبة" (أف4: 15 - 16). يقول القديس أغسطينوس: [إن كان هو الرأس، فإننا نحن الأعضاء، كنيسته الكلية التى تنتشر عبر العالم، أي جسده، الذى هو رأسه. ليس فقط المؤمنون الذين على الأرض الآن، والذين سبقونا والقادمون فيما بعد إلى نهاية الزمن، يتصلون الواحد والكل فى جسده، وهو رأس هذا الجسد، الذى صعد إلى السماء... يمكننا القول إن صوته هو صوتنا، وأيضاً صوتنا هو صوته. لنفهم أن المسيح يتكلم فينا[447].].

كجسدٍ له يقدم الرأس دمه المبذول لحساب جسده، أى ليس عن غرباء وأجنبيين، بل عن جسده الذى يعتز به وينسبه لنفسه. خلال هذا المفهوم العجيب للاتحاد مع المسيح لا نعجب من قول الرسول بولس: "يا أولادي الذين أتمخض بكم أيضاً إلى أن يتصور المسيح فيكم" (غل4: 19).


[447] Enarr. In Psalm 2: 62 PL 748: 36 f.

لماذا دُعي يسوع الشفيع الواحد؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

لماذا دُعي يسوع الشفيع الواحد؟

شفيع Paraclete أو Advocate. يقول العلامة أوريجينوس: [لقد دُعي مخلصنا أيضاً بالباراكليت وذلك فى رسالة يوحنا عندما قال "فلنا شفيع Paraclete (1يو2: 1)... وهذه الكلمة فى اليونانية تحمل معنيين: وسيط ومعزي. فالباراكليت تُفهم بمعنى شفيع يتوسط عند الآب بالنسبة لمخلصنا. وتفهم بمعنى المعزي بالنسبة للروح القدس إذ يهب تعزية للنفوس التى يعلن لها بوضوح المعرفة الروحية[444].] يرى القديس كيرلس الكبير فى الأصحاح 17 من إنجيل يوحنا صلاة رئيس الكهنة الشفيع السماوي عن البشرية.

يقول الرسول بولس: "لأنه يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس، الإنسان يسوع المسيح، الذى بذل نفسه فدية لأجل الجميع، الشهادة فى أوقاتها الخاصة" (1تى2: 5 - 6).

هنا قد يتساءل البعض: لماذا يؤكد "الإنسان" يسوع المسيح؟ نجيب على ذلك بالآتى:

1 - إنه فى نفس العبارة يدعوه "إله واحد"، فلا ينكر الرسول لاهوته.

2 - كتب ليقاوم بعض المبتدعين الذين خلطوا بين تعاليم غنوصية من الشرق الأقصى والتعاليم المسيحية، هؤلاء الذين نادوا بأنه يوجد وسطاء (أيونات) بين الكائن الأسمى Super Being والإنسان، إذ يتوسط أيون إلى أيون أسمى، والثانى إلى من هو أسمى منه حتى يبلغ الأخير إلى الكائن الأسمى. هنا يلغي الرسول فكرة الأيونات، فالسيد المسيح هو الإله الواحد، وفى نفس الوقت الوسيط الواحد بين الآب والإنسان.

3 - قامت فرق لها اتجاهات غنوصية تعتقد أن المادة ظلمة، وأن الكائن الأسمى لم يخلق العالم المادي ولا الجسد، كما تحرم الزواج الخ. لذلك ظنوا أن السيد المسيح لم يكن له جسد حقيقى، ولم يُصلب حقيقة، إنما جسده خيالي أو نازل من السماء الخ. لذلك أراد الرسول تأكيد تأنس الكلمة، صار بالحقيقة إنساناً كاملاً، وإلا ما كان يمكنه أن يحقق الخلاص للبشر.

يقول القديس أمبروسيوس: [إننى لا أفتخر لأني نافع أو لأن أحداً ما نافع لي، وإنما لأن المسيح هو شفيعي (محامي) أمام الآب، لأن دم المسيح سُفك من أجلي[445].] ويقول القدُيس أغسطينوس: [إن كان لديك قضية معروضة أمام قاضٍ ويلزمك أن تقيم محامياً، وقد قبل المحامي قضيتك، فإنه يشفع فى قضيتك قدر استطاعته. فإن سمعت قبل المرافعة أنه هو الذى يحكم، فكم يكون فرحك أنه يكون القاضي ذاك الذى هو محاميك[446].].


[444] Origen: De Principiis 7: 2: 4.

[445] On Jacob and the Happy Life 21: 6.

[446] Sermon 5: 213.

لماذا دُعي يسوع رئيس الكهنة السماوي؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

لماذا دُعي يسوع رئيس الكهنة السماوي؟

يقدم لنا القديس بولس فى رسالته إلى العبرانيين صورة حية للسيد المسيح كرئيس الكهنة على رتبة ملكي صادق، يدخل بنا إلى الأقداس السماوية، يشفع فينا بدمه، ويقدم حياته ذبيحة عنا. بدأ حديثه فى الأصحاح الخامس فى جوهر موضوع رسالته، ألا وهو "كهنوت السيد المسيح"، الذى هو ليس على رتبة هرون، بل على رتبة ملكي صادق إلى الأبد. بدأ الحديث عن هرون بكونه أول رئيس كهنة مدعو من الله مباشرة لهذا العمل، والمتفوق على جميع رؤساء الكهنة الذين خلفوه، لكنه يحتاج إلى تقديم ذبائح عن نفسه بسبب ضعفه، قبِلَ أن يقدمها عن الشعب، ليقدم لنا من هو أعظم منه بما لا يُقاس، ربنا يسوع الذى يدخل بنا إلى الأقداس السماوية، يشفع فينا على مستوى جديد وفريد.

عرض الرسول بولس سمات رئيس الكهنة وعمله ليكشف عن السمو الفائق للسيد المسيح متى قورن بهرون، وليوضح عمل السيد المسيح الكهنوتى بالنسبة لنا فى ظل العهد الجديد. نتمتع بالشركة معه، فننعم بالكهنوت العام، نبسط أيادينا فى الصلاة، فتُقبل ذبيحة شكر وتسبيح لدى الآب خلال ابنه الكاهن الأعظم. ونقدم العبادة ككهنة نطلب عن العالم كله، فنصلي الصلاة الربانية باسم الكنيسة كلها قائلين: "أبانا الذى فى السماوات".

الشرط الأول فى رئيس الكهنة أن يكون "ماخوذاً من الناس" (عب5: 1). فرئيس الكهنة يشفع فى بنى جنسه "البشر" يشعر بضعفاتهم ويعمل باسمهم. تحقق هذا فى السيد المسيح، إذ صار كواحدٍ منا ليس بغريبٍ عنا، حتى يقوم بدوره الكهنوتى عن الناس.

الشرط الثاني أن "يُقام لأجْل الناس فى ما لله، لكيْ يقدّم قرابين وذبائح عن الخطايا" (عب5: 1). صار الابن الوحيد الجنس ابن الإنسان يقدم حياته قرباناً وذبيحة حب لكى يطهرهم من الخطايا، مقدساً ضمائرهم ومجدداً نفوسهم الداخلية، ليصيروا لله أبيه. يدخل بهم إلى البنوة للآب خلال تقديسهم باتحادهم معه وثبوتهم فيه، الأمر الذى لن تقدر خليقة سماوية أو أرضية أن تحققه.

الشرط الثالث أن يكون مدعواً من الله. المسيح أيْضاً لمْ يمجَدْ نفْسه ليصير رئيس كهنةٍ، بل الذى قال له: أنْت ابني أنا الْيوْم ولدْتك. كما يقول أيْضاً فى موْضعٍ آخر: أنْت كاهنّ إلى الأبد على رتْبة ملْكي صادق "(عب5: 4 - 6). يقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [عظيم هو الفارق! إنه هو الفدية والكاهن والذبيحة! فلو كان الأمر غير ذلك لصارت هناك حاجة إلى تقديم ذبائح كثيرة، وكان يُصلب مراراً كثيرة[443].].


[443] In Hebr. hom 5: 16.