لماذا دُعي يسوع ذبيحة خطية؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

لماذا دُعي يسوع ذبيحة خطية؟ [439]

يقول الرسول: "لأنه جعل الذى لم يعرف خطية خطية لأجلنا، لنصير نحن برّ الله فيه" (2كو5: 21). الذى لم يعرف خطية صار ذبيحة خطية مُقدمة عنا. الكلمة العبرية hamartia الواردة هنا ترجمت فى السبعينية فى أسفار الخروج واللاويين والعدد "ذبيحة خطية Sin –offering".

إذ قبل مسيحنا أن يكون تقدمة خطية وضع كل البشرية أيديهم عليه ليحمل كل ثقل الخطايا. إذ احتل مسيحنا موضعنا حُسب كمن هو أعظم الخطاة، وهبنا أن نحتل موضعه، فنُحسب فى عيني الآب أبراراً، إذ نحمل برّ المسيح. يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [حدث أن صار مطيعاً، إذ أخذ ضعفاتنا وحمل أمراضنا، شافياً عصيان البشر بطاعته، حتى بجلداته يشفي جرحنا، وبموته يطرد الموت العام لكل البشر. فمن أجلنا صار مطيعاً، ومن أجلنا صار "خطية" و "لعنة" لأجل التدبير لحسابنا، وليس بحسب الطبيعة، إنما صار هكذا فى حبه للبشر[440].] ويقول القديس كيرلس الكبير: [بكونه باراً (أو بالحري هو البرّ إذ لا يعرف الخطية نهائياً) جعله الآب ذبيحة عن خطايا العالم (2كو5: 21) [441].] ويقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [دُعي الصليب "مجداً"... فكان من الضرورى تقديم الذبيحة عنا أولاً، حتى تُنزع العداوة التى فى جسدنا، فنصير أصدقاء الله، وعندئذ نتقبل العطية[442].].


[440] Against Eunomius, 11: 2.

[441] Letter 10: 41.

[442] Hom 51. PG 301: 59.

لماذا دُعي يسوع حمل الله؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

لماذا دُعي يسوع حمل الله؟

هذا اللقب محبب للغاية للمؤمن على الأرض، كما فى السماء. فقد دعاه السابق الصابغ يوحنا "حمل الله" (يو1: 29، 36). وأيضاً القديس بطرس (1بط1: 19) وذُكر 28 مرة فى سفر الرؤيا. وكثيراً ما تستخدم الكنائس الرسولية هذا اللقب فى ليتورجياتها وعبادتها. بهذا اللقب نذكر أن خروف الفصح إنما كان إشارة إلى السيد المسيح الذى حقق عبورنا من العبودية إلى حرية مجد أولاد الله. يقول الرسول بولس: "لأن فصحنا أيضاً المسيح قد ذُبح لأجلنا" (1كو5: 7). يقول العلامة أوريجينوس: [أية عظمة لحمل الله الذى ذُبح لكي يرفع الخطية ليس عن قليلين بل عن كل العالم، الذى من أجله تألم؟ "لأنه إن أخطأ أحد، فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار، وهو كفارة لخطايانا، ليس لخطايانا فقط، بل لخطايا العالم أيضاً" (1يو2: 1 - 2). إذ هو مخلص كل بشرٍ ولا سيما المؤمنين (1تى4: 10). إنه هو الذى محا الصك الذى كان علينا بدمه، ورفعه من الوسط، فلم يعد أثر للخطايا التى وُجدت بل مُحيت، مسمراً إياها على الصليب، هذا الذى إذ جرد الرئاسات والسلاطين أشهرهم جهاراً، ظافراً بهم فى الصليب (كو2: 14 - 15). هكذا تعلمنا أن نكون فرحين حينما نتألم فى العالم. نتعلم علة فرحنا، وهو أن العالم قد انهزم (يو16: 33). وبالتأكيد خضع لمن غلبه. لهذا كل الأمم تتحرر ممن سيطروا عليهم، وصاروا يخدمونه، إذ ينقذ الفقراء من الجبار وذلك بقوة آلامه، ويخلص المسكين الذى لا معين له (مز72: 4 - 5) [437].] كما يقول: [موت المسيح أبطل القوات المقاومة للجنس البشرى، وأباد بسلطانٍ لا يُوصف الحياة فى الخطية فى حياة كل مؤمنِ[438].].


[437] Commentary on John, Book 285: 6 - 286.

[438] Commentary on John, Book 233: 1.

[439] راجع تفسير 2 كورنثوس 5: 21 فى سلسلة: من تفسير وتأملات الآباء الأولين.

لماذا دُعي يسوع آدم الجديد (الثانى)؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

لماذا دُعي يسوع آدم الجديد (الثانى)؟

يقدم لنا الرسول بولس شخص السيد المسيح بكونه آدم الجديد، الذى احتل مركز آدم الأول، لكى يقدم للبشرية ما فشل فى تقديمه أبوهم الأول، ويُصلح ما ورثوه عنه من فساد (1كو15: 21 - 22؛ 44 - 49). "من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم، وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس، إذ أخطأ الجميع. فإنه حتى الناموس كانت الخطية فى العالم، على أن الخطية لا تُحسب، إذ لم يكن ناموس. لكن قد ملك الموت من آدم إلى موسى، وذلك على الذين لم يخطئوا على شبه تعدي آدم الذى هو مثال الآتي" (رو5: 12 - 14).

آدم الأول كرأس للبشرية حسب الجسد قدم لها الخطية ودخل بها إلى الموت. أما السيد المسيح، رأس البشرية حسب الروح، فقدم بنعمته الإلهية بالصليب والقيامة والصعود المصالحة مع الآب، واهباً إيانا برَّه الإلهي، ودخل بنا إلى الحياة الأبدية. لا نعجب إن كان الرسول بولس فى مواقف كثيرة يؤكد حقيقة ناسوت المسيح، فقد صار بالحق آدم الأخير، وخضع تماماً للآب فى طاعة كاملة حتى موت الصليب (في2: 8). بهذه الطاعة انسحبنا من نسبنا لآدم الأول الذى بعصيانه دخلت الخطية المفسدة، وانتسبنا لآدم الجديد الذى بطاعته نتمتع بالخلاص. لو لم يأخذ مسيحنا جسداً حقيقياً ونفساً بشرية ما كان يمكنه أن يطيع حتى الموت، وما كانت أعماله حقيقية، وبالتالى ما تحقق خلاصنا به.

يقول القديس أمبروسيوس: [فى آدم أنا سقطت، فى آدم طُردت من الفردوس، فى آدم أنا مت. كيف يردني الله ما لم يجدني فى آدم الجديد؟ فكما فى آدم أنا مجرم ومدين حتى الموت، هكذا فى المسيح أتبرر[431].] ويقول القديس إيرينيؤس: [لقد حتّم الله أن الإنسان الأول يحمل طبيعة حيوانية، على أساس أنه يخلص بالطبيعة الروحانية[432].] يقول القديس أغسطينوس: [كل البشر الذين مات المسيح لأجلهم، ماتوا فى خطية آدم الأول، والذين يعتمدون فى المسيح يموتون عن الخطية[433].] يقول القديس جيروم: [فى معصية آدم طُردنا جميعاً من الفردوس بالخطية (تك3: 23 - 24). يعلمنا الرسول أنه حتى نحن الذين جئنا مؤخراً سقط آدم فينا. لذلك فى المسيح، فى آدم السماوي، نؤمن أننا نحن الذين سقطنا من الفردوس بخطية آدم الأول رجعنا إليه ببرّ آدم الثانى[434].] يقول القديس كيرلس السكندري: [إنه دُعي آدم الأخير، لأنه آدم بحسب الجسد، وقد صار بداية ثانية للذين على الأرض ففيه عادت طبيعة الإنسان إلى حياة جديدة فى التقديس وعدم الفساد بالقيامة من الأموات، فإنه هكذا قد نقض الموت، إذ لم يحتمل الذى هو الحياة بطبعه أن يخضع جسده للفساد، فإن المسيح "لم يكن ممكناً أن يمسك منه" (أع2: 24) بحسب كلمات بطرس الإلهية. وهكذا انتقلت بركات هذه النصرة منه إلينا[435].].

أدم الجديد يهبنا الحياة الجديدة: يرى القديس يوحنا الذهبى الفم أن السيد المسيح بكونه الحياة، أو مصدر الحياة، لا يمكن إلا أن يكون أزلياً، وإلا فمن وهب الحياة إن كان هو نفسه غير موجود فى وقتِ ما؟ إنه يقول: [هو الحياة... التى بلا بداية ولا نهاية، فإنها بهذا تكون بالحقيقة الحياة كما يلزم. فإنه إن كان يوجد وقت ما لم تكن فيه الحياة، فكيف يمكنها ان تكون حياة للآخرين إن كانت هى نفسها غير موجودة؟! [436]] ويقول القديس أغسطينوس: [نصير بالحقيقة أحراراً عندما يدبر الله حياتنا، أى يشكلنا ويخلقنا لا ككائنات بشرية، فإن هذا قد صنعه بالفعل، بل يجعلنا شعباً صالحاً، الأمر الذى يفعله الآن بنعمته، حتى نصير خلائق جديدة فى المسيح يسوع. لهذا نقدم الصلاة: "قلباً نقياً، اخلقه فيّ يا الله" (مز51: 10).].


[431] On the Death of His Brother Satyrus, 6: 2.

[432] Adv. Haer. , 22: 3: 3.

[433] Against Julian 21: 7.

[434] Homilies on the Psalms 66.

[435] المسيح واحد 1353، 75 PG.

[436] Homily 3: 4.

لماذا دُعي يسوع ابن الله وابن الإنسان؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

لماذا دُعي يسوع ابن الله وابن الإنسان؟

كان لقب ابن الإنسان محبباً لدى السيد المسيح، إذ أراد تأكيد تأنسه حباً فى البشرية، وعندما سأل: "ماذا يقول الناس إنى أنا ابن الإنسان" (يو12: 34؛ مت16: 13). كان قادة اليهود يدركون ما وراء تعبير "ابن الإنسان" فى دانيال. "كنت أرى فى رؤى الليل، وإذا مع سحب السماء مثل ابن إنسانٍ أتى وجاء إلى القديم الأيام فقربوه قدامه. فأعطي سلطاناً ومجداً وملكوتاً لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول، وملكوته ما لا ينقرض" (دا7: 13 - 14).

وعندما سٌئل: "إن كنت أنت المسيح، فقل لنا" (لو67: 22)، وأجاب أنه ابن الإنسان، قال الجميع: "فأنت ابن الله؟ فقال لهم: أنتم تقولون إنى أنا هو. فقالوا ما حاجتنا بعد إلى شهادة، لأننا نحن سمعنا من فمه" (لو22: 70 - 71؛ يو18: 7؛ مت27: 40، 43). يربط السيد المسيح بين اللقبين، فحين قال له نثنائيل: "يا معلم أنت ابن الله" (يو1: 49علق السيد بقوله: "الحق الحق أقول لكم من الآن ترون السماء مفتوحة وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن الإنسان" (يو1: 51). يقول القديس هيبوليتس الرومانى: [هو رب الذين فى السماء لأنه كلمة الله المولود قبل الدهور؛ ورب الذين على الأرض لأنه أحصي بين الأموات كارزاً بالإنجيل لنفوس القديسين (1بط3: 19)، وقد غلب الموت بالموت[426].].

فيه صرنا أبناء الله: فى ابن الله الوحيد المحبوب نلنا التبنى، فصرنا أبناء، لنا حق شركة الميراث، لكن شتان ما بين الابن المحبوب وحيد الجنس، وبين الأبناء بالتبني. يقول القديس أغسطينوس: [أقام الآب شركاء فى الميراث مع ابنه الوحيد، لكنهم ليسوا مولودين مثله من جوهره، إنما تبناهم ليصيروا أهل بيته[427].] ويحثنا القديس غريغوريوس النيسي على الاشتياق للتشبه بالملائكة خلال عمل المسيح الخلاصي فينا، فيقول: [إننا نحيا مع المسيح نتيجة لصلبنا معه، ونتمجد أيضاً معه ونملك معه. أما نتيجة حضورنا فهى إننا نتغير من رتبة الطبيعة البشرية والكرامة الإنسانية إلى تلك التى للملائكة، وهكذا يقول دانيال "ألوف ألوف وقوف قدامه" (دا7: 10) [428].].

دعوته الآب "أبا": فى كل أحاديث السيد المسيح مع الآب، استخدم كلمة "أبا"، باستثناء حديثه على الصليب حيث أراد توجيه أنظارنا إلى المزمور 22 ليؤكد أن صلبه لم يأتِ مصادفة، بل تحقيقاً للنبوات. لقد صرخ ببدء المزمور الخاص بالصلب: "إلهي، إلهي، لماذا تركتني".

يقول J. A. Fitzmyer إن كلمة "أبا" فى ذلك الحين لا تعادل Daddy، إذ لم تكن لغة الطفل الصغير مع أبيه، بل لغة الابن الناضج الذى يتحدث بروح الوقار والالتزام مع أبيه[429].

إن كان الابن موضع سرور الآب، والواحد معه فى الجوهر، يدعوه "أبا"، فباتحادنا به كأعضاء فى جسده وهبنا – خلال المعمودية – البنوة للآب، فيحق لنا ما يقوله الرسول بولس: "إذ لم تأخذوا روح العبودية أيضاً للخوف، بل أخذتم روح التبنى الذى به نصرخ: يا أبا، الآب" (رو8: 15). هكذا دخل بنا الابن الوحيد المتجسد إلى حضن الآب لنتحدث معه بلغة البنين الناضجين، الملتزمين بتحقيق إرادة أبيهم ببهجة ومسرة، منقادين بروح الله القدوس. يرى القديس أغسطينوس أن الرسول استخدم الكلمتين "أبا، الآب" (رو8: 15)، بالأولى ينادي أهل الختان الله بلغتهم (الآرامية)، وبالثانية ينادي أهل الغرلة الله أيضاً بلغتهم. وكأن السيد المسيح قد ضم اليهود مع الأمم ليتحدث الكل معاً بلغة البنين وبدالة لدى الآب، كل بلغته[430].


[426] Treatise on Christ and Antichrist, 26.

[427] Sar. on N. T. 9: 67.

[428] On Virginity, ch,24.

[429] Fitzmyer: Abba and Jesus’ Relationship to God. In “A cause de I’èvangile, Paris,1985,p. 57 - 81.

[430] Letter 56: 32.

لماذا دُعي يسوع ملك الملوك؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

لماذا دُعي يسوع ملك الملوك؟

يربط البعض بين تعبيري "مسيا" و "ملك". فالمسيا فى العهد القديم هو الملك الأبدي البار الممسوح ليقيم خيمة داود الساقطة، تمتد مملكته إلى أقاصى الأرض، ناموسها الحق والعدل الإلهي، نقتبس هنا بعض نبوات عن شخصه العجيب كملكٍ سماوي ومملكته الفائقة:

"أقيم لداود غصن برّ، فيملك ملك وينجح ويُجري حقاً وعدلاً فى الأرض" (إر23: 5).

"كرسيك يا الله إلى دهر الدهور، قضيب استقامة قضيب ملكك. أحببت البرّ وأبغضت الإثم، من أجل ذلك مسحك الله إلهك بدهن الابتهاج أكثر من رفقائك... جُعلت الملكة عن يمينك بذهب أوفير..." (مز45).

"اللهم أعطِ أحكامك للملك، وبّرك لابن الملك. يدين شعبك بالعدل ومساكنك بالحق.. يملك من البحر إلى البحر، ومن النهر إلى أقاصي الأرض" (مز72).

"كنت أرى فى رؤى الليل، وإذا مع سحب السماء مثل ابن إنسان أتى وجاء إلى القديم الأيام، فقّربوه قدامه، فأعطي سلطاناً ومجداً وملكوتاً لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة سلطانه سلطان أبدى ما لن يزول، وملكوته لا ينقرض" (دا7: 13 - 14).

أدرك المجوس أن المولود ملك اليهود (مت2: 2). وجاءت البشارة للقديسة مريم بميلاده واضحة أن المولود يجلس ملكاً، وملكوته لن يزول: "هذا يكون عظيماً وابن العلي يُدعى، ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه، ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد، ولا يكون لملكه نهاية" (لو1: 32 - 33).

قدم لنا الإنجيلى متى فى إنجيله السيد المسيح الملك، وجاء السفر يتكلم عن كل ما يخص الملك ومملكته. وأظهر العهد الجديد الكنيسة بكونها ملكوت الله. وعندما أحضره اليهود إلى بيلاطس اتهموه بأنه قال عن نفسه إنه المسيح الملك (لو23: 1 - 3). وعندما سأله بيلاطس: أفأنت إذاً ملك؟ لم ينكر السيد المسيح أنه ملك (يو18: 37). "أجابه يسوع: أنت تقول إنى ملك. لهذا قد وُلدت أنا، ولهذا قد أتيت إلى العالم".

مملكة السيد المسيح فريدة من جهة كشفها العملي للحب الإلهى:

1 - كملك الملوك ورب الأرباب، يقيم من شعبه ملكة تجلس عن يمينه (مز45: 13).

2 - كملكٍ محبٍ لنا سترنا فيه (كو3: 3)، لكيلا نكون طرفاً فى المعركة ضد إبليس.

3 - كملك سماوى يهبنا إمكانية رفع القلب فوق كل ما هو أرضي (رو8: 21).

يقول القديس يوحنا الذهبى الفم [الذين كانوا يُمسحون فى العهد القديم إمّا كهنة أو أنبياء أو ملوك. أمّا نحن المسيحيّون، أصحاب العهد الجديد، فيلزم أن نُمسح لكى نصير ملوكاً متسلّطين على شهواتنا وكهنة ذابحين أجسادنا، ومقدّمين إيّاها ذبيحة حيّة مقدْسة مرضيّة عبادتنا العقلية (رو12: 1)، وأنبياء لإطلاعنا على أسرارٍ عظيمةٍ جداً وهامة للغاية]، ويقول العلاّمة أوريجينوس: [من يشرب الكأس التى شربها الرب يسوع سوف يجلس ويملك ويحكم إلى جانب ملك الملوك. هذا هو كأس الخلاص، من يأخذه يدعو باسم الرب. وكل من يدعو باسم الرب يخلُص (يؤ2: 32) [424].] وجاء فى ليتورجيّة القديس يعقوب: [ليحتفظ كل الجسد المائت بالصمت، وليقف فى خوفٍ ورعدةٍ، ولا يتأمّل فى أمرٍ أرضي فيه. لأن ملك الملوك ورب الأرباب، المسيح إلهنا، مقدّم ذبيحة، ويوهب طعاماً لمؤمنيه.] ويقول القديس مار يعقوب السروجي: [كيف يحلّ ملك الملوك ورب جميع الأرباب فى نفس مملوءة حمأة نتنة؟ اطرد من نفسك كل شر الأهواء الشريرة، حينئذ يحلّ عندك الملك وجيشه العظيم[425].].


[424] إلى الشهداء: فصل 4 (ترجمة موسى وهبه).

[425] ميمر 65 على الكبرياء (نص بول بيجان والدكتور بهنام سوني). لأجل يوم الأربعاء من الجمعة الثانية من الصوم المقدس، قبطى.

لماذا دُعي يسوع المشير؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

لماذا دُعي يسوع المشير؟

يقول إشعياء النبى: "لأنه يولد لنا ولد ونُعطى ابناً، وتكون الرئاسة على كتفه ويُدعى اسمه عجيباً مشيراً إلهاً قديراً أباً أبدياً لنمو رياسته وللسلام لا نهاية على كرسي داود وعلى مملكته ليثبتها ويعضدها بالحق والبرّ من الآن وإلى الأبد، غيرة رب الجنود تصنع هذا" (إش9: 6 - 7). يقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [دُعي ابن الله هكذا (رسول المشورة العظيمة) من أجل الأمور التى علمّها خاصة وأنه أعلن للبشر عن الآب، إذ يقول: "أظهرت اسمك للناس" (يو17: 6)... أعلن اسمه بالكلمات والأعمال[421].] كما يقول القديس إكليمنضس السكندرى: [ليست معرفة بدون إيمان، ولا إيمان بدون معرفة... الابن هو المعلم الحقيقى عن الآب؛ إننا نؤمن بالابن لكى نعرف الآب، الذى معه أيضاً الابن. مرة أخرى، لكى نعرف الآب يلزمنا أن نؤمن بالابن، إنه ابن الآب. معرفة الآب والابن، بطريقة الغنوسي الحقيقى، إنما هى بلوغ للحق بواسطة الحق... حقاً، قليلون هم الذين يؤمنون ويعرفون[422]] ويقول العلامة أوريجينوس: [أرسل الكلمة الإلهى كطبيبٍ للخطاة، وكمعلمٍ للأسرار الإلهية الذين هم أنقياء بلا خطية[423].].


[421] In John hom, 1: 81.

[422] Stromata 1: 5.

[423] Contra Celsus 67: 6.

لماذا دُعي يسوع “قوة الله وحكمة الله”؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

لماذا دُعي يسوع "قوة الله وحكمة الله"؟ [417]

الذين قبلوا الدعوة الإلهية سواء كانوا يهوداً أو من الأمم صارت لهم نظرة واحدة نحو المسيح المصلوب. إنهم يرونه قوة الله، إذ يجدون قوة الخلاص العامل فى حياتهم. ويدركون حكمة الله، أى خطته الإلهية للغفران والتقديس وتمجيد الإنسان أبدياً فى الرب (1كو1: 24). يرون فى الصليب سرّ تمتع أعماقهم بالجمال الحقيقى، والسمو فى الفكر، وتحقيق الخلاص. يرونه مشرقاً على كل المسكونة ليأخذهم فى أحضانه. الكل مدعوون ليصيروا بالحق عروس المسيح العفيفة الواحدة، تحمل قوة الله وحكمته. إن كان اليهود يطلبون آية، فإن المسيح ذاته هو أعظم الآيات، صليبه الذى يبدو لليهود عثرة هو قوة الله للخلاص لمن يؤمن به. وإن كان اليونانيون يطلبون حكمة، فالمسيح هو حكمة الله (كو2: 3). يقول القديس إكليمنضس السكندرى: [تعليم المخلص فيه الكفاية دون أية مساندة إضافية، لأنه هو قوة الله وحكمة الله[418].] ويقول القديس غريغوريوس النيسي: [من يؤمن حقاً يتحد تماماً بذاك الذى فيه الحق واللاهوت والجوهر والحياة والحكمة، ويرى فيه كل هذه والتى ليست فيمن لا يؤمن. فإنه بدون ابن الله لا يكون لك وجود ولا اسم، ويصير القوي بلا قوة، والحكيم بلا حكمة. لأن المسيح هو "قوة الله وحكمة الله" (1كو1: 24)، فإن من يظن أنه يرى الله الواحد بلا قوة ولا حق ولا حكمة ولا حياة ولا نور حقيقي، إما أنه لا يرى شيئاً بالمرة، أو بالتأكيد يرى ما هو شر[419].] كما يقول: [عندما خلق الله كل الأشياء... لم يكن محتاجاً إلى أية مادة لكى يعمل، ولا إلى أدوات فى إقامة الخليقة، لأن قوة الله وحكمته لا تحتاج إلى عونٍ خارجي[420].].


[418] Stromata 100: 1: 1.

[419] Against Eunomius 7: 2.

[420] Against Eunomius 4: 2.

لماذا دُعي يسوع “كلمة الله”؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

لماذا دُعي يسوع "كلمة الله"؟ [409]

كانت كلمة "لوغوس" معروفة لدى اليهود والأمم، عرَّفها هيرقليتس Heracllitus حوالى 500 ق. م بأنها العقل الجامع الذى يحكم العالم ويخترقه، وقد تبناه الرواقيون وأشاعوه. وفى اليهودية الهيلينية "اللوغوس" هو أقنوم مستقل، تطورت فكرته ليكون مصاحباً للحكمة (صوفياً) (الحكمة 9: 1 - 2؛ 18: 15). جاءت افتتاحية إنجيل يوحنا: "فى البدء كان الكلمة (اللوغوس)، والكلمة كان عند الله، كان الكلمة الله" (يو1: 1). جاءت هذه العبارة فى ثلاثة مقاطع موزونة موسيقياً فى اللغة العبرية، حيث يتكرر فى الثلاثة الاسم "الكلمة" والفعل "كان". هنا الفعل يدل على الكينونة الدائمة القائمة فى البدء لا على الزمن. غاية هذه الافتتاحية أن تقدم للقارئ شخص ربنا يسوع المسيح موضوع السفر، بكونه الكلمة الأزلي، العامل مع الآب فى الخليقة. بكونه الله نفسه، يعلن عن الآب، ويقدمه لنا كما يقدم نفسه لنا. إنه كلمة الله المتحدث معنا، والذى يقدم ذاته كلمة الله لكى نقتنيه سرّ حياة أبدية. إنه حياة الكل، ونور كل إنسانٍ. هذا الأزلي صار جسداً وعاش كإنسانٍ، رفضه خاصته اليهود بالرغم من شهادة القديس يوحنا المعمدان له. لكن وُجدت بقية أمينة قبلته، فصاروا أبناء الله، وأعضاء فى العائلة الإلهية.

حينما نسمع "كلمة الله"، يلزمنا ألا نقارنه بكلمة الإنسان المنطوق بها والتى تخرج من فمه ولا ترتبط بجوهرة أو كيانه البشري. يقول القديس أغناطيوس: [يوجد الله الواحد الذى أعلن عن نفسه بيسوع المسيح ابنه، الذى هو كلمته (اللوغوس)، ليس منطوقاً به بل جوهري. لأنه ليس صوتاً لأداة نطق، بل أقنوم مولود بالقوة الإلهية[410].] ويقول القديس أمبروسيوس: [يُدعى الكلمة والابن وقوة الله وحكمة الله. الكلمة لأنه بلا عيب، والقوة لأنه كامل، والابن لأنه مولود من الآب، والحكمة لأنه واحد مع الآب فى السرمدية، واحد فى اللاهوت. ليس أن الآب أقنوم واحد مع الابن. إذ يوجد تمايز واضح بين الآب والابن يأتى من الولادة، هكذا المسيح هو إله من إله، خالد من خالد، كامل من كامل[411].].

يقول القديس أغسطينوس: [كما أن كلمتى قد جُلبت إلى أجسامكم، ولم تفارق قلبى، هكذا الكلمة جاء إلى حواسنا ومع ذلك لم يفارق الآب. كانت الكلمة معى وجاءت فى صوت. كانت كلمة الله مع الآب، وجاءت فى جسدٍ. لكن هل أستطيع أن أفعل بصوتى ما يستطيع (ابن الله المتجسد) أن يفعله بجسده؟ فإنى لست سيداً على صوتى عندما يطير. أما هو فليس فقط سيداً لجسده ليولد ويعيش ويعمل، بل وأيضاً إذ مات أقامه ومجّده الآب، فهو المركبة الحاملة له والتى بها جاء إلينا[412].].

يقول العلامة أوريجينوس: [صار الكلمة إلى البشر الذين لم يستطيعوا قبلاً أن يتقبلوا رحلة ابن الله الذى هو الكلمة. من الجانب الآخر، لم يأتِ الكلمة لكى يصير عند الله كما لو لم يكن الكلمة قبلاً عند الله، وإنما لأنه هو مع الآب على الدوام؛ قيل: "والكلمة كان عند الله" (يو1: 1)، إذ لم يأت ليصير مع الله[413].] كما يقول: [من يساندنا؟ يسوع المسيح، قوة الله وحكمة الله (1كو1: 24). علاوة على هذا يؤازرنا، ليس ليوم أو ويومين، وإنما أبدياً[414].].

يقول القديس أثناسيوس الرسولى: [لم يصر كلمة الله من أجلنا بل بالحري نحن قد صرنا من أجله. وبه خُلقت كل الأشياء. وليس سبب ضعفنا نحن كان هو قوياً وصائراً من الآب وحده، لكى يخلقنا بواسطته كأداة! حاشا! فالأمر ليس كذلك، لأنه حتى لو لم يستحسن الله أن يخلق المخلوقات، فالكلمة مع ذلك كان عند الله وكان الآب فيه. وفى نفس الوقت كان من المستحيل أن تكون المخلوقات بغير الكلمة، لأنها قد صارت به؛ وهذا هو الصواب. وحيث أن الابن هو الكلمة ذاته حسب الطبيعة الخاصة بجوهر الله، وهو منه وهو فيه كما يقول هو نفسه، لذلك لم يكن ممكناً أن تصير المخلوقات إلا به. لأنه مثلما يضيء النور كل شيءٍ بأشعته وبدون إشعاعه ما كان شيء قد أضاء، هكذا أيضاً فإن الآب خلق كل الأشياء بالكلمة كما بواسطة يد، وبدونه لم يخلق شيئاً[415].] كما يقول: [حتى وإن لم يُخلق شئ ما فإنه كان كلمة الله موجوداً والله الكلمة. لكن الكلمة ما كان يمكن أن يصير إنساناً لو لم يكن للإنسان احتياج إلى ذلك[416].].


[410] Ep. ad. Magn. 1: 8.

[411] On the Christian Faith, Book 2: 1: 16.

[412] Semon on N. T. Lessons, 7: 69.

[413] Commentary on John, Book 8: 2.

[414] Commentary on 1 Cor. 2: 1: 52 - 54.

[415] St. Athanasius: Discourses Against Arians, Book 18: 2ترجمة مركز دراسات الآباء بالقاهرة. 31:

[416] St. Athanasius: Oration 22 contra Arianos, 56.

[417] راجع تفسير 1 كورنثوس1: 24 فى سلسلة: من تفسير وتأملات الآباء الأولين.

لماذا دُعى يسوع “الرب يهوه”؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

لماذا دُعى يسوع "الرب يهوه"؟ [406]

جاءت كلمة "يهوه" (أى الكائن والحاضر وسط شعبه) فى الترجمة السبعينية Kyrios أو رب. المعنى العام للكلمة تعني مالك قوة وسلطان على أشخاصٍ أو أشياءٍ، وله حق التصرف فيهم أو فيها. وقد لُقب السيد المسيح رباً في رو10: 9؛ 1كو12: 3؛ في2: 11الخ. لخص القديس بطرس عمل القيامة وتمجيد يسوع بالكلمات: "فيعلم يقيناً جميع بيت إسرائيل أن الله جعل يسوع هذا الذى صلبتموه أنتم رباً ومسيحاً" (أع2: 36). ويقدم لنا الرسول بولس سلسلة من الأعمال التى للسيد المسيح تمس ربوبيته (رو14: 8 - 9؛ 1كو3: 5؛ 4: 19؛ 14: 37؛ 16: 7؛ 2كو4: 5؛ 8: 5؛ 10: 8؛ 20: 8).

بقوله: "أنا كائن" يعود بنا إلى لقبه قبل التجسد، حين سأله موسى النبى عن اسمه عندما رأى العليقة المتقدة ناراً. عرف موسى أن الذى يحدثه هو الله، فسأله عن اسمه، "فقال الله لموسى: أهيه الذى أهيه، وقال: هكذا قل لبني إسرائيل أهيه أرسلنى إليكم... إله آبائكم إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب أرسلنى إليكم" (خر3: 14 - 15). حملت إجابة الله لموسى شقين:

أولاً: "أن الله غير مُدرَك وفوق كل تسمية،" أهيه أى أنا هو ". التى قالها السيد عن نفسه عند القبض عليه" فلما قال لهم إنى أنا هو رجعوا إلى الوراء وسقطوا على الأرض "(يو18: 6).

ثانياً: أنه الله المنتسب للبشرية، مُنتسب لخاصته الأحباء "إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب".

ويرى القديس أغسطينوس ان هذه العبارة تعني أنه إذا قورنت كل الأمور الزمنية بالله تصير "باطلاً" [407] أو "لا شيء"، وأنها تعلن عن الله بكونه الوجود الأول والسامى غير المتغير[408].


[407] St. Augustine: On Ps. 144.

[408] St. Augustine: City of God 2: 12; On Christian Doctrine 32: 1.

[409]

لماذا دُعي يسوع “المسيّا الملك المصلوب”؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

لماذا دُعي يسوع "المسيّا الملك المصلوب"؟

كلمة "مسيَا" تمثل العمود الفقرى للتقليد اليهودى، بل لا نبالغ إن قلنا إنها شغلت أذهان الروحيين قبل مجيء كلمة الله المتجسد فى العالم، ولا تزال تشغل أذهان الكثيرين منهم إلى يومنا هذا. كان شغل الشاغل لكل القادة اليهود متى رأوا فى إنسانٍ ما أنه فريد فى خدمته، هو التساؤل: أأنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟ "كتب دارس يهودى عن نظرة اليهود إلى المسيّا:" المسيّا اليهودى هو مخلص قوى فى القوة الجسمانية وفى الروح، هذا الذى سيجلب فى الأيام الأخيرة خلاصاً كاملاً للشعب اليهودى، اقتصادياً وروحياً، يصحب هذا سلام أبدي، وخير فائض مادي، وكمال أخلاقى لكل الجنس البشرى... إنه يخلص إسرائيل من السبي والعبودية، ويخلص العالم كله من الظلم والألم والحرب، وفوق هذا كله من الوثنية، ومن كل ما يمسها: خطية الإنسان ضد أخيه الإنسان، خاصة خطية أمة ضد أمة[403] ". أراد السيد المسيح أن يرفع فكر تلاميذه فوق الفكر المادي، فحين سألهم: من يقول الناس إنى أنا؟" أجابه سمعان بطرس: "أنت هو المسيح، ابن الله الحي" (مت16: 16؛ مر7: 29؛ لو9: 20). وفى حواره مع الفريسيين بخصوص رؤيتهم للمسيا، كانت إجابتهم له "ابن داود"، فأراد أن يسمو بأفكارهم لإدراك حقيقة المسيا، قائلاً لهم: "فكيف يدعوه داود بالروح رباً؟ قائلاً: قال الرب لربي اجلس عن يمينى حتى أضع أعداءك موطئاً لقدمي. فإن كان داود يدعوه رباً، فكيف سيكون ابنه؟" (مت22: 41 - 46).

يقول المرتل: "كرسيك يا الله إلى دهر الدهور. قضيب الاستقامة هو قضيب ملكك. لأنك أحببت البرّ، وأبغضت الإثم. من أجل هذا مسحك الله إلهك بزيت البهجة أفضل من رفقائك. المرّ والميعة والسليخة من ثيابك" (مز45: 6 - 8). يتطلع المرتل إلى المسيّا الملك الغالب بصليبه، الذى يُقدم دمه الثمين كفارة عن خطايا العالم، ومهراً لعروسه الملكة السماوية، فيترنم قائلاً: "كرسيك يا الله إلى دهر الدهور". وقد وضعت الكنيسة القبطية لحنا ً مشهوراً يُدعى "بيك اثرونوس" أى "كرسيك" يستغرق حوالى ثلث ساعة تنطلق فيه النفس لتتأمل فى عرش الملك المصلوب. تترنم به فى أسبوع الآلام (الثلاثاء) كما فى الجمعة العظيمة قبل الدفن. إن أحداث الصلب والدفن فى عيني المؤمن ليست إلا إعلاناً عن عرش الملك الأبدي.

فى العهد القديم كان الأنبياء والكهنة والملوك يُمسحون بالدهن المقدس علامة حلول الروح عليهم لتكريس حياتهم للعمل المقدس. ولم يكن ممكناً فى العهد القديم أن يُمسح إنسان ما ملكاً وكاهناً فى نفس الوقت، لأن الكهنة من سبط لاوي بينما الملوك من سبط يهوذا، أما كلمة الله المتجسد المصلوب فيعمل لتقديس كل البشرية. فريد فى مسحته، لأنه وهو رب الكهنة والأنبياء والملوك وخالق الذبائح، قَبِل بإرادته ومسرته أن يصير الكاهن والنبى والملك والذبيح!

لقد مُسح السيد المسيح كحجر مرفوض وحده يصلح رأساً للزاوية (مز118: 22)، وكما يقول الرسول بطرس: "الذى إذ تأتون إليه حجراً حيَّاً مرفوضاً من الناس، ولكن مُختار من الله كريم، كونوا أنتم أيضاً مبنيين كحجارة حية بيتاً روحياً كهنوتاً مقدساً لتقديم ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح" (1بط2: 4، 5). يقول الشهيد يوستين: [لأنه بالحق نال كل الملوك والأشخاص الممسوحين منه نصيبهم فى أسماء الملوك والمسحاء، كما تسلم من الآب الألقاب: "الملك والمسيح والكاهن والملاك" والألقاب الأخرى المماثلة التى يحملها أو قد حملها[404].].

يقول البابا أثناسيوس الرسولى: [حينما اغتسل الرب فى الأردن كإنسانٍ، كنّا نحن الذين نغتسل فيه وبواسطته. وحينما اقتبل الروح، كنّا نحن الذين صرنا مقتبلين للروح بواسطته. ولهذا السبب، فهو ليس كهرون أو داود أو الباقين، قد مُسح بالزيت هكذا، بل بطريقة مغايرة لجميع الذين هم شركاؤه، أى بزيت الابتهاج (مز45: 7 - 8)، الذى فُسّر أنه يعنى الروح قائلاً: "كيف مسحه الله بالروح القدس" [405].].


[403] J. Klausner: The Messianic Idea in Israel, London 1956, p. 9 (cf. Michael O’Carroll: Verbum Caro 1992. Article; Messiah. Jesus the).

[404] Dia; with Tepho, 86.

[405] ترجمة مركز دراسات الآباء بالقاهرة Adv. Arian, 12: 1: 47.

[406] راجع تفسير خروج 3 فى سلسلة:: من تفسير وتأملات الآباء الأولين.