هل تستقر نفوسنا فى الروح القدس ويسكن الروح القدس فينا؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل تستقر نفوسنا فى الروح القدس ويسكن الروح القدس فينا؟

يقول القديس باسيليوس الكبير: [يوصف الروح عادةً بأنه مقر الذين تقدسوا. حقاً أنه مكان القديسين، وكل قديس مكان الروح القدس، لأنه يُقَدِّم ذاته ذبيحة وهيكلاً لسُكنى الله، لذلك قيل إنهم هيكل الله (1كو6: 19) [584].] ويقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [أعطانا الله عقلاً لكى نتعلم وننال عوناً فيه، وليس أن نكتفى بأنفسنا. العيون جميلة ونافعة، لكنها إن أرادت أن ترى بدون نور، يصير جمالها بلا نفع، بل وقد يصير ضاراً. هكذا إذ تختار نفسي أن ترى بدون الروح، تصير خطراً على نفسها[585].] كما يقول القديس فيلوكسينوس المنبجي: [الروح القدس هو معموديتنا الحقيقية، ولهذا السبب نبقى دوماً مُعمَّدين، إذ هو دوماً فينا، ولا يُمكن لشيءٍ ما أن يحرمنا من عمادنا سوى جحد الله وارتباطنا بالشياطين. فى مثل هذه الحالات بالحق يفارقنا الروح القدس، لأنه لا يمكن أن يقبل البقاء فى مكان يسكنه شيطان[586].].


[584] On the Spirit, chap. XXV1,62.

[585] Homilies on Cor. 9: 7.

[586] On the Dwelling of the Holy Spirit.

ماذا تقدم لك كل من نار الروح القدس ونار العالم؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ماذا تقدم لك كل من نار الروح القدس ونار العالم؟

يقول المرتل: "تلذذ بالرب، فيعطيك سؤل قلبك" (مز37: 4). يوضح القديس مقاريوس الكبير كيف يوجِّه النار المادية المنظورة، وأيضاً نار الروح القدس غير المنظورة، حسب سؤل قلوبنا:

أ. طُرح الثلاثة فتية الأبرار فى وسط أتون النار، وإذا بالنار الإلهية التى فى قلوبهم والعاملة فى أفكارهم تحوّل نار الأتون المنظورة إلى ندى. لم يستطع الأتون أن يحرقهم ويهلكهم، بل صار يمجدهم حيث رأى الملك شخصاً رابعاً شبيه بابن الآلهة يحتضنهم ويتمشى معهم (دا3: 25).

ب. إذ عبد بنو إسرائيل الأوثان الزموا هرون أن يجمع أوانيهم وحليِّهم الذهبية. قال هرون لموسى أنه لما طرح الحليّ الذهب فى النار خرج هذا العجل الذهبى. هكذا صوَّرت قصدهم، فخرج العجل الذهبى وعبدوه جهراً (خر32: 24).

ج. اشتهت قلوب الثلاثة فتية الفردوس، فتحولت نار الأتون لهم إلى شبه فردوس. واشتهى شعب إسرائيل عبادة عجل أبيس الذى فى مصر فسبكت لهم النيران العجل الذهبى ليعبدوه.

† بينما كان الثلاثة فتية الذين بسبب برّهم طرحوا فى الأتون فى وسط النار المنظورة، كانوا حاصلين فى قلوبهم على النار الإلهية السماوية عاملة فى داخل أفكارهم، وفاعلة بقوتها فيهم... هذه النار السماوية كشفت نفسها من الخارج أيضاً... فحجزت بينهم وبين النار المنظورة فى الأتون، وأوقفتها حتى لا تحرق الأبرار، ولا تؤذيهم بأى نوع من الأذى...

كذلك حينما مال عقل شعب إسرائيل وأفكارهم بعيداً عن الله الحى، وتحولوا إلى عبادة الأوثان، ألزموا هارون بأن يجمع أوانيهم وحليّهم الذهبية، وقال هارون لموسى إنه لما طرح الحلى الذهب فى النار خرج هذا العجل كما لو أن النار قد صورت ما فى نيتهم وكان هذا كأمرٍ غريبٍ... فإنهم فى نيتهم وأفكارهم زاغوا إلى عبادة الصنم، وبحسب رغبتهم وقصدهم شكلّت النار من حليّهم عجلاً مسبوكاً من صناعتهم، وعبدوه جهراً (خر32: 24)...

وكما كان للثلاثة فتية أفكار البرّ، فقبلوا نار الله فى داخلهم، وعبدوا الرب بالحق، كذلك الآن تنال النفوس المؤمنة النار الإلهية السماوية فى إنسانها الداخلى، وهى فى هذا العالم، تلك النار نفسها تطبع صورة سماوية فى طبيعتهم البشرية[582].

كما يقول: [كما صورت النار الأوانى الذهبية، فصارت صنماً (خر32: 24)، كذلك يحقق الرب ويتمم مقاصد النفوس المؤمنة الصالحة، ويطبع ويصوّر فى النفوس الآن الصورة السماوية الجديدة بحسب رغبتهم وشهوتهم. هذه الصورة ستظهر فى القيامة من الخارج، وتمجد أجسادهم من الداخل ومن الخارج... وكما أن الأجساد فى هذا الزمان تضمحل وتموت وتتحلل، هكذا تفسد الأفكار بعمل الشيطان، وتموت عن الحياة الحقيقية وتدفن فى الطين والتراب لأن نفوسهم تهلك... وكما أن الإسرائيليين طرحوا الأوانى الذهبية فى النار، فصارت صنماً، كذلك الإنسان متى سلم أفكاره النقية الصالحة للشر، فتندفن فى وحل الخطية وتصير صنماً... ما الذى يفعله الإنسان حتى يكتشفها ويعرفها ويميزها ويطرحها بعيداً عن ناره الخاصة؟... تحتاج النفوس إلى المصباح الإلهي، وهو الروح القدس، الذى ينير ويجدد البيت المظلم... تحتاج النفوس إلى شمس البرّ الساطعة، التى تضئ وتشرق على القلب، وهى السلاح الذى تكسب به المعركة[583].].


[582] راجع عظات القديس أنبا مقار الكبير، ترجمة مؤسسة القديس أنبا أنطونيوس لدراسات الآباء، عظة 11: 2.

[583] راجع عظات القديس أنبا مقار الكبير، ترجمة مؤسسة القديس أنبا أنطونيوس لدراسات الآباء، عظة 11: 3.

متى يحلّ ربيع القيامة، ويُعلن المجد الخفي؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

متى يحلّ ربيع القيامة، ويُعلن المجد الخفي؟

أ. يتطلع القديس مقاريوس إلى حياتنا فى الرب أشبه بالساكنين فى البلاد الشديدة البرودة. إنهم يرون الأشجار وقد فقدت كل جمالها وكل ثمارها فى فترة الشتاء، وتبدو الأشجار كأنها ميّتة. وإذ يحلّ الربيع للغاية تكتسى الأشجار بأوراقها وزهورها وأيضاً ثمارها فى فترة قصيرة. كانت حياتها مخفيّة فى الشتاء، وفى الربيع يظهر ما كان مخفيّاً. هكذا فى ربيع القيامة العامة يتجلّى عمل الروح القدس الذى كان مخفيّاً ونحن فى رحلتنا نحو السماء.

ب. تستنير حتى أجسادهم التى ماتت وانحلّت، وتتمتع بقوة الروح القدس الذى يصير لهم كساءً وطعاماً وشراباً وبهجةً وفرحاً وسلاماً. فما نالوه أثناء رحلتهم فى العالم فى داخلهم يُعلن عنه فى الحياة الأبدية.

كما سطح مجد الروح على وجه موسى، فلم يكن أحد يقدر أن يتفرّس فيه، هكذا ستكون أجسادنا فى يوم الرب العظيم.

ج. يليق بنا أن نجاهد هنا، طالبين من الروح القدس أن يقدسنا، فلا نظهر فى يوم الرب عراة، بل تلتحف أجسادنا بالمجد الإلهى وتمتلئ من مجد الروح.

د. يقول القديس مقاريوس أنه كما كانت النار المقدسة مدفونة فى حفرة فى أثناء السبى البابلى حتى رجع المسبيّون إلى أورشليم. هكذا تعمل النار السماوية كأنها مدفونة فى أجسادنا، وعندما نبلغ أورشليم العُليا يتحول الجسد المنحل إلى جسدٍ مُقام من الأموات، وتُعلن النار السماوية علانية.

يقول القديس مقاريوس الكبير: [كما أن الأشجار التى تجوز الشتاء، حينما تدفئها الحرارة غير المنظورة التى للشمس والرياح، ينشأ من باطنها كساء من الأوراق يغطيها، وكما تخرج فى ذلك الموسم زهور العشب من باطن الأرض، وتتغطى الأرض وتكتسي بها، ويكون العشب مثل تلك الزنابق التى قال عنها الرب "ولا سليمان فى كل مجده كان يلبس كواحدة منها" (مت6: 29)، لأن كل هذه أمثال ونماذج ورموز عن المسيحيين فى القيامة. كذلك كل النفوس التى تحب الله، أعنى المسيحيين الحقيقيين، يأتيهم أول الشهور الذى يسمى نيسان: الذى هو يوم القيامة. وبقوة شمس البرّ يخرج مجد الروح القدس من الداخل، فيكسو ويغطى أجساد القديسين، ذلك المجد الذى كان لهم سابقاً، ولكنه كان مخفياً فى داخل نفوسهم. فإن ما يكون للإنسان الآن، سوف يظهر بعينه خارجاً من الداخل وينكشف فى جسده...

يقول الرب: "هذا الشهر سيكون أول شهور السنة" (خر12: 2)، وهو يجلب الفرح للخليقة كلها، فإنه يكسو الأشجار العالية، ويفتح الأرض، وهو يبهج جميع الكائنات الحية، ويعطى المرح للكل. هذا بالنسبة للمسيحيين هو نيسان أول الشهور الذى هو موسم القيامة، الذى فيه ستتمجد أجسادهم بواسطة النور الفائق الوصف الذى هو فيهم منذ الآن، وأعنى به قوة الروح القدس، والذى سوف يصير لهم فيما بعد كساءً وطعاماً وشراباً وبهجة وفرحاً وسلاماً، ورداءً وحياة أبدية، لأن كل جمال البهاء والبريق السماوى سوف يصير لهم من روح اللاهوت ذلك الذى حُسبوا أهلاً لقبوله فى هذه الحياة الحاضرة...

كم ينبغى إذن لكل واحد منا أن يؤمن ويجتهد وأن يجد فى كل سيرة فاضلة، وبرجاءٍ كثيرٍ وصبرٍ نطلب أن نُحسب أهلاً ونحن فى هذا العالم، لنوال تلك القوة من السماء ومجد الروح القدس فى نفوسنا فى الداخل. حتى حينما تنحل أجسادنا يكون عندنا حينئذٍ ما سوف يكسونا ويحيينا. كما يقول الرسول: "وإن كنا لابسين لا نُوجد عراة" (2كو5: 3)، و "سيحيي أجسادنا المائتة أيضاً بروحه الساكن فينا" (رو8: 11).

لأن موسى النبى المبارك أرانا فى مثال. بواسطة مجد الروح الذى سطع على وجهه الذى لم يستطع أحد ان يتفرس فيه. كيف أنه فى قيامة الأبرار ستتمجد أجساد أولئك المستحقين، بمجدٍ تحصل عليه منذ الآن النفوس المقدسة الأمينة، إذ تُحسب أهلاً لاقتناء هذا المجد فى داخلها، فى الإنسان الباطن. لأن الرسول يقول: "ونحن ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف. أى فى الإنسان الباطن. كما فى مرآة نتغير إلى تلك الصورة عينها من مجدٍ إلى مجدٍ" (2كو3: 18). وكذلك كُتب عن موسى أنه لمدة أربعين يوماً وأربعين ليلة "لم يأكل خبزاً، ولم يشرب ماءً" (خر24: 78) ولم يكن ممكناً بطبيعة جسده أن يعيش طول هذه المدة بدون طعام إن لم يكن قد اشترك فى نوع آخر من الطعام الروحانى، هذا الطعام هو الذى تشترك فيه نفوس القديسين منذ الآن بموهبة الروح بطريقة غير منظورة[579].].

ويقول: [لذلك يجب على كل واحدٍ منا أن يجتهد ويسعى فى كل فضيلة، وأن يؤمن ويطلب من الرب لكى يجعل الإنسان الباطن شريكاً فى ذلك المجد هنا منذ الآن. وأن تصير للنفس شركة فى قداسة الروح، لكى ما نتطهر من أدناس الشر، ويكون لنا فى القيامة ما نكسو به عري أجسادنا عند قيامتها وما نغطى به عيوبها، وما يحييها وينعشها إلى الأبد فى ملكوت السماوات... حينئذ تلتحف أجساد هؤلاء بالمجد الإلهى من أعمالهم الصالحة، ويمتلئون من مجد الروح، وهكذا إذ نتمجد فى النور الإلهى، ونختطف إلى السماء لنلاقي الرب فى الهواء حسب المكتوب (انظر 1 تس4: 17). أما عن اللباس الذى يلبسه المسيحيون فواضح أن الروح نفسه هو الذى يكسوهم، باسم الآب والابن والروح القدس إلى الأبد. آمين[580].].

كما يقول: [النار السماوية، نار اللاهوت، التى ينالها المسيحيون فى قلوبهم، الآن وهم فى هذا العالم الحاضر، تعمل فى قلوبهم من الداخل، وسوف تصير ظاهرة من الخارج، حينما ينحل ويتحلل الجسد، ثم تجمع الأعضاء ثانية وتسبب (هذه النار) قيامة الأعضاء التى كانت قد انحلت واضمحلت... فكما أن النار التى كانت تتقد على المذبح فى أورشليم، ظلت مدفونة فى حفرة أثناء فترة السبى، وعندما حلّ السلام ورجع المسبيون إلى أورشليم، تجددت هذه النار نفسها، واشتعلت كما كانت سابقاً قبل السبى (أنظر 2مك1: 19 - 22)، هكذا الآن أيضاً، فإن النار السماوية تعمل فى هذا الجسد الذى ألفناه، هذا الجسد الذى فى انحلاله (بالموت) يتحول إلى نتانة وقذارة، يتجدد هذا الجسد وتقيمه بعد ان اضمحل وفسد... إن النار الداخلية التى تسكن الآن فى القلب سوف تُستعلن حينئذ من الخارج، وتتم قيامة الجسد[581].].


[579] راجع عظات القديس أنبا مقار الكبير، ترجمة مؤسسة القديس أنبا أنطونيوس لدراسات الآباء، عظة 5: 8 - 10.

[580] راجع عظات القديس أنبا مقار الكبير، ترجمة مؤسسة القديس أنبا أنطونيوس لدراسات الآباء، عظة 6: 7.

[581] راجع عظات القديس أنبا مقار الكبير، ترجمة مؤسسة القديس أنبا أنطونيوس لدراسات الآباء، عظة 11: 1.

ماذا يقدم الروح القدس للنفس خلال صحبته لها؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ماذا يقدم الروح القدس للنفس خلال صحبته لها؟

أ. إذ يرافق الروح القدس نفس المؤمن يرفع الحجاب الذى على وجهها، فترى عريسها السماوى المصلوب. تُحدق فيه فينعكس بهاؤه ونوره عليها.

ب. يهبها الروح القدس الثقة فى عريسها المصلوب من أجلها، فتحبه وتشتهى أن تُصلب معه. تترقب دوماً أن تموت مع من مات لأجلها.

ج. يهبها الروح القدس وهو يرافقها رحلتها روح القوة، فتتحّدى إبليس وتهرب من ظلمة الشهوات، وتتحرر تماماً من الخطية.

د. مع كل صباحٍ تتجدد وتتقدس وتنمو فى الإيمان والمعرفة، فتتأهل للحياة الأبدية والجلوس كملكةٍ عن يمين الملك السماوى.

ه. فى الطريق إذ يصاحبها الروح القدس، يقيم منها هيكلاً مقدساً، ويسكن هو فيها (2كو3: 16).

† إذ يرتفع الحجاب عن وجه النفس، تحدق فى العريس السماوى وجهاً لوجه فى نور الروح الذى لا يُعبّر عنه. وتختلط به بملء الثقة، وتتشبه بموته، وترقب دائماً بشوقٍ عظيمٍ أن تموت لأجل المسيح، وهى تثق بيقينٍ شديدٍ أنها ستنال بقوة الروح تحرراً كاملاً من الخطية ومن ظلمة الشهوات. حتى إذا ما اغتسلت وتطهرت بالروح، وتقدست نفساً وجسداً، ويُسمح لها حينئذ أن تكون إناءً طاهراً معداً لاستقبال المسحة السماوية، وحلول المسيح الملك الحقيقى. حينئذ تؤهل للحياة الأبدية، إذ تكون صارت من تلك الساعة مسكناً طاهراً للروح القدس[578].

القديس مقاريوس الكبير.


[578] راجع عظات القديس أنبا مقار الكبير، ترجمة مؤسسة القديس أنبا أنطونيوس لدراسات الآباء، عظة 10: 4.

ما هو مفهوم الحرية التى يهبها لنا الروح القدس؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو مفهوم الحرية التى يهبها لنا الروح القدس؟

يقدم لنا القديس مقاريوس الكبير فى إيجاز دور الروح القدس فى تمتعنا بالحرية الحقيقية:

أ. الحرية عند القديس مقاريوس هى انطلاق المؤمن بقلبه وفكره وسلوكه نحو السماويات.

ب. لا يقف إبليس ساكناً أمام هذا الانطلاق بل يقاومه، أما المؤمن فيجاهد بالروح القدس الساكن فيه.

ج. علامة تمتعنا بالحرية هي التحرر من روح القلق والاضطراب تحت أية ظروفٍ.

د. نتذوق عذوبة الحرية الحقيقية حين ننطلق إلى الأعماق، ولا نتوقف عند المظاهر الخارجية الحرفية فى العبادة.

ه. لا يتمتع أهل العالم بهذه الحرية، لأنهم ينشغلون بمظاهر التديّن فى حرفية قاتلة، بينما يقيدون أنفسهم بمحبة الزمنيات.

و. يهبنا الروح القدس أن نتمتع ببرّ المسيح الذى يسترنا فلا نوجد عراة.

ز. سيكشف يوم الرب عن النفوس التى وهبها الروح القدس الغنى وهى تجاهد بروح الإيمان.

† قلب المسيحي وعقله وطريقة تفكيره هى دائماً فى المجال السماوى. فالمسيحيون الحقيقيون ينظرون الخيرات الأبدية كما فى مرآة، وذلك بسبب حصولهم على الروح القدس وشركته، لكونهم مولودين من الله من فوق، ولأنهم نالوا الامتياز أن يصيروا أولاد الله بالحق وبالفعل، إذ يصلون بعد حروب وأتعاب لفترة طويلة إلى حالة ثابتة مستقرة من الحرية والتحرر من الاضطراب، حالة الراحة، فلا يعودون يُغربلون ويموجون بالأفكار القلقة الباطلة...

العلامة المميزة للمسيحيين ليست هى فى الأساليب والأشكال الخارجية، فكثيرون يظنون أن الفرق الذى يميزهم عن العالم هو فى الشكل أو الأساليب الظاهرة. ويا للأسف فإنهم فى عقولهم وتفكيرهم هم مثل أهل العالم، إذ يضطربون بقلق الأفكار غير الثابتة، فى عدم الإيمان والحيرة والاختلاط والخوف مثل كل الناس الآخرين.

قد يختلفون عن العالم فى الشكل الخارجى والمظهر، ويختلفون عنه أيضاً فى نقطة قليلة من الممارسات الدينية، ولكن فى القلب والعقل هم مقيدون بالرباطات الأرضية، إذ لم يحصلوا أبداً على الراحة فى الله وسلام الروح السماوى فى قلبهم، لأنهم لم يطلبوها من الله، ولم يؤمنوا أنه سيمنح لهم هذه الأشياء[576].

† يقول الرسول: "وإن كنا لابسين، لا نوجد عراة" (2كو5: 3)، يعنى عراة من شركة الروح القدس والاندماج فيه، هذا الروح الذى فيه وحده تستطيع النفس المؤمنة أن تجد راحة...

فلنسعَ إذن بالإيمان والحياة الفاضلة أن نقتنى ذلك اللباس هنا، حتى حينما نخلع الجسد لا نُوجد عراة، إذ لا يكون هناك شئ فى ذلك اليوم يجعل جسدنا غير ممجد. لأن كل واحد بقدر ما يُحسب أهلاً، بواسطة الإيمان والاجتهاد ليصير شريكاً للروح القدس يتمجد جسده فى ذلك اليوم. فكل ما خزنته النفس فى داخلها فى هذه الحياة الحاضرة، سوف يعلن حينئذ وينكشف من الخارج ظاهراً فى الجسد[577].

القديس مقاريوس الكبير.


[576] راجع عظات القديس أنبا مقار الكبير، ترجمة مؤسسة القديس أنبا أنطونيوس لدراسات الآباء، عظة 5: 4.

[577] راجع عظات القديس أنبا مقار الكبير، ترجمة مؤسسة القديس أنبا أنطونيوس لدراسات الآباء، عظة 5: 7 - 8.

ماذا يعني قول السيد المسيح عن الروح القدس: “ومتى جاء ذاك يبكت العالم… على دينونة” (يو8:16)؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ماذا يعني قول السيد المسيح عن الروح القدس: "ومتى جاء ذاك يبكت العالم... على دينونة" (يو16: 8)؟

الروح القدس يبكت العالم على دينونة، إذ أعلن أنه سيقول للذين على اليسار: "اذهبوا عنى يا ملاعين إلى النار الأبدية المُعدة لإبليس وملائكته" (مت25: 41). وردت عبارات كثيرة فى الإنجيل تؤكد أن السيد المسيح يبكت على هذه الأمور. لماذا إذن ينسب هذه للروح القدس كما لو كان هذا امتيازاً خاصاً به؟ يجيب القديس أغسطينوس أن الروح القدس ينسكب على قلوب التلاميذ (رو5: 5)، فيهبهم المحبة التى تطرد الخوف خارجاً (1يو4: 18)، فيصير لهم حق التوبيخ والتبكيت. ويكمل القديس حديثه: [كثيراً ما اقول إن عمل الثالوث القدوس لا ينفصل، لكن كل أقنوم يقوم بدوره، ليس فقط بغير انفصالهم، بل وأيضاً دون خلط بينهم. فمن حقنا أن ندرك كلاً من وحدتهم وثالوثهم (تمايزهم) [573].].

يبكت الروح القدس على دينونة، "لأن رئيس هذا العالم قد دين" (يو16: 11). بينما ظن العالم أنه قد حكم على المسيح ودانه، إذا بالروح القدس يكشف للمؤمنين أنه بالصليب دين عدو الخير وشُهر به (1كو2: 15). انفضح إبليس كمخادعٍ ومدمرٍ للبشرية، وبدأ الأمم يرفضونه ويهجرون عبادته خلال الكرازة بصليب المسيح. عمل الروح القدس تأكيد ان المسيح أعظم وأقوى من إبليس، يهب سلطاناً لتلاميذه أن يدوسوا على قوات الظلمة. وهكذا يختبر المؤمن فى حياته اليومية عربون السلطان الذى ناله لكى يتمتع بكماله فى يوم الدينونة حيث يُدان إبليس ويتمتع الإنسان بكرامة فائقة. يحتل الإنسان الدرجة السماوية الفائقة التى سقط منها إبليس وكل جنوده. لهذا جاء فعل "دين" يحمل معنى الاستمرارية، فالغلبة على قوات الظلمة عمل يومى مستمر.

يقول القديس أغسطينوس: [أيضاً يُدان العالم "عن دينونة، لأن رئيس هذا العالم قد دين"، أى الشيطان، رئيس الأشرار. إذ يسكن فى قلب هذا "العالم" وحده، أى فى قلوب الذين يحبون "العالم"، كما أن مواطنتنا نحن فى السماء، إن كنا قد قمنا مع المسيح. هكذا كما أن المسيح ونحن جسده معه هم واحد، هكذا الشيطان مع كل اِلأشرار الذين رأسهم هو إبليس كما لو كانوا جسده، هو أيضاً واحد. لذلك كما أننا لا ننفصل عن البرّ الذى قال عنه الرب: "لأنى ماضٍ إلى الآب"، هكذا لا ينفصل الأشرار عن تلك الدينونة التى قال عنها: "لأن رئيس هذا العالم قد دين". [574]] كما يقول: [رئيس هذا العالم، أى رئيس الظلمة، أو غير المؤمنين، الذى يتحرر منه ذلك العالم الذى يقال له: "لأنكم كنتم قبلاً ظلمة، وأما الآن فنور فى الرب" (أف5: 8)؛ رئيس هذا العالم الذى يقول عنه فى موضع آخر: "الآن رئيس هذا العالم يُطرح" (يو12: 31)، هذا بالحقيقة يُدان قدر ما هو مُعيّنْ لحكم النار الأبدية نهائياً[575].].

هكذا يقدم لنا الروح القدس ثلاث حقائق هامة تمس حياتنا:

■ فساد طبيعتنا بالخطية.

■ إصلاحها وتمتعها ببرّ المسيح.

■ دينونة الشر أبدياً.


[573] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractates, 1: 95.

[574] Sermon on N. T. Lessons, 6: 94.

[575] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractates, 4: 95.

ماذا يعني قول السيد المسيح عن الروح القدس: “ومتى جاء ذاك يبكت العالم… على برّ” (يو8:16)؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ماذا يعني قول السيد المسيح عن الروح القدس: "ومتى جاء ذاك يبكت العالم... على برّ" (يو16: 8)؟

تبكيت العالم على خطية يعني عمل الروح القدس فى الكشف عن حقيقة العالم أنه خاطئ. وأما على البرّ فهو الكشف عن حقيقة ما فعله العالم بالمسيح، أى الصلب، فإن آلام المسيح المخلصة وصلبه هي لأجل تبريرنا. فالروح الذى ينير العينين ليدرك الإنسان خطاياه، ينيرهما أيضاً ليدرك قوة موت المسيح واهب البرّ.

"وأما على برّ، فيقول السيد المسيح:" فلأنى ذاهب إلى أبي، ولا ترونني أيضاً "(يو16: 10). أى يبكتهم على عدم إدراكهم لبرّ المسيح وقداسته، فقيامته وصعوده إلى السماء هما الدليل على برّه. لذلك إذ يصعد السيد إلى السماء يرسل روحه ليحمل قلوب البشرية إلى حيث المسيح جالس، فيتلامسوا معه ويختبروا برّه فيهم، بل يصير المسيح لهم براً.

لم يعرف الكثيرون برّ المسيح إلا بعد صعوده إلى السماء. حلول الروح القدس فى يوم العنصرة حسب الوعد الإلهي هو برهان على مجد المسيح الجالس على يمين العظمة (أع2: 33)، وهذا دليل على برّه الإلهي.

يتساءل القديس أغسطينوس لماذا قال السيد المسيح إن الروح القدس يبكت على برّ لأنه ذاهب إلى أبيه. ويجيب بأن الكلمة عند تجسده ومجيئه من عند الآب أظهر رحمته علينا، وبصعوده إلى السماء وذهابه إلى الآب نقوم معه، ونطلب ما هو فوق حيث المسيح جالس. إنه جالس على يمين الآب، يجلس بكونه الرأس والجسد، وكأن الكنيسة وقد صارت جسداً تتمتع ببرْ المسيح، حيث صار لها حق الجلوس فى السماء عن يمين الله[570].

يقول القديس أغسطينوس: [لذلك يليق بنا ألا نحسب أنفسنا منفصلين عن ذاك البرْ الذى يشير إليه الرب نفسه، قائلاً: "عن البرْ، لأنى ماضٍ إلى الآب". فإننا نحن أيضاً نصعد مع المسيح، ونحن مع المسيح رأسنا، الآن بالإيمان والرجاء إلى حين، لكن رجاءنا يكمل فى القيامة الأخيرة من الأموات. لكن حين يكمل رجاؤنا يكمل أيضاً تبريرنا. والرب الذى كمل هذا أظهر لنا فى جسده (أى فى رأسنا) الذى فيه قام وصعد إلى الآب ما يلزمنا أن نترجاه. فقد كُتب: "أُسلم من أجل خطايانا، وأُقيم لأجل تبريرنا" (رو4: 25).

يقول القديس أغسطينوس: [عندما يُوبخ بار (معتد ببره)، فإنه يُوبخ على خطية وليس على برّ. لهذا يجب ملاحظة إن هذا النطق الإلهى: "لا تكن باراً بزيادة" (جا7: 16، 20)، لا يخص برّ الإنسان الحكيم، وإنما كبرياء الإنسان المتعجرف. فالإنسان الذى يصير "باراً بزيادة"، بهذا الزيادة عينها يصير غير بارٍ. فإنه يجعل نفسه باراً بزيادة بقوله إنه بلا خطية، وتصوره أنه صار باراً ليس بنعمة الله، وإنما بالاكتفاء بإرادته الذاتية. وهو ليس باراً بالحياة البارة بل بالأحرى باكتفائه بالتصور بما هو ليس عليه[571].].

يقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [ "على برّ، فلأني ذاهب إلى أبي، ولا ترونني أيضاً" (يو16: 10). بمعنى: "لقد أظهرت حياة بلا لوم، وهذا برهان إنى ذاهب إلى الآب". إذ كانوا على الدوام يحتجون ضده بأنه ليس من الله، ولذا دعوه خاطئاً وعاصياً، لذلك يقول إن الروح سينزع عنهم أيضاً هذا العذر. فإن كان يبدو عليّ إننى لست من الله اظهروا لى إنى عاصٍ؛ عندما يعلن الروح أننى ذاهب عنده، ليس إلى حين بل أسكن هناك، لأن القول "لا ترونني أيضاً" يعبر عن هذا؛ فماذا سوف يقولون إذن؟ لاحظوا كيف أنه بهذين الأمرين أزال شكهم الشرير، لأنه لا تُنسب المعجزات إلى شريرٍ، ولا البقاء مع الله يخص خاطئاً. لذلك لا تقدرون بعد أن تقولوا إن هذا الإنسان شرير، وأنه ليس من الله[572].].


[570] Sermon on N. T. Lessons, 3: 94 - 5.

[571] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractates, 3: 95.

[572] Homilies on St. John, 1: 78.

ماذا يعني قول السيد المسيح عن الروح القدس: “ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطية وعلى برّ وعلى دينونة” (يو8:16)؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ماذا يعني قول السيد المسيح عن الروح القدس: "ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطية وعلى برّ وعلى دينونة" (يو16: 8)؟

"يبكت على خطية": بينما كان بطرس يكلم كرنيليوس ومن معه نخس الروح القدس قلوبهم و "حلّ الروح القدس على جميع الذين كانوا يسمعون الكلمة... حينئذ أجاب بطرس أترى يستطيع أحد أن يمنع الماء حتى لا يعمد هؤلاء الذين قبلوا الروح القدس كما نحن. وأمر أن يتعمدوا باسم الرب" (أع10: 44 - 47). إن كان الروح ينخس القلوب قبل العماد، أفلا ينخس قلوبهم بعدما يسكن فيها بسرّ الميرون؟! إن عمله هو التبكيت على الخطية ليتوب الإنسان ويعترف، وفى سرّ التوبة والاعتراف يغفر للإنسان عن خطاياه بالروح القدس الذى يغفر باستحقاقات دم المسيح أيضاً: "اقبلوا الروح القدس من غفرتم خطاياه تُغفر له.." (يو20: 22 - 23) فالروح القدس بالنسبة لمن لم يؤمنوا أو للمؤمنين لا يتستر على خطاياهم، بل بالعكس إذ هو نور يكشف ويفضح الخطية أمام عينى الإنسان الداخلية، ويكشف أثامنا ومرارتها قدام قلوبنا، وفى نفس الوقت يكشف عمل الصليب وقوة حب الله الجذابة.

يرى القديس أغسطينوس أن الخطية العظمى هى عدم الإيمان بالمسيح مخلصاً للعالم، فمن لا يؤمن لا يقدر أن يتمتع بغفران خطاياه. لهذا فإن التبكيت على خطية يحمل معنى حث الإنسان على التخلى عن عدم إيمانه بالمسيح، بهذا ينفتح أمامه باب المغفرة. ويقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [هذا يعني انه سيقطع كل أعذارهم، ويُظهر أنهم عصوا عصياناً فاحشاً[568].].

يبكت العالم على خطية: يربط السيد المسيح بين سقوطهم فى الخطية ودعوتهم ب "العالم"، بقوله "أما على خطية فلأنهم لا يؤمنون بي". (يو16: 9). يوضح السيد المسيح دور الروح القدس فى التبكيت على الخطية قائلاً: "لأنهم لا يؤمنون". إن كانت الخطية تملك على القلب، فليس من طريق الخلاص منها إلا بقدوم ملكٍ آخر قادر على إبادتها، وهو الإيمان بالمسيح الذى يملك على القلب. ملكت الخطية فصارت مصدر فساد ورجاسة، لذا صارت الضرورة ملحة للإيمان بالمخلص الذى ينزع الفساد والرجاسة، ويحتل عدم الفساد والقداسة الموضع. بالخطية كسر الإنسان الناموس وحلت اللعنة، وبالإيمان بالمسيح مكمل الناموس وحامل اللعنة عنا نتحرر من الحرف القاتل واللعنة لننعم بالروح المحيي والحياة المطوَّبة.

يقول القديس كيرلس الكبير: [انظروا كيف يبدأ أولاً بانتهار الخطية والتوبيخ... لكل إنسان يكون عنيداً ومقاوماً للباركليت]. إرسالية الروح القدس إلى الكنيسة تحقق اهتمام السيد المسيح بالبشرية، فإنه متى جاء يهبها حياة التوبة والرجوع إليه خلال قبولهم عمل الصليب فى القلب بروح التواضع. الروح القدس وحده يقدر أن يدخل القلب ويجعل الخطية مُرة ويفضحها أمامه، فيتمتع المؤمن بعذوبة الشركة مع الله. إنه قادر أن يقنع القلب والفكر وكل أعماق الإنسان أن سعادته وسلامه وفرحه وخلوده وعدم فساده يكمن فى الالتصاق بالمخلص لا بالخطية، وأن لذة العشرة مع الله لا تُقارن بأية لذة للخطية. ينخس الروح القدس القلوب قبل العماد، وأيضاً بعدما يسكن فيها بسرّي العماد والميرون! عمله هو التبكيت على الخطية ليتوب الإنسان ويعترف كما يلهب القلب بالحب والتمتع بالشركة مع الله. وفى سرّ التوبة والاعتراف يغفر الروح القدس للإنسان عن خطاياه باستحقاقات دم المسيح: "اقبلوا الروح القدس من غفرتم لهم خطاياهم غُفرت..." فالروح القدس بالنسبة لمن لم يؤمنوا بعد أو للمؤمنين لا يتستر على خطاياهم، بل بالعكس إذ هو نور يكشف ويفضح الخطية أمام عينى الإنسان الداخلية، ويكشف آثامه ومرارتها قدام قلبه، وفى نفس الوقت يكشف عن عمل الصليب وقوة حب الله الجذابة.

من هنا يتقدم الروح القدس باعترافاتنا، ويرفقها بالدم المسفوك مع دموع التوبة وصلوات الإيمان. وللحال يُحكم بالبراءة للإنسان عن خطاياه السابقة، سواء فى سرّ المعمودية أو سرّ التوبة والإعتراف[569].


[568] Homilies on St. John, 1: 78.

[569] للمؤلف: الله مقدسى، 1967، ص12 - 13.

ماذا يعني الرسول بقوله: “لا تطفئوا الروح” (1تس19:5)؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ماذا يعني الرسول بقوله: "لا تطفئوا الروح" (1تس5: 19)؟

الله الذى يهبنا روحه القدوس عطية مجانية ليعمل فينا بلا انقطاع يحذرنا على فم رسوله من أن نطفئ الروح، أى نوقف عمل استنارته فينا خلال مقاومتنا له. حقاً إن الروح لن يفارقنا قط مهما أخطأنا، لكنه يحزن علينا، وينطفئ عمله فينا خلال عدم تجاوبنا معه. يشبه القديس يوحنا الذهبى الفم عطية الروح القدس بمصباحٍ أو سراجٍ منير داخل البيت، فإن فتح إنسان بابين متقابلين دخل تيار الهواء بشدة وأطفأه. لهذا يقول [إن فتح إنسان باب فمه بكلمة إهانة ضدك فلا تفتح أنت بابك بإهانة مماثلة، فترد السب بالسب، لئلا يدخل فى نفسك تيار هواء الحقد ويطفئ لهيب الروح المشتعل فى داخلك! ليفتح الشرير بابه أمامك لكنك فى حكمة إذ تترك بابك مغلقاً تبقى عطية الروح ملتهبة فى الداخل[566].].

أما زيت هذا السراج فهو أعمال الحب، فإن الروح القدس النارى يبقى عمله ملتهباً فينا مادامت أحشاؤنا تتجاوب معه بالحب لله والناس، أما إذا أغلقنا أحشاءنا تجاه الله والناس فإننا نفقد زيت الحب الذى ينير فينا. ويقول القديس يوحنا الذهبى الفم أن اللصوص عند سلبهم بيتاً ما، فإنهم إذ يدخلونه يطفئون السراج الذى فيه حتى يقدروا أن يحققوا غايتهم، وهكذا فإن عمل الشيطان الرئيسى عند اقتحامه قلب مؤمن هو تحطيم عمل الروح فيه حتى يسلبه كل حياته.

يقول القديس باسيليوس الكبير: [إنه لا يقطن فيهم (الخطاة)، لأنهم يرفضون بسهولة النعمة التى يتقبلونها[567].].


[566] In 1. Thess. , hom 11.

[567] Leber de Spiritu Sancto, 61: 26 PG 180: 32 D.

هل يتمتع الكل بالروح القدس بذات القدر؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل يتمتع الكل بالروح القدس بذات القدر؟

يقول القديس أنبا أنطونيوس الكبير: [هذا الروح النارى العظيم الذى قبلته أنا اقبلوه أنتم أيضاً، وإذا أردتم أن تنالوه ويسكن فيكم، فقدموا أولاً أتعاب الجسد وتواضع القلب، وارفعوا أفكاركم إلى السماء ليلاً ونهاراً، واطلبوا بكل قلوبكم هذا الروح الناري القدوس، وحينئذ يُعطى لكم. لأنه هكذا حصل عليه إيليا التشبِّي وإليشع وجميع الأنبياء والآخرين. ولا تفكروا فى قلوبكم وتكونوا ذوي قلبين وتقولوا: "من يستطيع أن يقبل هذا؟" لا تدعوا هذه الأفكار تدخل إلى عقولكم، بل اطلبوا باستقامة قلب وأنتم تقبلوه.

وأنا أبوكم اجتهد معكم وأصلي لأجلكم لكى تقبلوه، لأنى أعلم أنكم قد جحدتم ذواتكم لكى تستطيعوا أن تقبلوه. لأن كل من يفلّح ذاته بهذه الفلاحة فى كل جيلٍ، ينال نفس الروح الذى يسكن فى مستقيمى القلوب. وأنا أشهد لكم، إنكم تطلبون الله بقلبٍ مستقيمٍ، فأديموا الطلبة باجتهادٍ من كل قلوبكم، فسيُعطى لكم[563].].

ويقول القديس مقاريوس الكبير: [حينما تأتى (النفس) إلى الرب، وتلتمس معونته، وتثبت أنظارها على رحمته، وترغب أن تنال منه نعمة الروح لأجل إنقاذها وخلاصها وتحررها من كل شرٍ ومن كل شهوةٍ، أفلا يمنحها بأكثر استعداد... حسب كلمته هو "أفلا ينصف الآب السماوى مختاريه، الصارخين إليه نهاراً وليلاً"؟ (لو18: 7) ويضيف قائلاً: "نعم أقول لكم إنه ينصفهم سريعاً" (لو18: 8). وفى موضع آخر يحثنا: "اسألوا تعطوا، لأن كل من يسأل يأخذ، ومن يطلب يجد، ومن يقرع يُفتح له" (لو11: 9 - 10)، ويختم هذا الحديث بقوله: "كم بالحري أبوكم السماوى يعطى الروح القدس للذين يسألونه... الحق أقول لكم وإن كان لا يقوم ويعطيه لكونه صديقه، فإنه من أجل لجاجته يقوم ويعطيه قدر ما يحتاج" (لو11: 11 - 13) [564].].

ويقول القديس باسيليوس الكبير: [إنه يملأ الكل بقوته، لكنه يُشترك فيه بالنسبة للمتأهلين وحدهم... والذين لهم شركة الروح يتمتعون به قدر ما تسمح طبيعتهم، وليس قدر ما يستطيع هو أن يهب نفسه فى الشركة[565].].


[563] راجع رسائل القديس الأنبا أنطونيوس (ترجمة مؤسسة القديس أنطونيوس)، الرسالة الثامنة.

[564] راجع عظات القديس أنبا مقار الكبير، ترجمة مؤسسة القديس أنبا أنطونيوس لدراسات الآباء عظة 4: 26.

[565] Liber de Spiritu Sancto. 22: 9 PG 108: 32 - 9.