ما هو أهم عمل فى الكنيسة؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو أهم عمل فى الكنيسة؟

تقدم الكنيسة الحب كأروع عمل من أعمالها. يقول القدّيس إكليمنضس السكندرى: [أفضل شئ أن نقتنى ملكوت الله... بمجتمع المحبّة المقدسة، الكنيسة السماوية، فإن المحبة هى أمر نقى يؤهل لله، عملها الشركة ([135])].

ألقى القديس يوحنا الذهبى الفم عظتين عن أتروبيوس الذى كان الإمبراطور يثق فيه ويستشيره فى كل شئون المملكة استخدم كل وسيلة للتنكيل بالكنيسة، وعندما اكتشف الإمبراطور أنه دبّر مؤامرة لاغتياله، هرب إلى الكنيسة وتمسك بقرون المذبح طالباً تدخل رئيس الأساقفة القديس يوحنا الذهبى الفم ليشفع فيه لدى الإمبراطور.

تجمهر الكثيرون يطلبون أن يسلم القديس يوحنا الذهبى الفم أتروبيوس للسلطات كى تحكامه، فماذا كان موقف القديس؟ لقد وجه حديثه لأتروبيوس، قائلاً:

[الكنيسة التى كنت تعاملها كعدو، تفتح لك حضنها وتستقبلك، بينما المسارح التى كنت تتودد إليها، والتى بسببها كثيراً ما كنت تنازعنى، تخونك وتهلكك.

والآن فإن الملاعب التى سببت لك غنى عظيماً تستل السيف ضدك، أما الكنيسة التى كنت دائماً تغضب عليها، تسرع فى كل اتجاه لإنقاذك من داخل الشبكة.

وإننى لا أنطق بهذا لكى أقلق نفسك وأنت مطروح على الأرض، إنما أرغب فى أولئك الذين لا زالوا قائمين أن يكونوا أكثر أماناً، لا عن طريق تهييج قروح إنسان مجروح، إنما بالحرى لكى أحفظ الذين لم يجرحوا فى صحة كاملة، لا بإغراق إنسان تصدمه الأمواج، بل بتعليم أولئك الذين يبحرون فى جو هادئ حتى لا يهلكون.

وكيف يتم هذا؟ بتأملهم فى التغيير الذى يصيب الشئون البشرية. لأنه (أتروبيوس) هذا الذى وقف مرتعباً من التغيير الذى حدث له، لم يكن له خبرة قبل ذلك، ولم يفلح عن طريق ضميره كما لم يأخذ بمشورات الآخرين. وأنتم يا من تفتخرون بغناكم، أما تستفيدون بما حدث (لأتروبيوس)، إذ لا شئ أوهن من الشئون البشرية.

إننى أعجز عن أن أعبر بدقة عن مدى تفاهة الشئون البشرية (أى سرعة تغيرها).

فإن دعوناها دخاناً أو عشباً أو حلماً أو أزهاراً ربيعية، أو أى لقب آخر، فإنه هكذا هى أمور هالكة بل وأقل من العدم. بل وبالإضافة إلى كونها عدم، فإنها تتسم بعنصر خطير جداً تؤكده (وهو سرعة التغيير).

أى إنسان كان أكثر عظمة من هذا الرجل (أتروبيوس)؟

ألم يفوق العالم كله فى الغنى؟!

ألم يتسلق إلى برج الرفعة ذاته؟!

ألم يكن الكل يخافه ويرتعب منه؟!

آه، ولكنه مع ذلك ألم يصر أكثر بؤساً من السجين؟ ويُرثى له أكثر من العبد الذليل؟ وأكثر إعساراً من الفقير المتضور جوعاً؟! إذ يرى كل يوم منظر السيوف الحادة، ومنظر القاتلين والمعذبين يقودونه نحو موته.

وهو مع هذا لا يعرف إن كان قد سبق وفرح ولو مرة واحدة فى الماضى، بل ولا يشعر حتى بأشعة الشمس. إنما فى وسط النهار يكون نظره معتماً كما لو أن ظلاماً دامساً قد اكتنفه. وإننى سأحاول قدر المستطاع، رغم عجز اللغة البشرية أن أعبر عن الآلام التى يخضع لها طبيعياً إذ يتوقع الموت كل ساعة.

ولماذا أعبر عن ذلك بكلمات من عندى، إن كان هو بنفسه قد رسم لنا صورة منظورة. إذ بالأمس لما جاءوا إليه يطاردونه بالقوة، هرب ليلتجئ فى مكان مقدس. وكان وجهه لا يختلف عن هيئة إنسان ميت، وصرير اسنانه وارتجاف كل بدنه ورعدته، واضطراب صوته وتلعثم لسانه، بل وكل مظهره العام يكشف عن روح مضطربة...

بينما الكل يحتقره فى أثناء دماره، إذ بالكنيسة وحدها كأم حنون تخبئه تحت ساعتها ([136]). مهدئة غضب الملك، وهياج الشعب، وكراهيتهم التى تغلى ضده.

هذه هى زينة المذبح (أن تحب الكنيسة من يعاديها ويقاومها). نقول إنه نوع جديد من الزينة (الحلى)، عندما يُسمع للخاطئ المتهم الذى يبغضها، اللص، أن يتمسك بالمذبح.

إن الزانية أمسكت بقدمى يسوع، تلك التى وُصمت بأنجس خطية واكثرها كرهاً. ومع ذلك فإن يسوع لم ينتهر عملها، بل بالحرى أعجب منها ومدحها، لأن المرأة الشريرة لم تؤذ نقاوته بلمسها ذاك البار الذى بلا خطية.

لا تتذمر إذن أيها الإنسان. فإننا خدام للمصلوب القائل: "اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون" (لو23: 34).

لكنك قد تقول: ألم ينزع أتروبيوس حقه فى الالتجاء هنا بواسطة قوانينه وشرائعه المختلفة؟! نعم. لكنه يتعلم بالخبرة ما قد صنعه، وسيكون هو بأفعاله أول من يكسر قوانينه (ضد الكنيسة)، ويصير مشهداً للعالم كله، وبالرغم من صمته فإنه ينطق بصوت عال محذراً الجميع، قائلاً: "لا تفعلوا ما قد فعلته أنا، حتى لا تعانوا مما أعانيه".

إنه فى نكبته يصير ملعماً، وينال المذبح مجداً عظيماً، موحياً برهبة عظيمة فى ذلك الأمر. إذ قد أمسك الأسد (أتروبيوس) أسيراً (بخضوعه للكنيسة)...

هكذا فإن هذا الإنسان يعظ دون أن ينطق بكلمة، ويتكلم بأعماله بصوت أعلى من صوت بوق...

لا يثر أحد ولا يغتظ، بل لنطلب مراحم الله أن تمهله عن الموت، وأن تنقذه من الهلاك المحدق به، حتى يتوب عن خطاياه، وأن نتحد مقتربين من الإمبراطور الرحوم، متوسلين إليه من أجل الكنيسة، من أجل المذبح، مقدماً حياة هذا الرجل كتقدمة للمائدة المقدسة ([137])].

يتحدث أوريجينوس عن الحب الذى يوّحد الأرض مع السماء، قائلاً:

[الآن، حسب كلمة الله، فإن أحد الفضائل العظيمة هى أن نحب بعضنا البعض. ولابد لنا أن نعتقد بأن القديسين الذين رحلوا، لهم تلك المحبة تجاه الذين يجاهدون فى معركة الحياة، بدرجة تفوق بكثير من هم مازالوا خاضعين للضعف البشرى، ومنشغلين بجهاد اخوتهم الأضعف منهم.

فالكلمات: "إن كان عضو واحد يتألم، فجميع الأعضاء تتألم معه. وإن كان عضو واحد يُكرم فجميع الأعضاء تفرح معه" (1كو12: 26) لا تقتصر على من يحب إخوته على الأرض. إن كانت ملائكة الله قد جاءت إلى يسوع، وصارت تخدمه (مت4: 11)، وإذا كنا نؤمن بأن خدمة الملائكة هذه لم تكن قاصرة على الفترة القصيرة التى استغرقتها رحلته الأرضية، فكم يكون عدد الملائكة، فى رأيك، الذين يخدمون يسوع، عندما شرع فى تجميع أبناء إسرائيل واحداً واحداً من الشتات، وفى خلاصهم بخوف، إذ يدعونه ([138])].


[135] [] Psedsgogus. 1: 2;

[136] [] ربما يشير إلى المذبح حيث توضع الساعة أمام المذبح.

[137] [] مقتطفات من العظة الأولى عن أتربيوس.

[138] [] On Prayer 2: 11.

بماذا تُساهم العروس؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

بماذا تُساهم العروس؟ ([133])

[وأى إمكانيات أقدر أن أساهم بها؟ قل لىّ؟ ساهمى بإرادتك وإيمانك. "اسمعى يا ابنتى وانظرى". ماذا تريد منى أن أفعل "انسى شعبك ([134])"... وأى نوع هو هذا الشعب؟ إنه الشياطين وعبادة الأوثان ودخان الذبائح والدم... "انسى شعبك وبيت أبيك" اتركى أباك وتعالِ اتبعينى... إننى كما لو كنت تركت (بلا انفصال) أبى وجئت إليك، أفلا تتركى أباك؟ وعندما نقول إن الابن ترك الآب لا نفهم أنه ترك حقيقى يعنى الانفصال، بل بمعنى "إننى نزلت ووفقت بينى وبينك واتخذت لىّ جسداً. هذا هو واجب العريس والعروس...".

"فإن الملك قد اشتهى حُسنك". سيكون الرب هو حبيبك، وإذ يكون حبيباً لك، فكل ما له يكون لك... الآن دعنا نجول داخلنا فى الروح... انظر إلى ذلك الجمال الروحى، أو بالحرى أصغ إليه، لأنك لا تقدر أن تراه طالما هو غير منظور. أصغ إلى هذا الجمال. ما هو جمال الروح؟ إنه العفة واللطف والصدقة والحب والحنان الأخوى والعطف والطاعة لله وتنفيذ الوصايا والبرّ وانسحاق القلب. هذه الأمور هى جمال الروح. هذه الأمور لا تنجم عن الطبيعة... بل إن كل من ليس لديه هذه الأمور يقدر أن يمتلكها، ومن يمتلكها إن أهمل فيه يخسرها... من كان أكثر جحوداً من روح بولس عندما كان مجدفاً ومضطهداً، وأى روح مملوءة نعمة أكثر منه عندما يقول: "قد جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعى، حفظت الإيمان" (2تى4: 7). أى روح فاسدة كروح اللص، وأى روح مملوءة نعمة أكثر منه، عندما سمع: "الحق أقول لك: إنك اليوم تكون معى فى الفردوس" (لو23: 43). من كان أكثر شرا من العشار عندما كان مُغتصباً، ومن صار أكثر نعمة منه عندما أعلن عن ثبات تغيره (لو19: 8). انظر إذن إنك لا تقدر أن تغيّر فى جمال الجسد، لأنه نتيجة حتمية الطبيعة لا نتيجة تصرُف الإنسان. أما جمال الروح فيأتى حسب اختيار تصرفنا...

"اسمعى يا ابنتى... وانسى"... إنه يتكلم عن جمال روحى، إذ يقول لها: "اسمعى وانسى"، أمور لها حق الاختيار فيها... إنه يقول للمرأة الخاطئة: "فإذا أطاعت فسترى أى نوع من الجمال يُوهب لها. فحيث أن قُبح العروس لم يكن قبحاً جسدياً بل روحياً لأنها عصت الله ولم تطعه... فإنه بالطاعة تصير مملوءة نعمة... يلزمك أن تتعلمى أنه لا يقصد أى معنى منظور عندما يقول" حُسنك ". لا تفكرى فى العين والأنف والفم والرقبة، بل فى العطف والإيمان والحب والأمور الداخلية، لأن" كل مجد ابنة الملك من داخل ". والآن من أجل هذه الأمور نُقدم التشكرات لله المعطى، لأن له وحده يليق المجد والكرامة والقدرة إلى أبد الآبدين. آمين.


[134] [] يفسر القديس يوحنا الذهبى الفم الشعب هنا ليس الناس الذين نتعامل معهم بل الشر الذى نحيا فيه.

ما هو بيت الزوجية؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو بيت الزوجية؟ ([132])

[ "اسمعى يا ابنتى" (مز45: 10)... إنه خطبها زوجة، وأحبها كابنة له، ويعولها كخادمة، ويحافظ عليها كعذراء، ويسيج حولها كحديقة، ويدللها كعضو فى جسد هو رأسه، إنه هو كأصل (جذر) يهبها النمو، وكراعِ يطعمها، وكعريس يقترن بها، وكفادِ يغفر لها، وكحمل يُذبح لأجلها، وكعريس يحفظها فى جمال، وكزوج يعولها...

"اسمعى يا ابنتى" لقد كنت قبلاً ابنة الشيطان، ابنة أرضية، غير مستحقة للأرض، والآن صرت ابنة للملك (الله). وهذا ما يريده الذى يحبها. لأن من يحب أحداً لا يستقصى عنه، فالحب يجعله لا يبالى بنجاستها القديمة (بل يقدسها)... هكذا صنع الرب يسوع. فقد رآها نجسة، وأحبها وجعل منها ابنة له بلا عيب ولا دنس. يا له من عريس يزين بالنعمة العروس النجسة.

"اسمعى يا ابنتى وانظرى وأميلى أذنك". يقول أمرين: اسمعى، انظرى. أمران تعتمدين فيهما على نفسك: عيناك، أذناك. الآن مهرها يعتمد على السمع (إذ لم ترّ بعد ملكوت السماوات)... فالإيمان جاء بالسمع. الإيمان يناقض ما هو بالعيان، أى ما يحدث وتم حالياً.

لقد سبق فقلت بأن خاتم الزواج قد قٌسم إلى قسمين: نصيب أعطاه للعروس هنا كعربون، والآخر وعد به فى المستقبل... أعطى الأول، أما الثانى فيعتمد على الرجاء والإيمان... لننصت إلى ما أعطانا... وما وعدنا به... افهم ما يُقال حتى لا تفقد شيئاً... إن خاتم العرس قد قُسمَ إلى قسمين: أشياء حاضرة، وأشياء آتية، أشياء تُرى، وأمور يُسمع عنها، أشياء تُعطى هنا، وأخرى نثق أننا سنأخذها، أشياء نستخدمها هنا، وأخرى نتمتع بها هناك، أشياء تخص الحياة الحاضرة، وأخرى تأتى بعد القيامة. الأشياء الأولى نراها، والأخيرة نسمع عنها... "اسمعى يا ابنتى وانظرى وأميلى سمعك"... ها أنا أعطيك الآن بعض الأشياء وأعدك بالأخرى. هذه الأخرى تعتمد على الرجاء، أما الأولى فتقَّبلها كهدايا للعرس وعربون ودليل يؤكد نوال الأمور المُقبلة].


[133] [] راجع للكاتب: القديس يوحنا الذهبى الفم العظة الثانية عن أتروبيوس.

ما هو ثوب الملكة العروس؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو ثوب الملكة العروس؟ ([131])

[يقول النبى: "قامت الملكة عن يمينك بثوب موشى بالذهب" (مز45). لا يقصد ثوباً حقيقياً بل الفضيلة، إذ يقول الكتاب المقدس فى موضع آخر للذى حضر الوليمة بغير لباس العرس: "يا صاحب، كيف دخلت إلى هنا وليس عليك لباس العرس؟ فسكت (مت22: 12). هنا لا يقصد عدم لباسه ثوباً ما، بل أن حياته مملوءة زنا ونجاسة. وكما أن الثوب النجس يشير إلى الخطية، هكذا الثوب الموشى بالذهب يشير إلى الفضيلة وهذا الثوب يُنسب للملك وهو وهبها إياه، لأنها كانت عارية وقبيحة...

انظر إلى التعبير "ثوب موشى بالذهب"، فإنه يحمل معنى سامياً، إذ لم يقل ثوباً ذهبياً، بل "موشى بالذهب"... الثوب الذهبى يكون ذهباً بكامله، أما الموشى (المنسوج) بالذهب، فإن جزء منه ذهب والآخر حرير... إنه يعنى أن حال الكنيسة فى مظهرها متعدد، فحالنا جميعاً ليس على نمط واحد، فمنا من هو بتول، ومن هو أرمل، ومن هو مُكَّرس... هكذا ثوب الكنيسة يعنى حالها. فبقدر ما عرف سيدنا أنه لو رسم لنا طريقاً واحداً فقط يضل كثيرون، رسم لنا طرقاً كثيرة. إن لم تقدر أن تدخل الملكوت عن طريق البتولية، ادخله بزواج واحد (لا تقبل طرفاً أخر بعد وفاة الطرف الثانى)، وربما بالزواج الثانى (بعد وفاة الأولى)... إن كنت لا تستطيع استخدام طريق ما (لأسباب قهرية) استخدم الطريق الآخر... إن لم تكن أنت جزءاً من الذهب، كن حريراً، فإننى أقبلك فقط إن كنت منسوجاً فى ثوبى. هكذا يقول بولس: "إن كان أحد يبنى على هذا الأساس ذهباً فضة حجارة كريمة" (1كو3: 12). إن لم تقدر أن تكون ذهباً كن فضة، إن ما يلزمك هو أن تكون مستقراً على الأساس. وفى موضع آخر يقول: "مجد الشمس شئ، ومجد القمر آخر، ومجد النجوم آخر" (1كو15: 41). إن لم تقدر أن تكون شمساً كن قمراً... وإلا فكن نجماً. اقبل أن تكون أصغر شئ ولكن المهم أن تكون فى السماء. إن لم تقدر أن تكون بتولاً، كن عفيفاً فى زواجك، إنما ارتبط بالكنيسة.

إن لم تقدر أن تبيع ممتلكاتك كلها، قدّم صدقة، إنما ارتبط بالكنيسة لابساً الثوب اللائق، خاضعاً للمملكة (الكنيسة)... فى الفردوس زهور كثيرة وأشجار متنوعة... لكنه فردوس واحد...

هناك الجسد والعين والأصبع، لكنها هذه كلها معاً إنسان واحد! هناك أيضاً الصغير والعظيم والأقل... البتول تحتاج إلى المتزوجة، لأن البتول ولدتها أم متزوجة، فلا تحتقر البتول الزواج.

هكذا يرتبط الكل ببعضه البعض، الصغير مع العظيم والعظيم مع الصغير].


[132] [] راجع للكاتب: القديس يوحنا الذهبى الفم العظة الثانية عن أتروبيوس.

أما يعطينا هنا شيئاً من المهر؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

أما يعطينا هنا شيئاً من المهر؟ ([129])

[تأمل...! فإنه كفَّل لى فى المهر قيامة الجسد، والخلود. لأن الخلود لا يتبع دائماً القيامة. بل إن الاثنين متمايزان، فكثيرون قاموا، لكنهم رقدوا مرة أخرى، مثل لعازر وأجساد القديسين (يو11؛ مت27: 52). لكن الوعد هنا ليس كذلك، بل وعد بالقيامة والخلود والتمتع بشركة الملائكة، واللقاء بابن الإنسان على السحاب، وتحقيق القول: "وهكذا نكون كل حين مع الرب" (1تس4: 17)، والتخلص من الموت، والتحرر من الخطية، والتخلص التام من الهلاك.

من أى نوع هذا المهر الذى "ما لم تر عين، وما لم تسمع أذن، ولم يخطر على بال إنسان، ما أعده الله للذين يحبونه" (1كو2: 9). هل تعطينى أشياء حسنة لا أعرفها؟! نعم، فقط لتُخطب لى ها هنا، ولتحبنى فى هذا العالم.

ولماذا لا تعطينى المهمر هنا؟ سأعطيه لك عندما تأتى إلى أبى، وتدخل المكان الملكى. فهل أنت أتيت إلىّ، لا بل أنا (يسوع) جئت إليك. لقد أتيت إليك، لا لتقطن عندك، بل لكى آخذك معى وأرجعك. فلا تطلب منى المهر عندك فى هذه الحياة بل لتكن معتمداً على الرجاء والإيمان.

أما تعطينى شيئاً فى هذا العالم؟ يجيب: أعطيك هنا "الغيرة" حتى تثقى فىّ فيما يختص بالأمور المقبلة، وأعطيك خاتم الخطبة وهدايا الخطبة. لذلك يقول بولس: "لأنى خطبتكم" (2كو11: 2). أما هدايا الخطبة فهى البركات الحاضرة التى تشوقنا إلى البركات المقبلة. أما المهر بكماله فيُعطى فى الحياة الأخرى.

كيف ذلك؟ هنا أصير كهلاً، هناك لا أشيخ قط.

هنا أموت، هناك لا أموت. هنا أحزن، هناك لا أحزن.

هنا يوجد فقر ومرض ومكائد، هناك لا يوجد شئ من هذا القبيل.

هنا توجد عبودية، أما هناك فحرية... هنا توجد حياة لها نهاية، أما هناك فحياة بلا نهاية.

هنا توجد خطية، أما هناك فيوجد برّ... هنا يوجد حسد، أما هناك فلا شئ من هذا.

قد يقول قائل: "أعطنى هذه الأمور هنا"، لا. بل انتظر حتى يخلُص أيضاً العبيد رفقاؤك. وأقول أيضاً انتظر ذاك الذى يثبتنا ويعطينا عربون الروح. وأى عربون هذا؟ الروح القدس وعطاياه.

دعنى أتكلم عن الروح القدس.

لقد أعطى خاتم الخطبة للآباء الرسل قائلاً: "خذوا هذا، وأعطوه للجميع"، فهل خاتم الخطبة يوزع على كثيرين ومع ذلك لا ينقسم؟! نعم هكذا. دعنى أعلمكم معنى عربون الروح القدس.

أخذ بطرس عربون الروح القدس وكذلك بولس. فبطرس (بالروح القدس) جال فى العالم، وغفر الخطايا، وشفى مقعدين، وكسى عراة، وأقام موتى، وطهّر برص، وأخرج شياطين، وتحدث مع الله، وعمل فى الكنيسة. ازال المعابد، وهدم المذابح، وأباد رذائل، وأقام من البشر ملائكة!... كل هذه الأمور أخذناها فملأ عربون الروح العالم كله...

وعندما أقول العالم كله، أقصد من جهة المكان... لقد ذهب بولس إلى هنا وهناك كطائر ذى أجنحة. وبفم واحد (بالتبشير) حارب العدو... كان الخياَم (بولس) أقوى من الشيطان... إذ نال العربون وحمل خاتم الزواج.

كل البشر رأوا الله قد خطب طبيعتنا والشيطان رأى ذلك وتقهقر. رأى العربون (الروح القدس) وارتعب منسحباً، رأى ملابس الرسل فهرب (أع19: 11). يا لقوة الروح القدس. لقد أعطى سلطاناً لا للجسد فحسب بل وللثوب أيضاً، وليس فقط للثوب بل وللظل أيضاً. ظله كان يشفى الأمراض (أع5: 15) ويخرج الشياطين ويقيم الموتى.

بولس جال فى العالم نازعاً أشواك الشر، باذراً بذار الصلاح على نطاق واسع، مثل صاحب محراث حكيم ممسك بمحراث التعاليم... لقد غيّر هؤلاء (الأمم). وكيف ذلك؟ بواسطة العربون (الروح القدس). هل كان بولس كفؤا لهذا العمل كله؟ لا بل بواسطة الروح... إذ كان يسنده، إذ نال عربون الروح. لذلك يقول: "ومن هو كفؤا لهذه الأمور؟" (2كو2: 16)، لكن "كفايتنا من الله الذى جعلنا كفاة لأن نكون خدام عهد جديد لا الحرف بل الروح" (2كو3: 5، 6).

تأمل ماذا فعل الروح؟ لقد وجد الأرض مملوءة من الشياطين فجعلها سماء. فقبل ذلك (قبل التجسد الإلهى) كان فى كل مكان مراثٍ ومذابح للأوثان. وفى كل موضع يصعد دخان الأصنام وبخوره، وفى كل منطقة تُقام فرائض نجسة وأسرار وثنية وذبائح، فى كل مكان تعمل الشياطين على الهتك بالشرف، فى كل مكان توجد حصون للشيطان.. ومع هذا كله وقف بولس وحده... فكيف قدر أن يبشر؟! لقد أسرّ البشر (فى الإيمان). دخل قصر الملك وتلمذ على يديه ([130]). دخل دار القضاء، فقال له الوالى: "بقليل تقنعنى أن أصير مسيحياً (أع26: 28). وهكذا صار القاضى تلميذاً. دخل السجن، فأسر حافظ السجن (فى الإيمان) (أع16: 3). زار جزيرة البرابرة، واستخدم الأفعى وسيلة للتعليم (أع28: 9). زار الرومان وجذب الوالى (السناتور) لتعاليمه. زار الأنهار والصحارى فى المسكونة...

إن الله يعطى للطبيعة البشرية عربون خاتم الزواج الذى له، وعندما يعطيه يقول لها: أمور كثيرة أعطيها لك الآن، أما بقية الأشياء الأخرى فأعدك بها].


[130] [] ربما يقصد سرجيوس بولس (أع13: 12).

[131] [] راجع للكاتب: القديس يوحنا الذهبى الفم العظة الثانية عن أتروبيوس.

ما هو مهر العروس؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو مهر العروس؟ ([128])

[تأمل! "الذى يثبتنا معكم فى المسيح وقد مسحنا هو الله الذى... أعطى عربون الروح فى قلوبنا" (2كو1: 22). أنتم تعلمون أن العربون هو جزء صغير من الكل، دعونى أخبركم معنى العربون.

قد يذهب شخص ليشترى منزلاً بثمن عال، فيقول له البائع "أعطنى عربوناً حتى أثق فيك". وواحد يذهب ليتخذ له زوجة فيدفع لها مهراً. فحيث أن المسيح قد عمل عقداّ معنا (إذ سيقبلنا عروساً له) لذلك عين المهر لى، لا بمال بل من الدم. ولكن هذا المهر الذى عينه هو عربون لأشياء صالحة "ما لم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على بال إنسان" (1كو2: 9).

لقد عيّن هذه كمهر وهى: الخلود، وتسبيح الملائكة، والتخلص من الموت، والتحرر من الخطية، وميراث الملكوت الذى ثروته عظيمة هذا مقدارها، والبرّ، والتقديس، والخلاص من الشرور الحاضرة، واكتشاف البركات المقبلة، عظيم هو مهرى!

جاء يأخذ الزانية، لأنه هكذا أدعوها أنها نجسة، حتى تدرك مقدار حب العريس. لقد جاء وأخذنى وعين لى مهراً، قائلاً: "أعطيك غناى". كيف ذلك؟ يقول: هل فقدت الفردوس؟ خذه مرة أخرى. خذ كل هذه الأمور، ومع ذلك فإنه لا يُعطى لى كل المهر هنا].


[129] [] راجع للكاتب: القديس يوحنا الذهبى الفم العظة الثانية عن أتروبيوس.

كيف ينزع العريس السماوى نجاستها؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

كيف ينزع العريس السماوى نجاستها؟ ([127])

[إنها تقول: لكننى خاطئة ونجسة. يقول لها الرب يسوع: لا تضطربى بسبب هذا فإننى طبيب. إننى أعرف الإناء الذى لىّ، وأعرف كيف فسد، فأعيد تشكيلك بواسطة جُرن المعمودية مُسلماّ إياك لعمل النار.

تأمل! لقد أخذ الله تراباً من الأرض وخلق الإنسان وشكله، لكن جاء الشيطان وأفسده. عندئذ جاء الرب وأخذه مرة أخرى وعجنه من جديد وغيّر شكله فى المعمودية، ولم يعد بعد ترابياً بل ذا صلابة شديدة. لقد خضع التراب اللين (الطين) لنار الروح القدس "سيعمدكم بالروح القدس ونار" (مت3: 11). يتعمد الإنسان بالماء لكى يتشكل، وبالنار لكى يتقوى، لذلك فإن النبى يتنبأ بحسب الإرشاد الإلهى قائلاً: "مثل آنية الخزاف يسحقهم" (مز2: 9)...

وحتى تتأكد أننى لا أنطق بكلمات فارغة، اسمع ما يقوله أيوب: "اذكر أنك جبلتنى كالطين" (أى10: 9)، وما يقوله بولس: "ولكن لنا هذا الكنز فى أوان خزفية" (2كو4: 7). لكن تأمل قوة الإناء الترابى، إذ صار قوياً بواسطة الروح القدس.

انظر كيف أكد الرسول أنه إناء ترابى، قائلاً عنه: "خمس مرات قبلت أربعين جلدة إلا واحدة، ثلاث مرات ضربت بالعصى، مرّة رُجمت" (2كو11: 24 الخ). ومع هذا فإن الإناء الترابى لم ينكسر. "ليلاً ونهاراً قضيت فى العمق". لقد كان فى العمق، لكن الإناء لم يفسد. عانى من انكسار السفينة، لكن الكنز لم يُفقد. كانت السفينة تغرق، لكن الحمولة طفت. يقول: "ولكن لنا هذا الكنز"... يسنده الروح القدس والبرّ والتقديس والخلاص.

وما طبيعته؟ "باسم يسوع الناصرى قم وامش" (أع3: 6). "يا اينياس يشفيك يسوع المسيح" (أع9: 34). "أنا آمرك باسم يسوع المسيح أن تخرج منها" (أع16: 18).

هل رأيت كنزاً كهذا أكثر بريقاً من الكنوز الملكية؟! هل تقدر جواهر الملك أن تفعل مثلما تفعل كلمات الرسول؟!... "ولكن لنا هذا الكنز". يا له من كنز ليس فقط محفوظاً، إنما يحفظ المسكن الذى يوجد فيه. هل تفهم ما يقول؟ إن ملوك الأرض وحكامها عندما يكون لهم كنوز يجهزون لها أماكن عظيمة للتخزين: من حصون عظيمة وقضبان وأبواب وحواجز للوقاية، ومزلاج... هذا كله لكى يحفظوا الكنوز. أما المسيح فصنع العكس، إذ لم يضع الكنز فى آنية حجرية (حتى تحميه)، بل فى إناء خزفى (لكى يحميه الكنز). إن كان الكنز عظيماً، فهل لهذا السبب يجعل الإناء ضعيفاً؟! لا... بل لأن االكنز لا يحفظه الإناء، بل هو الذى يحفظ الإناء.

إننى أودع الكنز (فى الإناء الضعيف)، فمن يقدر أن يسرقه من هناك؟! الشيطان يأتى، والعالم يأتى، والجموع تأتى، ومع ذلك لا يسرقون الكنز، فالإناء قد يُنكل به، أما الكنز فلا يٌفقد. قد يغرق الإناء (الجسد) فى البحر، لكن الكنز لا يغرق. الإناء قد يموت، أما الكنز فيحيا، لذلك فهو يعطى حرارة الروح].


[128] [] راجع للكاتب: القديس يوحنا الذهبى الفم العظة الثانية عن أتروبيوس.

ما هو خاتم الزواج الذى يقدمه العريس السماوى؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو خاتم الزواج الذى يقدمه العريس السماوى؟ ([126])

يصور لنا القديس يوحنا الذهبى الفم فى العظة الثانية عن أتروبيوس أن مخلصنا يسوع أخذ المرأة الخاطئة (وهى تشير إلى نفوس الخطاة التائبين لو7: 37 الخ)، وخطبها لنفسه ودخل معها فى حوار رائع. وماذا قدّم لها؟ خاتم الزواج. وما هو معدن الخاتم؟ الروح القدس. إذ يقول بولس: "ولكن الذى يثبتنا معكم فى المسيح، وقد مسحنا هو الله، الذى ختمنا أيضاً، وأعطى عربون الروح" (2كو1: 21، 22). قد أعطاها الروح القدس.

[بعد ذلك قال (على لسان العريس): ألم أغرسك فى الفردوس؟، فتجيبه "نعم".

ثم يسأل: وكيف سقطت من هناك؟ تجيبه: "الشيطان جاء، وطردنى من الفردوس".

فيقول لها: "لقد غرستك فى الفردوس والشيطان طردك، انظرى فإننى أغرسك فىّ أنا. إننى أسندك فلا يعود الشيطان يقدر أن يجسر ويقترب إليك. إذ لا أرفعك إلى السماء، بل إلى حيث ما هو أعظم من السماء. أحملك فى نفسى أنا هو رب السماء. الراعى يحملك فلا يقدر الذئب أن يقترب إليك بعد، أو بالحرى لا أسمح له أن يقترب إليك". هكذا حمل الله طبيعتنا وإذا اقترب إليه الشيطان هلك. لذلك يقول لك الرب: ها أنا قد غرستك فىّ، أنا الأصل، وأنتم الأغصان (يو15: 5). لقد غرسها فيه].


[127] [] راجع للكاتب: القديس يوحنا الذهبى الفم العظة الثانية عن أتروبيوس.

لماذا دُعيت الكنيسة الابنة المقدسة؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

لماذا دُعيت الكنيسة الابنة المقدسة؟

إن كانت قد دُعيت عروس المسيح لكى يسود فرح الروح حياتها حتى فى وسط آلامها وجهادها، وفى معركتها ضد إبليس، ففى المزمور 45 يدعوها الابنة الملكة، التى تأتى إلى الملك وفى إثرها عذارى صاحباتها. يقول المرتل: "اسمعى يا ابنة وانظرى، وأميلى أذنك وانسى شعبك وبيت أبيك. فيشتهى الملك حُسنك لأنه هو سيدك فاسجدى له. كلها مجد ابنة الملك فى خدرها منسوجة بذهب ملابسها. بملابس مطرزة تحضر إلى الملك فى إثرها عذارى صاحباتها مقدمات إليك. يحضرن بفرح وابتهاج يدخلن إلى قصر الملك" (45: 10، 13 - 15).

كابنة تلتزم بالآتى:

أ. حفظ الوصايا الإلهية.

ب. تميل بأذنها وتطلب أن تنال موهبة الفهم بروح التواضع.

ت. تترك أباها القديم إبليس.

يقول القديس باسيليوس الكبير: [ "اسمعى يا ابنتى وانظرى وأميلى أذنك" (مز45: 11) الدعوة مُقدمة للكنيسة، لتسمع وتحفظ الوصايا، يناديها الله "ابنتى"، لتكون لها دالة عنده، لقد جعلها ابنته من مُنطلق حبه. "اسمعى يا ابنتى وانظرى". "انظرى" تفيد أنه أراد أن يُدرّبها على الفهم والتأمل. يقول لها تمعَّنى فى الخليقة، وانظرى النظام الذى تسير عليه، ومنه ارتفعى للتأمل فى خالق هذه الطبيعة.

ثم يدعوها أن تتخلَّى عن كبريائها فى وضع انحناء رقبتها عندما تميل الأذن لتسمع. فلا تجرى وراء الأساطير الخارجية، ولكن اسمعى للصوت الوديع الذى تحويه كلمة الإنجيل. أميلى أذنك نحو هذه العقيدة، كما هى، لتنسى العادات السيئة وتعاليم أبيك. لذلك: "انسى شعبك وبيت أبيك" (مز45: 10) "لأن من يفعل الخطية هو (المولود) من إبليس" (1يو3: 8). انزعى عنك إذن تعاليم إبليس، وأنسى تقدماته، والجولان فى المساء، والأساطير التى تشعل نار الزنا وكل العادات الباطلة.

دعوتك "ابنتى" لكى تبغضى أباك الأول الذى ولدك لهلاكك، فإن نسيتيه تنفصلى عن آثار تعاليمه الخاطئة وعندئذ تستردين مجدى الأصلى، فيشتهى الملك العريس حُسنك ([122])].

ويقول القديس جيروم: [فى هذا المزمور يتحدث الله عن النفس البشرية أنها إذ تقتدى بإبراهيم يلزمها أن تخرج من ارضها ومن عشيرتها، وأن تترك الكلدانيين أى الشياطين (العبادة الوثنية) وتسكن أرض الأحياء التى يقول النبى عنها فى موضع آخر: "وأنا أؤمن إنى أعاين خيرات الرب فى أرض الأحياء" (مز27: 13). لكن لا يكفى الخروج من أرضكم ما لم تنسوا شعبكم وبيت أبيكم، أى إن لم تحتقروا (شهوات) الجسد، وتلتصقوا بالعريس فى عناق وطيد وثيق ([123])].

ويقول: الأب قيصريوس أسقف آرل: [إننا مدعوون من الله الآب خلال مبادرة مباركة مغبوطة أن نهجر أبانا الشيطان. حقاً إننا نترك أبانا الشيطان شريطة الاستعانة بالله، والجهاد الدائم أن نتحاشى شره المخادع ونهرب منه ([124])]. ويقول الأب بفنوتيوس: [بالنسبة للشخص الذى يقول: "اسمعى يا ابنتى"، يكون لها بمثابة أب. إنه يشهد أن الذى يحثها على نسيان بيتها وشعبها هو أب لابنته، ويتم ذلك بموت الإنسان مع المسيح عن اهتمامات هذا العالم. يقول الرسول: "ونحن غير ناظرين إلى الأشياء التى تُرى، بل إلى التى لا تُرى. لأن التى تُرى وقتية، وأما التى لا تُرى فأبدية" (2كو4: 18). وإذ ننطلق قلبياً من هذا البيت المنظور الزمنى نوجّه أعيننا وقلوبنا إلى ذاك الذى نبقى فيه إلى الأبد، ونحقق ذلك إذا ما كنا ونحن نتحدث فى الجسد لا نعود بعد فى حرب مع الرب حسب الجسد، معلنين بالقول والفعل حقيقة قول الرسول الطوباوى: "سيرتنا نحن هى فى السماوات" (فى 3: 20) ([125])].


[122] [] تفسير المزمور 45 (44).

[123] [] Epistle 1: 22.

[124] [] Sermon 3: 81.

[125] [] Cassian: Conf. 6: 3.

[126] [] راجع للكاتب: القديس يوحنا الذهبى الفم العظة الثانية عن أتروبيوس.

كيف حمل زواج يعقوب رمزاً للكنيسة العروس؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

كيف حمل زواج يعقوب رمزاً للكنيسة العروس؟

يرى مار يعقوب السروجى أن الأبرار احتفلوا بطريق ابن الله المتجسد ربنا يسوع المسيح بأفعالهم وأخبروا عنه. أحب يعقوب راحيل وخطبها، وهى تمثل الكنيسة العروس الجميلة، كما تزوج ليئة التى تمثل جماعة اليهود، والتى حلت محل راحيل بعد أن خدعه لابان (تك29). أبرز مار يعقوب السروجى الآتى ([120]):

أولاً: تقدست راحيل بنت الوثنيين بخطيبها يعقوب. [(خُطبت) تلك التى تربت بين أصنام الوثنية لهذا الغنى بالبركات وبالإيحاءات. تتقدس المرأة غير المؤمنة بالرجل المقدس كما كتب بولس هذه الحقيقة (1كو7: 14). صارت قديسة بسبب يعقوب، فكم تتبرر كنيسة الشعوب برب يعقوب! كيف أن خبر ليئة بغيضة العينين هو مُهمل، ولماذا يا ترى إلا لأجل السرّ الذى تم فيها؟ كيف أن راحيل أختها تنتصر بين القراءات، لأن جمال الكنيسة اختبأ فيها، ولهذا نصرتها عظيمة! كيف أن خبر يعقوب مملوء عجباً، لأنه يشبه ربه، ولهذا فهو عظيم فى الكتب.

ثانياً: [انظر إلى يعقوب وهو يمشى بالفقر، كم كان يشبه الابن الذى أخلى نفسه وتنازل.. خرج من بلده ليأتى إلى حاران بالفقر، فتبعته الأسرار لتكمل فيه تجلياتها. وصل إلى البئر ليس (بئر) الماء، لكن (بئر) الأسرار، فلو نظرت: فهو مملوء أسراراً أكثر من الماء. وجده مغلقاً ولا يصعد منه السقى ويحيط به قطعان الغنم والرعاة. وجد هناك حجراً عظيماً موضوعاً على فمه، والقطيع عطشان وينتظر أن يُزاح الحجر (تك29: 2)... وقف يعقوب ونظر إلى القطعان التى أحرقها العطش، ولا توجد قوة لرفع الحجر وارتوائها. ولما كان أتت راحيل عند القطيع، وحالما رآها قلب الحجر ليشرب القطيع... كان سرّ الكنيسة موضوعاً فى وجهها كالبلور، وتاق يعقوب خطيبها العادل إلى محياها. جماعة الشعوب رشّت جمالاً على بنت الوثنيين حتى يراها يعقوب ويستيقظ على الانتصار... كل القطعان شربت بسبب راحيل، وبجمالها ومحبتها وبهائها صارت سبباً (للشرب)].

ثالثاً: قبل يعقوب راحيل باكياً ليرمز إلى آلام الابن. [يا ابنى لا تظن بأن يعقوب اشتهاها (تك29: 11) جسدياً، لأنه لما قبّلها كان يبكى بكاء بألم عظيم. لو كانت شهوة لما كان يسكب الدموع هناك، لأن البهجة تلد الشهوة بحرارتها. الألم يلد الحزن والكآبة، وحيثما يوجد البكاء لا توجد الشهوة مطلقاً. إذاً يعقوب لم يكن ملتهباً بالشهوة، لكنه كان يضطرم بألم أسرار الابن].

رابعاً: ساعد سرّ الابن يعقوب ليزيح الحجر الكبير. [لو لم ينزل هذا السرّ مع يعقوب لما كان الرجل العادى يقلب هذا الحجر العظيم... ظِل الراعى العظيم استقر عليه وخاف من قوته جميع الرعاة].

خامساً: استقبل لابان يعقوب واتفقا على الأجرة وهى الزواج من راحيل. [استقبل الوثنى الرجل العادل بقلب صالح، وبدأ يشترط معه على عمله. قال لابان: ما هى أجرتك لتكون معروفة، لأن لا يحسن أن تعمل مجاناً مادمت عندى؟ (تك29: 18) قال يعقوب: اشتغل معك لأجل راحيل، زوجنى ابنتك الصغرى وهذه أجرة صالحة... اشتغل معك سبع سنين لأجل راحيل، ولا تعطنى شيئاً آخر سواها... هنا تحقق كل نمط ربنا لأنه أعطى نفسه للتعب العظيم من أجل الكنيسة. استسلم ابن الله للآلام بمحبته، ليخطب بضرباته الكنيسة التى كانت مُطلقة. تألم على الصليب لأجل هذه الساجدة للأصنام، لتصير خاصته بقداسة. قبل أن يرعى كل أغنام البشر بعصا الصليب العظيم وهو يتألم. قبل أن يرعى الشعوب والعوالم والطغمات والجموع والمواضع ولتُرد إليه الكنيسة فقط].

سادساً: تزوج يعقوب من ليئة بدل راحيل. [انتهى الوقت لتُدفع الأجرة للراعى، فتحايل لابان بالخداع ليكذب عليه... صار عرس ليفرح الختن بالعروس التى خطبها، وبدل راحيل دخلت ليئة بمكر أبيها... فى الصباح انفضحت حيلة لابان، واتضح المنظر البغيض الذى كان مُغطى... أخفى المساء العروس وأعطاها بحيلة، وكشفها الفجر (تك29: 25)، ليراها الختن ويحتقرها... بحيلته وضع اسم الجميلة على القبيحة، فتزينت العروستان بجمال واحد].

سابعاً: اكتشف يعقوب حيلة لابان وطالب براحيل. [أين هى راحيل التى خدمتك لأجلها، أنا لم اطلب ليئة ودخلت عندى دون أن أدرى؟ قال لابان: هذه عادة كل بلدنا: لا تُعطى الصغيرة قبل الكبيرة. لا امنع عنك راحيل أيضاً لو شئت فخذ كلتيهما دون أن يتغير ناموسنا. قبل يعقوب أن يأخذ الاثنتين من بيت لابان... هنا تحقق سرّ الجماعتين بالأختين اللتين كانتا قد أعطيتا لرجل واحد. رُسم الشعب والشعوب بليئة وراحيل، ووُصفت الجماعة والكنيسة بالأختين. دعا الله جميع الشعوب إلى الزيجة معه، إذ لا يوجد شعب على الرض ليس خاصته... بذلك البرقع الذى بسطه موسى على وجهه صُور غطاء ليئة الكبرى... نظرت إلى العجل ودعته رباً، لأنها كانت عمياء ولم يكن لها بصر ليميز الحقائق. هذه المحرومة من البصر دخلت أولاً، وكانت الكنيسة البهية قد تُركت مثل راحيل. كانت مغطاة بموسى ولم يعرف أحد بأنها عمياء وكانت تُرى كأنها جميلة بفضل الغطاء. صاحبة البصر مستترة فى الشعوب وليست معروفة، والقبيحة كلها مغطاة وتدخل إلى بيت الله].

ثامناً: ليئة رمز اليهود التى تعرفت على الله أولاً ثم راحيل رمز كنيسة الأمم. [هذا الشعب كان البكر عند الله، وإذا كانت بنت الشعوب جميلة، قد تُركت. لم يكن يليق أن تدخل الصغيرة قبل الكبيرة، ويشهد لابان الذى أعطى ليئة بدل راحيل. أخرجها موسى من مصر فى منتصف الليل، لئلا يرى أحد كيف أن العروس التى جلبها ليست جميلة. خرجت فى الليل كما أن ليئة دخلت فى الليل، ففضح الصباح الأمر... راحيل الصغيرة والكنيسة الشابة اللتان كانتا جميلتين دخلتا فى النهاية لأن النور اظهر جمالهما. خطب يعقوب صاحبة المنظر، وبهية الجمال، ومحبوبة المحيا، وحسنة الوجه، والمجيدة فى كل شئ. لقد أعطوه قبيحة العينين، وكليلة البصر، ومجعدة المنظر، وكئيبة الوجه، والمملوءة عيوباً. ربنا أيضاً خطب الكنيسة الكبرى بنت الملوك، وعارفة الآب، والساجدة للابن، والقابلة للروح. وأعطوا له أيضاً جماعة الشعب الساجدة للأصنام، وصائغة العجل، وناكرة الآب، وصالبة الابن... راحيل لم تدخل عند البار بالمكر، والكنيسة لا تقوم عند القدوس بحجاب. وجه الكنيسة بهى بجمالها أكثر من راحيل، ودخلت صباحاً ليرى كل واحد كيف أنها بهية ([121])].


[120] [] راجع الميمر 75 على ربنا ويعقوب وعلى الكنيسة وراحيل وعلى ليئة والجماعة (راجع نص بول بيجان والدكتور بهنام سونى).

[121] [] راجع الميمر 75 على ربنا ويعقوب وعلى الكنيسة وراحيل وعلى ليئة والجماعة (راجع نص بول بيجان والدكتور بهنام سونى).