ما هى العلامات المميزة للعروس السماوية؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هى العلامات المميزة للعروس السماوية؟

أولاً: الفرح السماوى: الحياة الكنسية الفاضلة أيقونة الحياة السماوية التى لن يتسلل إليها قلق أو اضطراب، بل يحيا المؤمن فى سلام الله الذى يفوق كل عقل، وينعم بالفرح السماوى الذى يسكبه روح الله القدوس على النفس التى تنشغل بعُرسها السماوى. أما الأشرار إذ يحرمون أنفسهم من الحياة الكنسية السماوية، فلا يتمتعون بالشركة مع العريس السماوى، بل يسمعون الصوت النبوى: "لا سلام قال الرب للأشرار" (إش48: 22).

إذ يرفع المؤمن قلبه إلى السماء لن يرى ملاكاً مضطرباً، أو فى خصومة مع آخر بل يعيش الكل معاً فى سلام فائق. هكذا يتشبه بهم، فلا يسمح لقلق ما أو غضب أن يتسلل إلى قلبه أو فكره. بهذا يتأهل للعرس السماوى. يقول القديس يوحنا الذهبى الفم [الفرح الحقيقى هو فرح الحياة الأخرى، حيث لا تتعذب النفس وتتمزق بالشهوة ([104])]. [ "نحن الذين لنا باكورة الروح، نحن أنفسنا أيضاً نئن فى أنفسنا متوقعين التبنى فداء أجسادناً" (رو8: 23). لأن من لديه هذا الاشتياق لا يمكنه أن ينتفخ بالأمور الصالحة التى تخص هذه الحياة، ولا أن يرتبك بأحزانها، كما لو كان يسكن فى السماوات عينها، ومتحرراً من كل نوع من الاضطراب ([105])].

ثانياً: الحياة المتواضعة كسلم للسماء. تنطلق نفوس المؤمنين الحقيقيين نحو السماء يوماً فيوماً بروح التواضع ليلتقوا مع عريسهم المتواضع، القائل: "تعلموا منى لأنى وديع ومتواضع القلب، فتجدوا راحة لنفوسكم" (مت11: 29). يشجعنا القديس جيروم على الجهاد لنوال مجد أعظم فى الحياة الأبدية كبيت الزوجية السماوى بالتواضع، قائلاً: [لو أننا جميعاً نكون متساوين فى السماء، فباطلاً نتواضع هنا لنصير عظماء هناك ([106])]. ويقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [هذا هو ملخص خلاصنا: ذاك الذى يطلب هذه الفضيلة (التواضع)، فإنه وإن كان فى شباك الجسد يقدر أن ينافس القوى غير المادية، وأن يتحرر من أى التصاق بالحياة الحاضرة... فمن يحمل نير المسيح ويتعلم أن يكون وديعاً ومتواضع القلب يقتفى آثار السيد، ويعلن كل فضيلة فى كل طريق ([107])]. كما يقول: [إذا كانت خطية التبرج استلزمت عقاب النساء العالميات فى زمن العبرانيين وتحت الناموس القديم (إش3: 16)، فماذا نقول عن النساء اللواتى يتبعن ناموس النعمة وهن من أهل مدينة السماء، والمفروض فيهن تقليد عيشة الملائكة؟ ([108])].

ثالثاً: الالتزام بروح المسئولية فى كل ما نؤتمن عليه. حياتنا هى مدرسة إلهية خلالها نتعلم ونتدرب على الحياة السماوية الجادة فى كل اتجاهات حياتنا، كعروس سماوية.

يقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [يليق بنا أن نُظهر ضبطاً للنفس بصورة أعظم لنقترب إلى مثل هذه المائدة، مهتمين بالروحيات، وحاسبين الأمور الملموسة أموراً ثانوية بالنسبة لها ([109])].

كما يقول: [أريدكم أن تحفظوا أذهانكم فى هذه الأمور على الدوام (كو3: 1). فإن اهتمامنا بها يحررنا من الأرض، وينقلنا إلى السماء ([110])]. وأيضاً يقول: [من الممكن حتى ونحن نسكن هنا أن نفعل كل شئ، كما لو كنا قاطنين سلفاً فى الأعالى ([111])].

رابعاً: إدراك من هما طرفى المعركة الروحية. إذ نُدعى للعرس السماوى لنذكر ما قيل عن عريسنا السماوى: "تقلد سيفك على فخذك أيها الجبار جلالك وبهاءك" (مز45: 3).

إن معركتنا مع إبليس فى الواقع طرفاها هما الله السماوى وإبليس المنحدر إلى الجحيم. الله فى حبه للإنسان يريد أن يرفعه إلى سماواته، واهباً إياه قوة الغلبة والنصرة كجندى صالح (2تى2: 3). ومن جهة أخرى فإن إبليس بروح الحسد يبذل كل جهد ليُحطم الإنسان حتى لا يشتهى السماء، ويحطم رجاءه فيها، مستخدماً كل وسيلة ليستعبده ويسحبه إلى نيران جهنم الأبدية. يقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [انظروا كيف وضع الشيطان نفسه فى صف ضد الله؟! أو بالأحرى ليس ضد الله غير المحتجب، بل ضد الله المحتجب فى طبيعة الإنسان ([112])].

خامساً: الإلتزم بحياة الصلاة والتسبيح: يليق بالمؤمن أن يكون على علاقة دائماً مع عريس نفسه، أينما وُجد. يقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [تستطيع أن تضبط أفكارك وتسبح الله دون أن يسمعك آخر، حتى إن كنت فى السوق. فقد صلى موسى هكذا وسُمع له، إذ قال الرب: "لماذا تصرخ إلىّ؟" (خر14: 15) مع أنه لم ينطق بشئ، وإنما صرخ فى فكره بقلب منسحق، حيث سمعه الله وحده، فليس ثمة ما يمنع من أن يصلى الإنسان وهو يسير فى الطريق، فيسكن فى الأعالى ([113])].

كما يقول: [لا شئ يعطى للنفس أجنحة، وينزعها عن الأرض، ويخلصها من رباطات الجسد، ويعلمها احتقار الأمور الزمنية مثل التسبيح بالنغمات الموزونة].

سادساً: حفظ الأعياد بفكر روحى: نحسب يوم الرب كعيد أسبوعى، نلتصق فيه بعريسنا بقوة لنكمل بقية أيام حياتنا كما فى عيد لا ينقطع. كان كل يهودى يلتزم أن يحتفل بالسبت كيوم الرب.

وكما يقول القديس يوحنا الذهبى الفم إن السبت كان عند كثيرين منهم هو مجرد امتناع عن العمل، لكى يدرك المؤمن أنه قد تحرر من عمل العبودية الذى عاناه الشعب قديماً فى مصر، أى انسحاب من عمل اللبن الذى كان نوعاً من الإذلال، أو هو خروج مستمر للانطلاق من العبودية إلى أرض الموعد. أما السبت الجديد عند المسيحى فهو دخول إلى أرض الموعد للتمتع بالعرس والتنعم بالمواعيد الإلهية. إنه ليس توقفاً عن عمل العبودية فحسب، وإنما هو تمتع بقوة القيامة مع المسيح وممارسة العمل الروحى المفرح فى أرض كنعان.

يقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [يلزمنا ليس فقط أن نخلص من مصر (رمزياً)، وإنما أن ندخل أرض الموعد ([114])]. [الحياة بالنسبة للمسيحيين هى عيد متواصل ([115])].

سابعاً: العبادة الكنسية بفكر روحى: إن كان الإنسان الكنسى الحقيقى يعيش فى سبت دائم أو فى عيد سماوى مستمر، فمن جانب آخر، فإن شركته فى العبادة الكنسية تدخل به إلى خبرة الحياة السماوية. هذه الخبرة وإن تذوقها بالأكثر أثناء القداس الإلهى، لكنها تمتد كل أيام حياته. يقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [أقام الله رأساً واحدا للملائكة والناس. بتجسده جمع البشر أعضاء فيه، وبكونه كلمة الله جمع الملائكة خلال هذا الرأس الواحد... إذن لنتمثل بحياة الملائكة وفضائلهم ونهتدى بهم ([116])].

ثامناً: احتمال الأحزان الحاضرة من أجل المسيح السماوى: يقول الرسول بولس: "فلنخرج إذاً إليه خارج المحلة حاملين عاره" (عب13: 13). يقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [ستكون أحزاننا الحاضرة تافهة ومستقبلنا مجيداً إن حوّلنا نظرنا عن المنظورات، وركزنا على الروحيات عوضاً عنها. أى عذر نقدمه إن اخترنا الأمور الوقتية عوض الأبدية؟ حتى إن كان الحاضر فيه متعة، فإنه لن يدوم، بينما الحزن الذى يسببه يدوم. لا يمكن للذين يتمتعون بعطية عظمية هكذا أن يتذللوا ويسقطوا أمام أمور هذه الأرض ([117])]. كما يقول: [تأملوا أيها الأحبار الأعزاء متاعب الحياة، حتى إن كانت قاسية، فإنها لمدة قصيرة الأمد، أما الصالحات التى تحلّ بنا فى الحياة العتيدة فهى أبدية وباقية... لهذا ليتنا نحتمل ما يعبر دون شكوى، ولا نكف عن الجهاد فى الفضيلة حتى نتمتع بالصالحات الأبدية والباقية إلى الأبد ([118])].

تاسعاً: حفظ بتولية القلب: يقول الأب قيصريوس أسقف آرل: [تُعرف نفوس كل الرجال والنساء أنها عروس المسيح، إن كانوا راغبين فى حفظ الطهارة الجسدية وبتولية القلب. إذ يُفهم المسيح أنه عريس نفوسهم وليس أجسادهم البشرية ([119])].


[104] [] In 1 Tim hom 2. (ترجمة سعاد سوريال المحامية).

[105] [] In Matt. Hom. 7: 19.

[106] [] Adv Jovan 33: 2.

[107] [] Baptismal Instructions, 30: 1, 31.

[108] [] فى الكهنوت، أحاديث عن الزواج والرسائل إلى أولمبياس تعريب الأسقف استفانوس حداد، 1982، ص225.

[109] [] In Matt. Hom. 4: 49.

[110] [] Baptismal Instructions, 14: 7.

[111] [] In Matt. Hom. , 7: 19.

[112] [] In Matt. Hom. , 1: 2.

[113] [] St. Chrysostom: In Colos. Hom 9.

[114] [] In Matt. Hom. , 4: 39.

[115] [] In 1 Cor. Hom. , 3: 15.

[116] [] In Eph. Hom. 1.

[117] [] In 2 Cor. Hom. 3: 9.

[118] [] Homily on Genesis 24: 25 (FC 143: 82).

[119] [] Sermon 4: 155, On the Ten Virgins.

كيف تهلل القديس يوحنا المعمدان بالكنيسة عروس المسيح؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

كيف تهلل القديس يوحنا المعمدان بالكنيسة عروس المسيح؟

تقدم بعض تلاميذ يوحنا الذين فى محبتهم لمعلمهم وغيرتهم إليه "جاءوا إلى يوحنا وقالوا له: يا معلم، هوذا الذى كان معك فى عبر الأردن، الذى أنت قد شهدت له هو يعمد، والجميع يأتون إليه" (يو3: 26). ظنوا أن ممارسة تلاميذ المسيح للمعمودية إهانة لمعمودية يوحنا، كما لو وجدت منافسة بين الفريقين. لم يرتبك يوحنا ولا اضطرب، بل بروح الفرح والتهليل أعلن أن ما يمارسه يسوع المسيح إنما هو من السماء. لقد وجد الفرصة سانحة لتأكيد وتوضيح شهادته للسيد المسيح ولعروسه الكنيسة.

أجابهم القديس يوحنا: "من له العروس فهو العريس، وأما صديق العريس الذى يقف ويسمعه، فيفرح فرحاً من أجل صوت العريس. إذاً فرحى هذا قد كمل" (يو3: 29). تهلل القديس يوحنا المعمدان لأن العروس تعرفت على عريسها والتصقت به. يعلن القديس يوحنا المعمدان فرحه بمجئ العريس الإلهى والتصاق العروس به، وهو فى هذا يعَّبر عن مشاعر رجال الله فى العهد القديم نحو العُرس. يعبر القديس غريغوريوس أسقف نيصص فى تفسيره نشيد الأناشيد عن هذه الحقيقة، فيقول: [إن الذين يخدمون الخطيبة البكر ويلازمونها هم البطاركة والأنبياء ومعلمى الناموس. إنهم يقدمون للعروس هدايا العرس، كما كانت. (من أمثلة هذه الهدايا: غفران المعاصى، ونسيان الأعمال الشريرة، وغسل الخطايا، وتغيير الطبيعة، أى تصير الطبيعة الفاسدة طاهرة، والتمتع بالفردوس وكرامة ملكوت الله، والفرح اللانهائى). عندما تتقبل العروس كل هذه الهدايا من النبلاء الحاملين لها والذين يقدمونها خلال تعاليمهم النبوية حينئذ تعترف باشتياقاتها، ثم تسرع لتتمتع بامتياز جمال الواحد طالما اشتاقت إليه. يصغى خدام البتول ومرافقوها إليها ويحثونها بالأكثر لاشتياق متزايد. ثم يصل العريس قائداً جوقة من المغنين فيما بينهم أصدقاؤه والذين يترجون خيره. هؤلاء يمثلون الأرواح الخادمة التى تنقذ البشر الأطهار. عند سماعهم صوت العريس يفرحون (يو3: 29)، إذ يتحقق الاتحاد الطاهر وتصير النفس الملتصقة بالرب روحاً واحداً معه كما يقول الرسول (1كو6: 17) ([103])]. يقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [كأن يوحنا المعمدان قال: إننى كنت أتألم كثيراً لو لم يحدث هذا. لو كانت العروس لم تتقدم إلى عريسها، لكنت أتوجع وأغتم، لكننى لست أغتم الان إذ كملت آمالى، وقد تحقق كل ما تمنيناه وقد عرفت العروس عريسها، وأنتم شهدتم بذلك، وإذ رأيت هذا المطلب قد تحقق لذلك أسرّ وأبتهج].


[103] [] نشيد الأناشيد للقديس غريغوريوس أسقف نيصص، تعريب الدكتور جورج نوار، 1993، عظة 1.

ما هو الغنى الذى تشتهيه العروس السماوية؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو الغنى الذى تشتهيه العروس السماوية؟

يقدم لنا القديس يوحنا الذهبى الفم صورة عجيبة من الغنى الفريد الذى يقدمه الله للمؤمن، فإن الله السماوى فى حبه للإنسان عهد إليه بأعمال فائقة، ليؤهله للحياة السماوية. فما هو هذا الغنى الذى يقدمه العريس السماوى لعروسه؟

أ. صنع لنا جسداً من التراب، ووهبنا بروحه القدوس أن نسموا به إلى السماء.

ب. وهبنا جسداً جميلاً، وأوكل إلينا أن نصنع بروحه القدوس نفساً جميلة.

ج. سمح بوجود الشيطان، ووهبنا أن نسخر به كعصفور لا حول له ولا قوة.

د. أوقد مصابيح السماء، وها هو يوكل إلينا أن نقدم نور معرفته لإخوتنا.

ﻫ. خلق الطغمات السمائية المُمجدة ووهبنا أن نكون شركاء طبيعتة الأمر الذى يدهش السمائيين.

و. أعطانا أن نتناول جسده ودمه ونصير واحداً معه.

ما هو الغنى الكنسى السماوى؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو الغنى الكنسى السماوى؟

افتقر المسيح الغنى، لكى بالفقر ننعم به فيكون هو نفسه كنزنا. كثيراً ما يتعلق قلب الإنسان بالغنى ويتجاهل واهب الغنى، فنشبه أطفالاً يرتبطون باللعب التى يقدمها الآباء والأمهات ويتجاهلون مقدميها، لذا كثيراً ما تُنزع منهم هذه اللعب لا لكى يُحرموا منها، وإنما لكى تتعلق قلوبهم بمن يحبونهم. يقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [إننا نشبه طفلاً يملك لعبة لا تفيده شيئاً، ومع ذلك يفضلها عن أشياء أخرى هامة، فينتزعها عنه والده ولو رغماً عنه لكى يوجه فكره إلى عمل جاد. هكذا هو تصرّف الله معنا لكى يقودنا إلى السماء ([101])]. [أنت هنا لست مالكاً، لأنه بمجرد موتك، إن أردت أو لم ترد، سيأخذ آخرون خيراتك، وبدورهم يسلمونها لآخرين ([102])].


[101] [] In 1 Tim. Hom 1. (ترجمة سعاد سوريال المحامية).

[102] [] In 1 Tim hom 11. (ترجمة سعاد سوريال المحامية).

هل نتحدث بلغة الكنيسة العروس السماوية؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل نتحدث بلغة الكنيسة العروس السماوية؟

الإنسان الكنسى ليس فقط من يتعرف على العبادة الكنسية الجماعية والقوانين الكنسية والتاريخ الكنسى، وإنما يعرف لغة الكنيسة العروس السماوية ويمارسها، كما يعرف إنجيلها وحياتها السماوية. الحب العملى هو لغة السماء، وكما يقول القديس يوحنا الذهبى الفم إن الحب لله وللقريب، هو جواز سفر به يعبر الإنسان خلال كل أبواب السماء دون عائق. هو ثوب العرس الملوكى السماوى، الذى به يدخل المؤمن السماء كعروس سماوية تبلغ إلى العرش الإلهى لتجد الملك يمد لها قضيب الملك كما حدث مع استير الملكة. فتجلس عن يمين الملك السماوى، وهناك تستقر! الحب هو قانون السماء، ولغة التفاهم فيها. من يسلك بالحب، يتشبه بالله السماوى، فهو "الحب" عينه (1يو4: 8). إذ يتحدث القديس يوحنا الذهبى الفم عن الحب خاصة محبة الأعداء كأعلى درجات الفضيلة السماوية يقول: [أرأيتم كيف يصعدنا السيد خطوة خطوة إلى مداخل السماء؟! (مت5: 46) ([95])] وإذ يتحدث عن محبة العطاء، يرفع أنظارنا إلى السماء والسماوى، فيقول: [أدع يسوع إلى وجبة (طعامك) ([96])]. [هذا يجعلنا نصير متشبهين بالله: الرحمة والرأفة ([97])].

كلما كان أخونا متواضعاً يأتى المسيح خلاله ويفتقدنا. لأن من يستضيف إنساناً عظيماً غالباً ما يفعل هذا عن مجد باطل... ليتنا لا نطلب القادرين أن يكافئونا، بل نتبع القول: "فيكون لك الطوبى إذ ليس لهم حتى يكافئونك". ليتنا لا نضطرب حينما لا يُرد لنا اللطف باللطف، لأننا إن تقبلناه من الناس لا ننال ما هو أكثر، أما إذا لم يُرد لنا من البشر فالله يرده لنا. يليق بك أن تستقبل (الفقراء) فى أفضل حجراتك، فإن أحجمت عن هذا، فلا أقل من أن تتقبل المسيح فى الحجرات الدنيا حيث يوجد الذين يقومون لك بالأعمال الحقيرة والخدم. ليكن الفقير على الأقل حافظاً بابك، لأنه حيث توجد الصدقة لا يقدر الشيطان أن يقتحمه ويدخل. إن لم تجلس معهم فعلى الأقل أرسل لهم الأطباق من مائدتك ([98])]. [إن كنا نخجل من هؤلاء الذين لا يخجل منهم المسيح، فنحن نخجل من المسيح نفسه بخجلنا من أصدقائه. لتملأ مائدتك من العرج والمشوهين، فإن المسيح يأتيك خلالهم، لا خلال الأغنياء ([99])]. [الصدقة أعظم من الذبيحة... إنها تفتح السماوات! فقد قيل: "صلواتك وصدقاتك صعدت تذكاراً أمام الله" (أع10: 4). إنها أكثر أهمية من البتولية، فقد طُردت عذارى خارج حجال العرس (بعدم الصدقة) بينما دخلت عذارى أخريات داخلاً ([100])].


[95] [] In Matt. Hom. 8: 18.

[96] [] In 1 Cor. Hom. , 5: 27.

[97] [] In 2 Tim. Hom. 5: 6.

[98] [] In Acts hom 45.

[99] [] In 1 Thess. Hom. 11.

[100] [] In Luc Ser 81.

ما هو دورنا للاستعداد للعريس السماوى؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو دورنا للاستعداد للعريس السماوى؟

يعيش المؤمن كل أيام غربته يتهيأ للعرس الأبدى، سواء فى مفاهيمه الإيمانية أو العبادة الجماعية أو الشخصية أو جهاده الروحى أو شركته مع السمائيين أوعلاقته بإخوته. [كما أن (قيامة السيد المسيح) حطّمت أبواب الجحيم، وفتحت أبواب السماوات، وقدّمت مدخلاً جديداً للفردوس، وهدمت حصون الشيّاطين، فلا عجب إن تغلّبت أيضاً على المواد السامة والحيوانات الكاسرة، وما شابهها ([94])].


[94] [] In Matt. Hom 7: 54.

هل الكنيسة عروس سماوية أم مؤسسة اجتماعية؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل الكنيسة عروس سماوية أم مؤسسة اجتماعية؟

يرى القديس يوحنا الذهبى الفم أن الكنيسة هى العروس موضوع حب عريسها السماوى المتهلل بها، يبذل حياته ليفتديها. ينزل إليها ليحملها معه إلى سماواته. تجسد وتأنس لكى تنعم بنعمته، فتتمتع بالشركة فى سماته الفائقة. إنها العروس السماوية الفريدة! لا تدخل فى منافسة مع العالم بمؤسساته المختلفة، وفى نفس الوقت لا تقاوم هذه المؤسسات ولا تستخف بها ولا برسالتها، لكنها كعريسها السماوى تطلب أن تغسل أقدام العاملين فيها بروح الحب والقداسة والتواضع.

سرّ القوة فى حياة المؤمن الحقيقى أنه وهو يتحدث بلغة الواقع الذى نعيشه فى العالم، يرتبط بالواقع العملى الذى نعيشه مع الله ومع جميع السمائيين أبدياً، لكن بلا ازدواجية. فالكنيسة هنا على الأرض فى نظره هى "أيقونة السماء"، حياته هى عربون الحياة السماوية، تهب النفس فرحاً هو عربون السماء. يقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [الكنيسة سماوية! إنها ليست إلاّ السماء ([86])].

[لتكن نفوسنا سماءً... أقصد نتمثل ببولس الذى وهو على الأرض يقضى حياته فى السماء! لنعجب إلى أين رفع الكنيسة؟... أقامها فى الأعالى، وأجلسها على عرش سام، لأنه حيث يكون الرأس هناك يوجد الجسد أيضاً. لا توجد عزلة بينهما، وإلا فلا يعود الجسد جسداً ([87])].

[فى استطاعتنا – إن أردنا – ألا نكون فى الجسد، ولا على الأرض، بل نكون فى الروح، فى السماء. لندخل إلى نفوسنا... إلى السماء، فى الروح! لنمكث فى سلام الله ونعمته، ولنتحرر من الجسديات، فننعم بالصالحات فى المسيح ربنا ([88])]. [يليق بكم وأنتم خارجون من هذا الموضع أن تعلنوا عنه أنه موضع مقدس. تخرجون كأُناسٍ نازلين من السماء عينها، ممتلئين وقاراً وحكمة، ناطقين وعاملين كل شئ بلياقة ([89])]. [تأملوا هذا التقدم العجيب! إنه يرسل ملائكة إلى البشر، ويقود الناس إلى السماويات. هوذا سماء تقام على الأرض لكى تلتزم السماء بقبول الأرضيين ([90])].

[انظروا كيف انطلق بأحاسيسهم إلى السماويات. لأنه كما قلت، إذ يكرر دائماً أن لهم ما للمسيح، وفى كل رسائله يركز على هذا الأمر، ليوضح أنهم شركاء فى كل شئ مع المسيح، لهذا يستخدم الألفاظ رأس وجسد، ويبذل كل ما فى وسعه ليقدم لهم (هذا المعنى) ([91])]. [حين رُفع جسده إلى الأعالى ظهرت الأمور التى فى السماء. يليق بنا أن يكون فكرنا ورجاؤنا وتوقعاتنا هناك (فى السماء) لئلا نفشل ([92])]. [ليس شئ مستقر مثل الكنيسة، إنها خلاصكم وملجأكم! عالية أعلى من السماوات، وقريبة أقرب من الأرض. لا تشيخ، بل تبقى مزدهرة دائماً... آلاف الأسماء تحاول أن تعبّر عن سموها، كما يُلقب الرب بأسماء كثيرة... إنها عروس فى وقت ما، وابنة فى وقت آخر، عذراء وأمة وأيضاً ملكة ([93])].


[86] [] In Hebr. Hom 3: 14.

[87] [] In Eph. Hom. 3.

[88] [] In Eph. Hom. 5.

[89] [] To those who had not Attended the Assembly.

[90] [] Sunday Sermons of the Great Fathers, vol. 1, p. 113.

[91] [] Homilies on Col. , Hom. 7.

[92] [] In Hebr. Hom 1: 7.

[93] [] P. G. 402: 52.

الكنيسة عروس المسيح

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

الكنيسة عروس المسيح

تبنّى الآباء السكندريون بالأخص أوريجينوس، فى تفسيره سفر نشيد الأناشيد، هذا المفهوم الإنجيلى للكنيسة كعروسٍ سماوية للمسيح، إذ وجدوا فيه أساساً صادقاً للعلاقة بين الله والإنسان.

يقول ر. ب. لاوسون: "تبدو الصورة الرائعة التى رسمها السكندرى العظيم لكنيسته المحبوبة نابضة بالحياة، وغنية بالألوان. أفليس من العجيب أن (الكنيسة)، بالنسبة للكثيرين فى هذه الأيام، لا تمثل أكثر من هيئه، على خلاف ما تمثلته فى ذهن أوريجينوس كعروس سرّية لربنا ومخلصنا ([84])".

يقول أوريجينوس: [لا تظن أن العروس، أى الكنيسة، لم توجد إلا بعد قيامة المخلص، فهى موجودة قبل تأسيس العالم (أف1: 4)، أى أن أساسات الكنيسة قد أرسيت منذ البدء ([85])].


[84] [] R. P. Lawson: Origen, The Song of Song, Commentary and Homilies, 7.

[85] [] Comm. On Cant. 8: 11 (ACW 149: 26; tr. R. P. Lawson).

ماذا يعنى الرسول بقوله: “ليظهر الآن أمام وجه الله من أجلنا” (عب24:9)؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ماذا يعنى الرسول بقوله: "ليظهر الآن أمام وجه الله من أجلنا" (عب9: 24)؟

يقول القديس كيرلس الكبير:

[فبأى معنى يظهر الآن أمام وجه الله من أجلنا؟ ألم يكن دائماً ظاهراً أمام الله من قبل تأنسه؟ من الواضح أنه كان كذلك، فهو حكمة الله الخالقة التى بها خرجت جميع الأشياء من العدم إلى الوجود، والتى كانت "كل يوم لذّته فرحة دائماً قدام الله" (أم8: 30). وأما الآن (فالجديد فى الأمر) أنه يظهر أمام الله ليس بعد بصفته اللوغوس المجرد وغير المتجسد، كما كان منذ البدء، بل فى شكلنا نحن وفى طبيعتنا نحن، فلذلك نقول إنه يظهر الآن من أجلنا فى حضرة الله الآب ليقدم طبيعتنا نحن، تلك التى بالحق صارت مطروحة من أمام الله بسبب مخالفة آدم. فنحن إذن الذين يُحضرنا أمام عينى الآب – فى شخصه هو كبدء لنا بصفته قد صار إنساناً – لكى يقربنا إلى الآب، ويعتقنا من العلل القديمة ويغيّر أعماقنا بالروح لتجديد الحياة حتى نُحسب مستحقين أيضاً لمعاينة الله الآب بصفتنا قد ارتقينا إلى طقس البنين ([82])].

يقول الرسول: "وأما رأس الكلام فهو أن لنا رئيس كهنة مثل هذا قد جلس عن يمين عرش العظمة فى السماوات خادماً (أى مقدماً الليتورجية) للأقداس والمسكن الحقيقى. الذى نصبه الرب لا إنسان... وقد حصل على خدمة (ليتورجية) أفضل من هرون" (عب8: 1 - 6).

كان هرون يخدم فى البرية وكانت مناسبة للناموس. أما المسكن الذى يناسب المسيح فهو المدينة البهيَّة التى من فوق أى السماء عينها التى هى الخيمة الإلهية غير المصنوعة بمهارة بشرية، ولكنها إلهية وفائقة. أما واقع خدمته الليتورجية فهى تقديس المؤمنين به بروحه القدوس وتقريبهم للآب كذبائح ماتوا عن العالم ويعيشون بالروح، هذه الخدمة اللائقة به ([83]).


[82] [] تفسير الرسالة إلى العبرانيين 9: 24. PG 985: 74.

[83] [] للاستزادة راجع دير القديس الأنبا مقار: حياة المسيح المقدسة وآلامه وموته وقيامته وصعوده وكهنوته السماوى من أجلنا بحسب تعليم القديسين أثناسيوس الرسولى وكيرلس الكبير، 1994.

ماذا يعنى الرسول بقوله: “رسول اعترافنا” (عب2:3)؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ماذا يعنى الرسول بقوله: "رسول اعترافنا" (عب3: 2) ([77]

يرى القديس كيرلس الكبير ماذا كانت غاية صلوات السيد المسيح فى حياته على الأرض، [إنه يستميل بذلك أذن الآب لصراخ الطبيعة البشرية]. وأيضاً [ونحن الذين كنا فيه نصلى وبصراخ شديد ودموع ([78])].

يرى فى الآية "رسول اعترافنا" (عب3: 1) أن السيد المسيح كرئيس كهنته صعد كمُرسل عن البشرية كلها ليمثلها لدى الله الآب (عب6: 20؛ 9: 24). لقد حمل فى نفسه اعترافنا أى إقرارنا بالإيمان وجميع أنواع عبادتنا ووحّدها بذبيحة نفسه ليعطيها قيمة لا نهائية، وصعد بها كرئيس كهنة ليقدمها بالنيابة عنا لدى الآب.

[لما صار إنساناً. بحسب قول يوحنا إن الكلمة صار جسدا (يو1: 14) – حينئذ جُعل رسولاً من أجلنا ورئيس كهنة لاعترافنا، ليدفع إلى الآب اعترافنا بالإيمان ([79])]. [فإننا نقول إن الكلمة الذى من الله الآب لما صار إنساناً، صار يُقدم إلى نفسه وإلى أبيه بالإيمان ([80])].

ويفسر القديس كيرلس الكبير العبارة:

"الحق الحق أقول لكم، إن كل ما طلبتم من الآب باسمى يعطيكم" (يو16: 23)، أن السيد المسيح يؤكد لهم أن ما يطلبونه من الآب باسمه ينالونه [لأن المسيح نفسه سيكون وسيطاً وساعياً معهم ليقدمهم إلى حضرة الآب، هذا هو معنى عبارة "باسمى". لأننا لا نستطيع أن نتقدم إلى الآب إلا بالابن وحده، لأن به لنا القدوم بروح احد إلى الآب (أف2: 18). ولذلك أيضاً هو نفسه قال: "أنا هو الباب... أنا هو الطريق... ليس أحد يأتى إلى الآب إلا بى" (يو10: 9؛ 14: 6)... هذا الأمر لم يختبره رجال العهد القديم لأنه لم يفكر أحد منهم فى هذا النوع من الصلاة، بسبب عدم المعرفة. وأما الآن فقد أعلن لنا بواسطة المسيح فى الوقت المناسب، بعد أن أشرق علينا زمان التجديد وتحقق لنا بواسطة كمال كل صلاح ([81]).


[78] [] الإيمان القويم إلى الملكات 40. PG 973: 74.

[79] [] الكنز فى الثالوث 21. PG 361: 75.

[80] [] ضد نسطور 3: 1.

[81] [] تفسير يوحنا 16: 23 - 24. PG 460: 74 - 461.