لماذا لا تُعاد المعمودية؟
لأن المعمودية هى ميلاد جديد روحانى، فكما يُولد المرء جسدياً مرة واحدة، هكذا يكون ميلاده الروحى، وإن سقط فى خطايا يمارس التوبة التى تُدعى ميلاداً جديداً.
نحو حفظ حقيقي للتراث القبطي الأرثوذكسي القديم والمعاصر
لأن المعمودية هى ميلاد جديد روحانى، فكما يُولد المرء جسدياً مرة واحدة، هكذا يكون ميلاده الروحى، وإن سقط فى خطايا يمارس التوبة التى تُدعى ميلاداً جديداً.
فى الطقس القبطى غالباً ما يقوم الكاهن بنفسه بمساعدة المُعمد فى ارتداء الثوب الأبيض، كما يربط زناراً حول صدرهن ويضع على رأسه إكليلاً ([486]). الثوب الأبيض يشير إلى الطبيعة الجديدة التى وهبت له تحمل نقاوة ملائكية، والزنار يشير إلى ارتباط المعمد بالكنيسة كعضو حىّ فيها، والإكليل علامة الغلبة والنصرة على الشيطان والتمتع بالأمجاد الإلهية.
وفى طقس الكنيسة الأولى، إذ يتناول المعمدون حديثاً، غالباً فى عيد الفصح المجيد، يبقون إلى اليوم الثامن فى محيط الكنيسة بملابسهم البيضاء، وكأنه أسبوع الفرح بميلادهم الروحى الجديد، يسمى "أسبوع الثياب البيضاء".
هذا الطقس لم يتوقف فى الكنيسة القبطية فى بعض بلاد الصعيد، وإن كان قد أهمل تماماً فى البلاد الكبرى خاصة فى الوجه البحرى. وقد احتفظت المخطوطات القديمة وكتب الطقس الحديثة بطقس يمارس فى اليوم الثامن من العماد المقدس، حيث تصلى ليتورجية تسمى "حل الزنار". فى هذه الليتورجية تقدم الكنيسة ذبيحة شكر لله الذى وهب المُعمد هذه النعمة العظيمة، وتطلب له ثباتاً ونمواً فى النعم الإلهية. بعد الصلوات والتسابيح يستحم المعمد فى المياه المُصلى عليها، وفيها يُغسل ثوبه الأبيض والزنار الذى كان مربوطاً به، ثم تلقى المياه فى بحر أو نهر أو حقل طاهر.
اجتذبنى هذا الطقس الجميل والبسيط فى نفس الوقت، ورأيت أن اقدم مقارنة بينه وبين "طقس الحميم" فى اليوم الثامن من ميلاد الطفل جسدياً، الذى وإن كنا نمارسه أحياناً، لكن القراءات الواردة فى الكتب الطقسية الحديثة تختلف عما وردت ببعض المخطوطات. وفى مقارنتى سأعتمد على مخطوط بدير القدريس أنبا أنطونيوس (طقس7)، نُسخ فى 13 توت عام 1372ش (1655م) نقلاً عن مخطوط بمكتبة كنيسة العذراء حارة زويلة تاريخه سنة 1096ش (1379م).
أ. فى اليوم الثامن من ميلاد الطفل جسدياً تقدم الكنيسة ليتورجية "حميم الطفل"، فيه تشكر الله من أجل المولود الجديد ويشترك الكاهن مع الوالدين فى تسمية الطفل. وكأن الكنيسة تمارس أمومتها فى حياة الإنسان منذ نعومة أظفاره حتى قبل نواله سرّ المعمودية، تشكر الله من أجل خلقته وتهتم حتى باختيار الاسم اللائق به. وفى اليوم الثامن من عماده تقدم ذبيحة شكر لله من أجل ميلاده الروحى، ومن أجل دخوله فى العضوية الكنسية بكونه قد صار ابناً لله وعضواً فى جسد السيد المسيح السرى.
ب. فى الطقس الأول يُقرأ البولس بعد صلاة الشكر دون الصلاة بمزمور التوبة (مز50 "51")، أما فى الطقس الثانى فيصلى هذا المزمور. ففى صلاة الحميم تقدم الكنيسة الليتورجية كذبيحة تسبيح وفرح بميلاده تنتظر دخوله إلى مياه المعمودية، أما فى ليتورجية حل الزنار، فانه إذ دخل مياه المعمودية ونال الثوب الأبيض الداخلى يلتزم أن يحافظ على هذه النقاوة خلال أعمال التوبة غير المنقطعة.
ج. فى ليتورجية الحميم تقرأ كلمات الرسول بولس عن ختان الجسد (فى3: 1 - 9) الذى كان يتم فى اليوم الثامن فى العهد القديم، موضحاً إنه يليق بنا ألا نتكل على الجسد وبرّ الناموس بل على الإيمان بالمسيح يسوع برّنا الحقيقى. فإن كنا قد ولدنا حسب الجسد لكننا فى حاجة إلى ولادة روحية جديدة لكى "نعبد الله بالروح ونفتخر فى المسيح يسوع ولا نتكل على الجسد" (فى3: 3). أما فى الطقس الثانى فٌتقرأ كلمات الرسول عن تمتع الشعب بعبور البحر الأحمر تحت السحابة وتناولهم طعاماً واحداً روحياً وشراباً من الصخرة التى هى المسيح (1كو10: 1 - 4). وكأن الكنيسة تعلن للمعمد أنه قد نال ما كان رجال العهد القديم يتمتعون بظلاله خلال الرموز. إنه لم يدخل البحر الأحمر، وإنما دخل المياه المقدسة الشافية، ولم يتحرر من عبودية فرعون، بل من سلطان إبليس، ولم يدخل تحت سحابة بل سكن الروح القدس فيه، ولم يأكل منا، بل تمتع بالمسيح يسوع نفسه المن السماوى!
د. فى الطقس الأول تطلب الكنيسة من الوالدين أن يسبحا الله على عطيته لهما ويقدما النذور الروحية والمحرقات والصلوات التى تسند طفلهما حتى ينمو فى النعمة والقامة: "اذبح لله ذبيحة التسبيح، وأوفي للعلى نذورك. ادخل إلى بيتك بالمحرقات، وأقدم لك الصلوات التى نطقت بها شفتاى" وفى الطقس الثانى يطوب المزمور المُعمد من أجل عطية المغفرة التى نالها فيحافظ عليها: "طوباهم الذين غفرت لهم آثامهم، والذين سُترت خطاياهم. طوبى للرجل الذى لم يحسب له الرب خطيئة ولا وجد فى فمه غش".
ﮪ. فى طقس الحميم يُقرأ فصل الإنجيل الخاص بختان السيد المسيح ودخوله الهيكل محمولاً على يدى سمعان الشيخ، إذ انفتحت عيناه وأدرك الخلاص الذى قدمه الله لجميع الأمم (لو2: 21 - 35). وكأن الكنيسة تؤكد للوالدين ضرورة ختان طفلهما روحياً فى المسيح يسوع، لكى يصير محمولاً على الأذرع الإلهية يتمتع بالسكنى فى هيكل الرب، ويكون سرّ بركة للكثيرين. أما فى طقس حل الزنار فيقرأ الإنجيل الخاص بمعمودية يوحنا (مت3: 1 - 6) الذى هيأ الطريق بالتوبة للرب، لكى يبقى المُعمد فى حالة توبة مستمرة لكيلا يفقد ثمرة المعمودية.
و. فى صلاة الحميم يطلب الكاهن من الله أن يبارك الطفل، وأن يهيئه للعماد المقدس:
[نسأل ونتضرع إلى صلاحك عن عبدك (فلان بن فلان). باركه بكل البركات السمائية، وبارك أيضاً ميلاده، وليطل عمره كنعمتك، حتى ينمو ويكثر ثلاثين وستين ومائة، وليفرح به أبواه ويسرا بميلاده مثل زكريا واليصابات اللذين وهبت لهما يوحنا النبى. وفى الزمن المحدد فليستحق حميم الميلاد الجديد لغفران خطاياه. أعده هيكلاً لروحك القدوس...].
أما فى صلاة حّل الزنار فيشكر الله من أجل سرّ الاستنارة الذى ناله المُعمد، طالباً أن يحفظه إلى الانقضاء فى الإيمان المستقيم، ويؤهله للحياة الأبدية وملكوت السماوات بالمسيح يسوع ربنا.
[أيها السيد الرب إلهنا، مانح السلام والبركة... الذى باركنا وقدسنا وأضاء علينا بنور لاهوته، الذى جعل عبيده مستحقين أن ينالوا النور الذى من فوق، غير الموصوف، الذى لمسيحك يسوع مخلصنا. أنر عليهم بنور البركة، طهرهم، باركهم. جدّدهم بنعمتك من جهة المعمودية التى نالوها بقوة روحك القدوس المحيى... باركهم ببركتك، ثبتهم فى إيمانك الأرثوذكسى إلى الانقضاء. أئت بهم إلى حد القامة والبلوغ. وليكونوا محروسين بين ملائكة صالحين إلى الانقضاء. املأهم من المعرفة ومن كل فهم... اجعلهم مستحقين الحياة الأبدية وملكوت السماوات بالمسيح يسوع ربنا... ".
ز. فى طقس الحميم يُرنم المزموران 148 - 149، ويشترك الطقسان فى الصلاة الربانية وقراءة التحليل ورشم المياه ثم الترنم بالمزمور 150 والختام بالبركة بعد حميم الطفل أو المعمد.
[486] [] للأسف اختفى طقس وضع الإكليل على رأس المعمد، بالرغم من وجوده مطبوعاً حتى فى الكتب الحديثة، مما يدل أنه كان يمارس فى مصر إلى وقت قريب.
بعد الخروج من الماء لم يذكر القديس كيرلس الأورشليمى شيئاً عما ذكره بنجهام ([484]) عن ممارسة المعمدين الجدد قبله السلام وأكلهم خليطاً من اللبن والعسل. لقد ذكر ترتليان ([485]) عادة أكل اللبن المخلوط بالعسل. ولعل أكلهم اللبن يحمل رمزاً للبن التعليم النقى غير الفاسد الذى تقدمه الكنيسة لأولادها خلال إيمانها وطقوسها وعباداتها لنفوسهم. والعسل يشير إلى وصايا المسيح العذبة فى فم أولاده، فهى أحلى من العسل وقطر الشهد.
[484] [] Bingham: Antiq. 4: 12 &5&6.
[485] [] Tert: The Chaplet 3.
يشير هذا الموكب إلى الفرح الروحى بالنصرة على إبليس وقواته، مع الاحتفال بالاستنارة الروحية. كان هذا الموكب له بهجته فى القرون الأولى حيث ينال القادمين إلى الإيمان ويعتمدون فى ليلة عيد القيامة. يا لها من فرحة الشعب كله! يرون بأعينهم كنيسة المسيح التى لا تشيخ، بل ككرمة مخصبة دائمة الأثمار. يرون الثياب البيضاء، فيذكر كل منهم ثوبه المقدس الذى تسلمه يوم عماده، عربوناً للثوب السماوى. وإذ يتطلعون إلى الشموع أو المشاعل ترتفع أنظارهم إلى النور الحقيقى، متذكرين أنهم أبناء نور لا تليق بهم أعمال الظلمة.
لقد وصف لنا الآباء كيف كان الليل يختفى بظلامه أمام كثرة المشاعل والشموع حتى متى أشرقت شمس النهار لا يميز من بداخل الكنيسة الليل من النهار، إذ تكون الكنيسة أشبه بسماء منيرة.
يقول القديس كيرلس الأورشليمى ([483]) إن السماء ذاتها تتهلل، ويردد الملائكة القول: "طوبى للذى غُفر إثمه وسترت خطيته" (مز32: 1). وفى طقس الكنيسة ينشد الشعب: "مستحق (أكسيوس)، مستحق، مستحق" ثم يدخل الكل إلى صفوف المؤمنين، فتمتلئ الكنيسة بهم، ويشترك الكل فى فرحتهم بقيامة السيد المسيح التى وهبت البشرية قوة القيامة.
[483] [] مقال 1.
أُهمل هذا الطقس حالياً، لكنه لازال مطبوعاً فى الكتب الحديثة الخاصة بطقس العماد. ولم يبق سوى شد وسط المُعمد بزنار. يقوم الكاهن بالصلاة على الأكاليل قبل أن يتوج بها رأس المُعمد، قائلاً:
"أيها الرب ضابط الكل أبو ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح، الذى كلل رسله القديسين الأطهار وأنبياءه وشهداءه الذين أرضوه بأكاليل غير مضمحلة، أنت الآن أيضاً بارك هذه الأكاليل التى هيأناها لنلبسها لعبيدك الذين اتحدوا بالعماد المقدس، لكى تكون لهم أكاليل مجد وكرامة. آمين. أكاليل بركة ومجد. آمين. آكاليل فضيلة وبرّ. آمين. أكاليل حكمة وفهم. آمين. قوهم لكى يكملوا وصاياك وأوامرك ويفوزوا بخيرات ملكوت السماوات بالمسيح يسوع ربنا، هذا الذى من قبله المجد...".
وإذ يضع الكاهن الأكاليل على رأس المُعمد بعد أن يشد وسطه بالزنار يقول: ضع أيها السيد الرب الإله على عبيدك أكاليل من السماء. آمين. أكاليل مجد. آمين. أكاليل إيمان غير مغلوب ولا مقاوم. آمين. أكاليل ثبات. آمين. أكاليل عدل. آمين. امنح عبيدك ليكونوا مملوئين من نعمة روحك القدوس، بالرأفات ومحبة البشر اللواتى لابنك الوحيد يسوع المسيح... ".
هنا نتوقف قليلاً لنرى الطقس يقترب تماماً من طقس سرّ الزواج، كما يشد وسط العريس بزنار هكذا أيضاً من نال المعمودية، وكما يكلل العروسان يكلل الذين ينالون هذا السرّ وبصلوات على الأكاليل تكاد تكون واحدة. وكأن الكنيسة ترى فى سرّى العماد والميرون دخول إلى العرس السماوى، فيُشد وسط العريس بالزنار علامة اتحاده الخفى بالعريس وبالكنيسة كعضو حىّ فيها، ويُتوج بالإكاليل مع عروسه لأنهما قد صارا عروس الملك الحقيقى!
إن الإكليل الذى يقدمه لنا الله هو روحه القدوس النارى الذى يهبنا الشركة مع عريسنا، ويقدم لنا سرّ الغلبة والنصرة ضد الخطية، أى يقدم لنا إكليل الحياة الزوجية وإكليل النصرة. يقول القديس كيرلس الأورشليمى: [لقد اشترك (التلاميذ) لا فى النار للاحتراق، بل النار المخلصة، النار التى تحرق الخطيئة وتهب النفس أماناً. هذه تحل عليكم الان وتنزع عنكم خطاياكم، وتحرقها كالشوك فتضئ نفوسكم الثمينة وتنالون نعمة... لقد استقرت على الرسل مثل ألسنة نارية لتتوجهم بأكاليل روحية جديدة فوق رؤوسهم (أع2: 3) ([482])].
[482] [] Cat. Lect. 15: 17.
دعا القديس كيرلس الأورشليمى جرن المعمودية "حجال العريس الداخلى"، فى داخلها يناجى السيد المسيح النفس البشرية. لقد خطبها لنفسه عروساً بعد أن غسلها وألبسها وزينها بجماله فتصير ملكة تحمل بهاء الملك فى داخلها. لهذا إذ تخرج من المياه تلبس الثياب البيضاء البهية، التى هى الحلة الأولى التى قدمها الأب لابنه الراجع إليه (لو15: 22)، لا بمعنى أنه توجد حلة ثانية وثالثة، لكنها دُعيت بالحلة الأولى من أجل بهائها وجمالها ومقامها وقيمتها، إذ هى لباس العُرس الأبدى، بدونها يُطرد المدعوون فلا يتمتعون بشركة عرس ابن الملك (مت22: 13).
يشير الثوب الأبيض إلى انعكاسات إشراقات المجد الإلهى على الإنسان، إذ فى تجلى الرب "صارت ثيابه بيضاء كالنور"، وفى السماء يلبس الأربعة وعشرون قسيساً غير المتجسدين ثياباً بيضاء (رؤ4: 4)، وهكذا جموع الغالبين متسربلون بالثياب البيض (رؤ7: 13)، كما أعطى للشهداء ثياباً بيضاء (رؤ6: 11)، وقد أشار الرب إلى ملاك كنيسة اللاودكيين أى أسقفها أن يتوب ويشترى لنفسه ثياباً بيضاء (رؤ3: 18). اللون الأبيض هو لون الحق الطبيعى كما يقول القديس إكليمنضس ([479])، يشير إلى الحق كما إلى الطهارة والنقاوة والغلبة والنصر ([480]). يقول القديس كيرلس الأورشليمى: [ترقص الملائكة حولكم، قائلة: من هذه الطالعة (بيضاء) مستندة على حبيبها؟! (نش8: 5) ([481])]. فى الطقس القبطى يبدأ الكاهن يُلبس المُعمد ثوبه ويقول: "لباس الحياة الأبدية غير الفاسد. آمين".
[479] [] Clem. Alex: Instructor.
[480] [] للمؤلف: سفر الرؤيا، طبعة 1969، ص99، 100.
[481] [] Cat. Lect. 16: 3.
ذكر القديس كيرلس الأورشليمى مقالاً كاملاً بخصوص "المسحة ([476])" بزيت الميرون، يتم بعد العماد مباشرة كعمل سرى مقدس. إننا نُدعى مسيحيين لأننا ندهن بمسحة الله ([477]). يقول الشهيد كبريانوس: [ينبغى على من اعتمد أن يُمسح لكى يصير بواسطة المسحة ممسوحاً لله ويأخذ نعمة المسيح ([478])].
يدهن الكاهن كل أعضاء الجسم إعلاناً عن تقديس كل الجسد والنفس بسكنى الروح القدس داخلنا، وذلك بعد أن يصلى قائلاً: [ "أيها القادر وحده، صانع جميع العجائب، الذى لا يعسر عليك شئ، لكن إرادتك وقوتك فاعلة فى كل شئ. أنعم بالروح القدس عند نضح الميرون المقدس. ليكن خاتماً محيياً، وثباتاً لعبيدك، بابنك الوحيد يسوع المسيح ربنا، هذا الذى من قبله يليق بك المجد"... وبعد أن يرشم 36 رشماً من أعلى الرأس حتى أخمص القدمين، يضع الكاهن يده عليه ويقول: "تكون مباركاً ببركة السمائيين، وبركة الملائكة. يباركك الرب يسوع المسيح، وباسمه". ثم ينفخ فى وجه وهو يقول: "اقبل الروح القدس، وكن إناء طاهراً من قبل ربنا يسوع المسيح ربنا، هذا الذى له المجد مع أبيه الصالح والروح القدس". هنا نلاحظ فى الطقس القبطى تستخدم المسحة بالميرون المقدس مع وضع اليد للبركة والنفخة فى وجه المُعمد.
[476] [] Myst. Hom. 1: 3.
[477] [] Ad. Antolycum 1.
[478] [] Epis. 2: 70; 9: 73.
يروى لنا القديس أمبروسيوس عن عادة كانت متبعة فى ميلانو دون غيرها، وهى أن الأسقف أو الكاهن الذى يقوم بالعماد يتمنطق بعد أن يتمم العماد ويغسل قدمى المعمد ([475]). وهى عادة غريبة لأن المعمد قد خرج من الجرن طاهراً ولا حاجة له إلى غسل قدميه فى ذلك الوقت. ربما يريد الكاهن أن يُعلن للمعمد أن الكنيسة تبقى تغسل قدميه خلال وجوده فى العالم حتى بعد نواله المعمودية المقدسة.
[475] [] De Sacr. 5: 3; De Myst. 31,32.
بدأت عادة التغطيس بالسيد المسيح نفسه الذى نزل نهر الأردن وصعد منه كقول الكتاب: "فلما اعتمد يسوع صعد للوقت من الماء" (مت3: 16)، وقد مارست الكنيسة فى الشرق والغرب العماد بالتغطيس، وقد بقيت الكنيسة الشرقية هكذا، أما الغربية فحتى أيام الأب توما الأكوينى كانت تمارسه بالتغطيس. لقد دُعيت المعمودية "صبغة" لأن الكلمة اليونانية "Baptizen" تعنى صبغة، والصبغ يتم بتغطيس الشئ تماماً فى مادة الصبغ. هذا والمعمودية فى الحقيقة هى "تجديد"، يتم بالتعرى الكامل عن الإنسان القديم وأعماله، لهذا تمارس المعمودية بالتغطيس حيث يتعرى الإنسان لكى يلبس الإنسان الجديد: [تصبحون عراة مثل آدم فى الفردوس، مع الفرق أن آدم أخطأ، أما المعمودية فيتعرى الإنسان لكى يتحرر من الخطيئة. آدم فقد مجده، أما من يأتى إلى المعمودية فيخلع الإنسان العتيق بسهولة كما يخلع ملابسه ([473])]. بالتغطيس يُغمر الإنسان بالمياه من كل جانب، هكذا يحيط الروح بنفسه من كل جانب بطريقة فائقة!
والتغطيس أيضاً ضرورى، لأن المعمودية هى دفن مع السيد المسيح (رو6: 4؛ كو2: 12).
ولا تزال المعموديات القديمة فى الشرق والغرب تشهد عن العماد بالتغطيس، إذ كانت متسعة بعضها توجد به سلالم ناحية الشرق والغرب حيث ينزل طالب العماد على إحداها ومتمم السر على الأخرى ليضع يده على رأسه أثناء العماد بالتغطيس. والتغطيس ثلاث مرات إنما إعلان عن العماد باسم الثالوث القدوس، كما تشير إلى الدفن مع السيد المسيح ثلاثة أيام ليحمل المعمد قوة القيامة مع السيد المسيح (كو2: 12).
يقول القديس جيروم: [إننا نغطس ثلاث مرات، لكن سرّ الثالوث واحد، لأننا لا نعتمد بأسماء ثلاثة آلهة بل باسم الإله الواحد، ورغم أننا نغطس ثلاث مرات تحت الماء إلا أننا نؤمن بمعمودية واحدة ([474])].
[473] [] St. Chrys: In Col. , hom. 6.
[474] [] تفسير رسالة أفسس 2: 4..