الملكوت

الملكوت

ملكوت الله وملكوت السموات.

فكرة الملكوت فى العهد القديم.

ملكوت المسيح روحى لا مادى.

ما المقصود بملكوت الله؟

أمثال المسيح عن الملكوت ودلالتها:

مثل الزارع.

مثل الزوان والحنطة والشبكة المطروحة فى البحر.

مثلاً حبة الخردل والخميرة.

مثل الفعلة فى الكرم.

مثل العرس والمدعوين.

مثلاً الكنز المخفى فى الحقل واللؤلؤة الكثيرة الثمن.

مثل العذارى.

سعادة الملكوت والحياة الأبدية.

إن التفكير فى السماء والشوق إليها كان وما يزال الفكر المحرّك لكل القديسين ورجال الله فى كل زمان ومكان... ومجرد تذكار أمجادها، وما ينتظر القديسين فيها، يعطى دفعة روحية قوية للمجاهدين، تُنسيهم كل أتعابهم... وقد عبّر القديس بولس الرسول عن هذا الحنين حينما كتب من سجنه فى روما إلى أهل فيلبى يقول: "لى إشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح (فى السماء)، ذاك أفضل جداً" (فى 1: 23)...

هذا ما دفع القديسين إلى احتمال كل ما صادفهم من ضيقات ومصاعب تجلّ عن الوصف – ليس فى صبرٍ فقط، بل بتلذّذ...

«خفة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجد أبدياً. ونحن غير ناظرين إلى الأشياء التى ترى بل إلى التى لا تُرى. لأن التى تُرى وقتية، وأما التى لا تُرى فأبدية» (2كو 4: 17).

، 18)... وقبل بولس بأجيال كثيرة قال المرتل:

«مَن لى فى السماء، ومعك لا أريد شيئاً فى الأرض» (مز 73: 25)).

إن كل مضن عاش على هذه الأرض كغريب وسائح جاعلاً وجهته الأبدية العتيدة، تذّوق مقدماً تلك السعادة الخالدة التى لا توصف...

«ما لم ترَ عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على بال إنسان، ما أعدّه الله للذين يحبونه» (1كو 2: 9)).

إن التفكير فى السماء يقود النفوس فى جهادها لبلوغ حكمة التطويبات إلى ذرى البطولة والكمال... والشوق إلى السماء يحررّ القلب، لا من التعلّق بالأرضيات فحسب، بل ومن كل الميول الأرضية والجسدانية.

لقد صلى الرب يسوع قبيل آلامه...

«أيها الآب، أريد أن هؤلاء الذين أعطيتنى يكونون معى حيث اكون أنا، لينظروا مجدى الذى أعطيتنى لأنك احببتنى قبل إنشاء العالم» (يو 17: 24)).

.. كانت هذه هى شهوة قلب الرب يسوع من جهة أولاده القديسين... ومازال أولاد الله فى كل آن ومكان يعيشون فى غربة حقيقية إلى أن يصلوا وطنهم السماوى...

«فإذاً نحن واثقون كل حين وعالمون أننا ونحن مستوطنون فى الجسد، فنحن متغربون عن الرب... فنثق ونُسَرّ بالأولى أن نتغرّب عن الجسد ونستوطن عند الرب» (2كو 5: 6 - 8)).

ملكوت الله وملكوت السموات:

يفتتح مرقس الإنجيلى بشارته بقوله:

« وبعد ما أُسلٍمَ يوحنا جاء يسوع إلى الجليل يكرز ببشارة ملكوت الله. ويقول قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله، فتوبوا وآمنوا بالإنجيل» (مر 1: 14).

، 15 – انظر مت 4: 17).

ويتكلم متى الإنجيلى عن كرازة يوحنا المعمدان فى برية اليهودية ومناداته قائلاً:

«توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السموات» (مت 3: 2).

؛ 9: 35).

والرب يسوع المسيح منذ بداية خدمته الجهارية إلى أن رُفع على الصليب، استمر يبشرّ بملكوت الله والتحدث عنه بأمثاله وتعاليمه... ولا نكون مبالغين إن قلنا إن حياة السيد المسيح ورسالته التعليمية قد تركزت حول موضوع "الملكوت".

وفى العهد الجديد يقابلنا تعبيران عن الملكوت: ملكوت الله (وباليونانية باسيليا توثيئو Basilea Tou Theou)، وملكوت السموات (وباليونانية باسيليا تون أورانون Basilea Toun Oranoun)...

يقول السيد المسيح له المجد لتلاميذه:

«قد اعطى لكم أن تعرفوا أسرار ملكوت السموات» (مت 13: 11)).

وفى موضع آخر قال لهم:

«لكم قد اعطى أن تعرفوا أسرار ملكوت الله» (لو 8: 10)).

ومرة ثالثة قال للاثنى عشر:

«قد اعطى لكم أن تعرفوا سرّ ملكوت الله» (مر 4: 11)).

.. وفى ورود هذه الصيغة فى الأناجيل الثلاثة يتبين لنا أن "ملكوت الله" و "ملكوت السموات" هما تعبيران لشئ واحد أو مسمّى واحد. فهو "ملكوت السموات" بالنسبة لعرش الله فى هذا الملكوت،.

«فالسماء كرسى الله والأرض موطئ قدميه» (مت 5: 34).

، 35) وهو ملكوت الله على الأرض وحكم السماء فيها. ولعل هذا ما قصد إليه السيد المسيح فى الطلبات الثلاث الأولى فى الصلاة الربّية.

«ليتقدس اسمك. ليأتِ ملكوتكِ. لتكن مشيئتك، كما فى السماء كذلك على الأرض» (مت 6: 9).

، 10).

فى الإنجيل بحسب القديس متى يرد تعبير "ملكوت السموات" حوالى 32 مرة، بينما يرد تعبير "ملكوت الله" ست مرات فقط. وترد كلمة "ملكوت" وحدها خمس مرات... وفى الانجيلين بحسب القديس مرقس والقديس لوقا لا يرد إلاَّ تعبير "ملكوت الله". أما يوحنا فى إنجيله فلا يذكر سوى "ملكوت الله" فى حديث المسيح مع نيقوديموس (يو 3: 3، 5). وفى سفر أعمال الرسل يرد تعبير "ملكوت الله" ست مرات، ولفظ "ملكوت" مرتين.

وفى رسائل القديس بولس يرد تعبير "ملكوت الله" حوالى ثمان مرات... وفى (1كو 15: 24) يذكر بولس أن المسيح يسلّم المُلك لله الآب... وفى (أف 5: 5) يذكر تعبير "ملكوت المسيح والله"، بينما فى (كو 1: 13) يذكر تعبير "ملكوت ابن محبته"... ويذكر لفظ ملكوت مرتبطة بالمسيح مرتين فى (2تى 4: 1، 18). وفى (عب 1: 8) يذكر الرسول الملكوت مرتبطاً بالابن، ويذكر "الملكوت" وحده فى (عب 12: 28).

ويذكر يعقوب الرسول "ملكوت الله" مرة واحدة فى (يع 2: 5). ويذكر القديس بطرس الرسول:

«ملكوت ربنا ومخلصنا يسوع المسيح الأبدى» (2بط 1: 11)).

.. أما فى سفر الرؤيا فيرد تعبير "ملكوت يسوع المسيح" (رؤ 1: 9). وفى (رؤ 11: 15) يقول: "قد صارت ممالك العالم لربنا ومسيحه فسيملك إلى أبد الأبدين". أخيراً فى (رؤ 12: 10) يقول: "الآن صار خلاص إلهنا وقدرته ومُلكه وسلطان مسيحه".

ومما سبق يبرز سؤال: لماذا استخدم القديس متى فى إنجيله تعبير "ملكوت السموات" – لا أقول أكثر مما أورده بقية الإنجيليين – بل أكثر مما جاء فى كل أسفار العهد الجديد؟

معلوم ان متى كتب إنجيله لليهود. ويقول علماء الكتاب المقدس إن اليهود اعتادوا فى عصورهم المتأخرة قبل مجئ المسيح، ألا يستخدموا اسم الجلالة حفظاً وتقديساً له، وتطرّفاً فى فهم الوصية الثالثة من الوصايا العشر.

«لا تنطق باسم الرب إلهك باطلاً» (خر 20: 7)).

وبلغ بهم الأمر أنهم ابعدوا الله بتاتاً عن العالم، ونزّهوه عن الاتصال بكل ما هو مادى. ووضعوا أسماء أخرى لتحل محل اسمه، ينطقون بها عندما يريدون أن يشيروا إليه... والسيد المسيح فى اعترافه أمام رئيس كهنة اليهود، صادق على استخدام لفظ "المبارك" بدلاً من الله، وذلك حينما سأله:

«أأنت المسيح ابن المبارك» (مر 14: 61).

، 62)... وربما يكون السيد المسيح قد اتبع نفس المنهج فى مثل الابن الضال حينما يقول لأبيه:

«أخطأت إلى السماء وقدامك» (لو 15: 21).

، إذ أن كلمة "السماء" استخدمت بديلاً عن اسم الجلالة وهو الله.

نعود إلى كلمة "ملكوت" ونقول إن علماء اللغات يقررون ان الكلمة العبرية والآرامية التى تترجم "ملكوت" تعنى حكم الله وسلطانه... بهذا المعنى وردت فى العهد القديم فى بعض مواضعه. أما فى مواضع أخرى فتشير إلى سلطان الله وحكمه فى جماعة خاصة به دون بقية الشعوب، دخل معها فى عهد مقدس.

لكن متى بدأ ملكوت الله على الأرض؟

بدأ هذا الملكوت بصورة ظاهرة فى دعوة الله لإبراهيم بأن يخرج من أور الكلدانيين، ليكون أباً لجمهور من الأمم... وأخذ صورته الرسمية فى الأمة الإسرائيلية يوم أخذ بيدهم وأصعدهم من أرض مصر ليكونوا له مملكة كهنة وأمة مقدسة (خر 19: 6). ولذلك فحينما كان السيد المسيح يتكلم عن الملكوت أو ملكوت الله أو ملكوت السموات، كان سامعهوه من اليهود يفهمونه... لكن اليهود يفهمون الملكوت بصورة مادية. أما ا لرب يسوع فكان يقصد إلى ناحية خالصة.

وليس هذا فحسب، بل إن اليهود قصروا الملكوت والتمتع بامتيازاته على نسل إبراهيم حسب الجسد، أما الأمم فقد اقفلوا الباب أمامهم... ولذا فقد كانت صدمتهم شديدة حينما امتدح السيد المسيح إيمان قائد المائة الأممى الذى شفى غلامه بقوله:

«الحق أقول لكم، لم أجد ولا فى إسرائيل إيماناً بمقدار هذا. وأقول لكم إن كثيرين سيأتون من المشارق والمغارب ويتكئون مع إبراهيم وإسحق ويعقوب فى ملكوت السموات. وأما بنو الملكوت فيطرحون إلى الظلمة الخارجية» (مت 8: 10 - 12)).

فكرة الملكوت فى العهد القديم:

كلمة "ملكوت" هى نفس الكلمة بنطقها فى اللغة العبرية Malekuth، وتعنى مملكة أو حكم... وترد كلمة ملكوت واحد وتسعين مرة فى العهد القديم. وأول ما وردت فى (عدد 24: 7)... على أن كلمة "مملكة أو ملكوت" لها أكثر من معنى فى العهد القديم. لكن ما يهمنا هنا هو انها تعنى إسرائيل كمملكة الله أو ملكوت الله.

« وأنتم تكونون لى مملكة كهنة وأمة مقدسة» (خر 19: 6)).

.. ومن خلال داود حَكَم الله شعبه المختار.

« ويَأمَنْ بيتك ومملكتك إلى الأبد أمامك. كرسيك يكون ثابتاً إلى الأبد» (2صم 7: 16)).

وقال داود: "لك يا رب العظمة والجبروت والجلال والبهاء والمجد، لأنه لك كل ما فى السماء والأرض. لك يا رب المُلك وقد ارتفعت رأساً على الجميع" (1أى 29: 11).

كان مفهوم اليهود أن "يهوه" هو الذى يملك على إسرائيل...

«قال لهم جدعون لا اتسلط أنا عليكم، ولا يتسلّط ابنى عليكم، الرب يتسلط عليكم» (قض 8: 23)).

.. وقال الرب لصموئيل النبى:

«اسمع صوت الشعب فى كل ما يقولون لك، لأنهم لم يرفضوك أنت بل إياى رفضوا، حتى لا أملك عليهم» (1صم 8: 7)).

كان العقل اليهودى مملوءً لدرجة التشبع بعقيدة مجئ المسيا، حتى أن صلاة اليهود يومياً إلى الله كانت تتضمن فقرة يقولها: "ليملك ملكوته، ليزدهر فداؤه، وليأتِ مسيّا ويخلّص شعبه"... وكانت غالبية اليهود العظمى تعتقد أن عصر المسيّا هو عصر الشبع والبركات المادية...

اعتقد اليهود بحسب تعبير العالم الفريد ادرشَيْم Alfred Edersheim (وهو يهودى متنصر) فى كتابه القيمّ عن حياة المسيّا: [ان الأرض ستخرج من ذاتها أجمل الملابس وأفخرها، وأطيب المأكولات وأشهاها. ينمو القمح حتى يصل إلى ارتفاع النخيل... لا بل إلى قمم الجبال. وعندئذ تحيله الرياح إلى دقيق. ثم يلقى فى الوديان خبزاً ناضجاً شهياً. فى ذلك العصر لن تخيب شجرة، بل لابد أن تحمل ثمرها، وتلقى به كل يوم لتحمل ثمراً جديداً].

كانوا ينتظرون مسياً أو ملكاً مخلصاً يحررهم سياسياً من عبودية الرومان، ويملك ملكاً أرضياً، ويعيد مملكة داود، ويجعل شعب إسرائيل أعظم شعوب الأرض... لكن آمالهم خابت لما رأوا المسيح وديعاً متواضعاً، لا يصيح ولا يسمع أحد فى الشوارع صوته. يعلّم تعليماً ينمّ عن الضعف – فى تصورهم – حينما يقول مَن لطمك على خدّك الأيمن حوّل له الآخر أيضاً!!

لقد امتلأ العهد القديم بالنبوات عن المسيح الملك. وكمثال لها ما جاء فى المزمور الثانى.

«أما أنا فقد مسحتُ ملكى على صهيون جبل قدسى. انى اخبر من جهة قضاء الرب. قال لى أنت ابنى. أنا اليوم ولدتك. اسألنى فأعطيك الأمم ميراثاً لك، وأقاصى الأرض مُلكاً لك» (مز 2: 6 - 8)).

ملكوت المسيح روحى لا مادى:

سبق أن ذكرنا أن اليهود كانوا ينتظرون المسيا (المسيح) ملكاً أرضياً يؤسس ملكاً أرضياً... ولعل هذا الفهم هو السبب فى خوف هيرودس الملك اليهودى حالما علم من المجوس عن ولادة ملك اليهود.

«أين هو المولود ملك اليهود. فإننا رأينا نجمة فى المشرق وأتينا لنسجد له» (مت 2: 2)).

ويذكر الإنجيل المقدس حادثتين بخصوص نظرة اليهود للمسيح كملك أرضى واهتمامهم بأن يقيموه ملكاً عليهم: الحادثة الأولى بعد معجزة إشباع الألوف من خمسة أرغفة وسمكتين. يقول يوحنا:

«فلما رأى الناس الآية التى صنعها يسوع قالوا إن هذا هو بالحقيقة النبى الآتى إلى العالم. وأما يسوع فإذ علم انهم مزمعون أن يأتوا ويختطفوه ليجعلوه ملكاً، انصرف أيضاً إلى الجبل وحده» (يو 6: 14).

، 15). والحادثة الثانية يوم أحد الشعانين حين دخل الرب يسوع أورشليم دخول ملك ظافر منتصر. وكان الشعب يهتف وقد فرشوا ثيابهم فى الطريق.

«مبارك الملك الآتى باسم الرب... مباركة مملكة أبينا داود الآتية باسم الرب» (مر 11: 10).

؛ لو 19: 38)...

لكن السيد المسيح رفض هذا المُلك الأرضى، لذا فحينما اقترب من مدينة أورشليم نظر إليها وبكى عليها قائلا ً: انكِ لو علمتِ أنتِ أيضاً حتى فى يومك هذا ما هو لسلامكِ. ولكن الآن قد اخفى عن عينيكِ. فإنه ستأتى أيام ويحيط بكِ أعداؤك بمترسة ويُحدقون بكِ ويحاصرونكِ من كل جهةٍ، ويهدمونكِ وبنيكِ فيكٍ، ولا يتركون فيكِ حجراً على حجر، لأنكِ لم تعرفى زمان افتقادكِ "(لو 19: 41 - 44).

ولأن السيد المسيح رفض مُلك العالم، وصُدم اليهود فيه لأنه لم يحقق لهم آمالهم الأرضية العالمية على المستوى المادى، صرخوا أمام بيلاطس الوالى الرومانى الوثنى: "ليس لنا ملك إلاَّ قيصر"... وهزأوا بالمسيح والبسوه رداء ارجوانياً – وهو ثوب الملوك. ثم وضعوا إكليل شوك على رأسه وكأنه تاج الملك، وكانوا يسخرون منه (مت 27؛ يو 19).

ولازال الكثير من المسيحيين يحاربون ويريدون انتصار الكنيسة وبالمشاجرة، مع أن المسيح يقول لبيلاطس وهو يحكم بصلبه:

«لو كانت مملكتى من هذا العالم لكان خدامى يجاهدون لكى لا أُسلّم إلى اليهود. لكن الآن ليست مملكتى من هنا» (يو 18: 36)).

لقد جاء السيد المسيح إلى العالم ليؤسس مملكة فيه، لكنها مملكة روحية دعاها "ملكوت الله" أو "ملكوت السموات"، وهو ملك هذه المملكة الروحية... سأل بيلاطس المسيح: "أفأنت إذاً ملك؟" أجاب:

«أنت تقول إنى ملك. لهذا قد وُلدت أنا، ولهذا قد أتيت إلى العالم لأشهد للحق» (يو 18: 37)).

.. إن مملكة المسيح هى مملكة الحق فى القلب. فقد جاء ليملك على قلوب البشر... والمسيح يملك بالحب وليس بالعنف، لا يرفع سيفاً ولا يعلن حرباً... كان ملكاً بغير سلاح إلاَّ سلاح الروح، وملكاً بغير قوة سوى قوة الحب!!

قال أحدهم: [صرخ اليهود قائلين: إن كان هو (المسيح) ملك إسرائيل فلينزل الآن عن الصليب فنؤمن به. أما نحن فنقول: إننا نؤمن به ونسجد له لأنه رفض أن ينزل عن الصليب حباً لنا ومن أجل فدائنا]!!

ما المقصود بملكوت الله؟

ماذا كان المسيح يقصد بتعبير "ملكوت الله"؟... لقد عَنَى المسيح بملكوت الله حالة القداسة والبرارة التى تؤهل البشر للتمتع بنعيم الله الأبدى كنتيجة لملكة على حياتهم... إن الإنسان ينال عربون الملكوت وهو مازال بالجسد فى هذا العالم... وهذا عين ما أوضحه السيد المسيح للفريسيين عندما سألوه: "متى يأتى ملكوت الله" فكان جوابه:

«لا يأتى ملكوت الله بمراقبة. ولا يقولون هوذا ههنا أو هوذا هناك. لأن ها ملكوت الله داخلكم» (لو 17: 20).

، 21).

كان جواب السيد المسيح عن سؤال الفريسيين من نوع جوابه على نيقوديموس: "إن كان أحد لا يولد من فوق لا يقدر أن يرى ملكوت الله... الحق الحق أقول لك إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله. المولود من الجسد جسد هو، والمولود من الروح هو روح" (يو 3)...

هذه الإجابات تتلخص فى أن ملكوت الله روحى ولا يأتى بمراقبة، بمعنى انه ليس شيئاً مادياً يخضع للحدود الجغرافية، ولا يقع تحت حصر البصر، لأنه أوسع من أن يحدّه مكان "لا يقولون هوذا ههنا أو هوذا هناك"...

سبق أن قلنا إن "ملكوت الله" أو "ملكوت السموات"، هو مُلك الله على الأرض أو مُلك السماء على الأرض... والحق إن السماء لم تملك بعد على الأرض حتى الآن... إنما الذى يملك على الأرض الآن ببطشه وجبروته وطغيانه هو الشيطان.

«رئيس هذا العالم» (يو 12: 31).

؛ 14: 30؛ 16: 11)... نحن فى عالم غريب امتلأ بالأوضاع المقلوبة. فالأشرار فيه يُثابون، والأبرار يعاقبون، وعباد الله يُهانون، وعُبّاد البعل يكرّمون... كم من أبرار فى أغلال السجون يرسفون، وكم من اناس يعيتون فى الأرض فساداً فى بحبوحة يرتعدون... ليس هذا هو حكم السماء على الأرض، إنما هو حكم الشيطان على الأرض، إنما هو حكم الشيطان على الأرض. وان يكن هذا يحدث بسماح من الله الذى يسمح بالشر لحكمة يراها... لكن هذا كله إلى حين... إن السماء تحكم الأرض من خلال الأبرار والقديسين والأتقياء الذين اسلموا حياتهم لله.

من خلال الآيات الكتابية التى وردت فى العهد الجديد عن "ملكوت الله" و "ملكوت السموات"، ونلاحظ أنها تؤلف ثلاث حلقات متصلة ببعضها: الحلقة الأولى تصف ملكوت السموات كبذرة فى قلب المؤمن، وهو ما يُعبر عنه بقول رب المجد: "ها ملكوت الله داخلكم"... والحلقة الثانية تصف الملكوت كشجرة – بد أن كانت حبة خردل. إنها شجرة وارفة الظلال تأوى تحت ظلها أمم وشعوب الأرض... والحلقة الثالثة تصف "ملكوت السموات" فى طور الكمال كثمرة ناضجة، اعدت ليتمتع بها المؤمنون فى المجد الأبدى، على نحو ما نراه مدوناً فى الاصحاحات الختامية من سفر الرؤيا عن أورشليم الجديدة...

الحلقة الأولى – ملكوت الله أو ملكوت السموات – كبذرة، هو حالة روحية قلبية. لا شئ فيها يُرى أو يُلمس... هو ليس شيئاً مادياً. فملكوت الله ليس أكلاً وشرباً، بل هو برّ وسلام وفرح فى الروح القدس (رو 14: 17)... وملكوت السموات كشجرة يحتاج إلى الصبر على المكاره "إن كنا نصبر فسنملك أيضاً معه" (2تى 2: 12)... أما الحلقة الثالثة وهى ملكوت السموات كثمرة، فإن الله سوف يدخلنا إليه متى نقلنا إلى المجد، فندخل إلى قلب الفرح فى السماء، بعد أن دخل فرح السماء إلى قلوبنا...

إن تعبير السيد المسيح "ها ملكوت الله داخلكم" يصف تماماً وبدقة صورة ملكوته الروحى... لقد بدأ هذا الملكوت فى مزود بيت لحم، دون أن يُحسّ به العظماء والأغنياء وحكماء هذا الدهر... وظهر فجأة فى الهيكل بأورشليم، لم يتعرف عليه أحد سوى سمعان الشيخ وحنة بنت فنوئيل النبية (لو 2: 25، 36)... وبعد ثلاثين سنة من ذلك التاريخ تعرّف عليه قلّة من صيادى السمك والعشارين فى الجليل... لم يكن للحكام وكهنة اليهود ورؤسائهم والكتبة والفريسيين عيون ليبصروه... لقد جاء الملك إلى خاصته، وخاصته لم تقبله... حدث ذلك بينما أعلن اليهود أنهم فى انتظار الملكوت... وخطأهم الذى وقعوا فيه أنهم كانوا ينظرون فى الإتجاه المضاد... كانوا فى انتظار علامات. وكان ملكوت الله فى وسطهم، لكنهم لجهلهم وغباوتهم لم يتعرّفوا عليه.

وثمة نقطة أخرى نشير إليها... لقد ذكر القديس بولس فى (أف 5: 5) "ملكوت المسيح والله"، ويذكر فى (كو 1: 13) "ملكوت ابن محبته"، فماذا كان بولس يعنى بملكوت المسيح؟

ملكوت المسيح هو مُلك المسيح الروحى على قلوب المؤمنين... لقد تمت هذه الملكية للبشر عندما دفع الرب ثمن نفوسنا على الصليب... لكى يملك إنسان شيئاً عليه أن يدفع الثمن.

«قد اشتريتم بثمن. فمجدوا الله فى أجسادكم وفى أرواحكم التى هى لله» (1كو 6: 20)).

..

«قد اشتريتم بثمن فلا تصيروا عبيداً للناس» (1كو 7: 23)).

..

«عالمين أنكم افتديتم لا بأشياء تفنى، بفضة أو ذهب من سيرتكم الباطلة التى تقلدتموها من الآباء، بل بدم كريم كما من حمل بلا عيب ولا دنس، دم المسيح معروفاً سابقاً قبل تأسيس العالم، لكن قد اظهر فى الأزمنة الأخيرة من أجلكم» (1بط 1: 18 - 20)).

أمثال المسيح عن الملكوت ودلالتها:

ضرب السيد المسيح عدة أمثال لتوضيح بعض صفات ملكوت الله... ففى الاصحاح الثالث عشر من الإنجيل بحسب القديس متى، أورد سبعة أمثلة قدمها السيد المسيح عن الملكوت هى مثل الزارع، والزوان والحنطة، وحبة الخردل، والخميرة التى خمرّت العجين كله، والكنز المخفى فى حقل، واللؤلؤة الكثيرة الثمن، والشبكة المطروحة فى البحر. وفى الأصحاح العشرين يقدم متى مثل الفعلة والكرم. وفى الاصحاح الحادى والعشرين يقدم مثل الكرم والكرامين ثم مثل العرس والمدعوّين فى الاصحاح الثانى والعشرين وأخيراً مثل العذارى فى الاصحاح الخامس والعشرين...

ولا شك أن كل مثل من هذه الأمثلة يوضح لنا بعض ملامح الملكوت أو جوانبه، أو بعض النواحى الروحية التى يريد ربنا يسوع أن نتحلى بها فى حياتنا الشخصية. يضاف إلى ذلك أن بعض أمثلة الملكوت قصد بها المسيح كنيسته المقدسة التى هى مملكته أيضاً وتضم أعضاء جسده السرّى غير المنظور... والآن نستعرض بعض هذه الأمثلة...

(1) مثل الزارع:

نجد هذا المثل فى (مت 13: 1 - 9، 18 - 23؛ لو 8: 4 - 15؛ مر 4: 1 - 9، 13 - 20).

يوضح هذا المثل مسئولية الإنسان فى أن يملك الله على قلبه... ونلاحظ فى هذا المثل أربعة أشياء: الزارع – البذار – التربة – النتيجة...

من جهة الزارع الزرع الجيد هو يسوع المسيح ابن الإنسان (مت 13: 37) – من جهة البذار هى كلمة الله، وكلمة الله جيدة وحيّة وامضى من كل سيف ذى حدّين (عب 4: 12)... تتبقى التربة التى تشير إلى قلب الإنسان... وهذه ترتبط بالنتيجة.

فى هذا المثل يوضح رب المجد حرية إرادة الإنسان فى قبول كلمة الله. ويشير إلى أربعة أنواع من التربة: ما يشبه الطريق، وما يشبه الأماكن المحجرة، وما يشبه الأرض المليئة بالشوك، ثم ما يشبه الأرض الجيدة... والقلب الذى يُرمز إليه بالتربة هو مسئولية الإنسان... مفروض أن الله خلق الإنسان صالحاً (تك 9: 6). فكيف تحولت التربة الجيدة إلى طريق مُداس بالأقدام حتى تبلّط. وكيف اهملت التربة الجيدة حتى نبت فيها الشوك. وكيف صارت التربة الجيدة محجرة؟... لا شك هذا كله هو مسئولية الإنسان...

وفى هذا المجال نلاحظ امكانية تحويل كل نوع من الأنواع الثلاثة الأولى للتربة، إلى تربة جيدة. وهنا نحن نرى فى عصرنا تحويل كثير من الأراضى الرملية الصحراوية والأراضى البور إلى أراضى صالحة للزرعة، وهو ما يسمى باستصلاح الأراضى... لكن الأمر فى هذا الاستصلاح يحتاج إلى جهد وصبر. وهذا ما عبّر عنه رب المجد عن أمثال هؤلاء أنهم.

«يثمرون بالصبر» (لو 8: 15)).

.. لا بأس إذن لأى إنسان، مهما وصلت حالة قلبه من القساوة، ومهما امتلأ بأحجار العثرات، وأشواك الشهوات... فى الإمكان أن يتحول بالتوبة وممارساتها إلى أرض جيدة تثمر ثمراً جيداً.

(2، 3) مثل الزوان والحنطة، ومثل الشبكة المطروحة فى البحر:

(مت 13: 24 - 30؛ 26 - 43)؛ (مت 13: 47 - 50).

فى مثل الزوان والحنطة، يقال إن بذرة الزوان شديدة الشبه بحبة الحنطة، كما ان نبات الزوان وهو بعد صغير يكون شديد الشبه بالحنطة... لذا يصعب فى الأطوار الأولى من النمو، التمييز بين الحنطة والزوان. ولا يظهر الفارق بينهما جلياً إلاَّ بعد ظهور رؤوس النبات. ولكن فى هذه المرحلة المتقدمة من النمو تكون جذور الحنطة والزوان قد تشابكت معاً فى باطن التربة، بحيث يتعذر اقتلاع نبات الزوان دون اقتلاع بعض الحنطة معه...

إلى أى شئ يشير كل من الحنطة والزوان فى هذا المثل؟

لا خلاف فى أن المقصود بالحنطة هو الأبرار والأتقياء. لكن إلى أى شئ يشير الزوان؟

الزوان يشير إلى أشرار الناس. وإن كان بعض آباء الكنيسة الكبار كيوحنا ذهبى الفم وأغسطينوس يرون أن الزوان أيضاً رمز للتعليم الفاسد من جهة الإيمان والهراطقة.

ومهما يكن من أمر فإن الحقل فى هذا المثل يشير إلى العالم وليس إلى الكنيسة كما فهم البعض. فالسيد المسيح له المجد يقول صراحة:

«الحقل هو العالم. والزرع الجيد هو بنو الملكوت. والزوان هو بنو الشرير» (مت 13: 38)).

..

والمقصود بالمثل هو وجود الشر فى العالم كأمر واقع، واستمرار وجوده بسماح من الله... يجب أن نفهم هذا جيداً، أننا على هذا الأساس نحيا فى العالم ونتعامل مع الناس... الزوان هو بنو الشرير أى الشيطان. قال السيد المسيح لليهود:

«أنتم من أب هو إبليس، وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا» (يو 8: 44)).

مَن الذى زرع الزوان؟ زرعه عدو (إبليس)... كيف ومتى فعل ذلك؟ فعله "فيما الناس نيام". أى فى حالة غفلة وتهاون وعدم يقظة روحية... إن الملكوت داخل الإنسان يحتاج إلى يقظة... احذر الشيطان، فلقد زرع ولا يكف عن الزرع فهذا عمله!!

ما هو موقفنا من الزوان؟... ليس عملنا أن نقتلع الزوان، بل النمو، والنمو الدائم. فقد قال رب المجد: "دعوهما (الحنطة والزوان) ينميان كلاهما معاً إلى الحصاد". وفى قوله: "معاً" يعنى الخير إلى جانب الشر... الله يعلمنا أننا فيما نقتلع الزوان يخشى أن نقتلع معه الحنطة...

كثيرون على مرّ العصور انشغلوا بنزع الزوان. وفيما هم يحاولون ذلك انشغلوا عن الإيجابيات فى حياتهم الخاصة، فأساءوا إلى أنفسهم وإلى الكنيسة!! الله لا يوافق على استئصال الشر والأشرار رغم بغضه له ولهم، خوفاً على الخير ومحبيه... لنحذر عند تقليم الأغصان الجافة فى الشجرة أن نقتلها أو نأتى عليها... ورغم فساد كهنة اليهود ومعلميهم من أمثال الكتبة والفريسيين، كان السيد المسيح حريصاً على مهاجمة فسادهم دون الدور الدينى الذى كانوا يؤدونه...!!

ونلاحظ فى هذا المثل أن العدو بعد أن زرع الزوان.

«مضى» (مت 13: 25).

، وذلك حتى لا يُرى... إن أسلوب إبليس فى العمل هو التخفّى. انه يغيّر شكله إلى شبه ملاك نور (2كو 11: 13، 14)... ثم ان إبليس مضى لأن الزوان لا يحتاج إلى عناية كالزرع الجيد. وكما يقولون: "نبات شيطانى"... إن السقوط لا يحتاج إلى جهد. يكفى ان الإنسان يترك ذاته فيسقط. وأما النهوض والقيام فيحتاج إلى جهد...

سيظل الزوان والحنطة متجاورين فى هذا العالم... سيظل الخير والشر معاً حتى نهاية العالم "إلى الحصاد". والحصاد هو إنقضاء الدهر... "وخرج ملاك آخر من الهيكل يصرخ بصوت عظيم إلى الجالس على السحابة. ارسل منجلك واحصد، لأنه قد جاءت الساعة للحصاد، إذ قد يبس حصيد الأرض" (رؤ 14: 15).

هذا عن مثل الزوان والحنطة، فإذا أتينا إلى مثل الشبكة المطروحة فى البحر، نجده يقدم نفس المعنى...

«يشبه ملكوت السموات شبكة مطروحة فى البحر وجامعة من كل نوع. فلما امتلأت اصعدوها على الشاطئ. وجلسوا وجمعوا الجياد إلى أوعية. وأما الأردياء فطرحوها خارجاً. هكذا يكون فى إنقضاء العالم. يخرج الملائكة ويفرزون الأشرار من بين الأبرار. ويطرحونهم فى أتون النار... » (مت 13: 47 - 50)).

..

والمعنى كما يوضح المثل، هو تلازم الخير والشر فى العالم حتى إنتهاء هذا الدهر (فا لاثنان موجودان فى شبكة واحدة). وان الشر لن يستأصل من الأرض قبل اليوم الأخير. سيخالط الأشرار الأبرار فى ملكوت الله على الأرض إلى يوم الدينونة...

(4، 5) مثل حبّة الخردل ومثل الخميرة:

(مت 13: 31، 32؛ مر 4: 30 - 32؛ لو 13: 18، 19)؛ (مت 13: 33، لو 13: 20، 21).

فى مثل حبة الخردل يقول رب المجد إن إنساناً أخذها "وزرعها فى حقله، وهى أصغر جميع البذور. ولكن متى نمت فهى أكبر البقول، وتصير شجرة حتى أن طيور السماء تأتى وتتآوى فى أغصانها" (مت 31، 32).

يقول القديس جيروم إن ملكوت السموات فى هذا المثل هو الكرازة بالإنجيل. إن هذا المثل يشير إلى نمو الملكوت وامتداده. فالمسيحية بدأت متواضعة فى أعداد قليلة ولكن سرعان ما أن "الذين لم تسمع أصواتهم فى كل الأرض خرج منطقهم، وإلى أقطار المسكونة بلغت أقوالهم"... وقد تنبأ عن ذلك دانيال النبى بقوله:

«كنت أرى فإذا بشجرة فى وسط الأرض وطولها عظيم. فكبرت الشجرة وقويت فبلغ علّوها إلى السماء، ومنظرها إلى أقصى كل الأرض. أوراقها جميلة وثمرها كثير، وفيها طعام للجميع. وتحتها استظل حيوان البرّ. وفى أغصانها سكنت طيور السماء وطَعم منه كل البشر» (دا 4: 10 - 12)).

وطيور السماء فى هذا المثل ترمز إلى الشعوب الوثنية. وكان هذا التشبيه مألوفاً وشائعاً فى كتب الأدب اليهودى فى ذلك العصر.

وهكذا فإن مثل حبّة الخردل يشير إلى إنتشار المسيحية الخارجى... ومازالت حبّة الخردل التى صارت شجرة كبيرة تمتد بأغصانها رغم تيارات المادية والإلحاد التى تناهضها فى بقاع كثيرة من العالم... لعل المسيح بهذا المثل أراد أن يشجع القطيع الصغير الذى سُرَّ الآب أن يعطيهم الملكوت (لو 12: 32).

وإذا كان مثل حبة الخردل يشير إلى نمو المسيحية الخارجى وانتشارها، فإن مثل الخميرة يشير إلى عمل المسيحية وفعاليتها بالنعمة فى داخل الإنسان.. فالملكوت فى هذا المثل يشبه:

«خميرة اخذتها امرأة وخبأتها فى ثلاثة أكيال دقيق حتى اختمر الجميع» (مت 13: 33)).

.. والخميرة الموضوعة فى عجين الدقيق تتفاعل من الداخل دون أن نرى ماذا يحدث. كل ما نلاحظه أن العجين يرتفع ويزداد حجمه بفعل الخميرة.

وعلى الرغم من أن الخميرة رمز للشر فى الكتاب المقدس (1كو 5: 7؛ لو 12: 1؛ غل 5: 9)، وحرّمت الشريعة الموسوية استخدامها فى التقدمات، باستثناء حالة واحدة وردت فى (لا 23: 17)، وفى عيد الفصح كان اليهود يعزلون الخمير من بيوتهم مدة سبعة أيام، لكن من الممكن استخدام نفس التشبيه للتعبير عن الشر والخير، كل من زاوية خاصة. فالمسيح له المجد شبّه فى الكتاب بأسد "هوذا قد غلب الأسد الذى من سبط يهوذا أصل داود" (رؤ 5: 5)... والشيطان شُبّه بأسد زائر يجول ملتمساً ابتلاع المؤمنين (1بط 5: 8)... والمسيح رمز إليه بحية من نحاس رفعها موسى فى البرية (يو 3: 14)، بينما الحية هى التى أغوت حواء فى البداية. كما أن المسيح طالب اتباعه أن يكونوا حكماء كالحيّات... وهكذا.

أما عن الثلاثة أكيال دقيق التى خبأت المرأة فيها الخميرة، فيقول عنها القديس أغسطينوس إنها ترمز لأولاد نوح الذين عمّروا الأرض بعد الطوفان. وقال آباء آخرون انها تشير إلى قارات العالم الثلاث المعروفة فى العالم القديم وقتئذ. وهكذا يكون المعنى أن الثلاثة أكيال دقيق تشير إلى العالم كله على نحو ما قال السيد المسيح لرسله وتلاميذه:

«اذهبوا إلى العالم أجمع. اكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها» (مر 16: 15)).

.. والعالم أجمع هو الثلاث قارات القديمة (آسيا وأوربا وأفريقيا)، والخليقة كلها هم نسل أبناء نوح الثلاثة...

وهناك رأى آخر للقديس جيروم بخصوص الثلاثة أكيال دقيق انها تشير إلى العناصر التى يتكون منها الإنسان وهى الروح والجسد والنفس. وحينما تعمل النعمة فيها يكونون فى توافق. ويقول جيروم أيضاً إن المراة فى هذا المثل تشير إلى الكنيسة والثلاثة أكيال تشير إلى الآب والابن والروح القدس... هذا يرى أغسطينوس أيضاً فى الثلاثة أكيال الإنسان بكل قلبه وكل نفسه وكل فكره (مت 22: 37)...

ومهما اختلفت التفسيرات فالمقصود ان رسالة الإنجيل وعمل النعمة أشبه بقوة جديدة مُجدّدة انسابت إلى العالم، وهى كافية لتجديده...

(6) مثل الفعلة فى الكرم: (مت 20: 1 - 6).

ويتلخص هذا المثل فى أن صاحب الكرم خرج صباحاً ليستأجر فعلة لكرمه، فاتفق معهم على دينار فى اليوم وأرسلهم إلى كرمه. ثم خرج نحو الساعة الثالثة إلى السوق ورأى فعلة آخرين بلا عمل، فاستأرهم وأرسلهم إلى الكرم. ثم خرج نحو الساعة السادسة والتاسعة وفعل مثل ذلك. ثم خرج نحو الساعة الحادية عشرة واستأجر آخرين وجدهم بلا عمل. وفى المساء طلب صاحب الكرم إلى وكيله أن يستدعى جميع الفعلة الذين عملوا فى الكرم. وابتدأ بالذين أستأجرهم فى الساعة الحادية عشرة، وأعطى كلاً منهم ديناراً. فظن الذين عملوا من أول النهار أنهم يأخذون أكثر، لكن صاحب الكرم ساواهم بمّن عملوا فى الساعة الحادية عشرة، فتذمروا على صاحب الكرم. فقال لواحد منهم: "يا صاحب ما ظلمتك. أما اتفقت معى على دينار. فخذ الذى لك واذهب، فإنى اريد أن أعطى هذا الأخير مثلك. أو ما يحلّ لى أن أفعل ما اريد بمالى". وختم الرب يسوع المثل بقوله: "هكذا يكون الآخرون أولين، والأولون آخرين. لأن كثيرين يدعون، وقليلين ينتخبون".

يقول العلامة أوريجينوس فى تفسيره لهذا المثل إن العالم يشبّه بيوم طويل. أول النهار يمثل الفترة من آدم إلى نوح. والساعة الثالثة تمثل الفترة من نوح إلى إبراهيم. والساعة السادسة تمثل الفترة من إبراهيم إلى موسى. والساعة التاسعة تمثل الفترة من موسى لمجئ الرب يسوع. ونلاحظ أن السيد المسيح قد ادمج الساعة السادسة مع التاسعة "وخرج أيضاً نحو الساعة السادسة والتاسعة"، لأن فى هاتين الساعتين كان يدعو اليهود ويفتقد البشر ليؤسس عهوده، لأن الوقت كان يقترب لخلاص العالم. والساعة الحادية عشرة تمثل الفترة من مجئ الرب إلى نهاية العالم.

ويقول اوريجينوس أيضاً، من باكر النهار حتى الساعة التاسعة تمثل الشعب اليهودى. أما الساعة الحادية عشرة فدُعىَ فيها الأمم (لأن المسيح مات على الصليب فى الساعة التاسعة)... إن أصحاب الساعة الحادية عشرة قالوا لصاحب الكرم: "لم يستأجرنا أحد". أى لم يأتنا أحد الآباء البطاركة (مثل إبراهيم وإسحق ويعقوب)، أو الأنبياء. إن أحداُ لم يكرز لنا طريق الحياة...

إن الكرم هو الكنيسة الجامعة من عصر هابيل الصدّيق إلى آخر المختارين الذين يولدون فى العالم. والله خلال هذه الفترة الطويلة لم يتوقف عن إرسال عمالاً لكرمه ليعلّموا شعبه البر. وقد تم ذلك أولاً بالآباء البطاركة ثم بمعلمى الناموس والأنبياء، وأخيراً بواسطة الرسل.

فلما كان المساء بدأ يعطيهم أجرهم... المساء يشير إلى نهاية العالم. ولم يقل صباح اليوم التالى، لأنه الراحة الأبدية...

أصحاب الساعة الحادية عشرة أخذوا أولاً إشارة إلى الأمم الذين مجدوا الله من أجل الرحمة (رو 15: 9)... والرحمة لا ترتبط بالترتيب.

«أرحم مَن أرحم وأترأف على مَن أترأف» (رو 9: 15)).

ويقول القديس أغسطينوس إن كل واحد أخذ ديناراً بالتساوى. الجميع أخذوا بالتساوى، لأن الملكوت هو نصيب الجميع... لكن كل واحد كان عمله مختلطاً، لأن فى بيت أبى منازل كثيرة. ونجم يختلف عن نجم فى المجد...

إن الإنسان الذى يخدم المسيح على أساس المعادلات الحسابية وتقدير الوقت والأتعاب والأجور، أو طمعاً فى مجازاة فى هذه الحياة أو الحياة الأخرى... مثل هذا الإنسان لم يفهم روح المسيح. ذلك لأن الخدمة يجب أن تفهم على أنها تؤدى لله وفاء لدين... ثم ان الخدمة المسيحية تؤدى من أجل المحبة.

(7) مثل العروس والمدعوين: (مت 22: 1 - 14؛ لو 14: 16 - 24).

يورد القديس متى فى إنجيله هذا المثل عن ملك صنع عرساً لابنه. أما القديس لوقا فى إنجيله فيورد هذا المثل عن إنسان صنع عشاءً عظيماً. وفى كلا الروايتين اعتذر المدعوون عن الحضور...

أما هدف السيد المسيح من هذا المثل فهو وجوب تلبية دعوة الله دون الاحتجاج بأى هموم أو مشغوليات، لأن الدعوة لا تحتمل التسويف...

فى المثل بحسب القديس متى فإن العرس يشير إلى الكنيسة الآن فى العالم... أما فى لوقا فالعشاء يشير إلى الوليمة الأبدية... كثيرون فى هذا الزمان يحضرون العرس أى يدخلون إلى الكنيسة التى سيتركونها. لكن الذين يدخلون إلى الوليمة الأخيرة فلن يخرجوا منها.

الملك أرسل عبيده أى الأنبياء... لقد أرسل عبيده مرتين. والعبيد فى المرة الأولى هم الأنبياء، وفى المرة الثانية هم الرسل... ويرى العلامة أوريجينوس ان العبيد فى المرة الثانية هم مجموعة ثانية من الأنبياء... أما الملك فى هذا المثال فيرمز للآب السماوى. والابن الذى اقيم له العرس هو المسيح. أما العروس فهى الكنيسة.

وفى المثل بحسب رواية القديس لوقا ان صاحب الوليمة رأى إنساناً وسط المدعويّن ليس عليه ثياب العرس... فماذا يكون ثياب العرس...؟

لقد فسرّوا ثياب العرس بالمحبة – وهذا هو رأى أوريجينوس الذى يستند لكلام بولس الرسول:

«البسوا كمختارى الله القديسين المحبوبين احشاء رأفات ولطفاً وتواضعاً ووداعة وطول أناة... وعلى جميع هذه البسوا المحبة التى هى رباط الكمال» (كو 3: 12).

، 14)... وفسرّوه أيضاً بالإنسان الخاطئ الذى لم يلبس الرب يسوع (رو 13: 14). أى الخاطئ الذى لم يغيّر طريقة حياته ويحيا الحياة الجديدة...

هذا الإنسان الذى لم يكن لابساً ثياب العرس، لما سُئل كيف دخل وليس عليه ثياب العرس.

«سكت» (مت 22: 12)).

.. والمعنى انه ليس للإنسان عذر أو إجابة يجيب بها عن حياة الخطيئة التى يحياها.

(8، 9) مثل الكنز المُخْفى فى حقل، واللؤلؤة الكثيرة الثمن:

(مت 13: 44)؛ (مت 13: 45، 46).

ويقصد رب المجد يسوع بهذين المثلين أن الأرض بكل كنوزها والعالم بكل ما فيه لا يوازى الملكوت.

فى مثل الكنز المخفى فى حقل يقول بنا يسوع: "يشبه ملكوت السموات كنزاً مُخْفى فى حقل، وجده إنسان فاخفاه، ومن فرحه مضى وباع كل ما كان له واشترى ذلك الحقل".

يبتدى الرب يسوع هذا المثل بكلمة "يشبه"، لأن الملكوت لا شبيه له فى عالم المادة. يقول داود مناجياً الله:

«ليس لك شبيه فى الآلهة يا رب، ولا مَن يصنع كأعمالك» (مز 86: 8)).

..

الكنز مخفى فى حقل – ماذا يكون هذا الحقل؟

ربما كان هذا الكنز هو الإنجيل على نحو ما يوجد اللبن فى الصدر، والنخاع فى العظام، والمنّ فى الطلّ، والماء فى البئر، والشهد فى خلية النحل!! ليس هو فى حديقة ذات سور، بل فى حقل مكشوف يمرّ عليه الناس جيئه وذهاباً كل يوم... فمَن يريد الفوز بالكنز فما عليه إلاَّ أن يأتى ويفلَح الحقل حتى يجده... من أجل هذا يقول رب المجد يسوع:

«فتشوا الكتب (المقدسة) لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية، وهى التى تشهد لى» (يو 5: 39)).

ورب قائل يقول لقد قرأت الكتاب المقدس لكنى لم أعثر على هذا الكنز... ولمثل هذا الإنسان نقول إن أغنى المناجم توجد عادة فى الأراضى المجدبة وعلى أعماق سحيقة. فلا تتوقع أن يوجد الكنز على مقربة من سطح الأرض أو بعد عمق يسير. الأمر يحتاج إلى عمق أكثر. وهنا نتذكر كلمات الرب يسوع لسمعان بطرس:

«أبعد إلى العمق» (لو 5: 4)).

كثيرون نظروا إلى السطح، واستخفوا بالإنجيل، لأنهم بطبيعة الحال لم يجدوا شيئاً على السطح. ومن ثم اصدروا حكمهم على هذا الأساس، ان أقوال المسيح لا تفوق تعاليم بوذا وكنفوشيوس!!

وربما كان الحقل الذى يحتوى على الكنز هو العالم الذى نحيا فيه، فالمسيح قال صراحة فى مثل الزارع:

«الحقل هو العالم» (مت 13: 38)).

.. ويؤيد هذا الرأى قول بولس السول عن الله:

«لأن أموره غير المنظورة، تُرى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات، قدرته السرمدية ولاهوته حتى انهم بلا عذر» (رو 1: 20)).

.. فقدرة الله وعظمته وسموّه وكثير من صفاته، يمكن التحقق منها بالتأمل فى مخلوقاته...

«السموات تحدث بمجد الله، والفلك يخبر بعمل يديه» (مز 19: 1)).

.. حتى أن الطيور والحيوانات والطبيعة الجامدة كلها تسبّح الله (مز 65: 96، 97)...

يمكنك أن تجد الكنز المخفى – وهو الرب يسوع – فى شخص رجل فقير يستحق احساناً. ويمكن أن تجده فى إنسان مريض، أو آخر يحتاج إلى كلمة تعزية وهكذا... ألم يقل الرب يسوع:

«الحق أقول لكم بما أنكم فعلتموه بأحد اخوتى هؤلاء الأصاغر فبى فعلتم» (مت 25: 40).

؟!

وذلك الشاب الغنى الذى سأل الرب يسوع عما يفعله ليرث الحياة الأبدية. فكان جوابه عليه أن يذهب ويبيع كل ماله ويعطى الفقراء فيكون له "كنز فى السماء" ويتبعه حاملاً الصليب (مر 10: 17 - 21)... وعلى هذا الأساس ظهرت الرهبنة فى المسيحية.

لكن كيف يكون الكنز والحال هذه مُخفى؟

نَعم مُخفى... إذ مَن يظن أن ذلك الفقير المعدم هو الرب يسوع؟! ومَن يظن ان المسجون هو الرب يسوع؟! ومَن يظن أن المريض والمقعد هو الرب يسوع؟!... لو سار المجوس بحسب منطق أهل العالم لما اهتدوا إلى الطفل يسوع. وحتى لو اهتدوا إليه لما اهتدوا إلى كُنهه وحقيقته... لكنهم ودوا الملك الإلهى... أين؟ وجدوه مُضجعاً فى مزود تحوطه البهائم فى اثمال بالية... لكنهم – والحال هذه – ما كذّبوا ما رأته عيونهم. ولوقتهم سجدوا له، وقدموا له هداياهم... مَن يظن أن ملك الملوك يولد فى مزود للبهائم... أليس هذا كنز مخفى؟!

هذا الكنز وجده إنسان فأخفاه... إنسان...... فأخفاه.....

وجده إنسان – أى إنسان... فالمسيح أتى لأجل الجميع... لليهودى واليونانى، والبربرى والسكيثى، والعبد والحرّ، والجاهل والحكيم...

هذا الإنسان الذى وجد الكنز أخفاه. ولماذا أخفاه؟!

أمر فرعون مصر القابلات العبرانيات بقتل كل أطفال اليهود الذكور. لكن موسى اخفته أمه ثلاثة شهور، وبذا عاش الطفل... والفضيلة هى مولود النفس، نحتاج أن نُخبّئها من فرعون الروحى أى إبليس... إن الفحم بعد أن يشتعل تعلوه طبقة من الرماد بحيث يخاله الناظر أنه منطفئ. لكن ما أن يقترب منه حتى يحسّ بالدفء والحرارة... هكذا الإنسان المسيحى يجب أن يحرص على اخفاء كنزه... وهكذا عاش القديسون حياتهم... إن كل مجد ابنة الملك من داخل (مز 45: 13).

"ومن فرحه مضى وباع كل ما كان له واشترى ذلك الحقل".

"ومن فرحه"... هذا يشير إلى الدافع والاشتياق... كان فرح هذا الإنسان بالكنز أكثر من جميع ممتلكاته... إن القديس بولس بعد أن عدّد اتعابه فى خدمة الكرازة يقول:

«كمائتين وها نحن نحيا، كمؤدبين ونحن غير مقتولين، كحزانى ونحن دائماً فرحون. كفقراء ونحن نُغنى كثيرين. كأن لا شئ لنا ونحن نملك كل شئ» (2كو 6: 4 - 10)).

.. وعلى الرغم من أن الإنسان لا شئ له، ولكنه فى نفس الوقت يملك كل شئ، لأنه يمتلك الكنز الحقيقى... هذا ما فعله الآباء النُسَّاك الذين عاشوا فى البرارى والقفار فى حياة تجّرد كامل، لكنهم ومع ذلك كانوا يحملون بداخلهم الكنز الحقيقى ربنا يسوع المسيح...

"وباع كل ما كان له".

ها هذا الذى يبيعه الإنسان لكى يشترى الكنز؟... ليس من الضرورى أن تكون ممتلكات يبيعها الإنسان، ويوزع ثمنها على المحتاجين لكى يقتنى الكنز... قد لا يكون لدى مالاً، لكنى أقتنى دموعاً وخشوعاً ومسكنة روحية... هذه كلها وغيرها استطيع أن أشترى بها الكنز... قد ابيع شهواتى الجسدية وكل ما يعوقنى عن الحياة مع الله، بمعنى اتركها... وبهذا اشترى الحقل الذى به الكنز...

هذا الإنسان الذى اكتشف وجود الكنز "مضى وباع كل ما كان له"... إن هذا يشير إلى الخطوات الايجابية فى سبيل اقتناء الكنز... التخلى عن الشهوات. التحلل من كل رباطات الخطية...

«ها نحن قد تركنا كل شئ وتبعناك» (مت 19: 27)).

..

وماذا بعد هذا... لقد اشترى ذلك الإنسان الحقل الذى اكتشف فيه الكنز... ألم يقل الرسول:

«إننا ورثة الله ووارثون مع المسيح» (رو 8: 17).

؟!

وعن مثل اللؤلؤة الكثيرة الثمن يقول ب المجد يسوع: "يشبه ملكوت السموات إنساناً تاجراً يطلب لآلئ حسنة فلما وجد لؤلؤة واحدة كثيرة الثمن مضى وباع كل ما كان له واشترها".

التاجر فى هذا المثل هو نموذج للإنسان الذى يبحث عن المسيح حتى يجده... ونلاحظ على هذا الإنسان أربعة أمور: أولاً يطلب لآلىء حسنة أى يبحث عنها – ثانياً إنه يجدها – ثالثاً انه يمضى ويبيع ما لديه – رابعاً انه يشتريها...

ربما اختلف هذا الإنسان التاجر الذى يطلب ويبحث عن اللآلىء الحسنة، عن الإنسان الذى وجد الكنز فى حقل دون أن يبحث عنه... قد يكون يبحث عن شئ آخر ووجد الكنز. وهوفى هذه الحالة مثال للإنسان الذى أعلن له المسيح ذاته دون أن يبحث عنه.

« وُجدت من الذين لم يطلبونى. وصرتُ ظاهراً للذين لم يسألوا عنى» (إش 65: 1).

؛ رو 10: 20)... لكن هذا الإنسان التاجر من طراز أكثر نبلاً، وله عقلية أسمى... انه يبحث عن لآلىء حسنة... ونتيجة جدّه وبحثه ورغبته السامية، وجد اللؤلؤة الكثيرة الثمن... كان منشغلاً فى التفكير والبحث. وكانت طاقاته منصرفة إلى ذلك...

كان لهذا التاجر هدف محدّد: السعى والبحث عن اللآلىء الحسنة والحصول عليها. يجب تحديد الهدف ولا نعرج بين الفرقتين... إن كان العالم بمغرياته يستحق خدمتك وتعبك فاذهب إليه وكن فى خدمته. وإن كان السيد الرب الذى خلصك يستحق خدمتك فَسِرْ فى هذا الطريق...

نحن لا نعرف قيمة هذه اللؤلؤة. كل ما نعرفه انها كانت تساوى كل ما يمتلك ذلك التاجر. ولذا فقد مضى وباع كل ما كان له حتى ما يشتريها... هذا هو عين ما يحدث حينما يجد إنسان المسيح... لأنه يجد فيه كل احتياجاته... هل هذه مغامرة أن يبيع الإنسان كلما له ليقتنى اللؤلؤة التى ترمز للمسيح... إن الأمر لا يحتاج إلى تردد...

وحين باع ذلك التاجر كل ما كان له، صار فقيراً فى نظر الناس، والفقر يجلب معه البؤس. لكن الحقيقة انه صار أغنى وأسعد إنسان فى الوجود...

(10) مثل العذارى: (مت 25: 1 - 13).

هذا المثل فى غاية الوضوح، وهو يختص بمجئ المسيح الثانى...

يقول القديس أغسطينوس إن هذا المثل يختص بالكنيسة كلها – ليس بالاكليروس وحدهم ولا العلمانيين وحدهم، بل الجميع.

«خطبتكم لرجل واحد لأقدّم عذراء عفيفة للمسيح» (2كو 11: 2)).

إن العذارى هن النفوس التى لها الإيمان السليم، وله أعمال صالحة فى الكنيسة... ومع ذلك فمنهم خمس حكيمات وخمس جاهلات. فلماذا خمسة، ولماذا عذارى؟... النفس البشرية يرمز لها بالعدد خمسة، لأنها تستخدم خمس حواس. ولأننا لا ندرك شيئاً إلاَّ بإحدى حواس الجسد الخمسة.

كلا الفريقين عذارى نلن عضوية الكنيسة بالعماد وما إلى ذلك. فلماذا قُبلت خمسة منهن، ورفضت الخمسة الأخريات؟!... ليس كافياً انهن عذارى، وان لهن مصابيح. هن عذارى بسبب ضبط حواس الجسد من الأشياء غير المشروعة (الرديئة)، ولهن مصابيح بسبب الأعمال الحسنة. هذه الأعمال الصالحة التى يقول عنها الرب:

«ليضئ نوركم قدام الناس. ليروا أعمالكم الصالحة ويمجدوا أباكم الذى فى السموات» (مت 5: 16)).

«لتكن أحقاؤكم ممنطقة وسرجكم موقدة. وأنتم مثل اناس ينتظرون سيدهم متى يرجع من العرس، حتى إذا جاء وقرع يفتحون له للوقت» (لو 12: 35).

، 36)... فى "الأحقاء الممنطقة" العذراوية، وفى "المصابيح المضيئة" الأعمال الصالحة. قليلون هم عذارى بالجسد، لكن عذراوية القلب يجب أن تكون فى الجميع...

يقول أيضاً أغسطينوس: لم يختلف الحكيمات عن الجاهلات إلاَّ فى الزيت... إن الزيت يشير إلى المحبة. لماذا يُشار للمحبة بالزيت؟ قال الرسول عن المحبة انها الطريق الأفضل (1كو 12: 31). إن المحبة تشبّه بالزيت، لأن الزيت يطفو على جميع السوائل. إذا صببت زيتاً على ماء فإنه يطفو. وإذا صَبَبت ماء على زيت فالزيت يطفو أى يعلو.

«المحبة لا تسقط أبداً» (1كو 13: 8)).

.. ويُشار بالزيت أيضاً إلى الروح القدس الذى يعطى استنارة للإنسان فى كل حياته...

"خرجن للقاء العريس"

المسيح له المجد هو عريس النفس المملوء حلاوة... تقول عروس النشيد.

«اسمك دهن مهراق، لذلك احبتك العذارى» (نش 1: 3)).

.. ماذا ينتظر العريس من عروسه؟... ينتظر أن تكون بكل عواطفها له.

«اسمعى يا ابنتى وانظرى واميلى سمعكِ وانسِ شعبكِ وكل بيت أبيكِ، فإن الملك قد اشتهى حسنكِ لأنه هو ربكِ» (مز 45: 10).

، 11)...

"فى منتصف الليل صار صراخ".

لماذا فى منتصف الليل؟... حين لا يتوقع أحد، وحين لا يكون على حذر... كثيراً ما نصحنا ربنا يسوع أن نسهر...

«ليس لكم أن تعرفوا الأوقات والأزمنة التى جعلها الآب فى سلطانه» (أع 1: 7)).

ويقول معلمنا بولس:

«يوم الرب سيأتى كلصّ فى الليل» (1تس 5: 2)).

واللص لا ينبئ بمقدمه. ولكن فى نصف الليل يكون الإنسان قد استغرق فى النوم... وإذا كان عمر الإنسان فى العالم يشبّه بالليل، فمنتصف الليل يشير إلى الإنسان فى عزّ شبابه... فى هذه السنّ التى لا يتوقع فيها الإنسان أن يخلع الجسد، ربما أتى المسيح.

"اعطيننا من زيتكن فإن مصابيحنا تنطفئ".

هذه كلمات الجاهلات. وهذا الطلب مستحيل بعد الموت... وحين تجاوبهن الحكيمات "اذهبن إلى الباعة وابتعن لكنّ"، فليس المقصود أن هذا ممكن...

وفى غيبة الجاهلات، جاء العريس والمستعدات دخلن معه إلى العرس وأغلق الباب. وعبثاً قرعن العذارى الجاهلات الباب بعد اغلاقه... حقيقة أن السيد المسيح قال: "اقرعوا يفتح لكم". لكن هذا الكلام يصلح لزمن الرحمة، فى مدة حياة الإنسان بالجسد. لكن فى السماء سيكون زمن العدل. ورحمة الله لا تبطل عدله...

ويُسْدل الستار على المشهد والعذارى الجاهلات واقفات خارجاً. لقد فقدن كل شئ وانتهى الأمر. انه أمر مرعب ومخيف، لأنه يتعلق بالأبدية التى لا نهاية لها. لذا فإن المسيح يختم هذا المثل بنصيحة أخيرة: "اسهروا إذن لأنكم لا تعرفون اليوم ولا الساعة التى يأتى فيها ابن الإنسان"...

والسيد المسيح لا يقصد بالسهر هنا سهر الجسد، وإن كان هذا نافعاً فى الممارسات الروحية. لكنه على وجه الخصوص يطالبنا بسهر القلب، وسهر الإيمان، وسهر الرجاء، وسهر المحبة، وسهر الأعمال الحسنة... قالت عروس النشيد:

«أنا نائمة وقلبى مستيقظ» (نش 5: 2)).

.. نحن الآن فى فترة الخطبة، لأننا مخطوبون للمسيح.

«خطبتكم لرجل واحد لأقدم عذراء عفيفة للمسيح» (2كو 11: 2)).

.. وفترة الخطبة هى فترة التعرّف وتنمية العواطف ليوم العرس الذى سيكون فى السماء (لو 14: 16 - 21).

ويقول القديس يوحنا فى رؤياه: "وسمعتُ كصوتِ جمع كثير وكصوت مياه كثيرة وكصوت رعود شديدة قائلة هللويا، فإنه قد مَلَكَ الربُ الإله القادر على كل شئ. لنفرح ونتهلل ونُعطه المجد، لأن عُرس الخروف قد جاء، وامرأته هيأت نفسها. وأعطيت أن تلبس بزاً نقياً بهياً. لأن البزَ هو تبرّرات القديسين. وقال لى اكتب طوبى للمدعوين إلى عشاء عُرس الخروف" (رؤ 19: 6 - 9).

سعادة الملكوت والحياة الأبدية:

وأخيراً، لا نجد كلاماً نختم به موضوعنا عن الملكوت أروع وأفضل مما قاله القديس أغسطينوس. يقول:

[الحياة الأبدية مشاهدة. هذا ما قاله المسيح ذاته:

« وهذه هى الحياة الأبدية، أن يعرفوك أنت الإله الحقيقى وحدك ويسوع المسيح الذى أرسلته» (يو 17: 3)).

فالحياة الأبدية هى أن يعرفوا ويشاهدوا ويدركوا ما آمنوا به، وينالوا ما لم يكن بوسعهم أن يدركوه. حينئذ يرى العقل ما لم تره العين، ولم تسمعه الأذن، وما لم يخطر على قلب بشر. ثم يسمعون الكلام القائل:

«تعالوا يا مباركى أبى رثوا الملكوت المعدّ لكم منذ تأسيس العالم» (مت 25: 24)).

سوف نرى الله، وذاك شئ عظيم يصبح كل ما عداه تافهاً ولا قيمة له البتة. نحن نعتبر أنفسنا ههنا سعداء إذا كنا نعيش بسلام، برغم أن الحصول عليه فى هذه الحياة أمر صعب. أما إذا قارنا بين سعادتنا هذه وتلك السعادة العتيدة، كانت هذه بالنسبة إلى الآتية بؤساً وشقاءً... ماذا يكون عمل الإنسان هناك؟ اَيسَر علىَّ قول ما لا يعمل مما يُعمل. وأقول إن استطعت وبقدر ما استطيع.

الفرح فى بيت الله أبدى. وفيه عيد لنا لا ينقضى، بل إلى الأبد مع طغمة الملائكة فى رؤية الله وسرور لا يزول... وعيد الإنسان هذا هو من الأعياد التى لا بداية لها ولا نهاية. إذا ابتعد الإنسان عن ضوضاء العالم، تناهى إليه من ذاك العيد الأبدى نَغَم عذب وشجى.

هناك لا لزوم للفطنة، إذ لا شر يتحاشاه الإنسان. ولا عدل حيث لا بؤس يجب تخفيفه، ولا اعتدال حيث لا شهوة يُكبح لها جماح، ولا قدرة حيث لا ألم يُحتمل.

جميلة هى أعمال الرحمة وجديرة بكل تقدير، ولكن لا فائدة منها حيث لا يفرضها شقاء ملّح. مضن الذى تطعمه وليس مَن يجوع. ومَن الذى تسقيه وليس مَن يعطش. وأنّى لك أن تكسو العريان وكل الناس يلبسون عدم الموت. وأنَّنى لك أن تأوى غريباً وكل الناس فى وطنهم. وأنَّى لك أن تعود (تزور) المرضى والكل يتمتعون بقوة الطهارة عينها. وانّى لك أن تدفن الموتى وكل الناس أحياء. وأنّى لك أن تصالح المتخاصمين وكل الناس مسالمون. وانّى لك أن تواسى الحزانى ولك الناس فى فرح إلى الأبد... وطالما أن جميع أنواع البؤس تنتهى، فإن أعمال الرحمة تنتهى معها. هناك تكون سعيداً لا تحتاج شيئاً ولا تطلب شيئاً. وغناك الوافر سيكون هو الله ذاته...

ستكون سعيداً لأنك لن تحتاج إلى شئ. ستكون مليئاً ولكن من إلهك. وسيكون لك هناك كل ما تتوق إليه ههنا.

ههنا تطلب قوتاً، وهناك يكون الله قوتاً لك.

ههنا تتوق إلى عناق الجسد، وهناك.

«أما أنا فالالتصاق بالله خير لى» (مز 73: 28)).

.. ههنا تطلب الثروات، أما هناك فهل ينقصك شئ، وقد صار لك صانع كل شئ.

ولكنك تقول: ماذا أعمل؟ يبدو انه لا عمل لى: لا النظر ولا الحب ولا التسبيح.

إن الأيام المقدسة التى تتلو قيامة الرب (الخماسين المقدسة) تعنى حياتنا بعد القيامة.

وكما أن الأربعين يوماً السابقة لعيد الفصح (القيامة) تعنى حياة الجهاد فى اختبار الموت، هكذا فإن الأيام التالية للفصح (الخماسين) تعنى حياتنا الأخرى فى المُلك مع الرب.

حياتنا الحاضرة هى كالأربعين يوماً السابقة للفصح. أما الحياة الممثلة بالخمسين يوماً التى تعقب الفصح فلا وجود لها الآن. ولكننا نرجوها، وبالرجاء نحبّها – ونسبّح الله بهذا الحب عينه، وقد وعدنا بها].

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

‹

مبدأ الباب الضيّق فى الحياة الروحيّة

سلسلة بستان الروح - الأنبا يؤانس أسقف الغربية
سلسلة بستان الروح - الأنبا يؤانس أسقف الغربية