محبة الإنسان لله

محبة الإنسان لله

محبة الإنسان لله صدى لمحبته له.

قيمة المحبة فى نظر الله؟

لماذا يجب أن يحب الإنسان الله.

محبة الإنسان لله ومحبته للعالم.

فى أى شئ تظهر محبة الإنسان لله؟

فضائل ترتبط بمحبة الإنسان لله.

عشاء عُرْس الحمل.

إن محبة الله للإنسان عبر الأجيال التى تجلت فى عنايته بخليقته، جذبت إليه نفوساً لا تحصى أعدادها... كان لله فى كل جيل نفوس أحبته وعاشت فى طاعته، حتى فى الأزمنة التى كان العالم غارقاً خلالها فى ظلام الوثنية...

فمن نسل آدم كان هابيل البار. ثم كان أخنوخ البار الذى ذكره الكتاب المقدس إنه.

«سار مع الله ولم يوجد لأن الله نقله» (تك 5: 24).

؛ عب 11: 5)... ومن بين شعب الله القديم ظهر أبرار أحبوه وعاشوا فى طاعته، وأرضوه بإيمانهم كإبراهيم الذى – فى محبته وطاعته لله – قدم ابنه وحيده إسحق ذبيحة بالنية... ثم كان هناك إسحق ويعقوب أب الأسباط ويوسف الصديق، وموسى كليم الله الذى.

«أبى أن يُدعى ابن ابنة فرعون. مفضلاً بالأحرى أن يُذل مع شعب الله على أن يكون له تمتع وقتى بالخطية، حاسباً عار المسيح غنى أعظم من خزائن مصر لأنه كان ينظر إلى المجازاة» (عب 11: 24 - 26)).

.. وبحسب تعبير الرسول.

«يعوزنى الوقت أن اخبرت عن جدعون وباراق وشمشون ويفتاح وداود وصموئيل والأنبياء. الذين بالإيمان قهروا ممالك، صنعوا براً، نالوا مواعيد سدّوا أفواه أسود. أطفأوا قوة النار، نجوا من حدّ السيف. تقوّوا من ضعف صاروا أشداء فى الحرب، هزموا جيوش غرباء... وآخرون عُذّبوا ولم يقبلوا النجاة لكى ينالوا قيامة أفضل... هؤلاء لم يكن العالم مستحقاً لهم» (عب 11: 32 - 38)).

بعض هؤلاء الأبرار الذين ذكرناهم عاشوا قبل عصر الناموس، ومع ذلك عاشوا أوفياء لله محبين له مطيعين لصوت ضمائرهم... وحينما أعطى الله للبشر وصايا مكتوبة على يد موسى، اختص نفسه بالأربع وصايا الأولى من الوصايا العشر. تلك التى لخصّها السيد المسيح بقوله:

«تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك ومن كل قدرتك» (مت 22: 37)).

وقديماً قال الله:

«يا ابنى اعطنى قلبك» (أم 23: 26)).

ومعلوم ان القلب يكنى به عن المحبة والعاطفة. وفى المزمور الحادى والثلاثين، يفرغ داود النبى والمرتل مشاعر حبه وامتنانه وشكره لإلهه، ويدعو الجميع إلى محبة الله بقوله:

«احبوا البر يا جميع اتقيائه» (مز 31: 23)).

وفى مزمور آخر يقول:

«بلذذ بالرب فيعطيك سؤل قلبك» (مز 37: 4)).

.. وفى ترنيمة حب يقول داود وكأنه يخاطب كل نفس بشرية:

«اسمعى يا ابنتى وانظرى واميلى أذُنكِ وانسى شعبكِ وبيت أبيكِ، فيشتهى الملك حسنكِ لأنه هو سيدكِ فاسجدى له» (مز 45: 10).

، 11)... ويعود داود فى مزمور آخر يقول:

«كما من شحم ودسم تَشبَعْ نفسى، وبشفتى الابتهاج يُسبحك فمى. إذا ذكرتك فى فراشى. فى السُّهْد الهج بك» (مز 63: 5).

، 6)... ويقول المرتل:

«امسكتَ بيدى اليمنى. برأيك تهدينى، وبعد إلى مجد تأخذنى. من لى فى السماء، ومعك لا أريد شيئاً فى الأرض» (مز 73: 23 - 25)).

..

«يا محبى الرب ابغضوا الشر. هو حافظ نفوس أتقيائه. من يد الأشرار ينقذهم. نور أشرق للصديقين وفرح لمستقيمى القلوب. افرحوا أيها الصديقون بالرب» (مز 97: 10 - 12)).

وسفر نشيد الأناشيد الذى يتحدث بك وضوح عن محبة الله للنفس البشرية، ولكن فى صورة رمزية فى شخص الله كالعريس والنفس البشرية كالعروس.

كان هذا فى العهد القديم... لكن ما أن أشرقت على العالم أنوار العهد الجديد، من قبل ظهور شمس البرّ يسوع المسيح ربنا المحبة المتجسّدة، واظهر الله محبته فى ملئها فى شخص ابنه – تلك المحبة التى سكبها بغنى بالروح القدس فى قلوب المؤمنين (رو 5: 5)، حتى كان لتلك المحبة أثر عميق لا يوصف فى الهاب قلوبهم نحو ذاك الذى أحبهم وبذل ذاته عنهم (غل 2: 20)... نعم لقد كانت محبة المؤمنين صدى لمحبة الله لهم:

«نحن نحبه لأنه هوأحبنا أولاً» (1يو 4: 19)).

والمبحة المسيحية فريدة فى نوعيتها وعمقها. إنها تختلف عن المحبة التى تعارف عليها أهل العالم... إن العالم يعرف المحبة كفضيلة، لكن شتان بينها وبين المحبة المسيحية. إن المحبة المسيحية كما نقصدها ليست وليدة عاطفة جسدية، بل هى من الله ذاته.

«محبة الله قد انسكبت فى قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا» (رو 5: 5)).

.. هذا هو الروح القدس الذى انسكب يوم الخمسين على المؤمنين الأوائل فى الكنيسة الأولى فألهب حياتهم إيماناً وحباً وقداسة. لقد حلّ عليهم فى شكل ألسنة كأنها من نار. والنار من بعض الأوجه رمز للقوة والمحبة المشتعلة.

«لأن المحبة قوية كالموت... لهيبها لهيب نار لظى الرب. مياه كثيرة لا تستطيع أن تطفئ المحبة والسيول لا تغمرها» (نش 8: 6).

، 7)... كانت محبة الله قوية وما تزال ناراً تلهب قلوب المحبين، وتحصرهم فى دائرته:

«لأن محبة المسيح تحصرنا» (2كو 5: 14)).

.. وهذا مصداق لما قاله المسيح:

«ليس كما يعطى العالم أعطيكم أنا» (يو 14: 27)).

لا أجد كلاماً أكثر واقعية وتعبيراً عن شدة المحبة المسيحية فى قلب الإنسان المؤمن مما قاله الرسول بولس فى رسالته إلى أهل رومية...

«مَن سيفصلنا عن محبة المسيح. أشدة أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم عرى أم خطر أم سيف... فإنى متيقن انه لا موتو ولا حياة ولا ملائكة ولا رؤساء ولا قوات، ولا أمور حاضرة ولا مستقبلة. ولا علو ولا عمق، ولا خليقة أخرى تقدر أن تفصلنا عن محبة الله التى فى المسيح يسوع ربنا» (رو 8: 35 - 39)).

إن كان صاحب النشيد قال قديماً:

«المحبة قوية كالموت» (نش 8: 6).

؛ لكنها فى المسيحية – وفى شخص المسيح وبه وبعمل الروح القدس – صارت أقوى من الموت... فالمحبة فوق الصليب قهرت الموت... وحتى الآن، أينما وُجد الصليب وجدت المحبة، لأنه هو علامة الحب الذى غلب الموت وقهر الهاوية، واستهان بالخزى والعار والألم...

وبولس الرسول الذى امتلأ قلبه حباً نحو المسيح، حينما توسل إليه المؤمنون فى مدينة قيصرية ألاَّ يصعد إلى أورشليم خوفاً على حياته، بعد أن تنبأ أغابون بالشدائد التى تنتظره هناك، قال لهم...

«ماذا تفعلون، تبكون وتكسرون قلبى. لأنى مستعد – ليس أن أربط فقط، بل أن أموت أيضاً فى أورشليم لأجل اسم الرب يسوع» (أع 21: 10 - 13)).

.. نعم كانت المحبة فى قلب بولس أقوى من الموت الذى ينتظره، لأنه كان ميتاً عن العالم الذى وضع فى الشرير، وحيّاً للمسيح الذى يملأ كيانه ويشغل وجدانه...

وماذا أقول عن المعترفين والشهداء الذين أحبوا الله أكثر من أنفسهم (رؤ 12: 11). إن شهادة الدم هى أعظم شهادة لأسمى حب.

«حب لأحد حب أعظم من هذا. أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه» (يو 15: 13)).

.. لم تُغْرهم أعظم الوعود، ولم يُرهبهم وعيد الحكام وبطش المعذّبين، وما ذلك إلاَّ بسبب عِظَم محبتهم فى المسيح الذى أحبوه وهو حى فيهم... لقد أظهروا أحتمالاً عجيباً، واحتملوا ألاماً تفوق الوصف. وكان ذلك برهاناً على الحب الذى فيهم يفوق كل حب أرضى، بل يفضل العالم بكل ما فيه...

وماذا أقول عن الآباء النسّاك والرهبان – الذين من أجل عظم محبتهم فى المسيح – اماتوا ذواتهم وأعضاءهم وشهواتهم، بل بارادتهم عن العالم وكل ما فيه... لنستمع إلى لحن عذب فى المحبة من فم أحد النساك هو الأب يوحنا سابا المعروف باسم الشيخ الروحانى، يناجى به الله:

[مَن لا يتعجب من حكمة أسرارك التى لا تُدرك، إذ وأنت وحيد فى ذاتك تسكن فى الوف وربوات من قديسيك وصانعى إرادتك بغير انقسام أو تفريق. كل حبيب لك يظن انك أنت له وحده، لأنه يشعر انه هو ليس لأحد سواك. يظن أنك حالّ فيه وحده، وانه هو كفواً لسكناك، مع أنك أنت مالئ السموات والأرض. فكل واحد يراك كامل فيه كما فى مرآة... اعطنا أن ندخل بك إلى هيكل أنفسنا لكى ننظرك ونتنعم بك، ونأكل من شجرة الحياة التى اثمرت داخلنا... إلهى أعطنى محبتك، وإن كنت أنا لا أستحق دالة المحبة التى بها أدعوك أبى... الباب مفتوح وليس مَن يدخل. مجدك واضح وليس مَن ينظر. نورك مشرق فى عيوننا وليس مَن يتنعم. يمينك مبسوطة للعطاء وليس مَن يأخذ. تنادى بصوت عالٍ وليس من يسمع. تحذَّر وتنذر وليس مَن يرعوى... اعطِ وقوداً لنار قلبى التى أشعلتها بحبك... أيها الرب الصالح اقطع من قلبى محبة هذا العالم، وابدل حبى له بحبى لك... أهلّنى يا رب أن يذوب قلبى من حبك ومخافتك كما تفتتت الصخور، وافتح قلبى كما انفتحت القبور، وتقوم نفسى من رقادها كما قام الأموات فى ساعة صلبوتك الرهبية... طوبى لمَن قطع حديث العالم من فمه ليتحدث معك... يهرب من الشمس ليتمتع بنورك. ويُغلق بابه لتفتح أنت بابك، وينقطع عن الناس ليجلس معك... اجعل يا رب من قلبى الصغير سماءً لسكناك لأرفع صوتى بالتهليل كشبه السمائيين، وأقدم لك كل حين على مذبح قلبى ذبائح الشكر والتسبيح...].

ولنستمع أيضاً إلى لحن عذب فى المحبة من أسقف خادم عاش حياة نسكية هو القديس والفيلسوف أغسطينوس...

[إلهى عرفتك لأنك قد عرفتنى، وأحببتك لأنك أحببتنى... أنت مسرة روحى اقترب منى لترتوى نفسى من ينبوع محبتك لأن فيك عزاء قلبى. شوّقنى لحبك فأنت حياتى... أيها العريس المساوى لا تبعدنى عنك إذا ما اقتربت منك وطوّقتك بذراعىَّ... نقَّ يا ربى حواسى، واجعلها جديرة بأن تتذوق وتحسّ حلاوة اللذة لكل من يريد أن يرتشف من رحيق إحساناتك. اجعلنى شغوفاً بك على الدوام. اعطنى قلباً ينبض بحبك. نفساً تشتهيك. روحاً تتعلّق بك. عقلاً يفكرّ فيك دائماً، ويتحدّ بحكمتك ويعرف كيف يحبك أيها الحب الزاخر بكل حكمة... أنت الذى يكمن فيك الحب والكمال... كل مَن يعرفك يحبك. ويحبك أكثر من ذاته. يترك كل شئ ويتبعك. كما أن قطعان الوعل تندفع نحو جداول المياه العذبة لتروى ظمأها، هكذا نفسى متعطشة إليك يا إلهى لتطفئ لهيب أشواقها. نعم إن نفسى ظمأى إليك يا ينبوع الحياة الدائم. متى تُسكرنى نشوة عذوبتك؟!].

وإذا كنا قد اسهبنا بعض الشئ فى الكلام عن محبة الإنسان لله بصفة عامة، وقدمنا عينات من مناجاة بعض رجال الله الذين أحبّوه، وكان حبه طعامهم وشرابهم وكساءهم، نتقدم الآن إلى نقاط أخرى فى موضوع محبة الإنسان لله...

قيمة المحبة فى نظر الله:

إذا كان الله هو المحبة ذاتها "الله محبة"... وإذا كانت المحبة هى التى انزلت ابن الله من السماء إلى عالمنا، وإذا كانت هى الوصية الأولى والعظمى، وإذا كانت هى فضيلة المسيحية الأولى وأعظم من الإيمان الذى بدونه لا يمكن أن نرضى الله (عب 11: 6)، والرجاء الذى به نخلص (رو 8: 24)... وإذا كانت المحبة بهذا الاقتدار، فلا شك انها الفضيلة التى تُسِرّ الله، حتى ان مَن يثبت فى المحبة يثبت فى الله، والله يثبت فيه. وكل مَن لا يحب لم يعرف الله (1يو 4: 8، 16)... لذا قال الله قديماً لشعبه:

«فالآن يا إسرائيل ماذا يطلب منك الرب إلهك إلاَّ أن تتقى الرب إلهك لتسلك فى كل طرقه وتحبه» (تث 10: 12)).

وقال الحكيم فى سفر النشيد:

«إن أعطى الإنسان كل ثروة بيته بدل المحبة تحتقر احتقاراً» (نش 8: 7)).

.. نعم هذه هى قيمة المحبة فى نظر الله.

فى حياة رب المجد يسوع نقرأ عن وليمة دعاه إليها فريسى يُدعى سمعان فى بيته. وإذا بامرأة خاطئة (زانية) معروفة فى كل مدينتها، جاءت إلى حيث الرب يسوع، ووقفت عند قدميه من ورائه، وأخذت تبكى بكاءً مراً، حتى إنها غسلت قدمى المسيح بدموعها ومسحتهما بشعر رأسها. وكانت تقبّل قدميه وتدهنهما بالطيب... ثم كان اعتراض ذلك الفريسى على المسيح من أجل قبوله تصرفات تلك المرأة الخاطئة، بأفكار أخذت تجول بخاطره دون أن يُفصح عنها!! فما كان من السيد المسيح إلاَّ أن ضرب له مثلاً بدائن كان له مدينان. على أحدهما خمسمائة دينار وعلى الآخر خمسون. وإذا لم يكن لهما ما يوفيان دينهما سامحهما بما عليهما... ثم سأل السيد المسيح ذلك الفريسى: "أيهما يكون أكثر حباً لهذا الدائن". فأجاب: "أظن الذى سامحه بالأكثر". ثم بدأ المسيح يعقد مقارنة بين الأسلوب الذى تعامل به معه الفريسى من جهة واجبات الضيافة وما فعلته المرأة الخاطئة فى اظهار توبتها... وختم كلامه بالقول:

«من أجل ذلك أقول لك قد غفرت خطاياها الكثيرة لأنها أحبت كثيراً» (لو 7: 36 - 50)).

..

لقد أظهرت تلك المرأة الخاطئة حباً عجيباً للمخلّص الذى آمنت أنه يقدر أن يحررها من قيود خطاياها ويمنحها السلام... لم تتكلم كلمة واحدة، لكنها عبرت بدموعها وبقبلاتها لقدمى المخلّص وبالطيب الذى دهنتهما به عن حبها العجيب الذى نالت به الغفران والخلاص وسلامها الداخلى "مغفورة لكِ خطاياكِ... إيمانكِ قد خلصك. إذهبى بسلام".

كلنا يعلم مأساة الرسول بطرس فى إنكاره للمخلّص بقَسِم ولعن وتجديف... وبعد القيامة المقدسة عندما أظهر الرب ذاته لبعض تلاميذه ومعهم بطرس على بحر طبرية، قال الرب له: "يا سمعان بن يونا أتحبنى؟". وكرر عليه هذا السؤال ثلاث مرات. وكان جواب بطرس فى كل مرة:

«نعم يا رب أنت تعلم انى احبك» (يو 21: 15 - 17)).

.. إنه موقف عجيب من الرب يسوع إنه كمن يستجدى محبة بطرس!!... أيها الاخوة انه لا شئ يشبع قلب الله سوى المحبة.

يوجه السيد المسيح فى سفر الرؤيا رسالة إلى ملاك وخادم كنيسة أفسس يقول له فيها: "أنا عارف أعمالك وتعبك وصبرك... وقد احتملت ولك صبُر، وتعبت من أجل اسمى ولم تكلّ. لكن عندى عليك انك تركت محبتك الأولى. فذكر من أين سقطت وتُبْ واعمل الأعمال الأولى، وإلاَّ فإنى آتيك عن قريب وازحزح منارتك من مكانها إن لم تتب" (رؤ 2: 2 - 5)... انظروا أيها الاخوة إلى قيمة المحبة فى نظر الله... لقد كان لخادم كنيسة أفسس أعمالُ طيبة، وكان له تعب وصبر وجَلَد فى الخدمة من أجل الرب، لكن كل ما كان يأخذه الرب عليه انه ترك محبته الأولى!!

وما هى المحبة الأولى يا ترى التى يشير إليها المخلص؟... المحبة الأولى هى العلاقة الشخصية الوثيقة التى تربط الإنسان بإلهه ويكون أساسها وموضوعها وهدفها المحبة... إن الأعمال لا قيمة لها بدون المحبة...

«كثيرون سيقولون لى فى ذلك اليوم يا رب يا رب أليس باسمك تنبأنا، وباسمك أخرجنا شياطين، وباسمك صنعنا قوات كثيرة. فحينئذ أصرّح لهم إنى لم أعرفكم قط. اذهبوا عنى يا فاعلى الإثم» (مت 7: 22).

، 23)... إن الحب الحقيقى يبحث عن المحبوب. انه ينتظر محبة تبحث عنه، وعنه وحده، فلا شئ يمكن أن يشبع قلب المسيح سوى حبنا له...

يقول القديس أغسطينوس: [ما هو السؤال الذى وجهه الرب لبطرس بعد قيامته سوى اتحبنى؟ ولم يكن كافياً أن يوجَّه هذا السؤال مرة واحدة بل مرتين وثلاث مرات... ثلاث مرات الخوف أنكر، وثلاث مرات الحب يعترف. هوذا بطرس يحب الرب. لكن ماذا يمكنه ان يعمله للرب؟... ومهما قدمت من شئ فهذا قد اقتبلته من الله لتردّه].

ويجب أن نعرف أن الله يريد أن يُحَبْ لأجل ذاته وليس لأجل هباته... يقول أحد الآباء: [مجدى يا رب هو أن أرضيك، وجهنمّى هى أن أراك مهاناً منى... إن كنت اشمئز من الجحيم، فليس ذلك لما فيه من عذاب، لكن لأن روّاده هم أعداؤك. وإن كنت أحب المجد السماوى فليس لأجل لذتى، بل لأن المتلذذين هناك هم أحباؤك... إن مجدك يا رب هو لمحبيك... يقول الرسول بولس: ما لم ترَ عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على بال إنسان ما أعدّه الله للذين يحبونه "(1كو 2: 9)... نعم إن أمجاد الله لمحبيه فقط]...

إذا علمنا ذلك فكم كان قاسياً على قلب الرب يسوع خيانة يهوذا تلميذه؟! ويزيد من قسوة الأمر أن يهوذا جعل من القبلة التى تعبّر عن الحب، علامة يسلّمه بها لأعدائه!!... وكل ما عمله الرب انه اكتفى بكلمة عتاب ليهوذا:

«يا يهوذا ابقبلة تسلّم ابن الإنسان» (لو 22: 48)).

فى سيرة ا لقديس الأنبا بيمين – وهو أحد آباء البرية الكبار – ان بائع سمك كان يتردد عليه، واعتاد أن يمضى كل يوم أحد معه فى البرية... وفى أحد الأيام طلب أنبا بيمين إليه أن يكلم الاخوة كلمة منفعة... وبعد خجل وتمنع قبل الرجل من أجل الطاعة... قال:

[كان لرجل ثلاثة أصدقاء. اراد هذا الرجل أن يذهب لمقابلة ملك البلاد لكنه لم يكن كفء لذلك. فطلب إلى صديق منهم أن يصحبه، لكنه وعده بمرافقته إلى منتصف الطريق... ذهب إلى الصديق الثانى فوعده بمرافقته إلى باب القصر الملكى. أما الصديق الثالث فرضى أن يشير معه الطريق كله ويدخل معه إلى الملك ويتكلم نيابة عنه... ثم بدأ يفسرّ لهم كلامه... قال لهم إن الصديق الأول يشير إلى النُسك بدون محبة.

« وإن سلّمت جسدى حتى احترق ولكن ليس لى محبة فلا انتفع شيئاً» (1كو 13: 3)).

.. والصديق الثانى يشير إلى القداسة التى بدونها لن يرى أحد الرب... أما الصديق الثالث فهو المحبة أعظم الفضائل جميعاً، والتى بدونها لن يستفيد إنسان من جهاده مهما كان، ومهما بلغت تضحياته...

لماذا يجب أن يحب الإنسان الله؟

أ - لأن سعادة الإنسان هى فى الله، وروحه لا تستريح إلاَّ فيه:

إن محبة الإنسان لله هى مصدر سعادته، بل سعادة المجتمع الإنسانى كله.. إذا نزعنا المحبة من المجتمع الإنسانى ساده الظلم والخبث والفساد والنفاق والسلب والنهب والغش والخيانة والمكايد والحروب. وهذه ولا شك تسبب لأفراد المجتمع شدائد ومصائب وأخطاراً وشروراً... والله بحكمته السامية دبرّ للإنسان كل ما يجلب له السعادة. وحين أمرنا بالمحبة، وان نحبه من كل القلب، ومن كل الفكر، ومن كل القدرة، فليس ذلك لأنه بحاجة إلى محبة الإنسان بل لكى يعطى الإنسان كل ما يُسعده. والتأكيد على هذه المحبة بكلمة "كل" فى كل مرة، إنما يبيّن لزوم هذه المحبة للإنسان.

يقول الجامعة:

«يرجع التراب إلى الأرض كما كان، وترجع الروح إلى الله الذى أعطاها» (جا 12: 7)).

.. وحيث أن الروح هى من الله، فهى لا تستريح إلاَّ فيه... يقول المرتل: "ارجعى يا نفسى إلى موضع راحتك" إن القديس أغسطينوس الذى عاش حياة الخطية والدنس فى أعماقها، وخَبَر حياة النعمة فى أوج سموّها، يقول فى اعترافاته مناجياً الله: [لقد خلقنا لك يا الله، ونفوسنا ستظل بلا راحة حتى تستريح فيك]... هذا الكلام يتمشى مع قول ا لسيد المسيح: "تعالوا إلىَّ يا جميع المتعبين والثقيلى الأحمال وأنا اريحكم"... المسيح له المجد الذى خلق الإنسان ويعرف طبيعته وانه لن يجد الراحة بعيداً عن الله، دعا جميع المتعبين أن يأتوا إليه لكى يريحهم، على اعتبار ان الراحة هى فى كنفه وتحت ظله وفى الحياة معه...

ليس للإنسان راحة إلاَّ فى الله خالقه، وروحه لا تستريح إلاَّ فيه... إن الحمامة التى أرسلها نوح من الفلك ليكتشف جفاف مياه الطوفان، لماّ لم تجد مقراً لرجلها رجعت إلى نوح فى الفلك (تك 8: 9). هكذا النفس الوديعة المخلوقة على صورة الله فى البرّ وقداسة الحق، لا تجد راحتها إلاَّ فيه.. إنه هو شبعنا إذ هو خبز الحياة، وهو ارتواؤنا إذ هو الماء الحىّ، وهو الطريق الوحيد إلى الآب. إنه هو ضياء حياتنا إذ هو نور العالم، وهو الراعى الصالح الذى يقتادنا إلى ينابيع الماء الحىّ...

ب – من أجل احساناته الدائمة:

يقول المرتل داود النبى:

«باركى يا نفسى الرب ولا تنسى كل حسناته» (مز 103: 2)).

.. بعدها يعدّد بعض هذه الاحسانات: "يغفر جميع ذنوبك. يشفى كل أمراضك. يفدى من الحفرة حياتك. يكللك بالرحمة والرأفة. يشبع بالخير عمرك فيتجدّد مثل النسر شبابك... لم يصنع معنا حسب خطايانا، ولم يجازنا حسب آثامنا. كما يترأف الأب على البنين يترأف الرب على خائفيه"... ويقول المرتل:

«ماذا أردُّ للرب من أجل كل حسناته لى. كأس الخلاص أتناول وباسم الرب ادعو» (مز 116: 12).

، 13)... ويعلّق القديس أغسطينوس على كلام المرتل هذا بقوله: [إن ذاك الذى قال هذا فى المزمور أبان كم هى عظيمة الأعمال التى صنعها الرب معه. وبحث ماذا يجب عليه أن يردّه لله، ولكنه لم يجد شيئاً!! لأنه مهما قدمت من شئ فهذا قد اقتبلته من الله لترده. وماذا وجد المرنم ليقدمه للرب مقابل احساناته؟ كأس الخلاص أتناول وباسم الرب ادعو. ومَن الذى أعطاه كأس الخلاص إلاَّ ذاك الذى أراد أن يرد له شيئاً مقابل احساناته]...

يقول ارميا النبى: "اردد هذا فى قلبى. من أجل ذلك أرجو. انه من احسانات الرب أننا لم نَفْنَ لأن مراحمه لا تزول هى جديدة فى كل صباح. كثيرة أمانتك" (مراثى 3: 21، 23)... إنه يعطينا حياة ونفساً وكل شئ. وبه نحيا ونتحرك ونوجد (أع 17: 25، 28)... ومنذ البداية أعلن الله لموسى عن نفسه انه.

«إله رحيم ورؤوف بطئ الغضب وكثير الاحسان والوفاء. حافظ الاحسان إلى ألوف. غامر الإثم والمعصية والخطية» (خر 34: 6).

، 7)... وقال بلسان إشعياء النبى:

«الجبال تزول والآكام تتزعزع، أما احسانى فلا يزول عنك وعهد سلامى لا يتزعزع قال راحمك الرب» (إش 54: 10)).

.. وداود النبى يناجى الله قائلاً:

«أذكر مراحمك يا رب واحساناتك لأنها منذ الأزل هى» (مز 25: 6)).

ﺠ - من أجل حنانه العجيب:

حنان الله العجيب يسبى الإنسان ويأسره. إنه كأب يحنو على أولاده، وكالطير الذى يجمع فراخه... قال رب المجد فى حزن على أورشليم:

«يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها، كم مرة أردت أن أجمع أولادكِ كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا» (لو 13: 34)).

.. إنه لا يعامل الإنسان حسب خطاياه ولا يجازه حسب آثامه... يقول بلسان إشعياء النبى:

«لحيظة تركتك وبمراحم عظيمة سأجمعك. بفيضان الغضب حجبتُ وجهى عنك لحظة، وباحسان أبدى أرحمك» (إش 54: 7)).

.. ويقول لموسى النبى:

«لأن الرب إلهك إله رحيم لا يتركك ولا يهلكك ولا ينسى عهد آبائك» (تث 4: 31)).

.. وقال سليمان فى صلاة تدشين الهيكل:

«أيها الرب... ليس إله مثلك فى السماء، من فوق ولا على الأرض من أسفل، حافظ العهد والرحمة لعبيدك السائرين أمامك بكل قلوبهم» (1مل 8: 23)).

.. ويقول المرتل:

«رضيت يا رب على أرضك... غفرت إثم شعبك. سترت كل خطيتهم. حجزت كل رجزك. رجعت عن حمو غضبك» (مز 85: 1 - 3)).

.. والله فى حنانه يقول:

«بسطت يدىَّ طول النهار إلى شعبك متمرد سائر فى طريق غير صالح وراء أفكاره» (إش 65: 2)).

ويقول السيد المسيح عن الله فى حنانه إنه:

«منعم على غير الشاكرين والأشرار» (لو 6: 35).

ويقول بولس الرسول: "حين ظهر لطف مخلصنا الله واحسانه" (تى 3: 4)، ويدعوه بولس فى موضع آخر:

«أبا الرأفة» (2كو 1: 3)).

.. وحينما تُسَدّ جميع الأبواب فى وجوهنا يظل باب الله مفتوحاً دائماً لن يغلق فى وجه أشر الخطاة "مَن يقبل إلىَّ لا أخرجه خارجاً"...

إن مريض بيت حسدا الذى ظل ثمان وثلاثين سنة يعانى من مرضه العضال، حينما سأله المسيح إن كان يريد أن يبرأ، كان جوابه: "ليس لى إنسان" لذا جاءه المسيح (يو 5)... إن المسيح هو معين مَن ليس له معين له ورجاء من لا رجاء له... والمرأة نازفة الدم التى انفقت كل معيشتها على الأطباء ولم تستفد شيئاً، بل كانت تصير إلى حال أردأ، حالما لمست هدب ثوب المسيح برئت من دائها (مر 5)... حينا يتعبنا العالم ويضايقنا من أى زاوية، نجد اذرع المسيح الأبدية مفتوحة لحملنا واحتضاننا...

إن الله يقابل خطايانا بحب وعطف ورحمة. ولا عجب فهو لا يصنع معنا حسب خطايانا ولا يجازنا حسب آثامنا (مز 103: 10)... لقد أنكره بطرس وأقسم انه لا يعرفه ولعنه وجدّف عليه. فماذا كانت النتيجة؟ بعد أن حدث كل ذلك صاح الديك فتذكر كلام المخلّص فخرج إلى خارج وبكى بكاءً مراً... ثم ماذا بعد هذا. يلتقى به المسيح بعد قيامته المجيدة عند بحر طبرية ويسأله ثلاثاً "يا سمعان بن يونا أتحبنى"، وعندما أجاب بالايجاب قال له: ارع خرافى "(يو 21)... لقد رده المسيح إلى رتبة الرسولية مرة ثانية بعد أن انكره... فهل هذا هو الجزاء المناسب لتلميذ أنكر وجدّف ولعن؟!!

وشاول الطرسوسى (بولس الرسول) الذى كان يضطهد كنيسة الله بافراط ويخرّبها، والذى كان يجر المسيحيين إلى السجون، والذى قال عن نفسه إنه كان مجدفاً ومضطهداً ومفترياً، عامله المسيح برفق حينما التقى به قرب دمشق وقال له: "لماذا تضطهدنى؟"... وحينما قال له شاول: "ماذا تريد يا رب أن تفعل"، جعل منه إناءً مختاراً يحمل اسمه أمام أمم وملوك وبنى إسرائيل بل جعل منه رسولاً للعالم أجمع (أع 9)... هذا هو إلهنا الحنون الذى لا يعاملنا بحسب أعمالنا وكثرة خطايانا...

د – لأن عدم محبتنا لله إهانة له:

إن عدم محبتنا لله مقابل محبته تعتبر اهانة له... فى أكثر من موضع فى العهدين القديم والجديد يقدم المسيح ذاته كالعريس والنفس البشرية كالعروس. لقد تضمن الكتاب المقدس سفراً بأكمله هو سفر النشيد فيه يوضح الله محبته لنا بصورة رمزية كالعريس والعروس. واوضح ذلك فى العهد الجديد فى أكثر من موضع منها مثل العشر عذارى...

لقد خطبنا المسيح لذاته عروساً:

«خطبتكم لرجل واحد لأقدم عذراء عفيفة للمسيح» (2كو 11: 2)).

.. إن العريس يريد من عروسه أن تكون له، وله وحده. لا تنظر لسواه، ولا تعطى محبتها لغيره... وإذا حدث ما هو على خلاف ذلك، واكتشف الخطيب أن خطيبته تعطى محبتها لإنسان آخر أعتبر ذلك اهانة له، وفسخ هذه الخطبة... هكذا فإن الله كعريس نفوسنا يريدنا بالتمام له، وهو يعتبر عدم محبتنا له إهانة له...

ومن التعبيرات التى استخدمها الله فى العهد القديم عن شعبه حينما كان ينحرف عن عبادته إلى عبادات أخرى قوله:

«شعبى زنى وراء آلهة أخرى» (قض 2: 17)).

.. والزنا هنا معناه انهم أعطوا محبتهم لآلهة أخرى، أو صاروا لآلهة أخرى على نحو ما يقول بولس الرسول إن المرأة تدعى زانية إن صارت لرجل آخر غير زوجها وهو على قيد الحياة (رو 7: 3).

ﻫ - محبة الإنسان لله تشعه بفناء العالم وتفاهته:

ولأن الإنسان الذى يحب الله ينشغل به دائماً، فإن أشواقه تكون فى السماويات، وبالتالى فإنه يشتهى عالماً أفضل أى سماوياً (عب 11: 16)... يقول بولس الرسول:

«فإذاً نحن واثقون كل حين وعالمون أننا ونحن مستوطنون فى الجسد فنحن متغربون عن الرب... نثق ونُسَرّ بالأولى أن نتغرب عن الجسد ونستوطن عند الرب» (2كو 5: 6).

، 8)... كما يُعبرّ عن أشواقه بقوله: "لى اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح، ذاك أفضل جداً" (فى 1: 23)...

وسمعان الشيخ حينما حمل الطفل يسوع فى الهيكل بارك الله قائلاً:

«الآن تطلق عبدك يا سيد حسب قولك بسلام، لأن عينىَّ قد أبصرتا خلاصك» (لو 2: 29).

، 30)... والمرتل يقول:

« ويلى فإن غربتى قد طالت علىَّ» (مز 120: 5).

، كما يقول:

«غريب أنا على الأرض فلا تخفى عنى وصاياك» (مز 119: 19)).

.. وحينما مثل يعقوب إسرائيل أمام فرعون مصر الذى كان معاصراً ليوسف سأله: "كم هى أيام سنى حياتك"، فأجاب مستدركاً.

«أيام سنى غربتى مائة وثلاثون سنة قليلة ورديّة» (تك 47: 9)).

وسليمان أحكم أهل زمانه بعد أن اختبر كل أمور العالم الحاضر قال باطل الأباطيل الكل باطل وقبض الريح، ولا منفعة تحت الشمس (جا 1)... من أجل كل ذلك – من أجل الاحساس بفناء العالم الحاضر، زهد القديسون والأبرار فى العالم وكل ما فيه وعاشوا كغرباء ونزلاء فيه، محبة فى الملك المسيح... إنه بقدر ما تنمو محبة الإنسان للمسيح بقدر ما يحتقر كل ما فى العالم. بهذا نفهم كلمات الرسول:

«لا تحبوا العالم ولا الأشياء التى فى العالم» (1يو 2: 15)).

و– محبة الإنسان لله تنقذه من الوقوع فى الخطأ:

إن المحبة من شأنها أن تشغل الإنسان بمَن يحبه، سواء كان المحبوب حاضراً أم غائباً. وكلما زادت المحبة كلما تعمّق هذا الاحساس لدى المحب بحيث يملك عليه مشاعره واحاسيسه... فإذا كانت هذه المحبة بين إنسان وبين الله وبعمق، فإن الإنسان المحب يشعر بوجوده الدائم فى حضرة الله فى أى مكان وزمان، يناجيه ويحرص على فعل ما يرضيه وتجنب ما يُغضبه... هذا فضلاً عن فوائده الإيجابية، إذ يحول بين الإنسان والوقوع فى.

«الخطية المحيطة بنا بسهولة» (عب 12: 1)).

ولعل كلمات داود النبى.

«جعلت الرب أمامى فى كل حين لأنه عن يمينى فلا أتزعزع» (مز 16: 8).

تعبّر عن محبته العميقة لله، وبالتالى الاحساس الدائم بالوجود فى حضرته... وكذلك كلمات إيليا النبى كان يقولها:

«حىّ هو رب الجنود الذى أنا واقف أمامه» (1مل 18: 15)).

.. وكذلك كلمات يوسف الصديق حينما ضغطت عليه امرأة سيده فوطيفار أن يخطئ معها.

«كيف أصنع هذا الشر العظيم وأخطئ إلى الله» (تك 39: 9)).

..

والحق ان الإنسان تتملكه الدهشة من كلمات يوسف هذه!! كان من المنتظر – بعد كل الذى حلّ به على أيدى اخوته – أن يقول: أين هو الله؟ لو كان هناك إله موجود فلماذا تخلى عنى وترك اخوتى يفعلون بى ما فعلوا حتى يبيعوننى عبداً وأنا ابن يعقوب وسليل إبراهيم وإسحق... لكن يوسف كان من طراز آخر، وكان إحساسه بوجوده فى حضرة الله عظيماً... وهكذا نجا من تجربة قاسية، وخطيئة أكيدة مميتة...

ونود هنا أن نضيف شيئاً، وهو أن ظروف الحياة القاسية وتياراتها العنيفة، وشهواتها واغراءاتها الصعبة تجرف كثيرين من غير المتأصلين فى محبة الله، فيتخلون عن المبادئ المقدسة، ويلجأ البعض إلى السرقة أو الرشوة أو النصب والاحتيال. ويلجأ البعض إلى الارتداد عن الإيمان كلية خوفاً من شئ ما أو سعياً وراء شئ جسدى أو عالمى... على أن الذى يقود أمثال هؤلاء لأفعالهم الشائنةن ليست ضغطات الحياة وحدها بل بالأكثر عدم محبتهم للمسيح.

ومنذ عهد الرسل تعرض المؤمنون لأمثال هذه الضغطات وأكثر منها، ومع ذلك لم يستطع شئ أن ينال من إيمانهم أو يزحزحهم عن محبتهم لله التى فى المسيح... لنستمع إلى بولس الرسول وهو يقول لأهل كورنثوس...

«إلى هذه الساعة نجوع ونعطش ونعرّى ونُلكم وليس لنا إقامة. ونتعب عاملين بأيدينا. نُشتم فنبارك، نضطهد فنحتمل. يُفترى علينا فنعظ» (1كو 4: 11 - 13)).

.. وقال عن ذاته وعن المؤمنين:

«نخاطر كل ساعة» (1كو 15: 30)).

.. وقال إنه يموت كل يوم (1كو 15: 31)... ولا تعليل لكل ذلك إلاَّ فى المحبة التى تحتمل كل شئ من أجل المحبوب وتصبر على كل شئ... بل إن هذه الضغطات والشدائد تؤول لمحبى الله إلى نصرة.

«لكننا فى هذه جميعها يعظم انتصارنا بالذى أحبنا» (رو 8: 37)).

ز – محبة الإنسان لله تخلصه من السرقات الروحية:

والمقصود بالسرقة الروحية، أى شئ يستطيع أن يسرق محبتك لله حتى لو كان هذا الشئ طيباً ومشروعاً!! وهذه نقطة دقيقة وحساسة. والسارق لا يسرق إنساناً إلاّ بخفة دون أن يشعر. ولا ينهب بيتاً إلاَّ إذا تأكد أن أصحابه أما نياماً أو غائبين. والسارق هنا هو إبليس.

ولا يجب الاستهانه بهذا الأمر، فقد يكون ما يسرق محبتنا شئ مشروع كمحبة الوالدين أو الزوجة أو الأولاد... يقول رب المجد:

«مَن أحب أباً أو أماً أكثر منى فلا يستحقنى. ومَن أحب ابناً أو ابنة أكثر منى فلا يستحقنى» (مت 10: 37)).

.. احترس مما وممن يسرق محبتك لله... قد يكون أحد أفراد أسرتك أو مالاً أو منصباً أو درجة علمية تسعى للحصول عليها. وقد يكون صديقاً ترتبط به بصداقة قديمة... وقد يكون شيئاً من ضغطات الحياة، وما أكثرها فى هذه الأيام الصعبة...

يقول القديس أغسطينوس: [احترس لئلا يسرقك الشيطان فيقول لك إن الله خلق كل الأشياء لتتنعم بها. لقد نسى الناس خالقهم الواحد وازدروا به حينما لم يستعملوا الأشياء المخلوقة بتعفف بل بشهوة. وعن مثل هؤلاء قال الرسول:

« واتقوا وعبدوا المخلوق دون الخالق الذى هو مبارك إلى الأبد» (رو 1: 25).

].

محبة الإنسان لله ومحبته للعالم:

لكلمة العالم ثلاثة معانِ: العالم بالمعنى الجغرافى أى المسكونة كلها. والعالم بمعنى الخليقة على نحو ما يقول السيد المسيح لتلاميذه: "إذهبوا إلى العالم أجمع اكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها"... والعالم بمعنى الشهوات الشريرة وشرور العالم على نحو ما يقول يوحنا الرسول:

«لأن كل ما فى العالم شهوة الجسد وشهوة العيون وتعظم المعيشة، ليس من الآب بل من العالم» (1يو 2: 16)).

.. وما نعنيه هنا هو هذا المعنى الشرير الأخير، كما يقول الرسول أيضاً:

«نعلم أننا نحن من الله والعالم كله قد وُضِعَ فى الشرير» (1يو 5: 19)).

ويتكلم الكتاب المقدس بغاية الوضوح عن خطورة محبة العالم...

«لا تحبوا العالم ولا الأشياء التى فى العالم. إن أحب أحد العالم فليست فهي محبة الآب. لأن كل ما فى العالم شهوة الجسد وشهوة العيون وتعظم المعيشة. ليس من الآب بل من العالم. والعالم يمضى وشهوته، وأما الذى يصنع مشيئة الله فيثبت إلى الأبد» (1يو 2: 15 - 17)).

.. ويقول يعقوب الرسول متسائلاً:

«أما تعلمون أن محبة العالم عداوة لله. فمن أراد أن يكون محباً للعالم فدق صار عدواً لله» (يع 4: 4)).

يقول القديس أغسطينوس: [هناك نوعان من الحب: محبة العالم ومحبة الله. إن سكنت فينا محبة العالم، فليس هناك سبيل لمحبة الله أن تدخل. فدَعْ عنك محبة العالم لتحلّ محبة الله... لا يقل أحد فى قلبه أيها الاخوة إن هذا غير صحيح. لقد قالها الله. لقد تكلم الروح القدس بواسطة الرسول، فليس شئ أكثر صدقاً من قوله: "إن أحب أحد العالم فليست فيه محبة الآب". فليتكلم تقتنون محبة الآب حتى يمكنكم أن تشاركوا الابن فى الميراث. انكم إناء، فرّغوا ما فيه حتى تقتبلوا ما ليس فيه. جيد ألاَّ نحب العالم لئلا تبقى أسرار الكنيسة المقدسة فينا للهلاك الأبدى. ولا تصبح وسيلة لتقويتنا للخلاص. إن ما يقوينا للخلاص أن يكون لنا أصل المحبة و "قوة التقوى"، لا الصورة فقط (2تى 3: 5). إن الصورة حسنة ومقدسة، ولكن بماذا تنفع الصورة إن لم يكن لها الأصل. ألا يُلقى الفرع المقطوع فى النار؟ لتكن لك الصورة لكن بالأصل. ولكن بأية طريقة أنتم متأصلون حتى لا تُقلعوا؟ باقتناء المحبة كما يقول الرسول بولس:

« وأنتم متأصلون ومتأسسون فى المحبة» (أف 3: 18)).

ولكن كيف تتأصل المحبة وسط برية العالم المقفرة. وكل ما فى العالم شهوة الجسد وشهوة العيون وتعظم المعيشة، ليس من الآب بل من العالم... والسؤال لماذا لا أحب ما عمله الله؟ إما أن تحب الأشياء الزمنية وتمضى مع الزمان، وإما أن لا تحب العالم وتحيا إلى الأبد مع الله... هل محبة العالم تطويك فى دوامتها؟ امسك المسيح بسرعة. لأجلك صار زمنياً حتى يمكنك أن تصير أبدياً. لقد أضيفت إليه بعض الأشياء من الزمان، دون أن يفقد شيئاً من ازليته. لكن أنت ولدت زمنياً وبالخطية صرتَ زمنياً. لقد صرت زمنياً بالخطية، ولكنه هو صار زمنياً بالرحمة لغفران الخطايا. ما أكثر الفارق بين اثنين فى سجن واحد. بين المجرم ومن جاء لزيارته!! يحدث أحياناً أن يأتى شخص ويدخل السجن الزيارة صديقه المسجون. الاثنان فى سجنٍ. ولكنهما يختلفان اختلافاً كبيراً. احدهما تحتم عليه قضيته، بينما الثانى ساقته إنسانيته. وهكذا نحن فى حالتنا المستحقة الموت. لقد أمسكنا بذنبنا، وهو فى رحمته نزل إلينا. ودخل إلى الأسر فادياً].

والكتاب المقدس يضع حداً فاصلاً بين محبة الله ومحبة العالم... بين النور والظلام، كما بين الخير والشر. ولا يجب الخلط بين محبة الله ومحبة العالم. وسلوك الإنسان وحده هو الذى يحدّد نوعية محبة الإنسان، هل هى لله أم للعالم... يقول صاحب النشيد بلسان العروس مخاطبة عريسها:

«اجعلنى كخاتم على قلبك، كخاتم على ساعدك. لأن المحبة قوية كالموت» (نش 8: 6)).

إن وصية المسيح له المجد أن نحب الله من كل القلب والفكر والقدرة. ولا ينبغى أن نشرك آخر أو آخرين، أى أى أمور عالمية مع الله فى محبتنا. بل لتكن محبتنا للآخرين من خلال محبتنا لله، فإن ذلك يقدّس هذه المحبة ويقويها وينقيها...

أتت إلى سليمان ملك إسرائيل امرأتان مختلفتان على طفل. كل منهما تدعى بنوته لها، لأن الاثنتين ولدتا فى وقت واحد تقريباً. وإذ أراد سليمان بما أوتى من حكمة معرفة الأم الحقيقية، أمَرَ أن يؤتى بسيف، وأمر أن يشطر الطفل اثنين لتأخذ كل إمرأة نصفاً. تهللت إحداهما لهذا الحلّ، بينما قالت الأخرى: "استمع يا سيدى. أعطوها الولد الحىّ ولا تميتوه". فعلم سليمان أن هذه هى الأم الحقيقية (1مل 3: 16 - 27)... إن الأم غير الحقيقية لا يهمها أن يموت الطفل. أما الأم الحقيقية فلا ترضى إلاَّ بالابن حياً وكاملاً... هكذا الله لا يرضى إلاَّ بقلب الإنسان ومحبته كاملة. أما عدو الخير فلأنه سارق وليس مالكنا، فإنه يُسَرّ بما يستطيع أن يحصل عليه منا.

لكن ربما بدا الأمر صعباً بالنسبة لكثيرين. إنهم يتساءلون كيف يكون الإنسان عائشاً فى العالم ولا يحبه أو يتعامل معه؟... يقول القديس اغسطينوس: [حبّ الله وافعل ما شئت]. لكن فى هذه الحالة سوف لا تعمل ما تريده أنت، بل ما يريده الله لأن محبة المسيح تحصرك كما يقول الرسول بولس (2كو 5: 14)... اجعل محبة الله هى الأولى، وبعد ذلك ستعرف ما يمكنك أن تعمله دون أن تخطئ إلى هذه المحبة أو تهينها... إن محبة العالم عداوة لله... وكثيراً ما يجرح المسيح فى بيت أحبائه (زك 13: 6)... ولنحذر الخطية فإنها سبب فتور المحبة.

«لكثرة الإثم تبرد محبة الكثيرين» (مت 24: 12)).

فى أى شئ تظهر محبة الإنسان لله؟

أ - فى محبته لله أكثر من أى شئ أو أى أحد، حتى لو كانت محبة طاهرة ومشروعة. وهذه قد تكلمنا عنها قبلاً فى ثنايا حديثنا.

ب - فى محبته لكل الخليقة لا سيما الإنسان. وقد اشرنا إلى ذلك قبلاً وسنتناول موضوع محبة الإنسان فى الموضوع المقبل...

ﺠ - فى مشاركة المسيح آلامه... ليس أدل على محبة إنسان لآخر من مشاركته آلامه وضيقاته... أو فى احتماله للآلام من أجله... والسيد المسيح وإن كان قد أكمل الفداء على الصليب، لكن آلامه لم تكتمل ومازالت حتى الآن. يقول الرسول بولس لأهل كولوسى:

«أفرح فى آلامى لأجلكم، وأكملّ نقائص شدائد المسيح فى جسمى لأجل جسده الذى هو الكنيسة» (كو 1: 24)).

.. والمؤمنون بالمسيح يكملون ألامه حتى الآن... لذا فى رسلته إلى خادم كنيسة أفسس يقول السيد المسيح: "أنا عارف أعمالك وتعبك وصبرك... وقد احتملت ولك صبر وتعبت من أجل اسمى ولم تكلّ" (رؤ 2: 2، 3)... ولقد جعل المسيح حمل الصليب علامة من علامات التلمذة له وتبعيته... ومتى يحمل الإنسان الصليب... يقول المسيح.

«كل يوم» (لو 9: 23)).

.. وأين نحمل الصليب بالمفهوم الحقيقى والروحى... فى كل مكان وفى كل مناسبة. إنها الشهادة الحية أننا تلاميذه واتباعه.

«تكونون لى شهوداً فى أورشليم وفى كل اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض» (أع 1: 8)).

..

إن كل ما يأتى على المؤمن من ضيقات – طالما أنها ليست بسبب أخطائه – فإنها تكون من أجل المسيح، سواء كانت ضيقات روحية من عدو الخير، أو مضايقات أخرى يثيرها علينا عدو الخير أيضاً... تكفى كلمات المسيح التى أنبأنا بها عما سيحل بنا.

«تكونون مبغضين من الجميع من أجل اسمى» (مت 10: 22)).

.. وواضح هنا أن البغضة ليست بسبب خطأ ارتكبناه، بل "من أجل اسمى"!!

د – فى خدمة المسيح:

الخدمة بصفة عامة فى المفهوم الروحى، هى التعبير العملى عن محبة الإنسان لله... فلقد أتم المسيح فداءه للبشر على الصليب، وأسس الكنيسة فى يوم الخمسين، لكنه ترك مهمة امتداد ملكوته على الأرض لتلاميذه وكل مَن يتتلمذون على أيديهم... ومازلنا كل يوم نطلب إلى الله فى الصلاة التى سلمنا إياها المسيح قائلين: "ليأتِ ملكوتك"...

والخدمة ليست وقفاً على جماعة من البشر، كما انها ليست من نوع واحد. لذا يقول الرسول بولس:

«أنواع مواهب موجودة ولكن الروح واحد. وأنواع خِدَم موجودة ولكن الرب واحد. وأنواع أعمال موجودة ولكن الله واحد» (1كو 12: 4 - 6)).

.. ليست خدمة التعليم إلاَّ نوعاً من أنواع الخدمة الكثيرة والمتنوعة... ولا نكون مبالغين إذا قلنا إنه لا يمكن إحصاء أنواع الخدمة... قد تكون كلمة طيبة تريح إنساناً خدمة، وقد تكون تعزية إنسان حزين خدمة، وقد تكون فك ضيقة إنسان محتاج خدمة، وقد تكون النصيحة المخلصة خدمة... هذا ناهيك عن أنواع الخَدَم المتعارف عليها بين الناس... لنفهم جيداً أن الخدمة فى أى صورة من صورها هى تعبير عن حب. لذا فالإنسان المحب يعرف كيف يخدم جيداً، بعكس الإنسان الذى تنقصه المحبة وتتوفر له مواهب كثيرة... لذا يقول القديس بولس لأهل غلاطية:

«بالمحبة اخدموا بعضكم بعضاً» (غل 5: 13).

، ويشير فى رسالته إلى أهل تسالونيكى إلى عمل إيمانهم وتعب محبتهم (1تس 1: 3)... وفيما نحن نخدم اخوتنا فإننا نقدم الخدمة له.

«بما إنكم فعلتموه بأحد اخوتى هؤلاء الأصاغر فبى فعلتم» (مت 25: 40)).

فضائل ترتبط بمحبة الإنسان لله:

سبق القول ان الفضائل جميعاً ترتبط بالمحبة، وقد شبهنا المحبة بالنسبة لبقية الفضائل بخيط المسبحة الذى يمرّ وينفذ فى كل حبات المسبحة، ويجعل منها وحدة واحدة، ولذا دعاها الرسول بولس: "رباط الكمال"... لكننا نخص بالكلام هنا بعض الفضائل الأساسية كالإتضاع ونقاوة القلب والصبر والاحتمال والعطاء...

أ – الإتضاع:

الإتضاع والحب يتعاضدان ويؤازر كل منهما الآخر... يقول القديس أغسطينوس: [حيث المحبة هناك السلام. وحيث التواضع نجد المحبة]... ويقول القديس يوحنا الدرجى: [لا شئ أفضل من الإتضاع والحب. لأن الاتضاع يرفع كما قال الرب، والحب يمسك فى الارتفاع كما قال الرسول إن المحبة لا تسقط أبداً ولا تبطل].

إن محبتنا لله يقوّمها الإتضاع ويقوّيها. فحينما يشعر الإنسان بكثرة خطاياه ورداءة سيرته، ويشعر إلى جانب ذلك بأن الله مازال أميناً فى محبته له والعناية به، تكون مشاعر الإتضاع والإنسحاق هذه سبباً فى اضرام قلبه بمحبة الله... هذه المشاعر هى التى اضرمت نار محبة الله فى قلوب القديسين، ومازالت تحرك كثيرين نحو هذا الهدف السامى...

وإذا كان الاتضاع عامل هام فى تدعيم المحبة، فإن المحبة بدورها تقوّى الإتضاع وتدعمه. ويبدو هذا فى علاقتنا بالله والناس... فاحساسنا بشدة وعمق محبة الله لنا يزيدنا إنسحاقاً، ومن الناحية الأخرى فإن إتضاعنا يجذب محبة الله نحونا. ونفس الشئ يحدث فى علاقاتنا بالآخرين...

ب - نقاوة القلب:

السيد المسيح فى عظته على الجبل يطوّب أنقياء القلب لأنهم يعاينون الله (مت 5: 8)... ويقول المرتل:

«من يصعد إلى جبل الرب، ومن يقوم فى موضع قدسه. الطاهر اليدين والنقى القلب» (مز 24: 3).

، 4)... والقلب النقى هو القلب الذى تنقى من الخطية ومن الأباطيل، وبدأ يثمر ثمار الروح. وأول ثمرة من ثمار الروح القدس هى المحبة (غل 5: 22)... وإذا كان السيد المسيح قد طوّب أنقياء القلب فلأنهم يعاينون الله... ومعاينة الله تحتاج أول ما تحتاج إلى المحبة، لأن الله محبة.

ج – الصبر والأحتمال:

إن محبة الإنسان لله – وحتى محبتنا للآخرين – لا تظهر إلاَّ بالصبر والاحتمال، فالمحبة تحتمل كل شئ (1كو 13: 7). فضلاً عن أن المحبة تهوّن علينا الشدائد والآلام والضيقات. فمن أجل محبة الله يكون الإنسان مستعداً لتقبل الآلام وكل ما يأتى عليه، حتى أن السول بولس يقول:

«من أجلك نُمات كل النهار. قد حُسبنا مثل غنم للذبح. ولكننا فى هذه جميعها يعظم انتصارنا بالذى أحبنا» (رو 8: 36).

، 37)...

ولدينا مثل رائع فى العهد القديم فى قصة زواج يعقوب أب الآباء براحيل... حينما طلب يعقوب يد راحيل ليتزوج منها، اشترط عليه خاله لابان أن يخدمه سبع سنين مقابل زواجه منها. ونفذ يعقوب ما تعهد به لخاله وخدمه سبع سنين. ويقول الكتاب:

«كانت فى عينيه كأيام قليلة بسبب محبته لها» (تك 29: 20)).

.. لكن القصة لم تكتمل، فلقد خدعه خاله لابان وزوّجه من ليئة شقيقة راحيل الكبرى وحينما طالب براحيل اشترط عليه أن يخدم سبع سنين أخرى. وبالفعل خدم يعقوب خاله لابان أربع عشرة سنة لكى يفوز براحيل من أجل عظم محبته لها...

د – العطاء:

يرتبط العطاء بالمحبة... وحينما نقول العطاء فنحن لا نقصد إلى الناحية المادية فقط، بل العطاء فى كل صوره. وليس من المبالغة إن قلنا إن العطاء المادى هو أدنى أنواع العطاء... فالإنسان فى عطائه يتدرج من العطاء المادى إلى عطاء الوقت والجهد، حتى يصل بالنسبة للبعض إلى عطاء النفس حينما يكرّس حياته تكريساً كاملاً لله على نحو ما يفعل من يعيشون حياة التبتل فى الرهبنة، أو الخدمة الكهنوتية فى العالم أو المكرسون فى أية صورة من صور التكريس.

والله لا يقبل عطايانا وتقدماتنا إلاَّ إن كانت عن حب فان.

«أعطى الإنسان كل ثروة بيته بدل المحبة تحتقر احتقاراً» (نش 8: 7)).

.. والرسول بولس يقول:

«إن اطعمت أموالى وأسلمت جسدى حتى احترق ولكن اليس لى محبة فلا انتفع شيئاً» (1كو 13: 3)).

والرسول يوحنا الحبيب يربط بين العطاء والمحبة حينما يقول:

« وأما مَن كان له معيشة العالم ونظره أخاه محتاجاً وأغلق أحشاءه عنه، فكيف تثبت محبة الله فيه. يا أولادى لا نحب بالكلام ولا باللسان بل بالعمل والحق» (1يو 3: 17).

، 18).

يقول الرسول بولس:

«كل واحد كما ينوى بقلبه، ليس عن حزن أو اضطرار، لأن المعطى المسرور يحبه الله» (2كو 9: 7)).

.. ولا شك أن السرور فى العطاء إنما يدل على ما يكنه قلب المعطى من محبة نحو الله، لأنه يحسّ وهو يُعطى إنساناً إنما يعطى الله ذاته...

وثمة قصص كثيرة فى تاريخ الكنيسة توضح لنا أنه كلما زاد الإنسان فى محبته لله كلما زاد فى عطائه، ونكتفى بذكر واحدة منها وهى عن القديس بطرس العابد...

بدأ حياته قاسياً فى معاملته، شديداً فى شّحه وبخله، حتى لقبوه بمَن لا رحمة فيه. قصده فقير ذات يوم يسأل صدقة، فلم يجبه إلى طلبه. لكن السائل استمر فى الحاحه. واتفق أن وصل غلامه يحمل خبزاً. فأخذ خبزة والقاها فى وجه الفقير، مريداً ضربه وليس بقصد الرحمة... ولكن ذلك الفقير انحنى نحو الخبزة واخذها وانصرف... اراد الرب أن يغيّر قلب ذلك الرجل من جهة محبته الشديدة للمال. فرأى بطرس فى تلك الليلة حلماً، وكأنه فى يوم الدينونة واقف للمحاكمة أمام الملائكة. ولم توجد له حسنات سوى تلك الخبزة التى ضرب بها ذلك الرجل الفقير... استيقظ من نومه مذعوراً مرتجفاً، وأخذ يفكر فى ذلك الحلم، ومعه أخذ يلوم نفسه على شحه وبخله... وكان ذلك سبباً فى تحويله إلى إنسان رحوم. وزع ثروته على الفقراء، ولما لم يجد شيئاً يتصدق به تصدق بثوبه الذى يرتديه فباعه وتصدق بثمنه... وقيل إنه لما لم يبق له شئ ترك بلده ومضى وباع نفسه عبداً وتصدق بالثمن على الفقراء.

ولما شاع ذكره وذاعت فضيلته قصد برية شيهيت، وأمضى بقية حياته فى عبادة ونسك، وأهلّته فى النهاية إلى أن يعرف ساعة انتقاله من العالم. وتعيّد له كنيستنا بتذكار نياحته فى الخامس والعشرين من شهر طوبة من كل عام.

عشاء عُرْس الحمل:

ونحن نتكلم عن محبة الإنسان لله، نقول ما هى الغاية من هذه المحبة، وهل لها من نهاية... وما هى نهاية محبة الإنسان لله التى ظل يُغَذّيها ويضرمها حياته كلها بالجسد على الأرض..؟

يقول يوحنا فى سفر الرؤيا: "وخرج من العرش صوت قائلاً سبحوا لإلهنا يا جميع عبيده الخائفيه الصغار والكبار. وسمعت كصوت جمع كثير وكصوت مياه كثيرة وكصوت رعود شديدة قائلة هللويا، فإنه قد مَلَك الرب الإله القادر على كل شئ. لنفرح ونتهلل ونُعطِه المجد لأن عُرس الخروف قد جاء، وامرأته هيأت نفسها. واعطيت أن تلبس بزاً نقياً لأن البزّ هو تبررات القديسين. وقال لى أكتب طوبى للمدعوين إلى عشاء عرس الخروف" (رؤ 19: 5 - 9)...

ماذا يعنى الحضور إلى عرس الحمل؟ انه يفوق تعبير الكلمات والأفكار... ان كل الفرح والسعادة فى هذا العالم لا يقارن بعشاء عرس الحمل. انه مهرجان المحبة العظيم. إن ملك الملوك ورب الأرباب يصنع وليمة عرسه مع عروس محبته التى هى الكنيسة بأعضائها. أعداد لا تحصى من الملائكة... ألوف الوف وربوات ربوات... وإذ كان الملائكة أرواحاً مرسلة لخلدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص (عب 1: 14)... إذا كانوا قد خدموا الأمناء على الأرض فكم بالأحرى ستزداد خدمتهم لهم فى السماء... وما هذه العروس التى تجلس إلى جوار الرب يسوع الحمل المذبوح. كم هى جميلة وتفوق كل وصف... لقد حول دم الخروف الخطاة إلى عروسه، وهم يحملون صورته ويجلسون معه.

ووسط هذا المجد الذى لا يُعبرّ عنه ستكون العروس وأنها فى حلم. لكن لأنها تحب بالحق فهى لا تنظر إلاَّ إلى محبوبها – الخروف الذى وسط العرش الذى هو عريسها... إنها وسط تهليل الملائكة والخلائق السمائية لا تصغى إلاَّ إلى صوت واحد هو صوت عريسها ملك الملوك... انها الآن تستطيع أن تبقى معه إلى الأبد وتستطيع رؤيته وجهاً لوجه. إنها الآن تتبين مجده الذى كانت تنظره كما فى مرآة (2كو 3: 18)... كانت وهى على الأرض تنظر فى مرىة فى لغز، ولكنها الآن وجهاً ولوجه (1كو 13: 12)... لقد وصلت العروس إلى آخر محطة وهى تستقل قطار السماء... انها المحطة العظمى، محطة المحبة...

سترى العروس الملك فى بهائه – أبرع جمالاً من بنى البشر "(مز 45: 2)... وسيقول لها:

«ما أحسن حبكِ يا اختى العروس» (نش 4: 10)).

.. وعندما تتذكر العروس ماضيها، وتنتبه إلى مكانة عريسها انه هو ملك ملوك الأرض، تسقط عند قدميه مقدمة له العبادة، ولكنه يُقيمها ويُجلسها إلى جواره.

« وأنا اعطيتهم المجد الذى اعطيتنى» (يو 17: 22)).

.. انها عروسه التى قيل عنها:

«جُعلَت الملكة عن يمينك بذهب أوفير» (مز 45: 9)).

.. لقد حققت العروس كل ذلك بمحبتها لعريسها... آهّ مَن الذى يستطيع التعرّف على الخاطئة القديمة فى شخص هذه العروس؟!... إنها ترتدى ثياب الملكة فى كتاب أبيض، ومتوّجة بأكليل البرّ، مقابل الذل والعار اللذين تحملتهما من أجل اسمه فى صبرٍ وتواضع ومحبة. وحملت صليبه بفرح وسارت خلفه المسيرة كلها...

ويا لها من فرحة للآب السماوى عندما يرى ثمار آلام ابنه الحبيب. فعروسه هى مجموعة من الخطاة، لكنهم الآن صاروا مشابهين صورة ابنه الذى بذل ذاته عنهم، وذاق الموت لأجلهم... لقد حرّرهم من قوة الخطيئة وسلطانها حتى بذلك يعكسوا مجد الخالق ثانية... إن هؤلاء جميعاً جماعة من الخطاة حولتهم محبة ابن الله إلى قديسين فضيلتهم الأولى هى المحبة...

مبارك من يستطيع المثول فى حضرة الرب فى ذلك اليوم... لقد أهّلته محبته العميقة الخالصة لهذا المجد الذى لا يعبّر عنه، بقوة الفداء الذى أتمه ابن الله على الصليب فوق الجلجثة... إن مجداً لا يوصف سيكتنف هؤلاء المفديين... لقد أتوا من الضيقة العظيمة، وقد غسلوا ثيابهم وبيّضوها فى دم الخروف... من أجل ذلك "هم أمام عرش الله، ويخدمونه نهاراً وليلاً فى هيكله. والجالس على العرش يحلّ فوقهم. لن يجوعوا بعد، ولن يعطشوا بعد، ولا تقع عليهم الشمس ولا شئ من الحرّ. لأن الخروف الذى فى وسط العرش يرعاهم ويقتادهم إلى ينابيع ماء حية، ويمسح الله كل دمعة من عيونهم" (رؤ 7: 15 - 17)... ما هذا المجد كله يا إلهى... إنها الحياة الأبدية التى وعدت بها كل الذين يحبونك...

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

›

محبة الإنسان لأخيه الإنسان

‹

محبة الله للإنسان

سلسلة بستان الروح - الأنبا يؤانس أسقف الغربية
سلسلة بستان الروح - الأنبا يؤانس أسقف الغربية