محبة الله للإنسان

تقديم

صدر الجزء الأول من كتاب بستان الروح فى عام 1960، أى منذ ربع قرن من الزمان... والجزء الثانى منه ظهر أوائل عام 1963 أى منذ أكثر من اثنتى وعشرين سنة. وكان الترتيب أن يظهر الكتاب فى ثلاثة أجزاء... الجزء الأول يتناوله حياة التوبة، والجزء الثانى يتناول موضوع الوسائط الروحية، أما الجزء الثالث فقط أبقيناه للحديث عن الدرجات الروحية العليا...

توقفت عن كتابة الجزء الثالث من بستان الروح لانشغالى فى إصدار كتابين كان العمل بالكلية الاكليريكية يحتاجهما، هما "الكنيسة فى عصر الرسل" ثم كتاب "الاستشهاد فى المسيحية"... بعدها انشغلت فى مهام الأسقفية منذ أواخر عام 1971. وأصدرنا منذ ذلك التاريخ ثمانية كتب هى العظات التى تعودنا إلقاءها فى آحاد الصوم الكبير من كل عام...

وفى ملء الزمان... وبعد ربع قرن، نتمم ما وعدنا به القارئ، وهو الجزء الثالث من كتاب بستان الروح.

فى هذا الكتاب نتكلم عن المحبة فى ثلاثة موضوعات، والإيمان فى موضوعين، ثم موضوع عن كل من الرجاء وحياة التسليم وحياة السلام، ومبدأ الباب الضيق فى الحياة الروحية... وأخيراً نختم الكتاب بموضوع كبير عن الملكوت...

فى مقدمة الجزء الأول للكتاب الذى صدر منذ ربع قرن كتبت [هذا الكتاب ثمرة من ثمرات الألم اولاً وآخراً]... كانت البداية هكذا... وأشكر الله أن هذا الجزء الثالث الذى بين يديك هو أيضاً ثمرة من ثمار الألم، بعد أن عاودتنى آلام الجسد فى صورة أخرى أكثر خطورة...

لقد اختبرت أن ثمر الألم حلو. والله بحكمته يعرف كيف يخرج من الآكل أكلاً ومن الجافى حلاوة... وما يهمنى أن أقوله أنه إن كنت قد بدأت هذا الكتاب بالألم فقد ختمه الله بالألم أيضاً... وإذا كان للألم هذه البركات فنشكر الله الذى قال بفم رساله الأمين بولس: "وهب لكم لأجل المسيح، لا أن تؤمنوا به فقط بل أيضاً أن تتألموا لأجله" (فى 1: 29).

إنى أقدم الشكر لله فى عمق أعماق قلبى الذى أعاننى على خرج هذا الكتاب. فيده كانت واضحة معى فى الكتاب، ونعمته تفاضلت علىَّ جداً حتى أقمت هذا العمال الذى أختمه بالحديث عن الملكوت...

أضع هذا الكتاب بين يدى الله الذى أحبنا لكى يجعله سبب بركة لكل من يقرأه. وليظل دائماً كما كان بستاناً دائم الخضرة تجد فيه كل نفس متعبة راحتها من عناء العالم...

ونعمة الرب تشملنا جميعاً ولعظمته تعالى كل المجد،.

يوأنس.

بنعمة الله أسقف الغربية.

11 من سبتمبر سنة 1985م تذكار رأس سنة الشهداء.

أول توت سنة 1702ش.

محبة الله للإنسان

المقياس عند الله هو المحبة.

ما هى المحبة؟

محبة الله لجميع الخلائق. محبة الله للإنسان.

فى أى الأمور نلمس محبة الله للإنسان؟

فى خلقة الإنسان. فى التجسّد والفداء.

فى عنايته بالإنسان. فى محبته للخطاة.

المجد الأبدى للإنسان.

لماذا يسمح الله بأن يتألم الإنسان؟

حينما نتحدث عن المحبة، فإنما نتحدث عن أعم الوصايا الإلهية، بل الكل مجموع فى واحد. ونتحدث عما هو شهّى إلى قلب الله الذى هو المحبة ذاتها... وفى نفس الوقت نتحدث عن شئ يسهل على الإنسان إتمامه. فإنك إن أردت أن تحب الله لا تحتاج إلى جهادات أو أتعاب أو اسفار ومشقات أو أموال أو وساطة بشرية. بل يكفيك الرغبة فى أن تحب الله فلا تجد ما يصدّك أو يمنعك عن ذلك... إن المحبة بقدر سموّها وعظمتها فهى سهلة. ومن هذا المنطلق نفهم كلمات بطرس الرسول:

«لأنه هكذا يقدّم لكم بسعة دخول إلى ملكوت ربنا ومخلصنا يسوع المسيح الأبدى» (2بط 1: 11)).

عندما سئل رب المجد يسوع المسيح عن أية وصية هى العظمى فى الناموس، أجاب على الفور أن يحب الإنسان الرب إلهه من كل قلبه ومن كل نفسه ومن كل فكره، وقريبه كنفسه. ثم عقّب على ذلك بقوله:

«بهاتين الوصيتين يتعلّق الناموس كله والأنبياء» (مت 22: 35 - 40)).

.. والمعنى أن الله ضمّن وصاياه الإلهية كلها فى وصيتين، بل فى وصية واحدة ذات شقين، هى المحبة... إن جميع الوصايا مرتبطة بالمحبة ارتباط الأغصان بأصل الشجرة، فإذا انفصلت عنها جفّت وماتت...

ومن منطلق أن المحبة هى: "الوصية الأولى والعظمى"، وارتباط جميع الوصايا الإلهية بها، يقول بولس الرسول: "وأما غاية الوصية فهى المحبة من قلب طاهر" (1تى 1: 5). ويضعها هذا الرسول فوق الإيمان الذى ينقل الجبال (1كو 13: 2)، والرجاء الذى به نخلص (رو 8: 24). ويجعلها أول ثمرة من ثمار الروح القدس فى الإنسان المؤمن (غل 5: 22)... ومن جهة فعاليتها يدعوها "رباط الكمال"... فبعد أن يعدّد الرسول الفضائل المسيحية المتنوعة يقول:

« وعلى جميع هذه البسوا المحبة التى هى رباط الكمال» (كو 3: 14).

– إن المحبة – بهذا المفهوم – تشبه المِلاَط (المونة) الذى يشدّ قوالب الطوب فى البناء. لنتصوّر قوالب الطوب فى بناء مرصوصة بدون ملاط، ماذا تكون النتيجة؟! إن المحبة تربط الإنسان بالله، وتربطه بأخيه الإنسان وتربط الفضائل كلها ببعضها، وبهذا يصبح الإنسان العادى "إنسان الله" بحسب تعبير بولس الرسول (2تى 13: 17)... إن ارتباط المحبة ببقية الفضائل تجعلها كخيط المسبحة الذى ينفذ فى كل حبّات المسبحة ويربطها جميعاً. لذا إذا دخلت أى فضيلة من المحبة فهى مرفوضة... بهذا المعنى نفهم كلمات الرسول بولس:

«لأن مَن أحب غيره فقد أكمل الناموس» (رو 13: 8)).

هذا المعانى كلها دفعت القديس أغسطينوس إلى القول: [الله محبة. ماذا يمكن أن يقال أكثر من هذا؟ إذا لم يذكر شئ فى مدح المحبة فى رسالة يوحنا الأول أو فى الأسفار الأخرى، وكان هذا هو الشئ الوحيد الذى قيل لنا عنها بالروح القدس، لما احتجنا لشئ آخر... إنى أعتبر المحبة انها اللؤلؤة التى توصف فى الإنجيل أن التاجر كان يبحث عنها، فلما وجدها مضى وباع كل ما كان له واشتراها (مت 13: 46). المحبة هى اللؤلؤة الكثيرة الثمن التى بدونها لن ينفعك شئ مهما يكون. وإذا كانت لديك فإنها تكفيك].

المقياس هو المحبة:

ومن فرط تقدير الله للمحبة كفضيلة، فلقد جعلها مقياساً لمدى معرفة الإنسان له، حتى أن يوحنا الرسول يقول:

«مَن لا يحب لم يعرف الله، لأن الله محبة» (1يو 4: 8)).

وفى ذلك يقول القديس أغسطينوس: [لقد بذلك الآب المسيح، ويهوذا أسلمه. ألاَّ يبدو أن ما حدث كان من نوع واحد؟! كان يهوذا خائناً لأنه أسلمه، فهل الله الآب أيضاً هكذا؟! حاشا لله. لكن الرسول يقول: "الذى لم يشفق على ابنه بل بذله لأجلنا أجمعين". لقد بذله الآب، وهو بذل ذاته. وإذا كان الآب بذل ابنه، والابن أسلّم ذاته، فما الذى فعله يهوذا إذن؟ كان هناك بذلك من جانب الآب، وكان هناك تسليم من جانب يهوذا. لكن ما فعله الآب والابن كان عن محبة، أما ما فعله يهوذا فكان عن خيانة غادرة. لا يُهم الشئ الذى علمه الإنسان فى حد ذاته بل المهم هو بأى عقل وإرادة فعله. نحن نجد الله يعمل نفس العمل الذى فعله يهوذا. ونحن نبارك الله ونبغض يهوذا. لماذا؟ لأننا نبارك المحبة ونبغض الإثم... المحبة وحدها هى التى تميّز أعمال البشر]... إن الإنسان يُكافأ عن أعماله الحسنة بقدر ما يكون الدافع له هو المحبة. وهكذا فإن الأعمال لها استحقاق إلاَّ على قدر المحبة... إن الأمور الجليلة بدون المحبة لا تعتبر شيئاً، لكن الأمور التى تعتبر تافهة وحقيرة مع المحبة تساوى شيئاً عظيماً. إن كأس الماء البارد الذى يُقّدم بالمحبة له أجر فى السماء.

المحبة ما هى؟

وقف القديسون والآباء ورجال الله أمام المحبة حائرين مشدوهين. فلقد عجزوا عن التعبير عن كنهها وحصرها بالألفاظ. وهكذا تعددت أوصافهم لها حسبما اختبرها كل واحد منهم...

فمثلاُ يقول الشيخ الروحانى وهو أحد المتوحدين: [المحبة هى الله؟ إنها ينبوع الطوبى فى القلب، ميناء الأفهام، أنهار ماء الحياة، علم سر العالمين الكائنين والذين يكونون... عجيبة هى المحبة التى هى لغة الملائكة، ويصعب على اللفظ ترجمتها. المحبة اسم الله الكريم. مَن يستطيع أن يفحصها أو يحدها. مَن شاء أن يتكلم عن محبة الله، فهو يبرهن على جهله. لأن الحديث عن هذه المحبة الإلهية غير ممكن البتة].

ويقول أحد الآباء عن المحبة: [إنها كمال الأعمال الصالحة. هى بركة الفضيلة، كمال الوصايا الإلهية، خاتمة الجرائم، حياة الفضائل، قوة المجاهدين، سعف الظافرين... إنها تعيد ثانية إلى الحياة الذين يموتون فى خطاياهم... الإيمان يدركها، والرجاء يطير نحوها، تحت ظلها تنمو الطاعة، بها يغلب الصبر، وبدونها لم يُسرّ أحد الله... المحبة الحقيقية الأصيلة الكاملة هى التى يدعوها الرسول:

«طريقاً أفضل» (1كو 12: 31)).

وبالحقيقة هى الطريق الذى يقود أولئك الذين يسيرون فيه إلى وطنهم الحقيقى].

محبة الله لجميع الخلائق:

ولأن الله محبة فهو يحب جميع خلائقه، وليس الإنسان فقط... إنه يهتم بالحيوانات والنباتات وحتى الجمادات يقول المرنم:

«المفجرّ عيوناً فى الأدوية. بين الجبال تجرى. تسقى كل حيوان البرّ... الساقى الجبال من علاليه. من ثمر أعمالك تشبع الأرض. المنبت عشباً للبهائم وخضرة لخدمة الإنسان لاخراج خبزٍ من الأرض... ما أعظم أعمالك يا رب كلها بحكمة صنعت. ملآنة الأرض من غناك. هذا البحر الكبير الواسع الأطراف. هناك دبابات بلا عدد. صغار حيوان مع كبار... كلها إياك تترجى لترزقها قوتها فى حينه. تعطيها فتلتقط. تفتح يدك فتشبع خيراً... ترسل روحك فتُخلق وتجدّد وجه الأرض» (مز 104: 10 - 30)).

حينما أعطى الله شريعة السبت طبقها أيضاً على الحيوان، يقول:

« وأما اليوم السابع ففيه سبت للرب إلهك. لا تصنع عملاً ما أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك وبهيمتك ونزيلك الذى داخل أبوابك» (خر 20: 10)).

..

« وأما اليوم السابع فسبت للرب إلهك لا تعمل فيه عملاً ما أنت وابنك وابنتك وعبد وأمتك وثورك وحمارك وكل بهائمك» (تث 5: 14)).

..

«ست سنين تزرع أرضك وتجمع غلّتها. وأما فى السابعة فتريحها وتتركها ليأكل فقراء شعبك. وفضلتهم تأكلها وحوش البرية» (خر 23: 11).

، 12)...

« ويكون سبت الرض لكم طعاماً لك ولعبدك ولأمتك ولأجيرك ولمستوطنك النازلين عندك ولبهائمك، وللحيوان الذى فى أرضك، تكون غلتها طعاماً» (لا 25: 6).

، 7)...

«لا تكمّ الثور فى دراسه» (تث 25: 4)).

.. ويقول المرتل:

«الكاسى السموات سحاباً، المهئ للأرض مطراً، المنبت الجبال عشباً. المعطى للبهائم طعامها، لفراخ الغربان التى تصرخ» (مز 147: 8).

، 9)... ويقول الله ليونان بعد أن حزن لجفاف اليقطينة:

«أفلا أشفق أنا على نينوى المدينة العظيمة التى يوجد فيها أكثر من أثنى عشرة ربوة من الناس الذين لا يعرفون يمينهم من شمالهم وبهائم كثيرة» (يونان 4: 11)).

.. وواضح من هذه النصوص كيف يهتم الله بالحيوانات والبهائم والطيور، وكيف يدبر لها طعاماً.

وهناك قصة واقعية نشرتها جريدة الأهرام القاهرية الصادرة فى يوم 23 يولية سنة 1952م وكانت مرسلة لرئيس تحريرها من ضابطة نقطة بوليس المحرص بجوار مدينة المنيا. ومفادها أن هذا الضابط مع صديق له خرجاً إلى خارج البلدة – خلال أحد أيام شهر رمضان وكان قد انقضى – واستند بظهورهما إلى حائط متهدم منتظرين ساعة الأفطار. فاسترعى انتباههما دبوّر يحمل حبة قمح ويدخل فى تجويف بأعلا الجدار ويخرج بدونها... ول الأمر يتكرر، يأتى الدبور بحبة القمح ويدخل ذلك التجويف ويخرج بدونها... كان ذلك مثاراً لدهشتهما لعدم وجود علاقة بين الدبور والقمح – فتسلقا الجدار، وما أكثر الغرابة التى لحقتهما حينما وجدا فى ذلك التجويف عصفوراً غير قادر على الطيران. وهنا فهما أن الله يعول هذا العصفور ويرسل له طعامه.

ويأتى السيد المسيح ويؤكد نفس المشاعر تجاه الحيوانات والنباتات، يقول:

«تأملوا الغربان انها لا تزرع ولا تحصد وليس لها مخدع ولا مخزن والله يقيتها» (لو 12: 24)).

..

«أليست خمسة عصافير تباع بفلسين، وواحد منها ليس منسياً أمام الله» (لو 12: 6)).

..

«تأملوا الزنابق كيف تنمو. لا تتعب ولا تغزل. ولكن أقول لكم انه ولا سليمان فى مجده كان يلبس كواحدة منها» (لو 12: 27)).

.. فإذا كانت هذه النصوص تظهر محبة الله للنباتات والحيوانات وحتى الجمادات، فكم وكم تكون محبته للإنسان الذى خلقه على صورته ومثاله؟!

محبة الله للإنسان:

فى سفر نشيد الأناشيد فى العهد القديم يستخدم الله أسلوباً توضيحياً ليصوّر حبه للنفس البشرية من خلال حب العريس لعروسه... وتشبّه العروس محبة عريسها بأنها أطيب من الخمر (نش 1: 2)، وان علمه فوقها محبة (نش 2: 4)... ويختم الوحى الإلهى هذا السفر بالقول:

«المحبة قوية كالموت... مياه كثيرة لا تستطيع أن تطفئ المحبة والسيول لا تغمرها» (نش 8: 6).

، 7)... وكتاب العهد القديم ملئ بالعبارات التى تعبّر عن محبة الله للبشر، لكن هذا الحب تركزّ فى إسرائيل كشعب الله، وإن كان قد ظهر بالنسبة للشعوب الوثنية أيضاً كما حدث مع شعب نينوى الأممى... وكمثال لمحبة الله لشعبه، قصة اخراجهم من أرض مصر بيد قوية وذراع رفيعة بصورة معجزية، وكيف عالهم واعتنى بهم مدة أربعين سنة فى برية قاحلة فى رحلتهم من مصر إلى أرض كنعان. اطعمهم طوال هذه السنين بالمن والسلوى وانبع لهم ماءً من صخرة صماء!! ويستمر الله طوال العهد القديم فى اظهار محبته لشعبه، تارة بالعناية والمعونة وتارة بالتأديب.

كان هذا فى العهد القديم... ورغم وضوحها، فإن محبة الله فى العهد الجديد التى كشفها وأعلنها فى شخص يسوع المسيح ربنا، تكشف لنا عن أعماق محبة الله للبشر بصورة لم يسبق لها مثيل... يكفى أن نتأمل كلمات الرب يسوع لنيقوديموس:

«لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكى لا يهلك كل مَن يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية» (يو 3: 16)).

.. إن هذا التعبير "هكذا أحب الله"، ينمّ عن عجز اللغة البشرية فى وصف محبة الله للبشر... فضلاً عن أنه يكشف عن محبة أقانيم الثالوث القدوس للبشر. فالسيد المسيح لم يقل: "هكذا أحب الآب العالم"، بل: "هكذا أحب الله العالم"، مؤكداً بذلك حقيقة ثمينة، هى أن خلاص البشر هو نتيجة محبة الله المثلث الأقانيم... كان هذا الخلاص فى علم الآب السماوى الأزلى، وأتمّه الابن الوحيد الجنس بالروح القدس فى قلب كل مَن يؤمن... وبعبارة أخرى، فإن خلاص البشر دبّره الآب السماوى الذى هو محبة، وأتمّه ابن الله الذى هو محبة، ونلنا بركاته بالروح القدس الذى هو محبة. ما هى المحبة فى الذات الإلهية؟ إنها سر لا تقوى اللغة البشرية على شرح كنهه. وإذا استطاعت كلمات البشر أن تفسر محبة الله، لأمكنها أن تفسر الله ذاته.

لا نعجب إذاً لوصف بولس الرسول لمحبة الله فى المسيح بأنهالا.

«فائقة المعرفة» (أف 3: 19).

، نفس المعنى الذى تُعبّر عنه كلمات القداس الإلهى: "ليس شئ من النطق يستطيع أن يحدّ لجةّ محبتك للبشر"... وفى ذلك يقول القديس أغسطينوس:

[إن محبة الله لنا لا تُدرك ولا تتغيّر. ومحبته لنا لم تبدأ من الوقت الذى صولحنا فيه معه بدم ابنه، لكنه أحبنا قبل إنشاء العالم، قبل أن نوجد، حتى بذلك نصير أبناءه مع ابنه الوحيد. يجب ألاَّ نفهم حقيقة مصالحتنا مع الله بموت ابنه على أن الابن صالحنا معه من هذه الوجهة، وبدأ الآن يحب أولئك الذين ابغضهم قبلاً، بنفس الطريقة التى يُصَالح فيه عدو مع عدو، لكى يصبحوا بعد ذلك أصدقاء، وتحلّ المحبة غير المتغيّرة محل بضغتهم الثابتة. لكننا صولحنا مع مَن كان يحبنا، بل مَن كنا معه فى عداوة بسبب خطايانا... يقول الرسول:

«لكن الله بيّن محبته لنا، لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا» (رو 5: 8)).

لقد كان الله يحبنا حتى حينما كنا نجأر بالعداوة ضده ونصنع الشر. كل ذلك على الرغم مما قيل عنه بملء الحق:

«أنت يا رب تبغض كل فاعلى الإثم» (مز 5: 5)).

وعلى ذلك فلقد أحبنا الله – بطريقة عجيبة ومقدسة - حتى حينما ابغضناه فإنه أحبنا. لأنه أبغضنا بقدر ما تغيّرنا عن الصورة التى خلقها... لقد أبغض فى كل منا ما فعله، وأحب فيه ما كان قد عمل. وحقاً يمكن فهم ذلك مما قيل: "أنت لا تبغض شيئاً مما صنعت" (حكمة 11: 25)... فالله لا يبغض شيئاً مما صنع، لأنه كجابل الخلائق دون الآثام، لم يكن هو صانع الشر الذى يبغضه. ومن نفس هذه الشرور فإنه يصنع كل ما حَسَن، سواء بشفائهم برحمته أو بتنظيمهم بعدل. وإذ نرى أنه لا يبغض شيئاً مما صنع، فمَن يقدر أن يصف مقدار محبته لأعضاء ابنه الوحيد!!].

فى أى الأمور نلمس محبة الله للإنسان:

لا يمكن أن نحصى المظاهر التى تتجلى فيها محبة الله للإنسان... فمحبة الله للإنسان كائنة قبل أن يخلقه. ألم يقل السيد المسيح للأبرار:

«رثوا الملكوت المعدّ لكم منذ تأسيس العالم» (مت 25: 34).

، أى قبل خلقة الإنسان... ومحبة الله تحوط الإنسان وتعتنى به من أول السنة إلى آخرها (تث 11: 12)، بل لقد أعلن أن مَن يمسّ أولاده يمسّ حدقة عينه (زكريا 2: 8)... وإلى أى مدى يحبّ الله الإنسان؟ لقد أحبه إلى المنتهى كما قال السيد المسيح:

«أما يسوع... إذ كان قد أحب خاصته الذين فى العالم أحبهم إلى المنتهى» (يو 13: 1)).

ونحاول هنا أن نعددّ بعض الأمور التى نستطيع أن نلمس من خلالها محبة الله للإنسان...

1 - فى خلقة الإنسان:

قبل أن يخلق الإنسان، سبق وهيأ له كل شئ. خلق النور، النيرين العظيمين الشمس والقمر وكل الأجرام السمائية، الأرض وكل ما فيها، البحر وكل حيواناته. الكل خلقه لأجل الإنسان... ولم يخلق هذه الكائنات لأجل الإنسان، بل لقد جعله سيداً للخليقة كلها... وحينما خلقه لم يخلقه كسائر المخلوقات، بل خلقه على صورته ومثاله، كائن عاقل حرّ طاهر...

الله حب... وفى حبه خلق عنصر الحياة فى الإنسان، نسمة صادرة منه... إن صورة الثالوث القدوس وعلى مثاله... الإنسان مخلوق خالد... ولأن الإنسان مخلوق على صورة الله ومثاله فإن نفسه تنجذب إلى الله وتتوق إليه ولا تجد شبعها إلاّ فيه. لقد خلق الله الإنسان لا لحاجته إليه أو إلى عبادته. فإن الله لا يحتاج حتى إلى الملائكة وكل الخلائق السمائية. إنما خلق الإنسان على صورته وجعل لذته معه.

«لذاتى مع بنى آدم» (أم 8: 31)).

وما أصدق القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات فيما قاله فى قداسه:

"قدوس قدوس أنت أيها الرب وقدوس فى كل شئ. وبالأكثر مختار هو نور جوهريتك. وغير موصوفة هى قوة حكمتك. وليس شئ من النطق يستطيع أن يحدّ لجة محبتك للبشر. خلقتنى إنساناً كمحب للبشر. ولم تكن أنت محتاجاً إلى عبوديتى، بل أنا المحتاج إلى ربوبيتك. من أجل تعطفاتك الجزيلة كونتنى إذ لم أكن، أقمت السماء لى سقفاً، وثبتّ لى الأرض لأمشى عليها. من أجلى الجمت البحر. من أجلى أظهرت طبيعة الحيوان. أخضعت كل شئ تحت قدمىَّ. لم تدعنى معوزاً شيئاً من أعمال كرامتك. أنت الذى جبلتنى، ووضعت يدك علىَّ، وكتبت فىَّ صورة سلطانك. ووضعت فىَّ موهبة النطق. وفتحت لى الفردوس لأتنعمّ. أعطيتنى علم معرفتك. أظهرت لى شجرة الحياة. عرّفتنى شوكة الموت"...

وفى هذا المعنى يقول القديس أغسطينوس: [إلهى... لقد أخضعت كل شئ تحت قدمى الإنسان، حتى يمكنه أن يتكرّس بكليته لك. لهذا لم تُقم عليه سيداً سواك، بل جعلته هو سيداً على خليقتك. خلقت كل شئ من أجل جسده. وأوجدت جسده من أجل روحه، وروحه من أجلك أنت... كم أنت طيب يا إلهى. كم أنت رؤوف. تعرف جسدى معرفة جيدة لأنك أنت جابله].

2 - فى التجسد والفداء:

ليس من المبالغة القول إن قمة محبة الله للإنسان تظهر فى تجسد ابنه وفدائه للبشر... لقد سقط الإنسان وطُرد من الفردوس، لكن الله فى محبته دبّر لخلاصه لكى يردّه إلى رتبته الأولى ثانية... ولم يكن هذا ممكناً إلاّ بطريقة واحدة، هى أن يتجسد ابن الله الأقنوم الثانى فى الثالوث القدوس، أى يأخذ جسداً بشرياً كاملاً، يُوفى – نيابة عن الإنسان – عقوبة الموت التى استحقها بالمعصية. وهذا ما تمّ بالصليب.

وبعبارة أخرى نقول إن الله – فى سبيل تحقيق هذا الهدف – كان لابد وأن يلتقى بالإنسان. ليس التقاء خارجياً، بل شاركه فى اللحم والدم، وشاركه آلامه وأتعابه، وكفكف دموعه... وهكذا أصبح هذا الالتقاء – بهذا المفهوم – تجسيداً لاسم "عمانوئيل" الذى تفسيره "الله معنا".

وعلى ذلك فإن التجسّد كان أهم اعلانات الله عن محبته للإنسان. ذلك ان الله ارتضى أن يتّحد هو نفسه بالعنصر الإنسانى بكل ما فيه من جسد ونفس ناطقة... والدور الذى قام به الله نحو الإنسان بالتجسّد لم يكن كدور موسى وباقى أنبياء العهد القديم. فلقد جاء بعلاقة جديدة لا يمكن للشر أن يهددّها، ولا الخطية أن تقوى عليها.

«لأن الخطية ليست مثل النعمة» (رو 5: 15)).

لقد شرّف الله الإنسان حينما خلقه "على صورته ومثاله"، لكنه زاده شرفاً حينما صار الله نفسه – ليس على صورة الإنسان ومثاله – بل إنساناً حقيقياً!! يقول القديس جيروم مناجياً الله: [أنا مديون لك يا سيدى لأجل الاهانات التى بها افتديتنى أكثر مما أنا مديون لقدرتك التى بها خلقتنى. لأنك خلقتنى بكلمة، لكن خلاصك لى استوجب اهانات وأوجاع]... نفس المعنى يورده القديس أغسطينوس فيقول: [إن خلقة العالم لم تكلّف الله شيئاً، فقد كان يقول للشئ كن فيكون. أما خلاص العالك فكلّفه أن ينزل من السماء ويحتمل الهزء والعار، وأخيراً يموت على الصليب لأجلنا]. يقول القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات فى قداسه: "حوّلت لى العقوبة خلاصاً... أنت الذى خدمت لى الخلاص لما خلفت ناموسك... وضعت ذاتك وأخذت شكل العبد، وباركت طبيعتى فيك. أكملت ناموسك عنى. أريتنى القيام من سقطتى". نعم إن التجسّد والفداء هما ذروة محبة الله للبشر.

«لكن الله بيّن محبته لنا لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا» (رو 5: 8)).

هذا عين ما يؤكده المسيح.

«ليس حب أعظم من هذا أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه» (يو 15: 13)).

.

وثمة بركات أخرى ثمينة صارت للإنسان من قبل تجسّد ابن الله وفدائه لعل أثمن هذه البركات هى عطية الروح القدس – روح الله المعزّى – الذى وعد به السيد المسيح المؤمنين انه يمكث معهم إلى الأبد (يو 14: 16؛ 16: 13)، ويعلّمهم كل شئ ويذكرهم بكل أقوال المخلّص وتعاليمه ويرشدهم إلى كل الحق (يو 14: 26)... هذا الروح القدوس هو الذى يجددّ الخليقة، فيصبح مَن يؤمن بالمسيح وينال المعمودية المقدسة، خليقة جديدة (2كو 5: 17). إنها معجزة المسيحية الكبرى...

هذا فضلاً عن أن الروح القدس – روح الله – ينقل للمؤمن بالمسيح بركات الخلاص الذى تفجرّ بموت المسيح على الصليب عن طريق أسرار الكنيسة السبعة المقدسة. لأن الروح القدس يأخذ مما للمسيح ويعطيهم (يو 16: 15)... وعلى سبيل المثال فإن الروح القدس هو الذى يقدّس مياه المعمودية لتلد الإنسان ولادة جديدة فيصبح ابناً لله. وهو الذى يقدّس الخبز والخمر فى سر الافخارستيا ليصبحا جسد الرب ودمه الأقدسين. وهو الذى يوحدّ الرجل والمرأة فى سر الزيجة المقدسة ليجعل منهما جسداً واحداً...

وثمة بركة عظمى من بركات التجسّد والفداء... لقد صار المؤمن بالمسيح هيكلاً للروح القدس ومسكناً لله...

«إن أحبنى أحد يحفظ كلامى ويحبه أبى، وإليه نأتى وعنده نجعل مقامنا» (يو 14: 23)).

..

«أما تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم» (1كو 3: 16)).

.. لقد صار الإنسان ابناً لله.

«أنظروا أية محبة أعطانا الآب حتى ندعى أولاد الله» (1يو 3: 1).

، كما صار قديساً فى المسيح.

«كما اختارنا (الآب) فيه (المسيح) قبل تأسيس العالم لنكون قديسين وبلا لوم قدامه فى المحبة» (أف 1: 4)).

3 - فى عنايته بالإنسان:

إن أسفار العهد القديم حافلة بالقصص التى تسجل عناية الله بأولاده شعباً وأفراداً. وهى مليئة بأقوال الأنبياء والكتبة الملهمين التى تعبّر عن هذه العناية.

وعلى سبيل المثال نذكر تخليص نوح من الطوفان، ولوط من سدوم، وحفظ يوسف فى مصر، والكيفية التى أخرج بها بنى إسرائيل من مصر، وقيادته لشعبه بعمود الغمام، وهلاك فرعون وجيشه، وتحويل مياه مارّة من المرارة إلى العذوبة... وعنايته بشعبه فى البرية مدة أربعين عاماً أطعمهم المن من السماء، وتغلبهم على شعوب أقوى منهم وأكثر عدداً كما حدث فى الحرب مع عماليق. دخولهم أرض كنعان وسقوط أسوار أريحا بدون حرب. عناية الرب بايليا وإعالته هو والأرملة وابنها، حفظه دانيال من الأسود والثلاثة فتية من نار الأتون...

أما عن أقوال الرب التى سجلها الوحى الإلهى فى أسفار العهد القديم فما أكثرها:

يقول أيوب البار: "منحتنى حياة ورحمة، وحَفظَتْ عنايتك روحى" (أى 10: 12).. كما يقول: "لا يحوّل عينيه عن البار" (أى 36: 7)... ويتكلم موسى النبى عن حفظ الله لشعبه:

«أحاط به ولاحظه وصانه كحدقة عينه» (تث 32: 10)).

.. ويقول داود النبى:

«لأن الرب يحب الحق ولا يتخلى عن اتقيائه» (مز 37: 28)).

..

«لأنه يوصى ملائكته بكل لكى يحفظوك فى كل طرقك. على الأيدى يحملونك لئلا تَصْدِم بحجر رجلكَ» (مز 91: 11).

، 12). ويقول المرتل:

«ارفع عينىَّ إلى الجبال من حيث يأتى عونى. معونتى من عند الرب... لا يدع رجلك تزل. لا ينعس حافظك. انه لا ينعس ولا ينام» (مز 121: 1 - 3)).

..

ويقول السيد الرب لشعبه إسرائيل فيما يختص باعطاء سبت للأرض:

« وتعطى الأرض ثمرها فتأكلون للشبع وتسكنون عليها آمنين. وإذا قلتم ماذا نأكل فى السنة السابعة إن لم نزرع ولم نجمع غلتنا. فإنى آمر ببركتى لكم فى السنة السادسة فتعمل غلة لثلاث سنين» (لا 25: 20).

، 21)... ويكمل كلامه السابق فيقول:

«إذا سلكتم فى فرائضى وحفظتم وصاياى وعملتم بها، أعطى مطركم فى حينه وتعطى الأرض غلتها، وتعطى أشجار الحقل أثمارها... تأكلون خبزكم للشبع، وتسكنون فى أرضكم آمنين، ولا يعبر سيف فى أرضكم» (لا 26: 3 - 6)).

ويقول المرتل داود عن عناية الله بالنفس البشرية:

«الذى يشفى كل أمراضك، الذى يفدى من الحفرة حياتك، الذى يكللك بالرحمة والرأفة. الذى يشبع بالخير عمرك فيتجددّ مثل النسر شبابك» (مز 103: 3 - 5)).

.. ويقول:

«ملاك الرب حالْ حول خائفيه وينجيّهم» (مز 34: 7)).

.. ويذكّر شعبه بعنايته بهم مدة غربتهم فى البرية أربعين سنة بقوله:

«لكى يعلمك أنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل ما يخرج من فم الرب يحيا الإنسان. ثيابك لم تَبْلَ عليك، ورجلك لم تتورّم هذه الأربعين سنة» (تث 8: 3).

، 4)... ويقول إشعياء النبى:

«فى ذلك اليوم غنّوا للكرمة المشتهاة أنا الرب حارسها، اسقيها كل لحظة لئلا يوقع بها. احرسها ليلاً ونهاراً» (إش 27: 2).

، 3).

وإذا أتينا إلى العهد الجديد نجد السيد المسيح يوضح عناية الله بالإنسان بأجلى صورة... يقول:

«انظروا إلى طيور السماء. أنها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلى مخازن، وأبوكم السماوى يقوتها. ألستم أنتم بالحرى أفضل منها... تأملوا زنابق الحقل كيف تنمو، لا تتعب ولا تغزل، ولكن أقول لكم انه ولا سليمان فى كل مجده كان يلبس كواحدة منها. فإن كان عشب الحقل الذى يوجد اليوم ويُطرح فى التنور يلبسه الله هكذا. أفليس بالحرى جداً يُلبسكم أنتم يا قليلى الإيمان» (مت 6: 26 - 30)).

..

«أليس عصفوران يباعان بفلس، وواحد منها لا يسقط على الأرض بدون أبيكم. وأما أنتم فحتى شعور رؤوسكم جميعها محصاة. فلا تخافوا أنتم أفضل من عصافير كثير» (مت 10: 29 - 31)).

ويسأل السيد المسيح تلاميذه الذين أرسلهم فى إرساليات تدريبية.

«حين ارسلتكم بلا كيس ولا مزود ولا أحذية هل أعوزكم شئ. فقالوا لا» (لو 22: 35)).

وكتاب العهد الجديد وتاريخ الكنيسة وسير القديسين وأولاد الله على اختلاف مراتبهم وأوضاع حياتهم مليئة بقصص توضح عناية الله بكافة البشر فى كل زمان ومكان. وليست عناية الله وقفاً على الأبرار والأتقياء بل هى تشمل جميع البشر، فإن هذا يليق بمن قيل عنه إنه.

«يشرق شمسه على الأشرار والصالحين ويمطر على الأبرار والظالمين» (مت 5: 45)).

..

4 - فى محبته للخطاة:

قدوس هو الله الذى خلق الإنسان الأول على صورته ومثاله، ولأنه قدوس فإنه يطالب الإنسان بحياة القداسة... قال الله لموسى:

«كلّم كل جماعة بنى إسرائيل وقل لهم تكونون قديسين لأنى قدوس» (لا 19: 2)).

ونفس المعنى يؤكد عليه بطرس الرسول:

«نظير القدوس الذى دعاكم كونوا أنتم أيضاً قديسين فى كل سيرة» (1بط 1: 15)).

لذلك فإن الله يكره الشر والخطية. قال يشوع للشعب الذى انحرف عن عبادة الله:

«لا تقدرون أن تعبدوا الرب لأنه إله قدوس وإله غيور هو. لا يغفر ذنوبكم وخطاياكم» (يش 24: 19)).

.. ويقول الوحى الإلهى فى سفر أيوب: "مَن هو الإنسان حتى يزكو أو مولود المرأة حتى يتبرر. هوذا قديسوه لا يأتمنهم، والسموات غير طاهرة بعينيه. فبالحرى مكروه وفاسد الإنسان الشارب الإثم كالماء" (أى 15: 15، 16)... وكنتيجة للخطية يقول الرب لشعبه قديماً:

«اسلّط عليكم رعباً وسّلاً وحمى تفنى العينين وتتلف النفس. وتزرعون باطلاً زرعكم فيأكله أعداؤكم، وأجعل وجهى ضدكم فتنهزمون أمام أعدائكم، ويتسلط عليكم مبغضوكم وتهربون وليس من يطردكم» (لا 26: 16).

، 17).

ومن شدة كاهية الله للشر والخطية قال لموسى.

«مَن أخطأ إلىَّ أمحوه من كتابى» (خر 32: 33)).

وأعلن أنه يفتقد إثم الآباء فى الأبناء، وفى أبناء الأبناء فى الجيل الثالث والرابع (خر 34: 7)... ولذا قال داود لله:

«ابغضت كل فاعلى الإثم» (مز 5: 5)).

ويقول المرتل:

«يا محبى الرب ابغضوا الشر» (مز 97: 10)).

.. وكمثال لكراهية الله للشر اهلاكه العالم القديم بالطوفان، واحراق مدينتى سدوم وعمورة بنار وكبريت من السماء. ويقول فى ذلك القديس بطرس:

«لأنه إن كان الله لم يُشفق على ملائكة قد أخطأوا، بل فى سلاسل الظلام طرحهم فى جهنم وسلّمهم محروسين للقضاء. ولم يُشفق على العالم القديم، بل إنما حفظ نوحاً ثامناً كارزاً للبرّ، إذ جلب طوفاناً على عالم الفجّار. وإذا رمَّد مدينتى سدوم وعمورة حكم عليهما بالانقلاب، واضعاً عبرة للعتيدين أن يفجروا. وانقذ لوطاً البار مغلوباً من سيرة الأردياء ى الدعارة... يعلم الرب أن ينقذ الأتقياء من التجربة، ويحف الأثمة إلى يوم الدين معاقبين» (2بط 2: 4 - 9)).

لنتأمل فى كلمات بطرس الرسول: "واضعاً عبرة للعتيدين أن يفجروا"!!

وعلى الرغم من شدة كراهية الله للشر والخطية، فنحن نرى عجباً فى محبة الله للخطاة فى شخص المسيح. بل نقول إن عمق محبة الله للبشر، تظهر فى محبته للخطاة هذا ما يعلنه رب المجد يسوع.

«لم آت لادعو أبراراً بل خطاة إلى التوبة» (مت 9: 13)).

..

«يكون فرح فى السماء بخاطئ واحد يتوب، أكثر من تسعة وتسعين باراً لا يحتاجون إلى توبة» (لو 15: 7)).

..

«لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى» (مت 9: 12)).

والآن نستعرض صوراً من معاملات السيد المسيح مع بعض الخطاة.

أ - المسيح مع المرأة السامرية (يو 4):

كان المرأة السامرية واحدة من النساء الخاطئات اللائى التقى بالمسيح بهنّ، وكان لقاؤه سبباً لخلاصها. اما عن كونها خاطئة فيتضح ذلك من قول المسيح لها:

«كان لكِ خمسة أزواج والذى لكِ الآن ليس هو زوجكِ، هذا قلتِ بالصدق» (يو 4: 18)).

إن لقاء المسيح مع السامرية لقاء يكشف عن أعماق قلب الرب يسوع من جهة محبته للخطاة. يقال إن السيد المسيح سار ست ساعات ماشياً على قدميه ليخلص هذه النفس الخاطئة..

"فإذا كان يسوع قد تعب من السفر جلس هكذا على البئر. وكان نحو الساعة السادسة" لقد تعب هو ليريحنا نحن. إنما يتعبه حقاً هو خطايانا ثم إنه ليس عبثاً ذكرت الساعة السادسة... إنها الساعة التى عُلق فيها المخلّص على الصليب من أجل خلاصنا وخلاص العالم كله... "يا من فى اليوم السادس وفى الساعة السادسة سُمرّت على الصليب من أجل الخطيئة التى تجرأ عليها أبونا آدم فى الفردوس".

ثم لننظر كيف بدأ الحديث ودار مع هذه المرأة الخاطئة... بادرها الرب يسوع بالقول: "أعطنى لأشرب"... إنه يتكلم كمَن هو محتاج ليشرب... لكنه فى حقيقة الأمر محتاج ومتعطش إلى دموع توبتها... لكن المرأة فى حياتها حسب الجسد انكرت على المسيح هذا الطلب إحساساً منها انه يطلب ماءً عادياً "كيف تطلب منى لتشرب، وأنت يهودى وأنا امرأة سامرية"!!

بعدها بدأ المسيح يتدرج معها فى الحديث رافعاً مشاعر قلبها وروحها... "لو كنت تعلمين عطية الله ومَن هو الذى يقول لكِ اعطنى لأشرب لطلبتِ انتِ منه فأعطك ماءً حياً"... ولما ابدت المرأة دهشتها لهذا الماء الحى (الماء الجارى)، أوضح لها ان "كل مَن يشرب من هذا الماء يعطش أيضاً. ولكن مَن يشرب من الماء الذى أعطيه أنا فلن يعطش إلى الأبد. بل الماء الذى أعطيه يصير فيه ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية". وحينما طلبت تلك المرأة من السيد المسيح أن يعطيها هذا الماء، قال لها: "إذهبى وادعى زوجك وتعالى إلى ههنا"... وحينما انكرت ان لها زوجاً، كشف لها خبيئة نفسها انه كان لها خمسة أزواج والذى معها الآن ليس هو زوجها، وقال لها: "هذا قلت بالصدق". وكون المسيح يطلب إليها أن تحضر زوجها، معناه انه يطلب منها أن تعترف بخطيئتها... ثم شرع المسيح بعد ذلك يكلمها عن أن الله روح وعن السجود لله بالروح والحق... وانتهى الأمر بأن كشف السيد المسيح لها عن حقيقة شخصه انه هو المسيا الذى ينترونه... تركت المرأة جرّبها ونسيت كل شئ بعد أن تفتّح قلبها، واسرعت إلى أهل مدينتها وقالت لهم، وكأنها مبشرة المسيحية الأولى: "هلموا انظروا إنساناً قال لى كل ما فعلت. العل هذا هو المسيح"... وآمن به فى تلك المدينة كثيرون من السامريين بسبب كلام هذه المرأة... والعجيب أن المسيح دُعى لأول مرة "مخلص العالم" من أفواه هؤلاء السامريين الذين كانت بينهم وبين اليهود عداوة تقليدية شديدة!!

لقد حوّل السيد المسيح هذه المرأة الخاطئة بحبه وحنانه إلى مبشرة نشيطة، نسيت جرتها التى لأجلها ذهبت إلى البئر، وذهبت تذيع بين الناس أن المسيح قال لها كل ما فعلت... إنه المسيا التى ظلت الأجيال تنتظره... لم يُعَنّفها بكلمة قاسية على سلوكها المنحرف رغم بغضه للخطية، لكنه بحبه وحنانه جذبها لمعرفة الإله الحىّ الحقيقى...

ب - المسيح مع المرأة التى أمسكت فى ذات الفعل الزنا (يو 8):

وهذا مثل صارخ... امرأة امسكت متلبسة بخطيئة الزنا... احضرها الكتبة والفريسيون إلى السيد المسيح وقالوا له: "يا معلم هذه المرأة امسكت وهى تزنى فى ذات الفعل. وموسى فى الناموس أوصانا أن مثل هذه ترجم. فماذا تقول أنت"... كان الموقف صعباً وحرجاً بالنسبة لتلك المرأة المسكينة، التى امعاناً فى التشهير بها "أقاموها فى الوسط" على مشهد من الجميع...

ماذا فعل المسيح فى هذا الموقف؟ لم يقل كلمة واحدة لمَن أحضروا المرأة لكنه فى صمت "انحنى إلى أسفل وكان يكتب بأصبعه على الأرض"... لكنهم فى ريائهم وتظاهرهم بالتمسك بالناموس، استمروا فى سؤاله عن حكمه على المرأة... أما هو فقد "انتصب وقال لهم مَن كان منكم بلا خطية فليرمها أولاً بحجر". ثم عاد وانحى إلى أسفل وكان يكتب على الأرض... أما النتيجة من كلامه وكتابته على الأرض، فإن هؤلاء المشتكين على المرأة بدأوا ينسحبون الواحد وارء الآخر، وبقى يسوع وحده والمراة واقفة فى الوسط...

قال المسيح لمَن أحضروا المرأة: "مَن كان منكم بلا خطية فليرمها أولاً بحجر"... لكن ماذا كان يكتب على الأرض... لقد اتفق جميع مفسرى الكتاب على أنه المسيح كان يكتب خطايا كل واحد ممن أحضروا المرأة... تلك الخطايا التى ما كان يعرفها أحد إلاَّ الله... خجلوا من أنفسهم، واسرعوا بالانسحاب خشية افتضاح أمرهم...

ثم ماذا كان حكم المسيح على هذه المرأة التى امسكت فى ذات فعل الزنا؟ لم يوبخها ولو على انفراد على زناها، بل كان رقيقاً شفوقاً، وهو الذى لا يشاء أن يهلك أحد بل أن يقبل الكل إلى التوبة... قال لها: "يا امرأة أين هم أولئك المشتكون عليك. أما دانكِ أحد. فقالت لا أحد يا سيد". فقال لها الرب يسوع: "ولا أنا آدينكِ. إذهبى ولا تخطئى أيضاً"... المسيح الذى سيدين العالم فى النهاية، والذى قال إن الدينونة كلها قد دُفعت للابن، لم يَدن المرأة الزانية، لكنه بلا شك جذبها إلى طريق البرّ... لا شك إن كلمات المسيح المملوءة حباً وحنواً على هذه المرأة الخاطئة كانت أشد وقعاً عليها من الحجارة التى أوجبت شريعة موسى أن ترجم بها. وماذا كان يفيد لو قُتلت المرأة وماتت بخطيئتها..؟!

وفى الوقت الذى لم يدَن فيه المسيح هذه الخاطئة، كان الويلات للكتبة والفريسيين بسبب ريائهم (مت 23)، لأنهم عاشوا حياة التظاهر لكى يمدحهم الناس ويمجدوهم... كان هذا هو جزاؤهم لأنهم أحبوا مجد الناس أكثر من مجد الله... لقد كانت هذه المرأة الخاطئة بتوبتها أفضل منهم ببرهم الذاتى، على نحو كان العشار الخاطئ أفضل من الفريسى وهما يصليان فى الهيكل.

ﺠ - لقاء المسيح مع زكا (لو 19):

كان زكا رئيساً للعشارين... وكانت كلمة عشّار فى مصطلح اليهود فى زمن مرادفه لكلمة خاطئ... وكان الكتبة والفريسيون دائمى التذمر من محبة المسيح للخطاة ومجالستهم. وكان الاتهام التقليدى الذى يوجهونه لتلاميذه.

«لماذا يأكل معلمكم مع العشارين والخطاة» (مت 9: 11)).

.. وكان جواب المسيح على هذا التذمر.

«لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى. فاذهبوا وتعلموا ما هو إنى أريد رحمة لا ذبيحة. لأنى لم آتِ لأدعو أبراراً بل خطاة إلى التوبة» (مت 9: 12).

، 13).

وتتلخص قصة زكا فى أنه سمع أن السيد المسيح سيجتاز فى مدينة أريحا. وكانت تعتمل فى قلب زكا رغبة ملّحة فى أن يرى يسوع مَن هو... كان الزحام شديداً، وبسبب قِصر قامة زكا أدرك أن فرصة رؤية المسيح سوف تفوته، لذا فكّر فى كيف لا يدع هذه الفرصة تفوته. فركض وصعد إلى جميزة لكى يتمكن من رؤيته...

وفيما كان الرب يسوع مجتازاً وقف أمام الجميزة التى يختبئ زكا بين أغصانها... ترك الجموع ونظر إلى زكا بين أغصان الجميزة وقال له: "يا زكا اسرع وانزل لأنه ينبغى أن أمكث اليوم فى بيتك"... كم كانت دهشة زكا الرجل الخاطئ؟!... لقد تمنّى أن يرى الرب يسوع، وهوذا يكلمه ويدعوه أن يسرع وينزل... لماذا؟ لا لأنه سيزوره مجرد زيارة عابرة، بل لأنه سيمكث ذلك اليوم فى بيته... عجباً، ما هذا... إنه أمر غير مألوف فى المجتمع اليهودى آنئذ... لقد كان الأبرار – فى نظر أنفسهم – لا يتعاملون مع مَن يعتبرونهم خطاة وأشراراً... كيف إذن سيمكث المسيح يوماً فى بيت رجل خاطئ؟! وهذا ما حدث بالفعل... فلما رأى الجمع أن المسيح قبل زكا فرحاً "تذمروا قائلين إنه دخل لبيت عند رجل خاطئ"!!

لكن لننظر ماذا فعلت محبة المسيح لزكا الخاطئ... "وقف زكا وقال للرب ها أنا يا رب أعطى نصف أموالى للمساكين، وإن كنت قد وشيت بأحدٍ أردّ أربعة أضعاف". زكا الذى أمضى حياته فى الظلم والوشاية من أجل محبته للمال يصرّح انه يعطى نصف أمواله للمساكين... ثم ماذا؟ يرد إلى مَن وشى به أربعة أضعاف... كانت شريعة موسى لا تطلب سوى الخُمْس زيادة على ما اختلس (عدد 5: 6، 7)، لكنه سيرد لمَن ظلمه ووشى به أربعة أضعاف... لقد فعل المسيح بالحب ما عجزت عنه الشريعة بالأمر والنهى والصرامة.

لا عجب إن رأينا المسيح يعلن "اليوم حصل خلاص لهذا البيت إذ هو أيضاً ابن إبراهيم. لأن ابن الإنسان قد جاء لكى يطلب ويخلّص ما قد هلك"... هذه هى رسالة المسيح حتى الآن "يطلب ويخلّص ما قد هلك بالخطية".

د - مثل الابن الضال (لو15):

يُعتبر مثل الابن الضال قمة ما أعلنه المسحي عن محبة الله للخطاة... وكان هذا المثل مع مثلين آخرين – هما مثل الخروف الضال، ومثل الدرهم المفقود – رد المسيح على تذمر الكتبة والفريسيين من قبوله للخطاة والعشارين ومجالستهم ومؤاكلتهم (لو 15: 1، 2).

ومثل الابن الضال كما قدمه المسيح يتضمن شقين. الشق الأول يشرح مراحل الخطية التى سلكها ذلك الابن إلى الحد الذى "كان يشتهى أن يملأ بطنه من الخرنوب الذى كانت الخنازير تاكله، فلم يُعطه أحد"... وكونه وصل إلى أنه أصبح يرعى الخنازير، هذا معناه أنه وصل فى الخطية إلى مداها، وصار خادماً لها... أما الشق الثانى فيشرح مراحل التوبة والرجوع إلى الله وهذا ما يهمنا ان نتحدث عنه.

فحينما ضاقت الحياة بذلك الابن "رجع إلى نفسه" وفكر جدياً فى العودة إلى أبيه الذى يرمز إلى الآب السماوى... وبالفعل قام الابن وجاء إلى أبيه... وهنا لا نجد غرابة فى الأمر. إنما الغرابة فى أن ذلك الابن حالما رجع إلى أبيه وجده فى انتظاره "وإذ كان لم يزل بعيداً رأه أبوه فتحنن"... وتزداد دهشتنا حينما نرى الأب – الذى يرمز للآب السماوى – يتصرف تصرفاً كان يليق بالابن الشاب المخطئ وليس بالأب المسنّ المُخطأ فى حقا... ماذا فعل الأب "ركض ووقع على عنقه وقبّله". كل ذلك حدث قبل أن يفتح الابن المخطئ فاه ويقدم كلمة اعتذاراً وندم!! وحينما قال الابن لأبيه: "أخطأت إلى السماء وقدامك ولست مستحقاً بعد أن أدعى لك ابناً"، لم يَدعه الأب يكمل ما كان قد عقد العزم أن يقوله لأبيه: "اجعلنى كأحد أجراك"...!! ومعنى ذلك انه بضلاله لم يفقد بنوته لأبيه...

ثم نرى فى هذا المثل الأب يفيض على الابن حباً وحدباً وحنواً، حينما يقول الأب لعبيده: "اخرجوا الحلة الأولى والبسوه، واجعلوا خاتماً فى يده، وحذاء فى رجليه. وقدموا العجل المسمّن واذبحوه فنأكل ونفرح. لأن ابنى هذا كان ميتاً فعاش، وكان ضالاً فوجد".

هل يمكن أن نرى حباً للمسئ يفوق هذا الحب؟! لكن المسيح بمحبته للخطاة جذبهم وكسبهم إليه... كان البشر فى حالة عداوة مع الله مات المسيح على الصليب لأجل خلاصهم... ولم يكونوا فى حالة عداوة فقط، بل فى حالة اصرار على الخطية والشر. هذا ما اعلنه اليهود أمام بيلاطس الوالى الرومانى الوثنى "اصلبه اصلبه. دمه علينا وعلى أولادنا"... ومع ذلك أكمل المسيح مسيرة الصليب. ومن فوق الصليب طلب لهم المغفرة: "اغفر لهم يا أبتاه لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون"... لقد نسى المسيح إساءاتهم وكل ما كان يطلبه هو خلاص أنفسهم... هذا هو مسيحنا الذى مازال يبحث عن الخروف الواحد الضال، ومتى وجده يحمله على منكبيه فرحاً...

5 - المجد الأبدى للإنسان:

إن محبة الله العجيبة – من خلال بركات الفداء وفعل الروح القدس – تقدّس طبيعة الإنسان بعد تجديده، وتجعل منه إبناً لله بالتبنى.

«لم تاخذوا روح العبودية أيضاً للخوف بل أخذتم روح التبنّى، الذى به نصرخ يا أبا الآب» (رو 8: 15)).

.. وهكذا بدالة هذه البنوة يهتف المؤمنون المفديون فى كل مكان قائلين: "أبانا الذى فى السموات"...

هذه المحبة العجيبة لا تجعل المؤمنين أولاداً لله فحسب، بل تجعلهم مشابهين صورة ابن الله.

«ليكون هو بكراً بين اخوة كثيرين» (رو 8: 29)).

.. ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد، بل إن الرسول يكشف لنا ما هو أبعد من ذلك.

«الذين دعاهم فهؤلاء بررّهم أيضاً والذين بررّهم فهؤلاء مجدّهم أيضاً» (رو 8: 30)).

نعم لقد مجدّ الله – فى المسيح – الإنسان بمحبته... هذا ما يعلنه السيد المسيح فى مناجاته للآب:

« وأنا قد أعطيتهم المجد الذى أعطيتنى» (يو 17: 22)).

.. أى شرف هذا؟! بل إن السيد المسيح فى هذه المناجاة يطلب إلى أبيه أن يكون هؤلاء المؤمنون معه.

«أيها الآب أريد ان هؤلاء الذين أعطيتنى يكونون معى حيث أكون أنا، لينظروا مجدى الذى أعطيتنى» (يو 17: 24)).

.. وهذا ما حدا بالرسول بولس إلى القول:

«لأنه لاق بذاك الذى من أجله الكل وبه الكل، وهو آتٍ بأبناء كثرين إلى المجد، أن يكمّل رئيس خلاصهم بالآلام» (عب 2: 10)).

لقد أعطى الله الآب بمحبته أن يكون المؤمنون بأبنه يسوع المسيح ورثة للمجد الأبدى.

«إذاً لست بعد عبداً بل ابناً. وإن كنت ابناً فوارث لله بالمسيح» (غل 4: 7)).

..

« وإن كنا أولاداً فإننا ورثة أيضاً. ورثة الله ووارثون مع المسيح» (رو 8: 17)).

.. هذا هو ما دعا نفس الرسول إلى أن يقول:

«متى أظهر المسيحُ حياتُنا، فحينئد تُظهرون أنتم أيضاً معه فى المجد» (كو 3: 4).

، وأيضاً يكتب إلى أهل رومية قائلاً:

«لكى يُبيّن غنى مجده على آنية رحمة قد سبق فأعدها للمجد» (رو 9: 23)).

.. نفس المعنى يؤكده القديس بطرس الرسول.

« وإله كل نعمة الذى دعانا إلى مجده الأبدى فى المسيح يسوع بعدما تألمتم يسيراً، هو يكملكم ويثبتكم ويقويكم ويمكنكم» (1بط 5: 10)).

محبة الله للإنسان والضيقات التى تأتى عليه:

الضيقات والتجارب التى تأتى على الإنسان ليست دليلاً على غضب الله على هذا الإنسان. لذا يقول يعقوب الرسول:

«احسبوه كل فرح يا اخوتى حينما تقعون فى تجارب متنوعة. عالمين أن امتحان إيمانكم ينشئ صبراً. وأما الصبر فليكن له عمل تام. لكى تكونوا تامين وكاملين غير ناقصين فى شئ» (يع 1: 2 - 4)).

.. إن التجارب والضيقات والآلام لا تتنافى مع محبة الله للإنسان. بل إن هناك حكمة وراء الآلام والضيقات... وإن كان هذا الموضوع يحتاج إلى بحث خاص، لكن نكتفى بالإشارة إلى بعض النقاط...

أ - الله يسمح بالآلام والضيقات للإنسان لكى يخلّصه من البرّ الذاتى... هذا الأمر واضح من سقطات بعض الأبرار كأيوب وداود وبطرس... فأيوب تفاخر ببره الذاتى وأعماه مرات عديدة حتى انه قال: "كامل أنا" (أى 19: 21)، فكف أصحاب أيوب الثلاثة عن مناقشته "لكونه باراً فى عينى نفسه" (أى 32: 1). وحمى غضب اليهو بن برخئيل البوزى على أيوب "لأنه حسب نفسه أبرّ من الله" (أى 32: 2)... لكن يوب بعد الآلام التى حلّت به قال مخاطباً الله: "ها أنا حقير فماذا أجاوبك. وضعت يدى على فمى... بسمع الأذن سمعت عنك والآن رأتك عينى. لذلك أرفض واندم فى التراب والرماد" (أى 40: 4؛ 42: 5، 6)...

وداود الذى اشتهر بالعفة سقط فى خطية الزنا مع زوجة اوريا الحثى (1مل 15: 5)، الأمر الذى لأجله تمرمر كثيراً وبكى بدموع سخينة... "خطيئتى امامى فى كل حين"، وقد قبل الله توبته، وصار هو رجل الصلاة ومرنم إسرائيل الحلو، ومن نسله حسب الجسد جاء المسيح... وبطرس الذى عرف عنه الإقدام جبن وخاف بصورة بشعة أمام جارية وانكر المسحي بقَسم وجدّف عليه. هذه التجربة جعلته تصغر نفسه أمامه ويندم ويبكى بكاءً مراً...

نفس التجربة مرّ بها القديس بولس الرسول، وكان معرضاً لها. ألم يقل عن نفسه:

«لئلا ارتفع بفرط الاعلانات اعطيت شوكة فى الجسد. ملاك الشيطان ليلطمنى لئلا أرتفع» (2كو 12: 7)).

ب - والله يسمح بالآلام والضيقات للإنسان حتى يؤدبه، ويحرّره من قيود الخطية والعادات الرديئة... يقول المرتل:

«طوبى للرجل الذى تؤدبه يا رب، وتعلّمه من شريعتك لتريحه من أيام الشر» (مز 94: 12).

، 13)... ويقول اليفاز التيمانى أحد أصحاب أيوب ناصحاً: "طوبى لرجل يؤدبه الله. فلا ترفض تأديب القدير. لأنه هو يجرح ويعصب يسحق ويداه تشفيان" (أى 5: 17، 18)... ويقول القديس بولس الرسول إلى العبرانيين: "لأن الذى يحبه الرب يؤدبه ويجلد كل ابن يقبله. إن كنتم تحتملون التأديب يعاملكم الله كالبنين". ثم يقارن بين تأديب الآباء الجسديين وتأديب الله ويقول عنه إنه:

«لأجل المنفعة لكى نشترك فى قداسته» (عب 12: 6).

، 7، 10). ويؤكد هذا المعنى ما قاله الرب يسوع لملاك كنيسة اللاودكيين: "انى كل مَن أحبه أوبخه وأؤدبه" (رؤ 3: 19)...

إن الثلاثة فتية الذين ألقوا فى أتون النار ببابل مثل يوضح ما نقول. فكل ما فعلته النار بهؤلاء الفتية هى انها حلتهم من قيودهم، وبعدها صاروا يمشون وسط نار الأتون كمَن هم فى نزهة (دا 3: 24، 25)... لقد قدمت النار للفتية الثلاثة خدمة وهى انها حلتهم من قيودهم لكنها لم تحرق ثيابهم ولا شعرة من رؤوسهم... هذا هو عين ما تفعله الآلام مع أولاد الله.

إن الذهب الذى يدخل النار له وقت معين لتنقى من الشوائب. إذا زاد هذا الوقت تلف، وإذا قلّ لا يتنقى الذهب... هكذا الله لا يدعنا نجرب فوق ما نستطيع أو نحتمل (1كو 10: 13)... ويقال إن علامة الذهب انه قد تنقى ان الصانع يرى صورته فيه بوضوح... هكذا نحن نظل فى التجربة إلى أن تظهر صورة الله فينا.

ﺠ - والآلام تجعل الإنسان يختبر الله ومعاملاته وتقر به إليه... ففى التجربة حينما يحسّ الإنسان انه عاجز عن الخلاص منها، يلجأ إلى الله لكى ينقذه. بل إن الله يحرضنا على ذلك.

«ادعنى فى يوم الضيق انقذك فتمجدنى» (مز 50: 15)).

.. ويقول داود النبى عن اختبار:

«فى يوم ضيقتى أدعوك لأنك تستجيب لى» (مز 86: 7)).

والعجيب أنه حينما تُسَدَ أمامنا كل الأبواب، نجد باباً واحداً يظل مفتوحاً أمامنا، هو باب الله...

د – إن الضيقات والشدائد لا تتعارض مع محبة الله لنا إنها مجد القديسين فى السماء. يقول بولس الرسول:

«لذلك أطلب أن لا تكلّوا فى شدائدى لأجلكم التى هى مجدكم» (أف 3: 13)).

ويقول:

«خفة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجدٍ أبدياً» (2كو 4: 17)).

ومعلوم إن الضيقات تحتاج إلى صبر... يقول بولس الرسول:

«نفتخر أيضاً فى الضيقات، عالمين أن الضيق يُنشئ صبراً» (رو 5: 3)).

.. وماذا يفعل الصبر، وماذا يثمر.. يقول السيد المسيح:

«الذى يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص» (مت 10: 22)).

..

«بصبركم اقتنوا أنفسكم» (لو 21: 19).

لذا لا نعجب مما كتبه يوحنا فى الرؤيا "أنا يوحنا أخوكم وشريككم فى الضيقة وفى ملكوت يسوع المسيح وصبره" (رؤ 1: 9)... هنا يتكلم يوحنا عن ملكوت المسيح وعن الضيقة والصبر!!

وماذا أيضاً عن الصبر الذى يصاحب الضيقات والآلام والتجارب؟ بعدما يكتب يعقوب الرسول إلى المؤمنين ويقول: "احسبوه كل فرح يا اخوتى حينما تقعون فى تجارب متنوعة"... أمام السبب فهو: "عالمين أن امتحان إيمانكم ينشئ صبراً". وماذا عن الصبر، يقول يعقوب بعدها مباشرة:

« وأما الصبر فليكن له عمل تام لكى تكونوا تامين وكاملين غير ناقصين فى شئ» (يع 1: 2 - 4)).

يقول رب المجد يسوع لرسله وتلاميذه:

«أنتم الذين ثبتوا معى فى تجاربى. وأنا أجعل لكم كما جلع لى أبى ملكوتاً، لتأكلوا وتشربوا على مائدتى فى ملكوتى، وتجلسوا على كراسى تدينون أسباط إسرائيل الاثنى عشر» (لو 22: 28 - 30)).

.. وهذا ما حدا بالرسول بولس أن يقول: "إن كنا نصبر فسنملك أيضاً معه" (2تى 2: 12).

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

›

محبة الإنسان لله

سلسلة بستان الروح - الأنبا يؤانس أسقف الغربية
سلسلة بستان الروح - الأنبا يؤانس أسقف الغربية