هذا الفصل هو جزء من كتاب: بستان الروح جزء ثالث – الأنبا يؤانس أسقف الغربية .
الإيمان بالله – فعاليته وثماره
ما هو الإيمان؟
العقل والإيمان – الإيمان والأمور التى لا ترى.
إيماننا المسيحى فى الله وهل يتضمن عقائد محددة؟
هل للإيمان درجات؟
علاقة الإيمان بالحياة الروحية.
بعض ثمار الإيمان.
مشجعات الإيمان ومعوّقاته..
الإيمان هو المدخل لعلاقة سليمة تقوم بين الإنسان والله... فكما يقول الرسول بولس انه بدون إيمان لا يمكن إرضاء الله. لأنه يجب أن الذى يأتى إلى الله، يؤمن بأنه موود، وانه يجازى الذين يطلبونه (عب 11: 6)... ويضيف نفس الرسول:
«كل ما ليس من الإيمان فهو خطية» (رو 14: 23)).
.. وكون عدم الإيمان خطية، فمعنى ذلك أنه لا يمكن أن تقوم علاقة بين الإنسان والله على أساس غير الإيمان...
من هنا كان الإيمان شيئاً ثميناً جداً. هكذا يعبّر بطرس الرسول حينما يوّجه رسالته الثانية "إلى الذين نالوا معنا إيماناً ثميناً (2بط 1: 1)... وبالحق فإنه لا يوجد ما هو أثمن من الإيمان، لأن به نقترب إلى الله، بل ونرتبط به.
«فإذ قد تبررنا بالإيمان لنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح، الذى به أيضاً قد صار لنا الدخول بالإيمان إلى هذه النعمة التى نحن فيها مقيمون» (رو 5: 1).
، 2)... وبه يسكن المسيح قلب الإنسان. هذا ما يقوله بولس الرسول صراحة إلى أهل أفسس:
«ليحلّ المسيح بالإيمان فى قلوبكم» (أف 3: 17)).
.. وهو الوسيلة التى يحيا به الأبرار.
«أما البا فبالإيمان يحيا» (عب 10: 38).
، فضلاً عن أنه احدى فضائل المسيحية الكبرى الإيمان والرجاء والمحبة (1كو 13: 13).
ولا شك أن الإيمان يعتبر أعظم عطية وهبها الله للبشر مجاناً. فبه نحصل على الخلاص من عبودية الخطية والموت الأبدى... يقول رب المجد يسوع:
«مَن آمن واعتمد يخلص، ومَن لم يؤمن يُدان» (مر 16: 16)).
.. وحينما سأل حافظ سجن مدينة فيلبى بولس وسيلا عما ينبغى أن يفعله لكى يخلص – وذلك بعد المعجزة التى حدثت بسبب وجودهما داخل السجن – كان جواب الرسولين:
«آمن بالرب يسوع المسيح فتخلص أنت وأهل بببتك» (أع 16: 30).
، 31)... ويختم الرسول يوحنا إنجيله بقوله:
«كتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله. ولكى تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه» (يو 20: 31)).
.. وصدق القديس امبروسيوس إذ يقول: [الإيمان نهار دائم لا يعقبه ليل].
ما هو الإيمان؟
الإيمان هو حياة يحياها الإنسان "البار بالإيمان يحيا"، وإلاَّ صار إيماناً نظرياً يتلخص وينحصر فى اعتناق عقائد معينة يرددها الإنسان كما فى قانون الإيمان... ولا فائدة للإيمان بالله بدون علاقة خاصة به، تقودنا إلى محبته وطاعته، وتؤول إلى عشرة تبدأ هنا ونستكملها فى الملكوت الأبدى... ولا فائدة للإيمان بحياة بعد الموت إن لم نُعدّ أنفسنا لها بالتوبة والمحبة والجهاد. هذه هى حياة الإيمان – الأيمان العملى الذى يخلص النفس وتظهر ثماره فى حياتنا، وليس الإيمان النظرى الذى لا يخلص النفس بل يجلب عليها دينونة...
الإيمان ليس بالادعاء أو الانتساب أو الوراثة، كأن يدعى الإيمان حاملاً اسم مؤمن، أو ينحدر من أسرة مؤمنة تقية... والإيمان ليس مجرد عقيدة نظرية بل هو حياة.
«من ثمارهم تعرفونهم» (مت 7: 16 - 20)).
.. وهو يختبر بحياة الطاعة لله.
«بهذا نعرف أننا قد عرفناه إن حفظنا وصاياه. مَن قال قد عرفته وهو لا يحفظ وصاياه فهو كاذب وليس الحق فيه» (1يو 2: 3).
، 4).
والإيمان بالله لا يتطلب معرفة لاهوتية، لكنه يتطلب بالدرجة الأولى ثقة فى الله وتصديقاً لأقواله ومواعيده... ويقدم لنا القديس بولس فى رسالته إلى العبرانيين والاصحاح الحادى عشر، نماذج من رجال الإيمان الذين ليس بينهم فيلسوف أو لاهوتى واحد... منهم أخنوخ الذى كل ما نعرفه عنه انه.
«سار مع الله» (تك 5: 22).
، 24)، وانه.
«أرضى الله» (عب 11: 5)).
.. ومنهم إبراهيم الذى "لما دعى أطاع ان يخرج إلى المكان الذى كان عتيداً أن يأخذه ميراثاً فخرج وهو لا يعلم إلى أين يذهب"، وقدم ابنه إسحق الذى عنه قبل المواعيد.
«إذ حسب أن الله قادر على الإقامة من الأموات» (عب 11: 8).
، 17 - 19)... وسارة وضعت فى قائمة أبطال الإيمان لأنها.
«حسبت الذى وعد صادقاً» (عب 11: 11)).
يعرّف القديس بولس الرسول الإيمان بأنه.
«الثقة بما يُرجى والإيقان بأمور لا تُرى» (عب 11: 1)).
.. فالإيمان والحال هذه هو ثقة فى الله وكلامه المقدس واعلاناته. لذا فإن نفس الرسول بعد تعريفه للإيمان يقول:
«بالإيمان نفهم أن العالمين أُتْقنت بكلمة الله» (عب 11: 3)).
ولأن الإيمان هو ثقة مطلقة فى الله وكلامه وإعلاناته، لذا.
«فكل ما ليس من الإيمان فهو خطية» (رو 14: 23)).
لأن عدم الإيمان يعنى انعدام الثقة فى الله وكلامه المعلن...
العقل والإيمان:
إن الإيمان والحال هذه ليس مجرد شعور أو إحساس أو عاطفة. كما أنه ليس دعوة مبهمة نحو أمور غامضة، أو ارغام للنفس للتسليم بغير المنظور، وما لا يُدرك بالحواس والإيمان ليس الغاء للعقل، بل هو تصديقه للحقائق الإيمانية بقبول ورضى... لكن العقل لكى يتقبل الحقائق الإيمانية، ويذعن للإيمان بدون مقاومة أو فحص، يحتاج إلى اتضاع فكرى من جانب الإنسان...
يقول القديس والفيلسوف المسيحى أغسطينوس:
[إن شئت أن تبلغ إلى سمو الله، فابحث عنه أولاً فى تواضعه. اتضع إن شئتَ فالتواضع مفيد لك، لأن الله قد اتضع من أجلك وليس من أجل ذاته. خذ المسيح المتواضع وتعلّم منه الاتضاع. وحين تأخذ تواضعه ترتفع معه... آمن بوصايا الله، واعمل بموجبها حتى ما يعطيك القدرة على الفم. لا تعتدّ بعلمك ولا تفضّله على وصية الله، لئلا تخسر قدرتك وتضعف... المسيح يسكن بالإيمان فى قلبك... تذكّر شهادة الرب يسوع:
«احمدك أيها الآب رب السماء والأرض لأنك اخفيتَ هذه عن الحكماء والفهماء واعلنتها للأطفال» (مت 11: 25)).
.. لقد اخفاها عن الحكماء والفهماء، ولم يكشفها للجهال والبلهاء، بل أعلنها للأطفال أى المتواضعين... لا تطلب ما يرتفع فى قلبك، بل اطلب ما يستحق قلبك أن يسمو إليه. إن تعلمت أن تفتخر بالمصلوب أخذت المجد من الملك. كثيرون رأوا الهدف وما اكتشفوا السبيل إليه وهو التوضع... لا تستكبر، فالإيمان نعمة من الله تعطى مجاناً، وليست أجراً على عمل، بل رحمة من قِبَل المعطى. إيمانك هبة من الله، وليس حقاً لك. اسمع قول الرب يسوع:
«لا يقدر أحد أن يأتى إلىَّ إن لم يُعْطَ من أبى» (يو 6: 65)).
.. آمن فتأتى، وأحبب فتُدعى. هلّم إلى المسيح ولا تخف من طول الطريق. آمن وتعالَ].
وحينما يظهر العقل الخضوع، ويقدّم التسليم الكامل للحقائق التى يعلن عنها الإيمان، ففى هذه الطاعة المحبوبة، التى تتولد عن الاتضاع، يكشف الروح القدس للعقل كل ما يتعلّق بهذه الحقائق الإيمانية.
«الروح القدس... يعلّمكم كل شئ» (يو 14: 26)).
.. يقود الروح القدس العقل فى ضوء المعرفة الروحانية الجديدة حتى يوصّله إلى الحق... قال السيد المسيح لمرثا أخت لعازر:
«ألم أقُل لكِ إن آمنتِ ترينّ مجد الله» (يو 11: 40)).
بعد ذلك يأتى دور العقل. فبعد أن يقبل الحقائق الإيمانية بخضوع وتسليم ويستنير بالمعرفة الروحانية، يستطيع أن يفحص الحقائق الإيمانية. والفحص العقلى فى هذه المرحلة يزيد هذه الحقائق الإيمانية وضوحاً.
ولابد من الإشارة هنا إلى أن هذه الحقائق الإيمانية التى يُسلّم بها العقل بادئ ذى بدء هى أمور أعلنها الله. ولا أحد سواه يستطيع أن يكشفها أو يُعلن عنها... فهى أمور فائقة لطبيعتنا البشرية، لأنها تختص بغير المنظور وما وراء الطبيعة... ولا يمكن للإنسان أن يصل إلى معرفتها المعرفة اليقينية بواسطة فكره وحواسه... يقول القديس بولس:
«لأن مَنْ من الناس يعرف أمور الإنسان إلاَّ روح الإنسان الذى فيه. هكذا أيضاً أمور الله لا يعرفها أحد إلاَّ روح الله. ونحن لم نأخذ روح العالم بل الروح الذى من الله لنعرف الأشياء الموهوبة لنا من الله. التى نتكلم بها أيضاً لا بأقوال تعلّمها حكمة إنسانية، بل بما يعلّمه الروح القدس... ما لم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على بال إنسان ما أعدّه الله للذين يحبونه، فأعلنه الله لنا نحن بروحه. لأن الروح يفحص كل شئ حتى أعماق الله» (1كو 2: 11 - 13).
، 9، 10).
وعن العلاقة بين العقل والإيمان يقول القديس والفيلسوف أغسطينوس:
[آمن تصبح أهلاً لأن تفهم. على الإيمان أن يسبق الادراك، ليكون الادراك جزاء الإيمان... من اللازم أن تؤمن بما تُبَشَّر به ببساطة، لأن غاية العقل أن يناقش بدقة. بالإيمان تتحد، وبالعقل تحيا. يجب عليك قبل كل شئ أن تتحد بواسطة الإيمان لتحيا بواسطة العقل. إن لم تتحد تقاوم. وإن كنت تقاوم فلست مؤمناً. وإن كنت تقاوم فكيف تحيا. إنك تجعل نفسك عدواً لشعاع النور الداخل فيك... يقول واحد أريد أن أفهم. من الواجب علىَّ أن افهم حتى أؤمن. فأجيب آمن تفهم. الإيمان مرقاة، عليها تبلغ الفهم. والفهم جزاء الإيمان... اعطاك الله عينين جسديتين وعقلاً باطنياً. ايقظ عقل قلبك، وارفع الساكن فى عينيك الباطنيتين، ليفتح نوافذه ويتأمل فى خليقة الله... آمن بما لم تَرَ من أجل الأشياء التى تراها... الإيمان يدرك ما لا يدركه العقل البشرى. وحيث يعجز العقل ينجح الإيمان. وحيث يعجز العقل ينمو الإيمان].
نخلص من هذا كله إلى أن للعقل تقديره، وبه ميّز الله الإنسان عن الحيوان. ومع ذلك فالعقل له حدود، ولا يرتئى فوق ما ينبغى أن يرتئى (رو 12: 3). والأمور التى هى فوق ادراكه يجب ن يُسلّم قياده للإيمان... فالعقل قد يوصلك إلى بداية الطريق، لكن الإيمان هو الذى يكمّل معك الطريق كله إلى الله. وعلى ذلك فالإيمان لا يتعارض مع العقل لكنه يتجاوزه إلى مراحل أبعد بما لا يقاس، ولا يستطيع العقل بمفرده أن يصل إليها...
الإيمان والأمور التى لا ترى:
فى تعريفه للإيمان يقول بولس الرسول عنه انه:
«الثقة بما يُرجى، والإيقان بامور لا تُرى» (عب 11: 1)).
. وكلمة الإيقان من اليقين ويفيد التأكد الشديد الذى لا يأتيه الشك... وفى هذه المناسبة نقول ان ثمة فارق بين رجال الإيمان ورجال البحث العلمى... رجال الإيمان يصدقون ما لا يرى ويثقون فيه، أما رجال البحث العلمى فإنهم يريدون أن يخضعوا كل شئ لما تقبله عقولهم... هنا نتذكر كلمات السيد المسيح لتوما بعد أن لحقه الشك عقب قيامته المجيدة:
«لأنك رأيتنى يا توما آمنت، طوبى للذين آمنوا ولم يروا» (يو 20: 29)).
.. لكن ما هى الأمور التى لا ترى التى يشير إليها بولس الرسول فى تفسيره للإيمان..؟
من الأمور التى لا ترى الله وصفاته.
«الله لم يره أحد قط» (يو 1: 18)).
.. وحينما يقول داود مثلاً: "تقدمت فرأيت الرب أمامى فى كل حين"، فبلا شك ان الرؤية تمت بعين الإيمان. ومن الأمور التى لا ترى مواعيد الله. فرجال الإيمان.
«لم ينالوا المواعيد بل من بعيد نظروها وصدقوها وحيّوها» (عب 11: 13)).
.. ومن الأمور التى لا ترى انذارات الله بأمور ستحدث، كما فى حالة الطوفان وحريق سدوم وعمورة...
ومن الأمور التى لا ترى بركات الله ونعمته فى داخل الإنسان، كأن يصبح هيكلاً لله (1كو 3: 16؛ 6: 19)... ومن الأمور التى لا تى الخلائق العلوية، على نحو ما حدث فى حرب ملك آرام مع إسرائيل زمن اليشع النبى. فقد رأى جيحزى تلميذه جيشاً يحيط المدينة وخيلاً ومركبات. لكن حينما صلى إليشع إلى الله ليفتح عينى جيحزى، فقد رأى الجبل مملوءاً خيلاً ومركبات نار حوله "(2مل 6). ومن الأمور التى لا ترى كل ما يتعلق بالعالم الآخر وما ينتظر المؤمنين من مجد، والأِشرار من ويلات... ومن الأمور التى لا ترى عمل الروح القدس فى أسرار الكنيسة... إلخ.
إيماننا المسيحى فى الله:
الله فى إيمان المسيحيين ليس مجرد قوة عليا خفية غير منظورة تدير الكون وتدبّر حياة البشر وحسب... لكن المسيحيين يؤمنون بإله واحد مثلث الأقانيم الآب والابن والروح القدس. ويؤمنون أن ابن الله، الأقنوم الثانى فى الذات الإلهية، فى ملء الزمان تجسّد وتأنسّ، أى أخذ جسداً من العذراء الطاهرة مريم وصار إنساناً كاملاً، بعد أن جعل هذا الجسد الذى أخذه من أحشاء البتول مريم واحداً مع لاهوته بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير... وهكذا فإن الله الذى لم يكن منظوراً فى العهد القديم، صار منظوراً فى المسيح فى العهد الجديد.
«الكلمة صار (اتخذ) جسداً وحل بيننا ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوء نعمة وحقاً» (يو 1: 14)).
ولا تعارض بين هذا الكلام وما قاله الله لموسى النبى قديماً حينما طلب أن يرى مجده.
«لا تقدر أن ترى وجهى. لأن الإنسان لا يرانى ويعيش» (خر 33: 18).
، 20)... بل إن يوحنا الإنجيلى الذى استفتح بشارته بالكلام عن أزلية ابن الله وتجسّده، قد أكدّ على ذلك بقوله:
«الله لم يره أحد قط» (يو 1: 18)).
..
لكن الأمر فى غاية البساطة... فالمقصود هنا بعدم امكانية رؤية الله، عدم امكانية رؤية الإنسان للاهوت. وهذا صحيح. لذا حينما اراد ابن الله الكلمة الأقنوم الثانى، أن يتمم عمل الفداء للبشر، اتخذ جسداً اخفى به لاهوته، وقَبلَ فيه الآلام نيابة عن البشر...
هذه عقيدة أساسية فى الإيمان المسيحى، بها يرتبط خلاصنا وغفران خطايانا، واستحقاقنا للحياة الأبدية فى السماء، ومفاعيل النعمة الإلهية بعمل الروح القدس الذى نقل وينقل للبشر بركات الخلاص من خلال أسرار الكنيسة المقدسة...
ويعلّق المسيحيون أهمية عظمى على عقيدة التجسد وإيمانهم به وببركاته... فبه (التجسد) تباركت طبيعتنا البشرية، وصرنا شركاء الطبيعة الإلهية (2بط 1: 4). بل إن الكنيسة المسيحية مؤسسة على صخرة الإيمان أن المسيح هو ابن الله الحىّ (مت 16: 18).
فالإميان المسيحى هو إيمان بالتجسد والفداء والبركات التى نتجت عنهما...
«مَن آمن واعتمد يخلص» (مر 16: 16)).
..
«هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكى لا يهلك كل مَن يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية» (يو 3: 16)).
..
«الذى يؤمن به (المسيح) لا يدان. والذى لا يؤمن به قد دين» (يو 3: 18)).
.. ووبخ السيد المسيح اليهود قائلاً:
«إن لم تؤمنوا انى أنا هو تموتون فى خطاياكم» (يو 8: 24)).
.. المسيح فى عقيدة المسيحيين هو المخلص، لذا فالإيمان به وبعمله الفدائى هو الذى يخلّص... قال بولس وسيلا لحافظ السجن فى مدينة فيلبى حيث كانا مسجونين:
«آمن بالرب يسوع فتخلص أنت وأهل بيتك» (أع 16: 31)).
.. ومن أجل الإيمان بيسوع المسيح المخلّص كُتبت الأناجيل وكُرز بها، وكتبت رسائل الرسل... يقول يوحنا فى خاتمة إنجيله:
«أما هذه فقد كتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله، ولكن تكون لكم إذا آمنتم حياة باسمه» (يو 20: 31)).
هل يتضمن الإيمان المسيحى عقائد محدّدة؟
نتساءل، هل الإيمان المسيحى مجرد إيمان ساذج بشخص الرب يسوع المسيح وخلاصه، قوامه حياة التعبّد والتقوى الخالصة، ولا شئ غير ذلك؟ والا توجد عقائد إيمانية محدّدة فى نطاق هذا الإيمان المسيحى؟
الحق ان القول بعد وجود عقائد محددة فى نطاق الإيمان المسيحى فهم خاطئ للمسيحية الأصيلة وإيمانها المسلّم مرة واحدة للقديسين (يه 3)... فالكنيسة منذ البداية – منذ عصر رسل المسيح – كانت لها – إلى جانب الإيمان المسيحى العام – عقائد إيمانية أساسية محدّدة، صاغتها فى قانون إيمان عُرف باسم قانون إيمان الرسل، حفظه كل راغب فى نوال سرّ العماد المقدس، وكان يعلنه لحظة عماده متعهداً التمسك به... ولما ظهرت البدع والهرطقات فى عصور لاحقة، صاغت الكنيسة فى مجامع مسكونية قانون الإيمان الذى يؤمن به كل مسيحى، والذى مازلنا نردده حتى الآن، ونعلن به عن حقيقة إيماننا...
يقول أحد أساتذة اللاهوت غير الأرثوذكسى: [إن تصوير المسيحية الأولى على أنها مجرد طريق للحياة بدون عقيدة لاهوتية – على نحو ما تصورها العظة على الجبل، ولا شئ غير ذلك – أمر ليس فيه انصاف، ولا تؤيده الأسانيد التاريخية. لقد وُجد منذ البداية إيمان عام واحد، كثيراً ما أشار إليه العهد الجديد تحت اسم.
«التقليد» (1كو 11: 2).
،.
«صورة التعليم التى تسلّمتموها» (رو 6: 17).
«تعليم الرسل» (أع 2: 42).
، "صورة الكلام الصحيح" (2تى 1: 13)، "الإيمان المسلّم مرة للقديسين" (يه 3)].
وقد دافع رسل المسيح عن هذه العقائد المسيحية فى نطاق الإيمان الواحد، وحاربوا الخارجين عنها، الذين وصُفوا بأنهم.
«يدسّون بدع هلاك» (2بط 2: 1)).
بل أمر يوحنا الرسول المؤمنين بمقاطعتهم تماماً حتى لا يصيروا شركاء فى أعمالهم الشريرة (2يو 10، 11).
الإيمان العامل بالمحبة:
هناك نوعان من الإيمان: الأول إيمان عقلى نظرى يشترك فيه ملايين الناس، بل وحتى الشياطين يشتركون معهم فيه... يقول يعقوب الرسول:
«أنت تؤمن أن الله واحد، حسناً تفعل. الشياطين يؤمنون ويقشعرون» (يع 2: 19)).
هذا الصنف من الإيمان هو ما يصفه هذا الرسول بأنه:
«ميت فى ذاته» (يع 2: 17)).
.. والنوع الثانى إيمان عملى، وهو ثمين ونادر. عن هذا النوع قال السيد المسيح:
«الحق أقول لكم، لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل، لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا إلى هناك فينتقلن ولا يكون شئ غير ممكن لديكم» (مت 17: 20)).
وعنه كتب الرسول بولس إلى أهل غلاطية:
«لأن فى المسيح يسوع لا الختان ينفع شيئاً ولا الغرلة، بل الإيمان العامل بالمحبة» (غل 5: 6)).
.. والمعنى الحرفى الدقيق "للإيمان العامل بالمحبة" انه هو الإيمان الذى يعبّر عن ذاته بالمحبة، أو الذى يعمل من خلال المحبة... لأن الإيمان إن لم يعبّر عن ذاته ووجوده فى الإنسان صار إيماناً نظرياً لا قيمة له. وبتعبير آخر هو إيمان ميت...
فالمؤمن الحقيقى سلوكه فى توافق تام مع إيمانه. وليس فى تصرفه تناقض البتة مع عقيدته. كما يكثر من أعمال المحبة لأن إيمانه حى... فالإيمان الحىّ هو إيمان عامل... وأما الإيمان الذى لا يعمل فهو إيمان ميت لا قيمة له.
«الإيمان بدون أعمال ميت» (يع 2: 20).
فى كل مرة يذكر الكتاب المقدس الإيمان، إنما يعنى الإيمان العامل بالمحبة...
وموضوع لزوم الأعمال الصالحة لخلاص الإنسان مع الإيمان هو مثار جدل عقيدى، لكننا لن نتعرض لهذا الجدل هنا... لكن نقول ببساطة إن الأعمال الصالحة هى بمثابة ثمار للإيمان الحىّ، والشجرة تُعرف من ثمارها. وكل شجرة لا تصنع ثمراً جيداً تقطع وتلقى فى النار هكذا قال رب المجد فى عظته الخالدة على الجبل (مت 7: 19)... ويعقوب الرسول يتساءل:
«ما المنفعة يا اخوتى إن قال أحد إن له إيماناً، ولكن ليس له أعمال. هل يقدر الإيمان أن يخلّصه» (يع 2: 14)).
ويستطرد الرسول قائلاً:
«ترون إذاً انه بالأعمال يتبرر الإنسان لا بالإيمان وحده» (يع 2: 24)).
..
يقول رب المجد:
«إن ابن الإنسان سوف يأتى فى مجد أبيه مع ملائكته، وحينئذ يجازى كل واحد حسب أعماله» (مت 16: 27)).
.. كما يقول:
«تأتى ساعة فيها سمع جميع الذين فى القبور صورته. فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة» (يو 5: 28).
، 29)... والقديس بولس يتكلم عن الله الذى.
«سيجازى كل واحد حسب أعماله» (رو 2: 6)).
.. كما يقول:
«لأننا نحن عمله مخلوقين فى المسيح يسوع لأعمال صالحة قد سبق الله فأعدها لكى نسلك فيها» (أف 2: 10)).
.. ويختم رب المجد يسوع المسيح على كتاب العهد الجديد فى الرؤيا التى أعلنت ليوحنا ويقول: "ها أنا آتى سريعاً وجزائى معى لأجازى كل واحد كما يكون عمله" (رؤ 22: 12).
هل للإيمان درجات؟
يقول القديس بولس الرسول:
«فإنى أقول بالنعمة المعطاة لى لكل مَن هو بينكم أن لا يرتئى فوق ما ينبغى أن يرتئى، بل يرتئى إلى التعلقلّ كما قسم الله لكل واحدٍ مقداراً من الإيمان» (رو 12: 3)).
لعل هذا النصّ يوضح أن الإيمان يتفاوت من إنسان إلى آخر. وأن الأمر ليس كما يصوّره البعض حينما ينسبون عدم الإيمان إلى ضعيف الإيمان. أو يقولون إن هذا مؤمن وذاك غير مؤمن!!
فالرسول بولس فى معرض حديثه عن الأسقف يشير إلى حداثة الإيمان، فيشترط فيمَن يختار لدرجة الأسقفية ألاَّ يكون "حديث الإيمان" (1تى 3: 6).. والمسيح له المجد أشار إلى ضعاف الإيمان أو قليلى الإيمان. ففيما يتكلم عن طيور السماء التى لا تزرع ولا تحصد وكيف أن الله يعتنى بها وزنابق الحقل ويكيف يكسوها الله وجمالاً قال:
«أفليس بالحرى جداً يلبسكم أنتم يا قليلى الإيمان» (مت 6: 30)).
ووبخ بطرس حينما لحقه الشك وهو يمشى على الماء بناء على أمر السيد بقوله:
«يا قليل الإيمان لماذا شككت» (مت 14: 31)).
.. كما وبخ التلاميذ فى السفينة لما خافوا من الأمواج بقوله لهم: "ما بالكم خائفين يا قليلى الإيمان"... وهنا نلاحظ أن الخوف والشك من مظاهر قلة الإيمان.
ويشير بولس الرسول إلى نوع رابع يسميه.
«ضعيف الإيمان» (رو 14: 1).
وذلك فى معرض حديثه عمَن يعثر ن أكل ما يذبح للأوثان.
وهناك عينة من الناس إيمانهم غير مطلق أى محدود... ومن أمثلة ذلك مريم ومرثا اللتان كانتا تؤمنان أن المسيح يقدر ان يشفى فقط، هذا أقصى ما وصل إليه إيمانهما.
«يا سيد لو كنت ههنا لم يمت أخى» (يو 11: 21).
، 32).
وهناك عينة أخرى إيمانها بطئ نتيجة عدم الفهم والمعرفة. ومن أمثلته تلميذا عمواس اللذان قال لهما المسيح:
«أيها الغبيان والبطيئا القلوب فى الإيمان بجميع ما تكلم به الأنبياء» (لو 24: 25)).
وثمة عينة أخرى من الناس إيمانهم فى حالة نمو. فيكتب بولس الرسول إلى أهل تسالونيكى شاكراً الله من جهتهم لأن إيمانهم ينمو كثيراً (2تس 1: 3)... ويكتب لأهل كورنثوس يصفهم بأنهم يزدادون فى كل شئ فى الإيمان والكلام والعلم وكل اجتهاد (2كو 8: 7).
وهناك عينة أخرى من الناس يوصفون بأنهم مملوؤن من الإيمان كاستفانوس (أع 6: 5، 8).
وأخيراً فهناك ذوو الإيمان الميت كما يصفهم يعقوب الرسول (يع 2: 17)... ومن يرتدوون عن الإيمان... لكن الروح يقول صريحاً انه "فى الأزمنة الأخيرة يرتد قوم عن الإيمان تابعين أرواحاً مضلّة وتعاليم شياطين" (1تى 4: 1)...
علاقة الإيمان بالحياة الروحية:
ولأن الإيمان المسيحى مفروض فيه أن يكون إيماناً عاملاً بالمحبة، فلابد وأن يكون وثيق الصلة بحياة الإنسان الروحية، أو كما يدعوه القديس أغسطينوس: [رأس الحياة الصالحة]... يقول أحد الآباء: [إنى أعتقد أن لا شئ يُنمّى روحنا بقوة وسرعة، أكثر من الإيمان وحده. ولا أقصد بالإيمان، الإيمان النظرى بوجود الله، بل الإيمان الحىّ القائم فى الداخل... ذلك الإيمان الذى يجعل النفس قادرة أن تؤمن، وتشهد بامكان اكتسابها فى هذا الدهر حالة القديسين المغبوطة]...
فى الإيمان الحقيقى يكون الإنسان خاضعاً لإيمانه، لا الإيمان خاضعاً للإنسان، يتغيّر تبعاً لأهوائه وحالته النفسية وأفكاره... إلخ. وعندما يخضع للإيمان، يعمل على تطهيرنا تدريجياً. فنحن بالإيمان نتغيّر وننمو، بل بالإيمان نتجاوز أنفسنا... ونقدم بعض الأمثلة على ذلك:
أ - الإيمان يؤثر على وعى الإنسان وإرادته... فالأهواء والشهوات تستعبد الإنسان. ومَن يخضع لها يصبح بصورة ما غير خاضع للعقل، بل يأتى أفعالاً لا عقلانية... له عقل ولكنه يجعله فى خدمة أهوائه، إذ تستعْبد الأهواء العقل فيعمل ويفكر فى خدمتها... وهنا فإن العقل يبرر الأهواء المنحرفة أو كما يقول: "العقل خادم أمين للنفس" ويُقصد بالنفس شهواتها وميولها المنحرفة...
أما الإيمان فهو يثبت العقل، ويلقى فيه بذار زرع مقدس جديد، به يقاوم الإنسان تجربة إشباع الأهواء واخضاع كل شئ لها... وبالجملة فإن الإيمان يرقىّ الإرادة ويسمو بها... يقول القديس اغسطينوس: [لن تحيا حياة صالحة إلاَّ إذا بدأت تؤمن. ومتى رَعيْتَ الإيمان زيَد لك الباقى... إن كل عمل مستقيم يأتيه إنسان لا يمكن أن يكون مستقيماً إذا لم يرتبط بتقوى الله. وإذا لم يكن الإيمان سابقاً، فلا صلاح فى الحياة... اسمع الرسول.
«بدون إيمان لا يمكن إرضاء الله» (عب 11: 6)).
.. إن لم يستقم إيمانك فلست باراً، لأن البار بالإيمان يحيا]...
ب - والإيمان وثيق الصلة بالصلاة... يقول القديس أغسطينوس عن علاقة الإيمان بالصلاة: [إن لم يكن فيك إيمان، فلا مجال للصلاة. إذ كيف تصلى لمَن لا تؤمن به. الإيمان هو ينبوع الصلاة. ويُظهر الرسول ان الإيمان هو ينبوع الصلاة بقوله:
«كيف يدعون بمَن لم يؤمنوا به» (رو 10: 14)).
والنتيجة: آمن لكى تصلى، وصلَّ حفاظاً على إيمانك الذى به تصلى، الإيمان يفيض صلاة. والصلاة المُفاضة تقوىّ الإيمان]... إذا كان هذا الكلام عن الصلاة بوجه عام، فإن الإيمان وثيق الصلة بالصلاة المقتدرة المقبولة... يقول رب المجد:
«كل ما تطلبونه فى الصلاة مؤمنين تنالون» (مت 21: 22)).
..
«لذلك أقول لكم كل ما تطلبونه حينما تصلون، فآمنوا أن تنالوه فيكون لكم» (مر 11: 24).
، ولذا يقول يعقوب الرسول:
«صلاة الإيمان تشفى المريض والرب يقيمه» (يع 5: 15)).
ج - والإيمان يولدّ فينا الصبر... وما يناله الإنسان بالصبر لا يستطيع أن يناله بوسيلة أخرى. يقول يعقوب الرسول:
«احسبوه كل فرح يا اخوتى حينما تقعون فى تجارب متنوعة. عالمين أن امتحان إيمانكم ينشئ صبراً. وأما الصبر فليكن له عمل تام. لكى تكونوا تامين وكاملين غير ناقصين فى شئ» (يع 1: 2 - 4)).
د - والإيمان يمنحنا قوة زمن التجارب والشدائد... بقدر ما يضعف إيماننا بقدر ما تقوى علينا التجربة. وبقدر ما يكون إيماننا ثابتاً ووطيداً بقدر ما نقاوم التجربة وننتصر عليها... الإيمان النقى يحيا وسط التجارب وضيقات هذا العالم. العالم يهتز، أما الإيمان فلا يتزعزع، بل هو الإيمان الراسخ كما يدعوه بطرس الرسول:
«اصحوا واسهروا لأن ابليس خصمكم كأسد زائر يجول ملتمساً من يبتلعه هو. فقاوموه راسخين فى الإيمان» (1بط 5: 8).
، 9)...
بالإيمان يعرف الإنسان انه ليس وحده فى حروبه وجهادته... الإيمان يقوّى ثقة الإنسان فى جهاده، ويقوّى رجاءه فى الله. إن مسيحنا دُعى "عمانوئيل" أى (الله معنا). وإن كان الله معنا فمن علينا (رو 8: 31).
ﻫ - إن الإيمان يزيدنا ثقة فى تصديق مواعيد الله التى تملأ أسفار الكتاب المقدس... كل مواعيد الله هى لنا، وننالها بالإيمان... الإيمان بمَنْ؟
«برئيس الإيمان ومكمّله يسوع» (عب 12: 2)).
.. وتعبير "رئيس الإيمان" يعنى بدء الإيمان. وعلى ذلك فإن المسيح هو أساس إيماننا، وبدء إيماننا، ومكمّل إيماننا... وبالإيمان به ننال كل شئ حسب مواعيده الصادقة، إن حفظنا وصاياه، وعشنا فى طاعة الإيمان لله ولكنيسته "عمود الحق وقاعدته" (1تى 3: 15).
و– وبالجملة فإن الإيمان له صلة بنواحى كثيرة فى حياة الإنسان الروحية... فمثلاً الإنسان يستحى أن يخطئ مام إنسان كبير فى مقامه، كما يترفع عن الخطأ أمام مَن هو ادنى منه احتراماً لذاته... وهكذا فإن الناس يرتكبون الخطايا فى الخفاء، لذا قيل عن الخطاة انهم.
«أحبوا الظلمة اكثر من النور لأن أعمالهم كانت شريرة» (يو 3: 19)).
.. إذن فالإنسان يخجل أو يخاف من إنسان يراه إنسان يخطئ... إن الإيمان نحسّ فى حضرة الله دائماً وانه يرانا. هذا ما حفظ يوسف الصديق فى تجربة امرأة فوطيفار، وهذا ما يحفظنا نحن أيضاً، وما يمنح القلب اتضاعاً.
إن آمنا بالأبدية فلنضعها أمامنا انها تعطى ضمائرنا يقظة، وإن كنا نؤمن بمحبة الله فلنحرص ألاَّ نجرحها. فأشد الجروح هى التى يجرح به الله فى بيت أحبائه (زك 13: 6)... وإن آمنا بالفضيلة كمنهج لحياتنا فلنسلك فى طريق التقوى والفضيلة. وإن آمنا بفناء العالم وتفاهته ترفّعنا عن الخطأ. إن الإيمان يدفعنا إلى الزهد فى العالم.
«الذين يستعملون هذا العالم كأنهم لا يستعملونه. لأن هيئة هذا العالم تزول» (1كو 7: 31)).
.. وبالإيمان نغلب العالم بكل ما فيه.
« وهذه هى الغَلبة التى تغلبُ العالم إيماننا» (1يو 5: 4)).
بعض ثمار الإيمان:
للإيمان ثمار روحية كثيرة ومباركة منها حياة التسليم، والسلام والفرح، والرضا والشكر، والتغلّب على الصعاب...
1 - حياة التسليم...
تأتى كثمرة للإيمان... إذا كان الإيمان بالله هو الثقة به، فإن هذا الإيمان، أو بالتالى الثقة تقودنى إلى تسليم حياتى لله الذى أثق به... وما لم تتوفر الثقة لا يمكن أن يكون هناك تسليم... إنه طاعة الإيمان.
المؤمن يسلّم حياته لله بلا تحفظ ولا شروط أو ضمانات... انه واثق فى محبته وحكمته وقدرته. كثيرون لا يسلّمون لله إلاَّ إذا فشلت أساليبهم البشرية. ليس هذا هو الإيمان. إنما هو الاضطرار إلى الله. يقول السيد المسيح:
«بدونى لا تقدرون أن تعملوا شيئاً» (يو 15: 5)).
إن اخطر ما يهدد حياة الإنسان الروحية هو محاولة العمل مستقلاً عن الله، والاعتماد على فكره وتدبيره بعيداً عن مشورة الله. انه لا يرى انه محتاج لأن يُشرك الله معه فى العمل... لقد وهب الله الإنسان العقل والارادة، لكن ليس ليستقل بهما عنه... يقول الحكيم:
« وعلى فهمك لا تعتمد» (أم 3: 5)).
.. إن خطية الإنسان الأولى كانت محاولة الحصول على المعرفة بعيداً عن الله.
والمؤمن الحقيقى لا يكتفى بالاعتماد على الله بل يسلّمه كل شئ، لأن معرفة الإنسان جهالة عند الله (1كو 1: 20)... والمعرفة الحقيقية هى من عند الله.
«المُذخَر فيه كل كنوز الحكمة والعلم» (كو 2: 3)).
.. إن حياة التسليم تعنى اعتراف الإنسان بعدم معرفته.
وحياة التسليم لا تعرف الشكوى والتذمر بل تقبل كل شئ برضى وفرح وشكر. ومَن يحيا حياة التسليم لا يخضع لمشيئة الله فى تغصّب واضطرار وحزن، بل انه من أعماقه يهتف برضى: "لتكن مشيئتك"، لأن ما أبعد احكامك عن الفحص وطرقك عن الاستقصاء (رو 11: 33).
ونسوق بعض أمثلة لرجال الله الذين عاشوا حياة التسليم الكامل.
نوح لما أمره الله أن يصنع فلكاً لأنه آت بطوفان الماء على الأرض ليهلك كل جسد فيه روح حياة من تحت السماء. كل ما فى الأرض يموت (تك 6: 17)، أطاع نوح وفعل حسب كل ما أمره به الله هكذا فعل (تك 6: 22)... فى تسليم كامل بنى الفلك عن أمر لا يرى له أثر أمامه (عب 11: 7).
وإبراهيم لما دعاه الله أن يخرج من أرضه وعشيرته وبيت أبيه إلى الأرض التى يريه إياها (تك 12: 1) لم يعترض بل أطاع فى تسليم كامل.
« وخرج وهو لا يعلم إلى أين يذهب» (عب 11: 8)).
.. ومرة ثانية حينما امره الله أن يقدم ابنه وحيده اسحق ذبيحة أطاع فى تسليم كامل رغم أن الله وعده انه باسحق هذا يدعى له نسل.
«بالإيمان قدم إبراهيم إسحق وهو مجرّب. قدم الذى قبل المواعيد وحيده، الذى قيل له إنه باسحق يدعى لك نسل» (عب 11: 17).
، 18)... وإبراهيم لما أرسل عبده لعازر الدمشقى ليأخذ زوجة لابنه إسحق قال له: "الرب إله السماء الذى أخذنى من بيت أبى ومن أرض ميلادى والذى كلمنى والذى أقسم لى قائلاً لنسلك أعطى هذه الأرض، وهو يرسل ملاكه أمامك فتأخذ زوجة لابنى من هناك (تك 24: 7).
وموسى فى عبوره وشعب الله البحر الأحمر سلك فى طاعة كاملة لله فى أمر خارق للطبيعة، إذ كيف يتحول الماء إلى يابس (خر 14)... ورحلة شعب الله فى البرية مدة أربعين سنة مثال لحياة التسليم فلم يفكروا إلى أين هم ذاهبون، أو ماذا يأكلون وكيف يشربون، وماذا سيلبسون فى هذه الرحلة الطويلة!!
والعذراء الطاهرة مريم مثال لحياة الطاعة والتسليم. فمع كل محبتها لحياة البتولية قبلت ان تخطب لرجل هو يوسف وتعيش معه فى بيت واحد... وحين بشرها الملاك بالحبل الإلهى قالت فى تسليم:
«ليكن لى كقولك» (لو 1: 38)).
والتسليم والطاعة يظهران فى حياة رسل المسيح وتلاميذه... فلاوى الجالس عند مكان الجباية حينما قال له السيد المسيح "اتبعنى"، قام وتبعه (مر 2: 14؛ لو 5: 27)... ويلخص بطرس الرسول كل هذه القصص بقوله للرب:
«ها نحن قد تركنا كل شئ وتبعناك، فماذا يكون لنا» (مت 19: 27).
؛ لو 18: 28).
ومن أمثلة حياة التسليم يوسف الصديق الذى – رغم الأحلام وكل ما صادفه من شدائد – لم يشك بل كان يسلّم لله.
ومن أمثلة حياة التسليم داود الذى كان يرعى غنم أبيه، وأرسل الله صموئيل ومسحه ملكاً، لكنه لم يُسلّمه من المُلك شيئاً. وبقى يرعى الغنم دون تذمر. ثم اختير خادماً لشاول الملك المرفوض من الله الذى كان يبغته روح ردئ من قبل الرب (1صم 16: 14)... لم يحتج داود ولم يقل أنا الملك المختار من الله، كيف اخدم هذا المرفوض. بل فى تسليم كامل قبل الوضع. وكان يهدئ شاول الملك حينما تبغته الأرواح الشريرة... وظل شاول يطارد داود من برية إلى برية يحاول قتله حسداً وغيرة. ولم يحدث أن داود اعترض على الله، ولم يقل له مثلاً ماذا فعلت من شر حتى استحق كل هذا، بل انتظر فى هدوء خلاص الرب... لقد كان لله حكمة فى كل ذلك. فلقد كان داود صبياً حين اختياره ومسحه ملكاً. وكان الانتظار نافعاً له حتى يكبر وينضج ويزداد الناس حباً له يوماً بعد يوم.
إن حياة التسليم الكامل – بدون أدنى مبالغة – هى حياة الكمال المسيحى... ففيها يكون الله هوالعامل بالإنسان وفيه... وهذا ما يعينه الرسول بولس بقوله:
«مع المسيح صُلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فىَّ. فما أحياه الآن فى الجسد، فإنما أحياه فى الإيمان – إيمان ابن الله الذى أحبنى واسلم نفسه لأجلى» (غل 2: 20)).
.. فى هذه الحالة لا يتمم الإنسان مشيئته بل يصبح آلة برّ يتمم بها الله مشيئته تشبهاً برب المجد الذى قال:
«نزلت من السماء ليس لأعمل مشيئتى، بل مشيئة الذى أرسلنى» (يو 6: 38)).
2 - حياة السلام والفرح
السلام يصاحب الإيمان. فالشخص الذى يحسّ انه وحده يخاف، أما مضن يؤمن أن الله معه فلا يخاف.
«إن حاربنى جيش فلا يخاف قلبى» (مز 27: 3)).
..
«إن سرت فى وادى ظل الموت لا أخاف شراً لأنك أنت معى» (مز 23: 4)).
إن السلام والفرح هما ثمرتان حلوتان من ثمار الإيمان... يقول القديس بولس لأهل رومية:
«فإذ قد تبررنا بالإيمان لنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح الذى به أيضاً قد صار لنا الدخول بالإيمان إلى هذه النعمة التى نحن فيها مقيمون» (رو 5: 1).
، 2)... ويقول القديس بطرس.
«يسوع المسيح الذى وان لم تروه تحبونه. ذلك وان كنتم لا ترونه الان لكن تؤمنون به، فتبتهجون بفرح لا ينطق به ومجيد» (1بط 1: 7).
، 8)... وحافظ السجن فى فيلبى بعد أن آمن واعتمد على يد بولس وسيلا.
«أصعدهما إلى بيته وقدّم لهما مائدة، وتهلل مع جميع بيته إذ كان قد آمن بالله» (أع 16: 34)).
فى صلاة الشكر التى نتلوها فى صلواتنا الفردية والكنسية، نذكر ثلاث صفات لله: فهو صانع خيرات، وهو ضابط الكل أى كلّى القدرة، وهو محب للبشر... إن الإيمان بالله وبصفاته هذه يمنحنا سلاماً وفرحاً...
إيماننا بأن الله صانع خيرات معناه أنه لا يستطيع أن يصنع إلاَّ خيراً، ولا يمكن أن يصنع شراً بأحدٍ، لأن الشر لا يتفق وطبيعته... ثم هو يريد أن يصنع بك خيراً لأنه محب للبشر. وهو قادر على ذلك لأنه قادر على كل شئ. وغير المستطاع عند الناس مستطاع عنده... إذا آمنت بهذا حقاً عشت مطمئناً، واثقاً من أن الله سوف يدبّر لك كل ما هو صالح ونافع. وسوف لا يلحق بك إلاّ ما هو مفيد ونافع لك. عندئذ يملك السلام على قلبك، ويزول منك القلق، ويغمرك فرح عظيم، لأنك واثق بمن بيده حياتك.
أما ان وقعت فى القلق والخوف، فاعلم أن إيمانك ليس راسخاً. ومن ضعف إيمانك تخاف كما خاف بطرس وهو يمشى على الماء بأمر السيد المسيح. وحينما أحس بقدميه تغوصان فى الماء صرخ: "يا رب نجنى". (فمد الرب يسوع يده وأمسك به وقال له:
«يا قليل الإيمان لماذا شككت» (مت 14: 30).
، 31).
وإذا قلت إنك لا تخاف الله إنما تخاف الشياطين والأرواح الشريرة وشرورها، فاعلم يقيناً أن هذه مجرد مخلوقات خاضعة لله، ولا يمكن أن تصنع شيئاً إلاَّ فى حدود ما يسمح به الله. وهذا واضح من قصة أيوب وتجربته (أى 1، 2).
ومن أمثلة السلام وعدم الخوف لقاء داود مع جليات... يقول داود: "من هو هذا الفلسطينى الأغلف حتى يعيّر صفوف الله الحىّ... لا يسقط قلب أحد بسببه". وقال داود لجليات:
«أنت تأتى إلىَّ بسيف ورمح وبتُرس. وأنا آتى إليك باسم رب الجنود إله صفوف إسرائيل الذين عيرتهم. هذا اليوم يحبسك الرب فى يدى فأقتلك واقطع رأسك، وأعطى جثث جيش الفلسطينيين هذا اليوم لطيور السماء وحيوانات الأرض. فتعلم كل الأرض أنه يوجد إله لإسرائيل. وتعلم هذه الجماعة كلها أنه ليس بسيف ولا برمح يخلّص الرب لأن الحرب للرب وهو يدفعكم ليدنا» (1صم 17: 26).
، 32، 45 - 47).
ومن أمثلة السلام وعدم الخوف لقاء إيليا بآخاب ملك إسرائيل. فبعد أن أغلق إيليا السماء بصلاته فلم يسقط مطر ولا طلّ على الأرض مدة ثلاث سنين ونصف، أمر الرب إيليا أن يذهب ويتراءى لآخاب حتى يعطى مطراً على الأرض... وما أن التقى آخاب بإيليا حتى قال له: "أأنت هو مكدّر إسرائيل. فقال لم أكدّر إسرائيل، بل أنت وبيت أبيك ترككم وصايا الرب وبسيرك وراء البعليم" (1مل 17، 18)... لنتأمل ثبات إيليا وعدم خوفه من الملك نتيجة السلام الذى يغمر قلبه ونتيجة إيمانه بالله الذى كان يحسّ دائماً انه واقف أمامه...
ومن أمثلة السلام الثلاثة فتية الذين أمر نبوخذنصر ملك بابل بإلقائهم فى أتون نار مُحمّى سبعة أضعاف... كان تحدّى الملك لهم بقوله: "مَن هو الإله الذى ينقذكم من يدىَّ"... أما الثلاثة فتية فكان ردهم على هذا الكلام:
«هوذا يوجد إلهنا الذى نعبده يستطيع أن يُنَجّينا من أتون النار المتقدّة وأن ينقذنا من يدك أيها الملك» (دا 3: 15).
، 17).
ومن أمثلة عدم الخوف والسلام نتيجة الإيمان، دانيال الذى القاه الملك فى جب الأسود. ولما ذهب الملك فى صباح اليوم التالى ليرى ماذا حدث لدانيال وناداه بصوت اسيف، كان جواب دانيال:
«أيها الملك عش إلى الأبد. إلهى ارسل ملاكه وسدَّ أفواه الأسود فلم تضرّنى لأنى وجُدت بريئاً قدامه وقدامك أيضاً أيها الملك لم أفعل ذنباً» (دا 6: 21).
، 22).
ومن أمثلة السلام أيضاً نتيجة الإيمان، القدس بطرس الرسول فى السجن... كان هيرودس مزمعاً أن يقتله فى اليوم التالى، أما بطرس فكان فى تلك الليلة "نائماً بين عسكريين مربوطاً بسلسلتين"... وهذا موقف يدل على نفس مملوءة من السلام ولا أثر للخوف فيها. أما بقية القصة فنحن نعلمها، وكيف أخرج ملاك الرب بطرس من السجن: ايقظه فسقطت السلسلتان من يديه وسار خلف الملاك وإذا بباب السجن ينفتح لهما من ذاته (أع 12).
3 - الرضا والشكر:
الإنسان المؤمن يعيش فى رضى. هو راضٍ دائماً بحالته التى سمح الله له أن يوجد فيها، لأنه مؤمن بأنه لا توجد حالة أخرى أصلح له مما هو فيه... لأنه لو كانت توجد حالة أفضل كان الله – كصانع للخيرات وعالم بكل شئ – قد نقله إليها. لأن الله الذى قال على فم يعقوب الرسول:
«مَن يعرف أن يعمل حسناً ولا يعمل فذلك خطية له» (يع 4: 17).
، ألاَّ هو هذه الوصية على ذاته الإلهية؟!
ورجل الإيمان يعرف أيضاً أن الله كحكيم، إن أراد أن ينقله إلى حالة أفضل، يختار لذلك الوقت المناسب الذى يعرفه هو بالأكثر، ويختار الظروف المناسبة لصالحه... ولذا فإنه يعيش فى رضى بحاله، إيماناً منه بمحبة الله وحكمته. وهو لذلك يشكر الله دائماً على كل حال ومن أجل كل حال وفى كل حال. ويتطور به الشكر حتى لا يصبح مجرد ألفاظ فى الصلاة، وإنما هو شعور دائم فى القلب يفيض فرحاً وسعادة كل حين.
4 - التغلّب على الصعاب:
الإنسان المؤمن لا يوجد شئ يقف أمامه، ولا توجد صعوبة مهما بلغت تحول دونه وبلوغ ما يريده، وهو لابد وأن يكون أمراً صالحاً... الإيمان يصنع المعجزات، ويجترح الآيات... إنه ينتصر على قوى الشر.
«إبليس خصمكم كأسد زائر يجول ملتمساً من يبتلعه هو. فقاوموه راسخين فى الإيمان» (1بط 5: 8).
، 9)... ويكتب يوحنا فى رسالته الأولى عبارة جامعة عن قوة الإيمان، يقول:
« وهذه هى الغَلبَةَ التى تغلب العالم إيماننا. مَن هو الذى يغلب العالم إلاَّ الذى يؤمن أن يسوع هو ابن الله» (1يو 5: 4).
، 5). وغلبة العالم هنا تشير إلى النصرة فى كل شئ، وعلى كل شئ... إن هذا الكلام – كما ينطبق على الأفراد ينطبع أيضاً على الكنيسة التى ثبتت بإيمانهم إزاء كل المحاولات الغاشمة لتحطيمها ومحو الإيمان المسيحى.
مُشَجّعات الإيمان ومَعوّقاته:
الإيمان كأى فضيلة ينمو ويقوى ويتدرج، كما انه يضعف أحياناً وينحلّ. له مقوّيات ومشجعات، كما ان له أيضاً أسباباً تضعفه، علماً ان لكل إنسان فى كل مرحلة من مراحل حياته درجة إيمان خاصة...
أولاً – مشجعات الإيمان:
من مشجعات الإيمان المعرفة والبساطة والقراءة عن عجائب الله فى قديسيه، والجرأة (الشجاعة) والصلاة...
أ - المعرفة:
يقول مار إسحق إن هناك نوعين من المعرفة. إحداهما تسبق الإيمان، والأخرى تأتى نتيجة له... فالإنسان بحسب معرفته وصفاته وقدرته العقلية يؤمن بالله ويتكل عليه. وإذ يدخل فى حياة الإيمان العملية، وتمرّ عليه تجارب وخبرات، وهو ثابت يرى معونة الله فى الضيقات والأحزان المتنوعة، حينئذ يكتسب من خبرات إيمانه لوناً آخر من المعرفة العملية غير تلك المعرفة النظرية التى بدأ بها... وهذه المعرفة الأخيرة أقوى وأثبت. وهى تشجّعه وتنمّيه أكثر فى الإيمان. وهكذا كلما تزداد معرفته العملية يزداد إيمانه. وكلما يزداد إيمانه يُلقى بنفسه فى أمور أعلى، وخبرات أصعب، تزداد بها معرفته، ويزداد بها إيمانه أيضاً.
ب - البساطة:
وإذا كانت المعرفة من مشجعات الإيمان، فالبساطة أيضاً تشجعه. ولا تعارض هنا بين المعرفة والبساطة. فالمعرفة الإيمانية لا تتنافى مع البساطة، بل هى أيضاً بسيطة... ونقصد بالبساطة هنا بساطة الإيمان فى بعده عن شكوك العقل ودوام تساؤله: لماذا وكيف؟!... فرجل الله الذى فى بساطة يؤمن أن الله قادر على كل شئ، لا يسمح للحكمة البشرية – التى هى جهالة عن الله – أن تضعف إيمانه. فالله فرق هذه الحكمة، وفوق كل علم بشرى، ويستطيع أن يعمل أشياء كثيرة تفوق العقل. فكيف نجعل هذا العقل المحدود حاجزاً أمام الإيمان بها؟!
ﺠ - القراءة عن عجائب الله فى قديسيه:
مثل هذه القراءة تقوى الإنسان وتشجعه، وتلهب قلبه بالإيمان حتى يتكل على الله ويثق به. وعلى الإنسان فى كل أمر يمرّ به أن يتلّمس يد الله فيه. ربما حدث أمر واحد لشخصين. أحدهما يحلله عقلياً محاولاً أن يرجعه إلى أسباب طبيعية أو شخصية أو نتائج منطقية أو محض الصدفة. مثل هذا الإنسان لا يستفيد من هذا الأمر روحياً. أما الشخص الثانى فيأخذ الأمر من الناحية الإيمانية ويرجعه إلى عمل النعمة فيه. وهكذا يزداد إيمانه.
و– الجرأة والشجاعة:
هناك أمور إيمانية تحتاج إلى شجاعة وجسارة قلب. ونقصد بها جسارة القلب المبنية على الثقة بالله وتصديق مواعيده... الرجل الخائف يجبن على الدخول فيها، فيظل إيمانه على ضعفه. ويظل واقفاً على شاطئ البحر الأحمر خائفاً من أن يضع قدمه فى الماء لئلا يغرق. وإنسان آخر لا يخاف فيلقى بنفسه فى الأمور الصعبة – فى إيمان – فيكتسب إيماناً جديداً عملياً. وهكذا.
«فإن مَن له سيعطى ويزاد» (مت 13: 12)).
لكن الله لا يترك ضعاف الإيمان فى ضعفهم، بل يُدَرجّهم فى هذا السبيل. إن كانوا لا يستطيعون الاتكال عليه فى الأمور الخطرة، ولا حتى فى الأمور الصعبة، فإنه يبدأ معهم بأمور سهلة.
ﻫ - الصلاة:
اشرنا ونحن نتكلم عن علاقة الإيمان بالحياة الروحية – أشرنا إلى الصلاة... ونضيف إلى ما قلناه هنا، إنه قد يضعف إيمان الإنسان، فإما أن يتراخى فيخسر اكليله، وإما أن يشعر بضعفه فتنسحق نفسه فى داخله ويطلب من الله المعونة. وكما يقول مار إسحق: [إذا اتضع الإنسان ففى الحال تحيط به النعمة، فيحسّ القلب بالمعونة الإلهية، ويمتلئ القلب بالإيمان]... لذلك يجب على الإنسان أن يطلب من الله باستمرار أن يعطيه إيماناً، وأن يقوى هذا الإيمان، لأن الإيمان قبل كل شئ هو هبة من الله، وليس عملاً بشرياً.
«لا يقدر أحد أن يُقبل إلىَّ إن لم يجتذبه الآب الذى أرسلنى» (يو 6: 44)).
.. كذلك فى كل عمل تعمله ابدأ بالصلاة، حتى إذا ما اعانك الله واتممته تفرح بمعونة الله ويزداد إيمانك به. أما إذا عملت عملاً بدون صلاة ونجحت فيه، فقد تنسب نجاحك إلى مجهودك الخاص أو إلى أسباب خارجية أخرى، فتخسر إيمانياً بتجاهلك معونة الله التى كانت معك دون أن تدرى.
ثانياً – معوّقات الإيمان:
هناك ثلاثة معوّقات أساسية تعوق الإيمان ونموه: الأخذ بالمعرفة الطبيعية وحدها، والخوف، ثم الشك.
أ - الأخذ بالمعرفة الطبيعية وحدها:
الأخذ بالمعرفة الطبيعية وحدها يعطل الإيمان... هناك مثلاً قوانين فى الطبيعة مثل عدم امكان المشى فى الماء أو نقل الجبال أو انتهار الريح والأمواج لتهدأ أو اقامة الموتى بكلمة... أما الإيمان فلا يخضع لمثل هذه القوانين الطبيعية. وتمسّك الإنسان بها يعطّل عمل الإيمان الذى يستطيع كل شئ...
«كل شئ مستطاع للمؤمن» (مر 9: 23)).
والمعرفة الطبيعية بالاضافة إلى كونها لا تسلّم بالمعجزات، فهى تنشئ خوفاً فى النفس، والخوف لا يدع مجالاً للإيمان...
فى معجزة إقامة لعازر من الموت، تقول مرثا للسيد المسيح حينما احسّت انه ينوى اقامته من القبر: "يا سيد قد انتن لأنه له أربعة أيام"... أى لا فائدة. ربما لو اتيت عقب الوفاة مباشرة لكان هناك شبه احتمال لإقامته من الموت... أما جواب المسيح عليها فكان:
«ألم أقل لكِ إن آمنتِ ترين مجد الله» (يو 11: 39).
، 40)... وبالفعل قام لعازر...
وبطرس الرسول مشى على الماء، وهدأ البحر والريح بكلمة...
معلوم أن الحيات والعقارب مؤذية جداً بل مميتة، لكن الإيمان يبطل مفعول أذاها.
«ها أنا أعطيكم سلطاناً لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو ولا يضركم شئ» (لو 10: 19)).
.. العلم يقول إن السّم مميت، لكن الإيمان يبطل مفعوله.
«هذه الآيات تتبع المؤمنين... يحملون حيات وان شربوا شيئاً مميتاً لا يضرّهم» (مر 16: 17).
، 18). وكم من معجزات تجرى حتى الآن وكل يوم يفعل الإيمان... للعلم دائرة خاصة لها قوانينها. والإيمان له دائرة أخرى لا تخضع لمنطق العلم أو قوانينه...
ب – الخوف:
الخوف يقف ضد الإيمان الذى يستند إلى قوة الله ذاته ومواعيده... لقد قدّم إبراهيم ابنه إسحق ذبيحة.
«إذ حسب ان الله قادر على الاقامة من الأموات» (عب 11: 19)).
.. والثلاثة فتية الذين القاهم نبوخذنصر فى أتون النار ببابل، ارتفعوا فوق الخوف، وقالوا للملك:
«يا نبوخذنصر لا يلزمنا أن نجيبك عن الأمر. هوذا يوجد إلهنا الذى نعبده يستطيع أن ينجينا من أتون النار المتقدة، وأن ينقذنا من يدك أيها الملك» (دا 3: 16).
، 17)... وهكذا دانيال الذى لم تُؤذه الأسود فى الجب بما هو خارج عن مألوف طبيعتها.
«فأصعد دانيال من الجب، ولم يوجد به ضرر لأنه آمن بإلهه» (دا 6: 23)).
..
ويشير يوحنا فى رؤياه إلى قائمة الذين لا نصيب لهم فى مُلك المسيح الأبدى، فيقول: "وأما الخائفون وغير المؤمنين والرجسون والقاتلون والزناة والسحرة وعبدة الأوثان وجميع الكذبة، فنصيبهم فى البحيرة المتقدة بنار وكبريت الذى هو الموت الثانى" (رؤ 21: 8)... ونلاحظ أن الخائفين وضعوا على رأس هذه القائمة قبل القتلة والزناة والسحرة وعبدة الأوثان!!
ﺠ - الشك:
هو عائق شديد ضد الإيمان... انه خطية موجهة ضد الله مباشرة. لأنه – أى الشك – عدم تصديق لوعود الله... فبطرس الذى مشى على الماء بكلمة المسيح، لما رأى الريح شديدة اعتراه الخوف فابتدأ يغرق. فقال له السيد المسيح:
«يا قليل الإيمان لماذا شككت» (مت 14: 28 - 31)).
.. ويجب أن نلاحظ هنا أن الخوف جاء نتيجة الشك...
يقول يعقوب الرسول:
«لكن ليطلب بإيمان غير مرتاب البتة، لأن المرتاب يشبه موجاً من البحر، تخبطه الريح وتدفعه. فلا يظن ذلك الإنسان انه ينال شيئاً من عند الرب» (يع 1: 6).
، 7)...
ويقول رب المجد يسوع المسيح:
«لأنى الحق أقول لكم إن مَن قال لهذا الجبل انتقل وانطرح فى البحر، ولا يشك فى قلبه، بل يؤمن ان ما يقوله يكون فمهما قال يكون له» (مر 11: 23)).
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.