هذا الفصل هو جزء من كتاب: بستان الروح جزء ثالث – الأنبا يؤانس أسقف الغربية .
مبدأ الباب الضيّق فى الحياة الروحيّة
ما هو الباب الضيق؟
هل من تناقض بين محبة المسيح والدعوة للدخول من الباب الضيق؟
ما هى حكمة الباب الضيق؟
+ هو وصية المسيح. + به نشابه المسيح.
+ هو طريق جميع القديسين.
+ هو الأسلوب الذى يناسب الإنسان روحياً.
هو الطريق الموصل للمجد الأبدى.
مبدأ الباب الضيق فى التوبة.
مبدأ الباب الضيق فى الممارسات الروحية.
مبدأ الباب الضيق فى مشاكل الحياة.
+ المشاكل الأسرية. + مشاكل العمل.
+ آلام المرض. + إغراءات العالم.
رداً على سؤال وجهه واحد للسيد المسيح يسأل فيه: "يا سيد أقليلَّ هم الذين يخلصون"، أجاب:
«اجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضيق. فإنى أقول لكم إن كثيرين سيطلبون أن يدخلوا ولا يقدرون، من بعد ما يكون رب البيت قد قام وأغلق الباب. وابتدأتم تقفون خارجاً وتقرعون الباب قائلين يا رب يارب إفتح لنا. يجيب ويقول لكم لا أعرفكم من أين أنتم. حينئذ تبتدئون تقولون أكلنا قدامك وشربنا، وعلّمت فى شوارعنا. فيقول أقول لكم لا أعرفكم من أين أنتم. تباعدوا عنى يا جميع فاعلى الظلم» (لو 13: 23 - 27)).
وفى عظته على الجبل يقول رب المجد يسوع:
«ادخلوا من الباب الضيق، لأنه واسع الباب ورحب الطريق الذى يؤدى إلى الهلاك. وكثيرون هم الذين يدخلون منه. ما أضيق الباب وأكرب الطريق الذى يؤدى إلى الحياة، وقليلون هم الذين يجدونه» (مت 7: 13).
، 14).
فما هو الباب الضيق الذى يدعونا رب المجد إلى الدخول منه؟
المقصود "بالباب الضيق"، و "الطريق الكرب" التضييق الاختيارى على النفس، مع احتمال الضيقات والضغطات التى تأتى علنيا بصبر وفرح وشكر، وهو ما يعبّر عنه رب المجد ايضاً بحمل الصليب.
بين محبة المسيح والدعوة للدخول من الباب الضيق:
فى الموضوع الأول من هذا الكتاب، تكلمنا باستفاضة عن محبة الله الشديدة والفائقة المعرفة للإنسان... وهنا يبرز سؤال يطرح ذاته: ألا تتعارض محبة الله الشديدة للإنسان مع – لا أقول السماح لأولاده أن يتضايقوا ويتألموا – بل دعوتهم للدخول اختيارياً من الباب الضيق وحمل الصليب؟!
ما أكثر ما قاله السيد المسيح عما هو عتيد أن يحلّ بأولاده والمؤمنين به من ضيقات بمختلف صورها... فإلى جانب دعوته لأتباعه أن يدخلوا من الباب الضيق، ويسلكوا الطريق الكرب، فقد جعل حمل الصليب والسير خلفه شرطاً للتلميذة المسيحية. وقال انه يرسلهم كحملان بين ذئاب (لو 10: 3)، وان فى العالم سيكون لهم ضيق (يو 16: 33). ويأتى وقت يظن كل مَن يقتلهم انه يقدم خدمة لله (يو 16: 2). وانهم يكونون مبغضين من الجميع من أجل اسمه (مت 10: 22)، وسيبكون وينوحون والعالم يفرح (يو 16: 20).
والسؤال الذى يطرح نفسه هو: كيف تتفق الدعوة إلى الضيق وتحملَّه مع محبة الله التى لا يوجد ادنى شك فيها... ويمكن طرح السؤال بصورة أخرى: إذا كان الله يحبنا حقاً، فهل يبالى بضيقاتنا؟!
والإجابة على هذا التساؤل نجدها فى قول إشعياء عن السيد الرب:
«فى كل ضيقهم تضايق وملاك حضرته خلّصهم» (إش 63: 9)).
.. بمعنى أن الله يتضايق لضيقاتنا... عجباً، وإذا كان الأمر كذلك فلماذا يسمح بها، وهو قادر على منعها؟!... لابد وأن هناك حكمة إلهية من هذه الضيقات، وإلاَّ لما سمح الله بها...
الضيقات التى تأتى على الإنسان هى لخيره، وهذا يتمشى مع محبة الله وخيريته وصلاحه، وهو القائل:
«حتى شعور رؤوسكم جميعها محصاة» (مت 10: 30).
؛ لو 12: 7). وبلسان النبى إشعياء قديماً قال:
«هوذا على كفى نقشتك» (إش 49: 16)).
وبلسان النبى زكريا قال:
«لأنه هكذا قال رب الجنود... مَن يمسّكم يمسّ حدقة عينه» (زك 2: 8)).
فى بدء المسيحية كان مجرد الإيمان بالمسيح والتمسك به هو دخول فى دائرة الضيقات واحتمال الأهوال، التى غالباً ما وصلت إلى حدّ الموت – موت الشهادة... "جميع الذين يريدون أن يعيشوا بالتقوى فى المسيح يسوع يضطهدون" (2تى 3: 12). ومع ذلك فقد انتشر الإيمان المسيحى فى العالم طولاً وعرضاً وعمقاً. وفضّل المسيحيون الحياة مع المسيح، محتملين الآلام والضيقات، عن إنكاره مقابل كل مباهج الدنيا وما فيها من مجد زائل. لابد إذن انه وراء الضيقات والآلام سرّ، بل أسرار وبركات، لأن الشهداء والمعترفين لم يكونوا من السذاجة والبلاهة حتى يحتملون الآلام المرعبة مقابل لا شئ!!
فما هى حكمة الباب الضيق:
1 - لأنه وصية المسيح وطريقه:
سبق أن ذكرنا وصية السيد المسيح بخصوص الباب الضيق والدخول منه. وان الطريق الكرب الذى يُدخل إليه من الباب الضيق هو يرى طريق الصليب... والمسيح قد سار هذا الطريق، قطع أشواطه وعبّده بقدميه المباركتين. انه الطريق من بيت لحم إلى الجلجثة. وإذا كانت الطريق الضيقة هى طريق الصليب، فإن الضيقات ذاتها هى حمل الصليب... فماذا قال رب المجد عن ذلك؟
«مِن لا يأذخ صليبه ويتبعنى فلا يستحقنى» (مت 10: 38)).
..
«مَن لا يحمل صليبه ويأتى ورائى فلا يقدر أن يكون لى تلميذاً» (لو 14: 27)).
..
«إن أراد أحد أن يأتى ورائى فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعنى» (مت 16: 24).
؛ مر 8: 34).
لكن قد يتبادر إلى ذهن البعض أن هذه الوصايا خاصة بتلاميذ الرب ورسله... لكن القديس لوقا فى إنجيله يوضح الأمر انه للجميع، فيقول:
« وقال للجميع، إن أراد أحد أن يأتى ورائى فلينكر نفسه ويحمل صليبه كل يوم ويتبعنى» (لو 9: 23)).
.. وتأكيداً لهذا المفهوم، فإن السيد المسيح حينما سأله شاب غنى عما يعمل ليرث الحياة الأبدية، كان جوابه على الفور:
«اذهب بع كل مالك واعطِ الفقراء، فيكون لك كنز فى السماء، وتعالَ اتبعنى حاملاً الصليب» (مر 10: 21)).
.. وواضح من هذا الكلام ان تبعية السيد المسيح تستلزم حمل الصليب كناية عن قبول الضيقات وتحمل الآلام برضى قلبى.
والباب الضيق هو الباب الذى ولجه المسيح منذ ولادته بالجسد، والطريق الكرب هو الطريق الذى سلكه المسيح من بيت لحم إلى الجلجثة... ومن السهل جداً أن ندرك ذلك إذا تتبّعنا المسيح فى حياته بالجسد على الأرض... فولادته فى مذود للبهائم كأحقر إنسان فى الحياة، إلى هروبه لمصر من وجه هيرودس الطاغية الذى كان يريد قتله، إلى تحديات اليهود المقاومين مدة كرازته وهى أكثر من ثلاث سنوات، إلى تحمله الشتائم والإهانات والمحقرات من خليقته، إلى خيانة يهوذا وهو العالم بكل الأشياء قبل حدوثها، إلى قبوله الآلام بإرادته من أجل خلاص البشرية... كل ذلك صور من الباب الضيق الذى دخل منه السيد المسيح بإرادته حينما كان بالجسد على الأرض.
2 - لأن به نشابه السيد المسيح:
معلوم أن السيد المسيح هو مثلنا الأعلى. به نقتدى، وفى اثر خطواته نسير.
«تألم لأجلنا، تاركاً لنا مثالاً لكى تتبعوا خطواته» (1بط 2: 21)).
.. ومفروض فينا أن نكون.
«مشابهين صورة ابنه ليكون هو بكراً بين أخوة كثيرين» (رو 8: 29)).
.. وما هى صورة ابن الله إلاَّ صورة القداسة والألم...
«محتقر ومرذول من الناس. رجل أوجاع ومختبر الحزن» (إش 53: 3)).
...
لقد أحب الرب يسوع الألم واشتهاه.
«لى صبغة اصطبغها، وكيف انحصر حتى تُكْمَل» (لو 12: 50)).
.. وعنه يقول معلمنا القديس بولس:
«الذى من أجل السرور الموضوع أمامه احتمل الصليب مستهيناً بالخزى» (عب 12: 2)).
.. لقد سأل الرب يسوع يعقوب ويوحنا ابنى زبدى:
«اتستطيعان أن تشربا الكأس التى سوف أشربها أنا، وان تصطبغا بالصبغة التى اصطبغ بها أنا. قالا له نستطيع» (مت 20: 22)).
قال أحد الآباء: [إن الفرح فى الألم هو مقياس حرارة حب النفس للمسيح. الإنسان الكامل يرحم بالألم ويفرح به. والفاتر يهرب منه ويضيق به ذرعاً... لقد أقام الرب يسوع الدليل على حبه للبشر بالتألم لأجلهم. فمن الصواب والعدل أن يبرهن البشر عن حبهم الصادق له بتألمهم لأجله]... إن أعظم تقدمة يمكن أن يقدمها المسيحى لله هو تقدمة ذاته ذبيحة روحية مع ذبيحة المسيح مخلصه المصلوب... هاذ ما يعنيه القديس بولس حينما يكتب لأهل رومية موصياً.
«ان يقدموا أجسادهم ذبيحة حية مقدسة مرضية عند الله» (رو 12: 10)).
3 - لأنه الطريق الذى سلكه جميع القديسين:
ولأن المسيح له المجد قال بصفة عامة:
«مَن لا يأخذ صليبه ويتبعنى فلا يستحقنى... مَن لا يحمل صليبه ويأتى ورائى فلا يقدر أن يكون لى تلميذاً» (مت 10: 38).
؛ لو 14: 27)، فقد سار جميع الأبرار فى الطريق الكرب بعد أن دخلوه من الباب الضيق حاملين الصليب، لأن رب المجد جعل حمل الصليب وتبعيته والسير وراءه شرطاً لتبعيته والتلمذة له...
والرسل الذين هم باكورة المؤمنين فى العهد الجديد دخلوا من الباب الضيق نظير معلمهم، وساروا طريق الصليب بفرح، حتى ان يعقوب الرسول يقول:
«احسبوه كل فرح يا اخوتى حينما تقعون فى تجارب متنوعة. عالمين أن امتحان إيمانكم ينشئ صبراً. وأما الصبر فليكن له عمل تام، لكى تكونوا تامين وكاملين غير ناقصين فى شئ» (يع 1: 2 - 4)).
ويقول بطرس الرسول للمؤمنين:
«إن تألمتم من أجل البرّ فطوباكم... فإذ قد تألم المسيح لأجلنا بالجسد، تسلّحوا أنتم أيضاً بهذه النية (بهذا المثال)... بل كما اشتركتم فى آلام المسيح، افرحوا لكى تفرحوا فى استعلان مجده أيضاً مبتهجين» (1بط 3: 13).
؛ 4: 1، 13، 14)...
وفى فاتحة رؤياه يوجه يوحنا كلامه للمؤمنين فيقول: "أنا يوحنا أخوكم وشريككم فى الضيقة، وفى ملكوت يسوع المسيح وصَبره" (رؤ 1: 9)... وواضح من هذه الكلمات أن الضيقة ملازمة للملكوت "الضيقة وملكوت يسوع المسيح".
وإذا اتينا إلى القديس بولس، نقرأ فى قصة اهتدائه للمسيحية، ان السيد المسيح يظهر لحنانيا أسقف دمشق الذى اقتبل بولس نعمة المعمودية على يديه ويقول له عنه (بولس):
«سأريه كم ينبغى أن يتألم من أجل إسمى» (أع 9: 16)).
.. ونلاحظ أن هذه الكلمات ليست نوعاً من التوّعد والوعيد لبولس مقابل اضطهاده للكنيسة والمؤمنين قبل اهتدائه، لكنها كشف للبركات التى كان بولس عتيداً أن ينالها من خلال ضيقات إيمانه وخدمته.
عجباً... وهل الضيقات تُحصى ضمن البركات؟ نعم. هكذا قال السيد المسيح. فحينما قال له بطرس ذات مرة نيابة عن بقية التلاميذ: "ها نحن قد تركنا كل شئ وتبعناك"، كان جواب المسيح:
«الحق أقول لكم ليس أحد ترك بيتاً أو اخوة أو أخوات أو أباً أو أماً أو امرأة (زوجة) أو أولاداً أو حقولاً لأجلى ولأجل الإنجيل، إلاَّ ويأخذ مئة ضعف الآن فى هذا الزمان بيوتاً واخوة وأخوات وأمهات وأولاداً وحقولاً مع اضطهادات، وفى الدهر الآتى الحياة الأبدية» (مر 10: 28 - 30)).
.. أرأيت كيف يحصى ربنا يسوع الاضطهادات ضمن البركات التى ينالها الإنسان فى هذه الحياة؟!
وما أكثر ما كتبه بولس الرسول عن الآلام والضيقات وما يصاحبها من بركات:
إنه يعتبرها شركة مع المسيح فى آلامه "لأعرفه وقوة قيامته وشركة آلامه متشبهاً بموته" (فى 3: 10)...
وهو يفرح فى الضيقات...
«أفرح فى آلامى لأجلكم. واكمّل نقائص شدائد المسيح فى جسمى لأجل جسده الذى هو الكنيسة» (كو 1: 24)).
.. إنه تعبير عجيب يكشف به بولس أن المؤمنين يؤلفون جسد المسيح السرّى غير المنظور. وهم إذ يتألمون، فإنهم بذلك يكملون نقائص شدائد المسيح... حينما قال المسيح على الصليب: "قد أكمل"، كان يتكلم عن خلاص البشرية وانه أكمله بموته على الصليب... لكن آلام المسيح وشدائده لم تكمل بعد. والمؤمنون يكمّلونها باحتمالهم كل ما يأتى عليهم من أجل المسيح والإيمان به.
ويكشف بولس ان الضيقات واحتمالها هى مؤهلنا للملكوت الأبدى. فقد كان يشدد مؤمنى آسيا الصغرى ويكشف لهم عن بركات الضيقات وعاقبتها بقوله:
«بضيقات كثيرة ينبغى أن ندخل ملكوت الله» (أع 14: 22)).
..
تعلمون أننا موضوعون لهذا. لأننا لما كنا عندكم سبقنا فقلنا لكم اننا عتيدون أن نتضايق "(1تس 3: 2 - 4).
وأكثر من هذا نرى بولس يتخطى مرحلة احتمال الضيقات بصبر إلى الافتخار بها باعتبارها قرينة الإيمان.
«نفتخر أيضاً فى الضيقات، عالمين أن الضيق ينشئ صبراً، والصبر تزكية والتزكية رجاء» (رو 5: 3).
، 4)... وليس الافتخار بها فحسب بل الفرح بها.
«لذلك اسر بالضعفات والشتائم والضرورات والاضطهادات والضيقات لأجل المسيح، لأنى حينما أنا ضعيف فحينئذ أنا قوى» (2كو 12: 10)).
.. ففى الضيقات تظهر معونة النعمة الإلهية، ويعزّى الإنسان أنها شركة مع الرب فى آلامه... بل أكثر من هذا يرتفع هذا الرسول بالضيقات والآلام ليجعلها هبة روحية من الله للإنسان "وُهب لكم لأجل المسيح، لا أن تؤمنوا به فقط، بل أن تتألموا أيضاً" (فى 1: 29).
● وإذا انتقلنا من رسل المسيح إلى القديسين عامة، نراهم يجمعون على بركات الباب الضيق والطريق الكرب، طريق الصليب. وميزة أقوال القديسين انها تعبير عن خبرتهم الشخصية.
+ لم تدّخر لنا المخطوطات والكتب النسكية أقوالاً للقديس بولس البسيط تلميذ الأنبا أنطونيوس الكبير، سوى مقولة واحدة يقول فيها: [الذى يهرب من الضيقة يهرب من الله].
+ وفى عظة وداعية قال القديس مقاريوس الكبير لأولاده الرهبان: [مَن ذا الذى تكلل قط بدون جهاد. ومَن استغنى بدون عمل. ومَن ربح ولم يتعب أولاً. أى بطّال جمع مالاً، أو أى عاطل لا تنفذ ثروته. انه بضيقات كثيرة ندخل ملكوت السموات. فليحرص كل منكم على قبول الاتعاب بفرح عالماً أن من ورائها كل غنى وراحة].
+ ويقول القديس باخوميوس أب الشركة الرهبانية: [تقبّل كل التجارب بفرح، عالماً بالمجد الذى يتبعها. فإنك إن تحققت من ذلك فلن تملّ من احتمالها. لدرجة انك تطلب من الله ان لا يصرفها عنك]... كما يقول: [هل تظن أن تقطيع الأعضاء والحريق وحدهما شهادة؟ لا. بل تعب النسك والضربات التى من الشياطين والأمراض. فمَن يحتمل كل ذلك بشكر فذلك هو الشهيد. وإلاَّ فما الحاجة لأن يكتب بولس الرسول إنى أموت كل يوم. فإنه لم يكن يموت فى الظاهر كل يوم بل كان بصبر يحتمل ما يأتى عليه].
+ ويقول مار إسحق السريان: [لا تكره الشدائد، فباحتمالها تنال الكرامة، وبها تقترب إلى الله. لأن النياح الإلهى كائن داخلها. ومحب الصلاح هو الذى يحتمل البلايا بفرح].
+ ويقول القديس برصنوفيوس: [لماذا تصغر نفسك فى الأحزان مثل إنسان جسدانى؟ ألم تعلم ان الأحزان موضوعة للقديسين؟ ألم تسمع أن كثيرة هى أحزان الصديقين، ومن جميعها ينجيهم الرب؟ ألم تعلم أن الصديق يُمتحن بالأحزان كما يُمتحن الذهب بالنار. فإن كنا صديقين فبالأحزان نُختبر، وإن كنا خطاة فبالأحزان نؤدب].
+ وقال أحد الآباء: [إن كل إنسان يُسلّم نفسه لشدة بهواه (بإرادته) من أجل الله، فلى إيمان أن الله يحسبه مع الشهداء. وذلك البكاء الذى يذرفه فى تلك الشدة يحسبه الله عوض الدم].
4 - لأنه الأسلوب الذى يناسب الإنسان روحياً:
إذا كان الله يسمح بحدوث الضيقات للبشر، فلا يعنى ذلك أن الله يُسَرّ بتضايق الإنسان وتألمه... بل على العكس فإن الله يريد خير الإنسان الروحى. ولأنه يعرف طبيعة الإنسان وميله للأرضيات والجسدانيات، فإنه يتعامل معه بالطريقة التى تناسبه... بعد أن أغرق الله العالم بالطوفان فى زمان نوح. وبعد أن انتهى كل شئ وخرج نوح من الفلك بنى مذبحاً للرب، فتنسّم الرب رائحة الرضا وقال فى قلبه:
«لا أعود ألعن الأرض أيضاً من أجل الإنسان، لأن تصوّر قلب الإنسان شرير منذ حداثته. ولا أعود أيضاً أميت كل حىّ كما فعلت» (تك 8: 20).
، 21).
يقول القديس بولس الرسول: "اسلكوا بالروح فلا تكلمّلوا شهوة الجسد. لأن الجسد يشتهى ضد الروح والروح ضد الجسد. وهذان يقاوم أحدهما الآخر حتى تفعلون ما لا تريدون" (غلا 5: 16، 17)... كما يقول عن طبيعة الإنسان المائلة للشر:
«فإنى أعلم انه ليس ساكن فىَّ، أى فى جسدى شئ صالح. لأن الإرادة حاضرة عندى، وأما أن أفعل الحسنى فلست أجد. لأنى لست أفعل الصالح الذى أريده، بل الشر الذى لست أريده فإياه أفعل... حينما أريد أن أفعل الحسنى (أجد) أن الشر حاضر عندى. فإنى أسَرّ بناموس الله بحسب الإنسان الباطن. ولكنى أرى ناموساً آخر فى اعضائى يحارب ناموس ذهنى، ويسبينى إلى ناموس الخطية الكائن فى أعضائى.. ويحى أنا الإنسان الشقىّ. مَن ينقذنى من جسد هذا الموت» (رو 7: 18 - 24)).
وهكذا نرى أن الإنسان بحسب تكوينه وطبيعته ضعيف، فضلاً عن وجود عوامل جذب كثيرة وقوية تشدّه إلى كل ما هو أرضى ترابى وجسدانى... لذا فإن الضيقات نافعة للإنسان لأنها تنبه وتفيقه وترده إلى صوابه، وتعرّفه ضعف ذاته وطبيعته، فيرفع عقله وقلبه من حيث عونه... يقول المرنم: "معونتى من عند الرب".
يقول داود النبى:
«أنا قلت فى طمأنينتى لا أتزعزع إلى الأبد. يا رب برضاك ثبّت لجبلى عزاً. حجبت وجهك فصرتُ مرتاعاً» (مز 30: 6).
، 7)... والمعنى أن داود قال فى وقت قوته انه لا يتزعزع، وللحال حجب الله وجهه ومعونته عنه فصار مرتاعاً وقلقاً. ويقول بعدها مباشرة: "إليك يا رب أصرخ وإلى السيد اتضرع... سمع الرب فرحمنى. الرب صار لى عوناً. حولت نوحى إلى فرح. مزقت مسحى ومنطقتنى سروراً" (الترجمة القبطية).
ما أشد ضعف الإنسان، وما أكثر ما تخونه إرادته على الرغم من معرفته أين يوجد الصواب... ولولا نعمة الله التى تسندنا مراراً عديدة، والتى تنبهنا بطرق مختلفة ووسائط شتى، لصرنا شيئاً آخر غاية فى السوء والرداءة... الله فى معاملاته مع جبلته يعامل كل واحد بالطريقة التى تناسبه من أجل خيره... وللأسف فغالباً ما لا يتنبه الإنسان إلاَّ بالضيقات. يقول أحدهم: [إن الضيقات هى لغة الله لمحبيه!!] وهكذا نرى أن الضيقات التى تأتى على الإنسان نافعة لخلاصه.
ثم ان الله بواسطة الضيقات ينقى الإنسان من الأخطاء والضعفات... يقول رب المجد يسوع:
«أنا الكرمة الحقيقية وأبى الكرام. كل غصن فىَّ لا يأتى بثمر ينزعه. وكل ما يأتى بثمر ينقيه ليأتى بثمر أكثر» (يو 15: 1)).
.. إن عملية التنقية، عملية تستوجب قطع أجزاء من الأغصان وهو ما يعرف باسم التقليم... ولو كان للنبات أن يتكلم ويعبّر بالكلام عن احاسيسه، لأدركنا أنه يتألم!! وفى بعض النباتات إذا جُرحت بسلاح سالت منها عصارة وكأنها الدموع!! هذا ما يفعله الله مع أولاده الذين يحبهم. انه ينقيهم ليأتوا بثمر روحى أكثر... يقول أحد الآباء: [كما ان الغصن حينما يُشَذّب، تسيل عصارته وكأنه يبكى، إلاَّ أنه لا يلبث حتى تظهر براعمه التى تتفتح عن زهور جميلة، تتحول بعد ذلك إلى ثمار يانعة شهية. كذلك المسيحى هو غصن سرّى فى المسيح الكرمة الحقيقية، حينما تحيط به الآلام، يبدو – بادئ ذى بدء – وكأن تلك الآلام تسحقه، إلاَّ أنه لا يلبث حتى يتجدد ويزداد حيوية، وتتكاثر فيه ثمار الروح القدس العجيبة]... يقول القديس أغسطينوس: [التبن شئ والحنطة شئ آخر. ومع ذلك فالنورج يمرّ فوق كليهما يسحق التبن وينقى القمح].
5 - لأنه الطريق الموصل للمجد الأبدى:
يحدثنا سفر أعمال الرسل عن منهج الرسولين بولس وبرنابا فى بعض مدن آسيا الصغرى. وكيف كانا.
«يشددان أنفس التلاميذ، ويعظانهم أن يثبتوا فى الإيمان. وانه بضيقات كثيرة ينبغى أن ندخل ملكوت الله» (أع 14: 22)).
.. وكلمة "ينبغى" تفيد لزوم هذا الشئ الذى هو الضيقات الكثيرة!!
أظهر أهل تسالونيكى استعداداً طيباً لقبول الإيمان المسيحى. بل إن إيمانهم كان ينمو وفضائلهم تزدهر. فكتب إليهم القديس بولس مشجعاً وموضحاً أن الاضطهادات والضيقات التى يحتملونها إنما هى مؤشر لاستحقاقهم للملكوت...
«اننا نحن أنفسنا نفتخر بكم فى كنائس الله من أجل صبركم وإيمانكم فى جميع اضطهاداتكم والضيقات التى تحتملونها. بيّنة على قضاء الله العادل، انكم تؤهلون لملكوت الله، الذى لأجله تتألمون أيضاً. إذ هو عادل عند الله أن الذين يضايقونكم يجازيهم ضيقاً. واياكم الذين تتضايقون راحة معنا عند استعلان الرب يسوع من السماء مع ملائكة قوته» (2تس 1: 3 - 7)).
.. كما يكتب هذا الرسول إلى أهل كورنثوس ويقول:
«لأن خفة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجد أبدياً» (2كو 4: 17)).
ويصوّر لنا يوحنا الرسول فى سفر الرؤيا مكانة الذين يحتملون الضيقات فى العالم الآخر فيقول: "بعد هذا نظرت، وإذا جمع كثير لم يستطع أحد أن يعدّه من كل الأمم والقبائل والشعوب والألسنة، واقفون أمام العرش وأمام الخروف، متسربلين بثياب بيض، وفى أيديهم سعف النخل... وهم يصرخون بصوت عظيم قائلين: الخلاص لإلهنا الجالس على العرش وللخروف. وجميع الملائكة كانوا واقفين حول العرش والشيوخ والحيوانات الأربعة، وخرّوا أمام العرش على وجوههم وسجدوا لله قائلين: آمين البركة والمجد والحكمة والشكر والكرامة والقدرة والقوة لإلهنا إلى أبد الآبدين آمين. وأجاب واحد من الشيوخ قائلين لى: هؤلاء المتسربلون بالثياب البيض من هم، ومن أين أتوا. فقلت له يا سيد أنت تعلم. فقال لى: هؤلاء هم الذين أتوا من الضيقة العظيمة، وقد غسلوا ثيابهم وبيّضوا ثيابهم فى دم الخروف. ومن أجل ذلك هم أمام عرش الله ويخدمونه نهاراً وليلاً فى هيكله. والجالس على العرش يحلّ فوقهم. لن يجوعوا بعد. ولن يعطشوا بعد. ولا تقع عليهم الشمس ولا شئ من الحرّ. لأن الخروف الذى فى وسط ا لعرش يرعاهم ويقتادهم إلى ينابيع ماء حية، ويمسح الله كل دمعة من عيونهم" (رؤ 7: 9، 17).
إن الألم والضيقات هى علامة أكيدة للتأهل للسعادة الأبدية... هذا ما يكشفه مخلصنا حينما قال لتلاميذه:
«الحق الحق أقول لكم إنكم ستبكون وتنوحون والعالم يفرح. أنتم ستحزنون ولكن حزنكم يتحول إلى فرح» (يو 16: 20)).
مبدأ الباب الضيق فى الحياة الروحية:
لا يقتصر مبدأ الباب الضيق على الضيقات والضغطات التى تأتى على الإنسان من الخارج، بل يشمل أيضاً تضييق الإنسان على نفسه إختيارياً فى جهاده الروحى... ونعرض الآن لبعض أمثلة للباب الضيق فى الحياة الروحية.
أولاً – فى التوبة:
لا شك أن التوبة هى احد الأبواب الضيقة التى على الإنسان أن يدخل منها بإرادته. ففى التوبة، يجب على الإنسان أن يضيّق على ذاته، فلا يعطيها ما تشتهيه من شهوات غير مقدسة... ولنتفهم وصية الرب "اجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضيق". إذن هو يتكلم عن عمل إرادى على الإنسان أن يقوم به.
يقول مار يوحنا سابا (الشيخ الروحانى)... [كما أن آدم الجسدانى من حواء يُولد له بنون بشبهه لعالمه الجسدانى، كذلك المسيح أب العالم الروحانى – من المعمودية والتوبة – يُولد له بنون بشبهه للعالم الروحانى... فكيف نجدها (التوبة) إن كانت قريبة؟ يا أبانا أرنا إياها... إنها على الباب اللطيف الضيق. وكل مَن يصبر لصعوبته الملمة، ويخرج منه يلقى لوقته ملكوت النور ويتنعم. وذلك الباب الذى لمدخل الحياة. فإنه فى أى بلد يوجد داخلكم، وبابها هذا هو التوبة... ليس مَن تمسّك برجائك ونزل إلى الجحيم، ولا مَن صعد إلى السماء بدونكِ. مَن يرى الله بغيرك؟! مَن تمسّك برجائك ووقع فى يد الشيطان. ومَن تطهر ولم تكونى أنتِ التى غسَلتِه. مَن الذى سقى زرعه من مطركِ، ولم يحصد منه أثمار الفرح. ومَن صبغ وجهه كل ساعة بقطراتكِ ولم يبصر الله فى قلبه. من اتخذكِ شفيعه ولم تفتحى أمامه أبواب خزائن الله. أنتِ خلّصت داود من الخطية... صدر الحكم على أهل نينوى بالهلاك، ولكنك تجبّرت وقمتِ وخلصتيهم].
صعوبات التوبة:
السيد المسيح ينادى المتعبين والثقيلى الأحمال ليريحهم. ويدعوهم لحمل نيره، ويصفه بأنه هيّن وخفيف (مت 11: 28 - 30)... ولا شك أن الخطاة والأشرار هم من هؤلاء المتعبين الذين يدعوهم المسيح ليريحهم... والراحة لا تتأتى إلاَّ بالتوبة. لكن قول المسيح ان نيره هيّن وحمله خفيف لا يعنى أن التوبة تخلو من الصعوبات... على ىالعكس، فإن فيها صعوبات مؤكدة، لأنها دخول من الباب الضيق، والسير فى الطريق الكرب... ويقابل صعوبات الطريق أن المسيح له المجد يرافق كل السائرين فيها... يُعزّيهم ويسندهم ويشددهم واحساس الإنسان برفقة المسيح وحنوه ولطفه وحلاوته تُنسيه كل متاعب الطريق...
فما هى صعوبات التوبة؟
1 - صعوبة الاقلاع عن الشهوات المحببة للنفس:
لا نستطيع أن ننكر دور نعمة الله فى كل صلاح يعمله الإنسان، مصداقاً لقول الرب يسوع نفسه:
«بدونى لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً» (يو 15: 5)).
..
«لا يقدر أحد ان يُقبل إلىَّ إن لم يجتذبه الآب الذى أرسلنى» (يو 6: 44)).
التوبة إذن محتاجة إلى نعمة الله لمؤازرة الإنسان الذى يريد أن يتوب، لذا يصرخ ارميا النبى إلى الله قائلاً:
«توّبنى فأتوب لأنك أنت الرب إلهى» (ار 31: 18)).
.. لكن هذا لا ينفى دور الإنسان فى تخليص نفسه، بإظهار إرادته وجهاده وتشبثه بالحياة مع الله... وهنا نتذكر قول القديس أغسطينوس الشهير: [الله الذى خلقك بدونك، لا يخلّصك بدونك]. والمعنى أنك لم تشترك فى خلقة نفسك (خلقك بدونك)، ولكن فيما يختص بخلاص نفسك فلابد أن يكون لك دور بالإرادة والجهاد وما إلى ذلك. أى أن نعمة الله لا تخلصك وأنت سلبى لا تجاهد ولا تعمل شيئاً من أعمال التوبة...
هناك شهوات يحبها الإنسان، وطالما استُعبد لها... هذا ولا شك يحتاج إلى ثبات ومقاومة وثقة فى معونة الله، وأيضاً ثقة بالنفس... ضع العالم كله بما فيه ومَن فيه فى كفة ميزان، والمسيح ومحبته وأمجاده فى الكفة الأخرى... حدد موقفك أيهما تختار باراباس أم يسوع (مت 27: 17)... إن باراباس رمز العالم الحاضر الذى وُضع فى الشرير. إياك أن تشابه اليهود فى اختيارهم باراباس أمام الوالى الرومانى بيلاطس...
أنا لا أعرف ما هى الشهوة أو الشهوات التى تسبيك سبياً، فما أكثر الشهوات. لكنى أذكرك بوصية المسيح أن تنحبه من كل قلبك ومن كل فكرك ومن كل نفسك ومن كل قدرتك... وان مَن يحب إنساناً – سواء كان أباً أو أماً أو ابناً أو ابنة – أكثر منه فلا يستحقه (مت 10: 37)... وإذا كان هذا عن المحبة المشروعة والمقدسة (محبة الآباء والأمهات والأبناء)، فماذا نقول عن الحب الشهوانى الدنس وغير المقدس؟!... أذكّرك أيضاً بقول رب المجد:
«مَن لا يأخذ صليبه ويتبعنى فلا يستحقنى. مَن وجد حياته يضيعها. ومَن أضاع حياته من أجلى يجدها» (مت 10: 38).
، 39).
اسمع ما أقوله لك... إن كنت تود من كل قلبك أن تعيش لله فسيعطيك القوة والنصرة...
«كل شئ مستطاع للمؤمن» (مر 9: 23)).
.. "أستطيع كل شئ فى المسيح الذى يقوينى" (فى 4: 13)... الطفل يُفْطم بصعوبة من ثدى أمه. لكن لا سبيل لنموه إلاَّ بالفطام وتناوله طعام البالغين بالتدريج.
إن الجهاد لازم فى كل مرحلة من مراحل حياة الإنسان. ولا يأتى وقت يتوقف الإنسان عن الجهاد. قد تتغير الحروب الروحية التى يتعرض لها الإنسان فى مراحل عمره المختلفة، لكن يظل الجهاد هو سلاح الإنسان الذى به يغلب وينتصر... إن بولس الرسول العملاق يقول:
« وكل مَن يجاهد يضبط نفسه فى كل شئ... أقمع جسدى وأستعبده حتى بعدما كرزت للآخرين لا أصير أنا نفسى مرفوضاً» (1كو 9: 27)).
.. ما هذا يا بولس، هل تخشى أن تُرفض بعد كل الخدمات التى قدّمتها لسيدك واتعاب الكرازة التى عانيتها، وبعد الرؤى الإلهية الكثيرة التى عاينتها واعلنت لك؟... ويعود هذا الرسول ويكتب إلى العبرانيين قائلاً:
«لم تقاوموا بعد حتى الدم مجاهدين ضد الخطية» (عب 12: 4)).
فإذا كان هذا هو مقياس هذا الرسول العظيم فى الجهاد، فماذا عسانا نحن أن نعمل؟!
2 - صعوبة التخلّى عن الصدقات المعثرة:
الصداقة والصداقات ما أخطرها، وما أشدّ تأثيرها على الإنسان. ومن هنا كانت كلمات الرسول المعلم بولس:
«لا تضلّوا فإن المعاشرات الرديّة تفسد الأخلاق الجيدة» (1كو 15: 33)).
.. إن اليد القذرة غير النظيفة إذا امسكت بأى شئ لوّثته. هكذا الصداقة الرديئة... وعلى العكس من ذلك فإن الصداقة الطيبة التى أساسها المسيح هى بركة كبيرة للإنسان، وعوناً عظيماً له فى حياته الروحية وجهاده... وقد يرتبط الإنسان بصديق من الصغر – وقت البراءة – ويحدث أن هذا الصديق ينحرف حينما يشب عن الطوق. فإذا استمرت الصداقة، فإن أثرها يكون خطيراً، وغالباً ما تقود إلى إنحراف الطرف الآخر.
إن الإنسان بحسب تكوينه وطبيعته مائل للشر، لذا ينصحنا الكتاب المقدس بالهروب من مجالات الخطية والشر... هذا ما قيل للوط بخصوص سكناه فى سدوم وعمورة:
«اهرب لحياتك. لا تنر إلى ورائك. ولا تقف فى كل الدائرة. اهرب إلى الجبل لئلا تهلك» (تك 19: 17)).
.. لقد حذّره من مجرد النظر إلى الوراء لئلا يميل قلبه إلى شئ مما فى المدينة، كما حذّره من الوقوف فى كل الدائرة أو المنطقة...
3 - صعوبة الاقلاع عن العادات الرديئة المتأصلة:
العادة – أى عادة – تتأصّل فى الإنسان بالممارسة ويساعد فى ذلك عامل الزمن. وهى كالشجرة التى يمكن اقتلاعها من جذورها وهى بعد صغيرة، لكن من الصعب اقتلاعها إذا ما ضربت بجذورها فى باطن الأرض وتغلغلت فيها بعامل الزمن...
ومع تسليمنا بهذا الكلام وبمدى تأثير بعض العادات السيئة فى الإنسان، لكننا نقول إنه لا يوجد شئ مستحيلاً... ماذا يقول الرسول... "أستطيع كل شئ فى المسيح الذى يقوّينى" (فى 4: 13)... وإذا كان الإنسان بإيمانه الحقيقى العميق قادراً على نقل الجبال واتيان العجائب وصنع المعجزات، فهل يعجز أن يقلع عنه عادة سيئة رديئة؟!
ولا نستطيع أن نحصى العادات السيئة الرديئة، لكنها بالتأكيد معروفة للجميع. ولا نتعرض هنا للعادات الضارة المتصلة بالمسألة الجنسية، لكننا نشير إلى بعض العادات الرديئة التى يستخف الكثيرون بها، وربما لا يعتبرونها أمراً رديئاً، مثل التدخين واحتساء الخمر ولو قليل منه، وشرب المكيفات كالشاى والقهوة... إلخ. ومضار ادمان هذه المكيفات صحياً أمر معروف ولا يحتاج إلى إثبات. لكن يقول قائل: نعم إن التدخين وشرب الخمر وبعض المكيفات إذا أدمن عليها الإنسان تصبح عادات سيئة، لكن ماذا فى إدمان شرب الشاى والقهوة؟! ونحن نقول إن الخطورة فى أى عادة انها تستعبد الإنسان لها. فتعوّد شرب الشاى والقهوة وعدم الاستغناء عنهما كثيراً عطّل شاربيها عن أمور روحية جميلة كممارسة الصوم الانقطاعى. فقد اعتاد هؤلاء بمجرد استيقاظهم أن يشربوا شيئاً منها. وبهذا يحرمون أنفسهم من بركة الصوم الانقطاعى والحكمة منه...
لا تستهينوا بأى عادة – أياً كانت... فالعادة السيئة الرديئة تستعبد الإنسان وتسلبه حريته التى وهبها إياه المسيح... لقد أتى مخلصنا ليحررنا من كل القيود التى استعبدنا أنفسنا لها بإرادتنا. لذا فلنعلم أن المسيح وحده هو القادر أن يحررنا تماماً...
«إن حرّركم الابن فبالحقيقة تكونون أحراراً» (يو 8: 36)).
إن الكلام هنا ليس موجهاً لمَن هم مستعبدون لبعض العادات الرديئة فحسب، لكنه تحذير لكل إنسان من الخطوة الأولى، التى تعقبها خطوات... لنذكر أن أى بناء ضخم يبدأ بقالب طوب واحد. والكتاب الكبير يبدأ بكلمة كتبت على أول سطر بأول صفحة، تتلوها كلمات صم سطور ثم صفحات وصفحات.
وإذا شعرت بالحرية فى المسيح، فاحترس لئلا تُستعبد لشئ ما. كن حذراً وكن حريصاً... إن الرسول بولس قبل أن يقول "أستطيع كل شئ فى المسيح الذى يقوينى"، قال: "قد تعلمت أن أكون مكتفياً بما أنا فيه. أعرف أن اتضع وأعرف أيضاً أن استفضل. فى كل شئ وفى جميع الأشياء قد تدربت أن أشبع وان أجوع، وان استفضل وان انقص" (فى 4: 11، 12).
4 - تذكارات الخطايا القديمة:
ومن ضمن صعوبات التوبة، تذكارات الخطايا القديمة، التى قد يكون الإنسان قد أقلع عنها... ويظل عدو الخير يلّوح بها، ويستخدمها لتحريك مشاعر غير مقدسة فى الإنسان، وبالتالى تدنيس فكره...
مثل هذه التذكارات القديمة تصلى الكنيسة لأجلها فى صلاة الصلح بالقداس الإلهى، وتطلب إلى الله أن يطهرنا من كل دنس ومن كل رياء ومن كل فعل خبيث ومن تذكار الشرّ الملبس الموت. وهو كذلك لأنه إذا استطاع أن يجرّ الإنسان إلى جوّ الخطية ثانية – ولو فكرياً – فإنه يقوده إلى موت الخطية...
إن التغلب على أمثال هذه الأمور يحتاج إلى عزيمة وجهاد وصبر... ويجب ألاَّ نرتاع من أعدائنا الروحيين، ولا نستضعف أنفسنا. نحن بدون الله لا شئ وعدم ولكن إن احسسنا بوجود الله إلى جوارنا، فلنقل:
«إن كان الله معنا فمَن علينا» (رو 8: 31)).
.. "أستطيع كل شئ فى المسيح الذى يقوينى" (فى 4: 13).
ثانياً – فى ممارسات الصلاة والصوم والقراءات المقدسة:
إن كنا قد تكلمنا عن مبدأ الباب الضيق فى التوبة، فإنما تكلمنا عن بعض السلبيات. لكن هناك إيجابيات لا غنى للحياة الروحية عنها، بل هى بمثابة الروح للإنسان... ولا قيمة لمقاومة الإنسان للسلبيات ما لم تسندها الإيجابيات، التى هى بمثابة الغذاء لروح الإنسان... ولعل أهم هذه الايجابيات الصلاة والصوم والقراءات المقدسة... وبطبيعة الحال سوف لا يكون حديثنا بالتفصيل عن كل منها، لكن كلامنا سيكون عن مبدأ الباب الضيق فى كل منها...
هناك مبدأ فى الحياة الروحية نصح به الآباء القديسون هو التغصّب... لقد استمدوا هذا المبدأ من تعليم السيد المسيح نفسه فى قوله:
«ملكوت السموات يُغصب، والغاصبون يختطفونه» (مت 11: 12)).
.. فالأمر ليس سهلاً هيّناً كما قد يتوهم البعض. فكل شئ فى الحياة – أى شئ – لا يناله الإنسان إلاَّ بالجهد والتعب والمشقة، خاصة إذا كان شيئاً ثميناً. فالطالب والتاجر والزارع والصانع وغيرهم لا يفوزون بما يريدون ما لم يجاهدوا ويكدّوا ويتعبوا... فما بالك بالسماء التى نجاهد من أجل الوصول إليها... وإذا كان الطالب مثلاً يجاهد بلا كلل ولا ملل ويقاوم رغباته الجسدية فى الراحة من أجل الحصول على شهادة دراسية، ألاَّ تستحق السماء منا مثل هذا الجهاد؟!
+ نقرأ عن ربنا يسوع المسيح أنه كثيراً ما كان يقضى الليل كله فى الصلاة... ذاك القدوس الذى لم يكن بحاجة للصلاة كان يصلى بهذا العمق وهذه الاستمرارية... ونحن كثيراً ما يخدعنا جسدنا، ويهر لنا ضعفاً، وثقلاً فى أعضائنا... وإذا حدث واستجبنا لخداعه لتوقفنا عن ممارساتنا الروحية...
ماذا يقول الآباء الذين خبروا الحياة الروحية؟
يقول مار إسحق السريانى: [هل أنت تعمل فقط لخبز الجسد حينما يكون لك رغبة فى العمل. أم انك تجاهد حتى لو لم تكن لك رغبة فى العمل؟ اعلم أن أمر غصب النفس على العمل هو أمر هام جداً فى الأمور الدنيوية والروحية أيضاً. هو لازم للصلاة وقراءة الكتب المقدسة والكتب الروحية وحضور الخدمات الإلهية فى الكنيسة. لا تُطعْ الجسد الكسول الخادع، فإنه خطية... الجسد يشتهى أن يرتاع على الدوام، غير مكترث بالهلاك الأبدى الذى يكون عوض راحته القليلة الزائلة].
ويقول أيضاً: [بقدر ما يشقى الإنسان ويجاهد ويغصب نفسه من أجل الله، هكذا معونة إلهية تُرسَل إليه وتحيط به، تُسهّل عليه جهاده وتصلح الطريق قدامه... أما إذا كنت تسأل إلى أى حدَّ اغصب ذاتى، فإنى أقول لك إلى حدّ الموت اغصب نفسك من أجل الله... خير لنا أن نموت فى الجهاد من أن نحيا فى السقوط]!!
على الإنسان ألاَّ يتراخى، بل عليه أن يغصب نفسه للصلاة حتى لو لم يشعر بدافع للصلاة أو تعزية داخلية (جفاف روحى)...
يقول القديس مار افرام السريانى: [اسكبوا أمام الله الدموع لتصير صلاتكم كالبخور قدامه. مجارى المياه لوقت الحريق، ومجارى الدموع فى زمن التجربة. الماء يخمد لهيب النار، والدموع تطفئ شهوة الشرّ]... ويقول القديس يوحنا الدَرَجى: [العين الباكية هى جرن دائم لمعمودية التوبة والتجديد].
+ وإذا كان غصب النفس لازم فى ممارسة الصلوات، فهو أيضاً لازم فى الصوم – خاصة الصوم الانقطاعى... فما أكثر البركات التى لنا بالصوم... فما هى خبرة آبائنا فيما يختص بالصوم والتغصب فيه، الذى هو الباب الضيق؟
يقول القديس مقاريوس الكبير: [طول الروح هو صبر. والصبر هو الغلبة. والغلبة هى الحياة، والحياة هى الملكوت، والملكوت هو الله. البئر عميقة لكن ماءها طيب عذب. الباب ضيق والطريق كربة، لكن المدينة مملوءة فرحاً وسروراً. البرج شامخ حصين، لكن داخله كنوزاً جليلة. الصوم ثقيل صعب، لكنه يوصل إلى ملكوت السموات. فعل الصلاح عسير شاق، لكنه يُنجّى من النار برحمة ربنا الذى له المجد].
ويقول الأنبا باخوميوس أب الشركة الرهبانية: [ما أكثر فخر الصابرين على التجارب. جميع المعلمين والآباء والكتب المقدسة تأمر بالصبر الكثير وتحث عليه. فكن صبوراً وتجلّد، لأن القديسين صبروا فنالوا المواعيد. كن واسع القلب لتُكلل مع جنوده الأطهار. داوم على الصوم وصلَّ ولا تملّ. واصبر للبلايا حتى يرفعها الرب عنك. وانظر لأى درجة، حتى اللعاب الذى ييبس فى فمك وأنت صائم لا ينساه الله. وتجد ذلك عند شدتك فى وقت انتقالك].
ويقول مار إسحق السريانى: [كل جهاد ضد الخطية وشهواتها يجب أن يبتدئ بالصوم، خصوصاً إذا كان الجهاد بسبب خطية داخلية].
كما يقول أيضاً: [مخلصنا الصالح حينما أظهر نفسه للعالم عند الأردن ابتدأ من هذه النقطة. فحينما اعتمد، قاده الروح إلى البرية مباشرة، وصام أربعين يوماً وأربعين ليلة. وكل الذين يريدون أن يتبعوا خطواته، عليهم أن يضعوا أساس جهادهم على مثال عمله]...
والقديس اييرونيموس (جيروم) يرد على مَن يتماحكون ولا يصومون بحجة خشية ضعف أجسادهم ويقول: [خير لك أن تمرض معدتك ولا تمرض نفسك. وان ترتجف ركبتك ولا تتزعزع عفّتك. فاقمع جسدك واستعبده لئلا تُرذل]...
وإذا كنا قد تحدثنا عن التغصب فى الصلاة والصوم، فإنه لازم لنا فى القراءات الروحية، وفى مقدمتها الكتاب المقدس... إن كلمة الله خير سندٍ للإنسان فى غربته فى العالم وجهاده المستمر... يقول القديس بولس:
«كل ما سبق فكتب، كُتب لأجل تعليمنا، حتى بالصبر والتعزية بما فى الكتب يكون لنا رجاء» (رو 15: 4)).
انه خير مرشد لنا نحن الغرباء فى الجسد فى هذا العالم...
ثالثاً – فى الاعتراف:
لا شك أن اعتراف الإنسان بخطاياه أمام الأب الكاهن هو أحد الأبواب الضيقة التى عليه أن يدخل منها... كثيرون يمنعهم الخجل من الاعتراف بخطاياهم عن ممارسة هذا السرّ المقدس، الذى به ننال غفران خطايانا. وهكذا يحرمون أنفسهم من بركات هذا السرّ بوقوفهم أمام بابه الضيق...
الخجل ولو أنه قاس ومؤلم، إلاَّ انه مفيد للإنسان... انه يشعرنا ببشاعة الخطية، ومادى حقارة الوقوع فيها. كما يشعرنا بأنها – اى الخطية – عار ونقص. وكل هذه المشاعر لازمة ومفيدة للإنسان فى توبته... من المفيد للإنسان أن يتألم بسبب خطيئته حال اعترافه وإقراره بها، طالما انه تلذّذ بها قبلاً حال ارتكابها وممارستها... من أجل هذا قال الآباء القديسون إن سرّ الاعتراف لجام قوى يكبح جماح الإنسان ويمنعه من العودة إلى الخطأ...
يقول يشوع بن سيراخ: "لا تَستَحِ من الاقرار بخطاياك" (سيراخ 4: 26)... يجب على الإنسان أن يتخطى حاجز الخجل، ويغصب ذاته على ولوج الباب الضيق، فى سبيل الفوز براحة ضميره، حينما ينقل عنا الروح القدس فى سرّ الاعتراف خطايانا ليضعها على المسيح حمل الله حامل خطايا كله، الذى فى استحقاقات فدائه الذى اتمّه على الصليب، لنا غفران الخطايا (أف 1: 7؛ كو 1: 14؛ عب 7: 25؛ 1يو 1: 9؛ 2: 1، 2).
مبدأ الباب الضيق إزاء مشاكل الحياة:
ما أكثر المشاكل التى تقابل الإنسان فى حياته... بعض هذه المشاكل يمكن حلّها بطريقة أو بأخرى، والبعض الآخر لا سبيل إلى حلّه إلاَّ من خلال الباب الضيق وسلوك الطريق الكرب... وسوف لا نُسهب كثيراً فى هذا القسم من موضوعنا، لكننا سنتناول بالكلام بعض المشاكل الأساسية ونوجزها فى النقاط الآتية:
أ - المشاكل الأسرية:
ونعنى بها هنا مشاكل الزواج والطلاق... والموضوع متسع ويحتاج إلى موضوع خاص. لكننا نكتفى بمجرد الإشارة... ما أسهل أن يلجأ أحد الزوجين إلى فصم رباط الزوجية المقدس، والالتجاء إلى ساحات القضاء لاستصدار حكم بالطلاق...
إن فى هذا التصرف كسر لناموس المسيح الذى يحتم انه لا طلاق إلاَّ لعلة الزنا... كان فى الإمكان أن يستمر مثل هذا الزواج، لو احتمل الطرف المُسَاء إليه والمتضرر حمل صليبه، ودخل من الباب الضيق وسار فى الطريق الكرب... إن الذين يلجأون إلى الطلاق – كوسيلة سريعة للتخلص من مشكلة زوجية – إنما يدوسون شريعة المسيح... أما النتيجة فهى انهم يتجرعون كأس المرارة ويحصدون ثمر ما زرعوه فى تشرد أولادهم إلى غير ذلك من ضيقات وآلام وأحزان.
ب - مشاكل العمل:
ما أكثر مشاكل العمل... مشاكل فى التوظفّ والترقىّ إلى درجات أعلا، وشغل المراكز الرئيسية، والتعنت فى النقل من مكان إلى آخر تبعاً للظروف المعيشية... إلخ. إن احساس الإنسان بالظلم الواقع عليه إن لم يدفعه إلى الخطأ بصورة ما، فقد يدفعه إلى الخطأ الروحى كالوقوع فى الإدانة والحقد والغضب وغير ذلك... وفضلاً عن الأخطاء الروحية التى يقع فيها الإنسان، فقد يتسبب فى أن يضير نفسه بأضرار صحية وما أكثرها كارتفاع ضغط الدم ومرض السكر والإصابة بالأزمات القلبية والأزمات النفسية الحادة التى لها أسوأ العواقب...
ولو ترسّم الإنسان خطوات سيده، ودخل طواعية واختياراً من الباب الضيق – باب احتمال الظلم – لجَنَى بركات الاحتمال والصبر وكل المواعيد الصالحة التى وعد بها الله المضطهدين لأجل اسمه... على الإنسان المظلوم أن يوقن إيقاناً تاماً أن المسيح الإله يرافق كل الذين يَلجُون الباب الضيق ويسيرون فى الطريق الكرب حاملين صليبهم. وعليه أن يتأكد أن الله سوف يعوّضه عن الظلم المادى ببركات أخرى مادية وروحية فى حياته وصحته وأسرته وكل ما تمتد إليه يده... والبركات يعطيها واضع الناموس، ولا يمكن أن تُحَد لكنها تشمل كل شئ...
من المفيد فى أمثال هذه الحالات أن ننظر إلى المسيح ونتأمله. فهو الذى قيل عنه:
«ظُلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه» (إش 53: 7)).
.. ليتنا نذكر قوله: ليس التلميذ أفضل من معلمه، ولا العبد أفضل من سيده. إن كانوا قد اضطهدونى فسيضطهدونكم. إن كانوا قد فعلوا هذا بالعود الرطب فكم باليابس (مت 10: 24، 25؛ لو 23: 31؛ يو 15: 20)...
إن الله لن يترك الظلم يسود وكأنه لا يوجد إله يرعى هذا الكون... اسمع ما يقوله داود النبى...
«لا تَغَر من الأشرار، ولا تحسد عمّال الإثم. فإنهم مثل الحشيش سريعاً يُقطعون، ومثل العشب الأخضر يذبلون. اتكل على الرب وافعل الخير... تلذّذ بالرب فيعطيك سؤل قلبك. سلّم للرب طريقك واتكل عليه وهو يُجرى. ويُخرج مثل النور برّك وحقك مثل الظهيرة. انتظر الرب واصبر له، ولا تَغَرْ من الذى ينجح فى طريقه... كُفّ عن الغضب واترك السخط ولا تغُر لفعل الشر. لأن عاملى الشر يُقطعون، والذين ينتظرون الرب هم يرثون الأرض. بعد قليل لا يكون الشرير. تَطَلّع فى مكانه فلا يكون. أما الودعاء فيرثون الأرض، ويتلذذون فى كثرة السلامة» (مز 37: 1 - 11)).
ﺠ - آلام المرض:
واحتمال أمراض الجسد واتعابه هو باب ضيق يدخله الإنسان بإرادته وله أجره الكبير... وأخبر أحد الآباء القديسين انه ابصر اربعة مراتب مرتفعة فى السماء: الأولى مريض صابر شاكر الله. والثانية صحيح يضيف الغرباء وينيّح الضعفاء. والثالثة منفرد فى البرية مجتهد. والرابعة تلميذ ملازم لطاعة أبيه الروحى من أجل الله... إن المريض الشاكر كمَن يقدّم جسده ذبيحة لله كل يوم... كان المتنيّح الأب القمص بيشوى كامل كاهن كنيسة الشهيد مارجرجس باسبورتنج بمدينة الاسكندرية، وهو يعانى من آلام مرض السرطان المرعبة، يبتسم ويقول عن هذا المرض اللعين: [إنه مرض الفردوس]!!
د – اغراءات العالم وما تخفيه:
وما أكثر اغراءات عالمنا الذى نعيش فيه... انه يغرينا بصور مختلفة، تُخفى وراءها مخاطر وأهوال، لا يعرف ما تجّره من مصائب إلاَّ الله وحده... كان آباؤنا القديسون يرون أمامهم الطريق الواسع المريح، لكنهم كانوا يعدلون عنه، ويلقون بأنفسهم فى الضيقات بإرادتهم، عالمين أن وراءها كل الخير... إن المسيح ينتظر كل أحبائه عند الباب الضيق، ليدخل معهم، ويدخلوا هم به إلى الطريق الضيقة.
أورد كتاب بستان الرهبان قصة راهب شيخ كان مقيماً فى البرية. وكان يستقى من عين ماء تبعد عن مكان اقامته اثنا عشر ميلاً. وفى إحدى المرات بينما هو ذاهب ليستقى تضايق وقال لنفسه: [لماذا أعانى هذا التعب. فلأذهب وأسكن قرب عين الماء]. وفيما هو يفكر فى ذلك، التفت إلى خلفه وأبصر شيخاً يعدّ خطواته. فسأله: [من أنت]. أجابه: [أنا ملاك الرب، أُرسلت من الله لأعدّ خطواتك لكى يعطيك أجر تعبك!!]. فلما سمع الشيخ ذلك طابت نفسه، وزاد على المسافة التى كان يقطعها خمسة أميال أخرى.
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.