هذا الفصل هو جزء من كتاب: بستان الروح جزء ثالث – الأنبا يؤانس أسقف الغربية .
الرجاء
المسيح هو موضوع رجائنا.
المسيح رجاء الوثنيين. رجاء اليهود قبل مجيئه.
المسيح رجاء اليهود والوثنيين حال وجوده بالجسد.
المسيح رجاء جميع المؤمنين بعد ارتفاعه إلى السماء.
الرجاء والمسيح فى الأناجيل.
ارتباط الرجاء بالفضائل الأخرى.
لماذا نترجّى الله.
مما يقوّى فينا الرجاء.
المسيح رجاء المتعبين.
أمثلة لأشخاص تعلقوا بالرجاء.
الرجاء هو إحدى الفضائل الكبرى – الإيمان والرجاء والمحبة (1كو 13: 13)... والإيمان يلد الرجاء. ومَن يكون له رجاء فى الله يحبه، وهكذا يصل إلى قمة العلاقة بالله بالمحبة... وهكذا نرى الارتباط الوثيق بين هذه الفضائل الثلاث الكبرى. لا يمكن الفصل بينها وإن كان يمكن تمييزها عن بعضها... المحبة تعتمد على الإيمان والرجاء. والإيمان يعتمد على الرجاء والمحبة، والرجاء يعتمد على الإيمان والمحبة...
وتبدو أهمية الرجاء أن من يفقده يمكن أن يفقد معه كل شئ، حتى الحياة ذاتها، حينما ينقطع رجاؤه، أى يقع فى اليأس والقنوط... والرجاء هو الذى يدفع الإنسان إلى الجهاد والتعب، سواء فى حياته الجسدية أو الروحية. لأن إذا تملّك الإنسان شعور بأنه لا أمل ولا فائدة من التعب والجهاد، فسوف يتوقف تماماً عن العمل والجهاد... إذن فالرجاء والحال هذه قوة دافعة فى حياة الإنسان...
وكما يرتبط الرجاء بالإيمان والمحبة، فإنه يرتبط أيضاً بالفرح... قد يسقط الإنسان فى خطية ما، لكن الرجاء يبعث فيه أملاً، فتزول كآبته ويحل الفرح محلها.
والرجاء عطية مجّانية من الله... يقول الرسول بولس:
« وربنا نفسه يسوع المسيح، والله أبونا الذى أحبنا وأعطانا عزاءً أبدياً، ورجاءً صالحاً بالنعمة، يعزى قلوبكم ويثبتكم فى كل كلام وعمل صالح» (2تس 2: 16).
، 17)...
ولأن عكس الرجاء هو اليأس أو قطع الرجاء، فإن خلاصنا هو بالرجاء... وإذا كان الرجاء عطية مجانية من الله، فإنه يرتبط بخلاص الإنسان المجانى... يقول القديس بولس:
«لأننا بالرجاء خَلَصنا. ولكن الرجاء المنظور ليس رجاءً. لأن ما ينظره أحد كيف يرجوه أيضاً. ولكن إن كنا نرجو ما لسنا ننظره، فإننا نتوقعه بالصبر» (رو 8: 24).
، 25).
فى هذه الموضوع نحن نعالج فضيلة الرجاء وأثره وأهميته فى حياة الإنسان على المستوى الشخصى. لكن هذا الرجاء الشخصى يرتبط بالرجاء فى المسيح قبل كل شئ لأنه هو رجاؤنا (1تى 1: 1). ولأننا بدونه لا نقدر أن نفعل شيئاً (يو 15: 5)... المسيح الذى به كان كل شئ، وبغيره لم يكن شئ مما كان (يو 1: 3)... المسيح الذى عرفه القديس بولس وقال: "أستطيع كل شئ فى المسيح الذى يقوينى" (فى 4: 13)... المسيح الذى هو رجاؤنا – ليس فى هذه الحياة الحاضرة فقط بل وفى الدهر الآتى – وإلاَّ صرنا أشقى جميع الناس (1كو 15: 19)... ونظراً لهذا الارتباط الوثيق، نراه لزاماً علينا أن نتحدث أولاً عن السيد المسيح كموضوع رجائنا...
المسيح هو موضوع رجائنا:
فى رسالته إلى أهل كولوسى يكشف بولس الرسول عن "السرّ المكتوم منذ الدهور ومنذ الأجيال"، وانه ليس شئ آخر سوى.
«المسيح رجاء المجد» (كو 1: 26).
، 27)... وفى رسالته الأولى إلى تلميذه الأسقف تيموثاوس يتكلم عن: "يسوع المسيح رجاؤنا" (1تى 1: 1)...
يسوع المسيح ربنا هو رجاء كل العالم: قبل أن يأتى فى الجسد، وحينما كان فى الجسد وعلى الأرض، ومازال هو رجاء الملايين من البشر بعد أن اتم الخلاص وارتفع إلى السماء... ونلاحظ أن الله منذ البدء أعطى الإنسان رجاء بعد سقوطه فى الوعد أن نسل المرأة يسحق رأس الحية.
رجاء الوثنيين:
لم يكن أبرار العهد القديم من شعب الله هم وحدهم الذين عبّروا عن رجائهم فى مجئ المخلّص، بل حتى الوثنيين عبّروا عن ذلك أيضاً!!
نقرأ عن بولس الرسول انه بينما كان فى مدينة ترواس، رأى ليلاً فى رؤيا رجلاً مقدونياً وثنياً يقول له:
«اعبر إلى مقدونية واعنا» (أع 16: 9)).
.. لم تكن كلمات هذا الرجل المقدونى الوثنى سوى صراخ البشرية من الأمميين، تستنجد عن وعى أو بدون وعى منها بالمخلص المجهول ليحطم قيودها ويعتقها، الأمر الذى جعل سمعان الشيخ يقول بروح النبوة عن المسيح:
«نور اعلان للأمم» (لو 2: 32)).
لقد وجد الباحثون فى تراث البشرية القديم، ما يدل على ان الشعوب الوثنية كانت توّاقة إلى منقذ ومحرر ومخلّص... فمثلاً وجد هذا فى غالياً (فرنسا الحالية)... كان سكان غالياً يقيمون تمثالاً ومذبحاً للعذراء المزمعة أن تهبهم مولوداً يحررهم!! كيف هذا؟ ولئلا يختلط الأمر فى اذهان البعض، فيظنون أن المسيحية استمدت بعض عقائدها من الوثنية، نقول إن روح الله فى بداية خلقة العالم كان يرف على وجه المياه، على الرغم من أن الأرض كانت خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة!! يظن أن الله يتعامل مع أولاده ولا يتعامل مع الشعوب الوثنية. إن الله يفتقد هؤلاء الوثنيين بأسلوبه الخاص... هذا فضلاً عن أن الشعوب المختلفة انحدر إليهم تقليد واحد من أب البشرية الأول آدم الذى أخذ وعداً من الله بمجئ مخلّص...
ووجد شيئاً شبيهاً بذلك فى المكسيك... كان المكسيكيون ينحتون فى الصخر وعلى الأبنية العامة تمثالاً للإله الذى سوف يسحق التنين... ووجد ما يعبر عن ذلك عند الصينيين والهندوس والفرس واليونان والرومان والمصريين القدماء... لقد انتظر الفيلسوف أفلاطون مثل هذا الشخص فقال: [متى يأتى هذا الشخص الذى يعلمنا كل شئ. إننى بغاية الشوق إلى معرفته].
وبتهلل الشاعر الرومانى فريجيل لذكرى مجئ ذلك المنقذ فيقول: [لقد حانت الأيام الموعودة... طفل صغير مرسل من السماء إلينا. وعلى عهده ستُمحى آثار جريمتنا. والأرض لن تعرف الخوف فيما بعد. ولسوف يتخذ له مقراً مع الآلهة، ويحكم العالم الهادئ بقوة فضائل أبيه. فهلّم أيها الابن العزيز، يا ابن جوبتر أنظر إلى المسكونة، فهى خاشعة باحترام أمامك. تسلّم عليك. وانظر فكل إنسان قد سر وابتهج بقدوم هذا العهد الجديد].
وهكذا فإن العالم القديم على مختلف شعوبه واديانه – بالرغم من شططهم واخطائهم، كانوا ينتظرون ويترجون – وإن كان فى شكل مُبْهَم – مجئ ذلك المنقذ الذى سترسله السماء يوماً ليحررهم... وليس الابن الأصغر فى مثل الابن الضال (لو 15) إلاَّ رمزاً للأمم الوثنية التى كانت تئن من حالتها السيئة، وكان لها رجاء فى قبول الله لها ممثلاً فى ذلك الأب.
يقول القديس أثناسيوس الرسولى عن موت المسيح والطريقة التى مات بها: [صارت الدعوة لجميع الأمم... لأنه لا يمكن أن يموت إنسان وهو باسط ذراعيه إلاَّ على الصليب. لهذا لاق بالرب أن يحتمل هذا الموت ويبسط يديه، حتى باليد الواحدة يجتذب الشعب القديم، وبالأخرى يجتذب الذين هم من الأمم، ويتحد الإثنان فى شخصه. هذا هو ما قاله بنفسه، مشيراً إلى أيّة ميتة كان مزمعاً أن يفدى بها الجميع:
« وأنا إن ارتفعت عن الأرض أجذب إلىَّ الجميع» (يو 12: 32).
].
أ - المسيح رجاء اليهود قبل مجيئه:
كان الشعب اليهودى فى رجائه فى مجئ المسيح المخلص يتجه دوماً نحوه، معبراً عن هذا الرجاء العظيم، إن قام للصلاة أو وقف فى الهيكل ليقدّم ذبيحته أو يقرّب قربانه. ذلك لأن الديانة اليهودية كانت رجاءً وضعفاً، استغاثة وانتظاراً فى آن معاً، واتجاهاً مستمراً نحو المستقبل... فعلى الصخرة العالية المبنية عليها مدينة أورشليم، كان يقوم بناء الهيكل الضخم، الذى يرمز بوحدته إلى ذبيحة الصليب الواحدة. بينما الذبائح المتعددة والمحرقات المتجددة كل يوم، كانت تعلن عن عجز الإنسان فى جهاده، وتدعو إلى ذبيحة الصليب الكاملة، وترمز إلى القوة التى ستظهر يوماً من ذبيحة الإله المتجسّد.
ما أكثر ما قاله رجال الله الأبرار فى العهد القديم تعبيراً عن رجائهم فى مجئ المسيح المخلّص الذى ظلوا ينتظرون مجيئه منذ آدم... قال المرتل:
«يا جالساً على الكروبيم اشرق قدام افرايم وبنيامين ومنسى. ايقظ جبروتك وهلم لخلاصنا» (مز 80: 1).
، 2)... ويقول إشعياء النبى:
«فى طريق احكامك يا رب انتظرناك. إلى اسمك وإلى ذكرك شهوة النفس» (إش 26: 8).
، 9)... ويستبد الشوق باشعياء لمجئ المخلّص ويعبّر عن رجائه فيقول مناجياً إياه:
«ليتك تشقّ السموات وتنزل» (إش 64: 1)).
ويعبّر عن كل ذلك السيد المسيح حينما يقول:
«فإنى الحق أقول لكم إن أنبياء وأبراراً كثيرين اشتهوا أن يروا ما أنتم ترون ولم يروا، وأن يسمعوا ما أنتم تسمعون ولم يسمعوا» (مت 13: 17)).
وهناك بعض رجال الله القديسين فى العهد القديم تحقق رجاؤهم فى مجئ المخلّص، ورأوه رؤيا العين. منهم سمعان الشيخ الذى عمرّ طويلاً جداً. ولما حمل الرب يسوع طفلاً على يديه فى الهيكل قال:
«الآن تطلق عبدك يا سيد حسب قولك بسلام لأن عينىَّ قد أبصرتا خلاصك الذى أعددته قدام وجه جميع الشعوب» (لو 2: 29).
، 30)... ولم يكن سمعان الشيخ وحده هو الذى سعد بإتمام هذا الرجاء، بل كانت هناك أرملة هى حنة بنت فنوئيل لازمت الهيكل أربعاً وثمانين سنة عابدة بأصوام وطلبات ليلاً ونهاراً.
« وقفت تسبح الرب وتكلمت عنه مع جميع المنتظرين فداءً فى أورشليم» (لو 2: 38)).
ب - المسيح رجاء اليهود والوثنيين حال وجوده فى الجسد:
السيد المسيح رجاء العالم، حينما كان بالجسد على الأرض كان.
«يطوف المدن كلها والقرى يُعلّم فى مجامعها، ويكرز ببشارة الملكوت، ويشفى كل مرض وكل ضعف فى الشعب. ولما رأى الجموع تحنن عليهم، إذ كانوا منزعجين ومنطرحين كغنمٍ لا راعى لها» (مت 9: 35).
، 36). هذه العبارة التى دونها القديس متى الإنجيلى هى عبارة جامعة، تصف عمل المخلّص وخدمته بين الناس... سعى هو نحو الناس، وسعى بعض الناس إليه...
سعى إلى السامرية، وفيما يتحدث إليها قالت له: "أنا أعلم أن مسيّا الذى يقال له المسيح يأتى. فمتى جاء ذاك يخبرنا بكل شئ"... أما ردّ المسيح على هذه الكلمات فكان:
«أنا الذى أكلمك هو» (يو 4: 25).
، 26)... كانت المرأة سامرية. وكانت عبادة السامريين عبادة يهودية مختلطة بالوثنية. هؤلاء أيضاً كانوا ينتظرون "مسيا الذى يقال له المسيح". وسعى إلى زكا رئيس العشارين اليهودى (لو 19)... وسعى إلى لاوى العشار وهو جالس عن مكان الجباية ودعاه أن يكون تلميذاً له (مت 9: 9)... وسعى إلى مريض بيت حسدا (يو 5).. وسعى نحو المولود أعمى (يو 9)... وسعى إلى كثيرين غيرهم. وكانت دعوته للجميع:
«تعالوا إلىَّ يا جميع المتعبين والثقيلى الأحمال وأنا أريحكم» (مت 11: 28)).
وسعى إليه اليهود جماعات حتى أثار عليه ذلك حسد الكهنة ورؤسائهم وطوائف اليهود الدينية، حتى قال بعضهم لبعض:
«انظروا: أنكم لا تنفعون شيئاً. هوذا العالم قد ذهب وراءه» (يو 12: 19)).
.. وعلى سبيل المثال فى معجزة شفاء المفلوج الذى حمله أربعة، يقول مرقس الإنجيلى: "دخل كفر ناحوم... فسمع انه فى بيت. وللوقت اجتمع كثيرون حتى لم يعد يسع ولا ما حول الباب". لذا اضطر الأربعة أن يصعدوا إلى سقف البيت وينقبوه ويدلوا المفلوج حتى لا تفلت الفرصة منهم (مر 2: 1، 2)... وفى معجزة شفاء حماة سمعان بطرس – بعد أن خرج خبره فى كل الكورة المحيطة بالجليل –.
«كانت المدينة كلها مجتمعة على الباب» (مر 1: 33)).
. وبعد أن بُهرت المرأة السامرية من كلامه إذ كشف لها خفايا حياتها، وذهبت تخبر أهل مدينتها، خرجوا من المدينة وأتوا إليه.
« وسألوه أن يمكث عندهم، فمكث هناك يومين» (يو 4: 30).
، 40). ويقدم مرقس الإنجيلى صورة رائعة لاقبال الناس عليه فيقول عن الناس انهم:
«ابتدأوا يحملون المرضى على أسرَّة إلى حيث سمعوا انه هناك. وحيثما دخل إلى قرى أو مدن أو ضياع وضعوا المرضى فى الأسواق وطلبوا إليه أن يلمسوا ولو هدب ثوبه. وكل مَن لمسه شُفى» (مر 6: 55).
، 56). وحين دخل أورشليم يوم أحد الشعانين.
«ارتجت المدينة كلها قائلة مَن هذا» (مت 21: 10)).
.. هذا عن سعى جماعات اليهود إليه، أما عن سعيهم كأفراد، فالأناجيل المقدسة مليئة بذكر مَن قصدوه وشفاهم واراحهم من اتعابهم...
وسعى إليه أفراد من الأمم، منهم المرأة الكنعانية التى كشفت لجاجتها عن إيمان عجيب، فاستحقت أن يقول لها المسيح:
«يا امرأة عظيم إيمانك» (مت 15: 28)).
ومنهم قائد المائة الذى كان غلامه مريضاً، فاستحق من المسيح أن يشهد عنه قائلاً:
«لم أجد ولا فى إسرائيل إيماناً بمقدار هذا» (مت 8: 10)).
ﺠ - المسيح رجاء جميع المؤمنين بعد ارتفاعه إلى السماء:
فى الاصحاح الأول من سفر أعمال الرسل، يسجل القديس لوقا خبر صعود السيد المسيح إلى السماء فى اليوم الأربعين لقيامته من بين الأموات. فبعد أن ذكر كلمات المسيح الأخيرة لرسله يقول: "ولما قال ارتفع وهم ينظرون. وأخذت سحابة عن أعينهم"... أما هم فظلوا يشخصون إلى السماء إلى أن ظهر لهم ملاكان، أخبراهم أن السيد المسيح فى مجيئه الثانى سيأتى من السماء هكذا على مثال صعوده. وحينئذ انصرفوا إلى أورشليم (أع 1: 9 - 12).
هذا المنظر العجيب – منظر شخوص رسل المسيح إليه وهو صاعد إلى السماء – إنما يصوّر رجاء المسيحيين فى المسيح الذى صعد إلى السماء... انهم مازالوا يشخصون بالمفهوم الروحى لذاك الذى قال عنه بولس:
«المسيح رجاء المجد» (كو 1: 27).
، والذى قال:
« وأنا إن ارتفعت عن الأرض أجذب إلىَّ الجميع» (يو 12: 32)).
.. هذا هو الكنز المخفى الذى حينما يجده الإنسان يمضى ويبيع كل شئ لكى يقتنيه (مت 13: 44)... وإذا كان المسيح هو الكنز المخفى، فإن هذا يذكرنا بمقولته: "حيث يكون كنزكم هناك يكون قلبكم أيضاً" (لو 12: وإذا كان المسيح هو الكنز المخفى، فإن هذا يذكرنا بمقولته:
«حيث يكون كنزكم هناك يكون قلبكم أيضاً» (لو 12: 34)).
ونلمس هذا الرجاء فى المسيح والحنين إليه فيما كتبه السول بولس إلى أهل فيلبى: "لى اشتهاء أن انطلق وأكون مع المسيح، ذاك أفضل جداً" (فى 1: 23). ونلمسه فيما قاله الرسول يوحنا:
«أيها الأحباء الآن نحن أولاً الله ولم يُظْهَر بعد ماذا سنكون. ولكن نعلم انه إذا اُظهر نكون مثله لأننا سنراه كما هو. وكل مَن عنده هذا الرجاء، به يطهر نفسه كما هو طاهر» (1يو 3: 2).
، 3)... ونفس هذا الرسول يوحنا يعبر عن ذلك أيضاً فيما كتبه كخاتمة لرؤياه، بل لكتاب العهد الجديد كله "آمين تعالَ أيها الرب يسوع" (رؤ 22: 20)...
والحق ان المسيحيين فى عصر الرسل عاشوا على رجاء مجئ الرب يسوع الثانى القريب. وفهموا بطريقة حرفية كلمات الرسول بولس: "الرب قريب" (فى 4: 5). وبنفس الطريقة فهموا ما كتبه يوحنا فى رؤياه: "لأن الوقت قريب" (رؤ 22: 10)... "ها أنا آتى سريعاً" (رؤ 3: 11؛ 22: 7، 12، 20)... وقد انعكس هذا المفهوم على حياة بعض المسيحيين فى ذلك العصر، فتوقفوا عن ممارسة أعمالهم ليتفرغوا للعبادة انتظاراً لمجئ الرب القريب!! مثل هذا المفهوم وأسلوب الحياة دعا القديس بولس ان يكتب مصححاً هذا المفهوم... فكتب إلى أهل تسالونيكى يقول:
«ثم نسألكم أيها الأخوة من جهة مجئ ربنا يسوع المسيح واجتماعنا إليه، أن لا تتزعزعوا سريعاً عن ذهنكم، ولا ترتاعوا لا بروح ولا بكلمة ولا برسالة كأنها منا، أى أن يوم المسيح قد حضر. لا يخدعنكم أحد على طريقة ما. لأن لا يأتى إن لم يأتِ الارتداد أولاً، ويستعلن إنسان الخطية ابن الهلاك» (2تس 2: 1 - 3)).
لم يتوقف هذا الاحساس، وهذا الرجاء فى مجئ المسيح... إن رجاء المؤمنين جميعاً واشواقهم متجهة نحو شخصه... وهذا ما تعبّر عنه الكنيسة المقدسة فى كل قداس حينما تحتفل بالافخارستيا وتقديس الخبز والخمر... "فيما نحن أيضاً نصنع ذكرى آلامه المقدسة وقيامته من بين الأموات وصعوده إلى السموات وجلوسه عن يمينك أيها الآب، وظهوره الثانى الآتى من السموات، المخوف المملوء مجداً. نقرّب لك قرابينك مما لك على كل حال ومن أجل كل حال وفى كل حال".
الرجاء والمسيح فى الأناجيل:
لم ترد كلمة الرجاء (هلبيس) بتاتاً فى الأناجيل بالمعنى اللاهوتى الروحى كفضيلة. وقد وردت الكلمة بمعنى آخر خمس مرات فى الأناجيل (مت 12: 21؛ لو 6: 34؛ 23: 8؛ 24: 21؛ يو 5: 45)...
إن غياب هذه الكلمة من الأناجيل وتعليم المسيح أمر يلفت النظر جداً، خصوصاً حينما نتذكر – ليس فقط أن اليهودية التى ينتمى إليها المسيح بالجسد وتلاميذه، كانت ديانة رجاء، بل إن نتيجة تعليم رب المجد يسوع كانت تعميق وتوسيع هذا الرجاء، بما اضفاه عليه من غنى الإيمان المسيحى... كان الرجاء الدينى عظيماً كما نرى ذلك واضحاً فى العهد القديم، لكنه يتضاءل إذا ما قورن.
«بالرجاء الأفضل» (عب 7: 19).
، الذى يستند إلى كهنوت المسيح الملكى غير المتغيّر.
لا شك أن التلاميذ كانوا مأخوذين جداً فى حاضرهم بإحساسهم بعمق توقعات المستقبل. كانوا شبه مأسورين بعظمة شخصية المسيح وعمق محبته، وتحققوا أن فيه رجاء إسرائيل. وإذا كان سمعان الشيخ حينما حمل الطفل يسوع على ذراعيه، أحسّ أن رجاءه قد تحقق، فإن التلاميذ، وجدوا المسيح كانوا بلا شك مأخوذين به، وكانوا لا يفكّرون فى أى اشتياقات أو تطلعات تتعلق بالمستقبل.
لكن لماذا صَمَتَّ المسيح الذى علّم بضرورة الإيمان (مر 11: 22؛ يو 3: 16)، وبضرورة المحبة (مت 22: 37 - 40)، صمت إزاء الرجاء... السبب أن المسيح فيما كان يدرب اتباعه، كانت الضرورة الأولى أن يركزوا انتباههم على شخصه المبارك، كالشئ الذى فى حوزتهم، ولو أنه علمهم وبوضوح عما ينتظرهم من مجد فى آخر الزمان. إذاً فمعنى الرجاء موجود ضمنياً فى تعليم المسيح، وإن كانت كلمة "الرجاء" كفضيلة روحية لم ترد بالمعنى الحرفى.
إرتباط الرجاء بالفضائل الأخرى:
يرتبط الرجاء بفضائل أخرى... يرتبط بمحبتنا لله، ويرتبط بالإيمان به، ويرتبط بالتوبة، ويرتبط بالفرح، ويرتبط بالتعزية...
أ - المحبة:
الرجاء دافع وحافز نحو المحبة – محبتنا لله... انه بمثابة انتظار الفجر ونور الصباح... لكن علينا أن ننتبه إلى نقطة هامة وهى اننا لن ندرك هذا دفعة واحدة... وثمة فارق قام، وهو انه هناك فارق بين طريقه حسابنا فى حساب الزمن وطريقة الله فى ذلك... نحن نبدأ حسابنا بالصباح، ببهجة شروق الشمس، ثم يتقدم بنا النهار نحو الظلام والحزن ومأساة الليل... لكن الاصحاح الأول من سفر التكوين يرينا الله خالق الأيام الستة، وكيف انه يبدأ حساباته بالمساء "وكان مساء وكان صباح يوماً واحداً"... إنه يبدأ حساباته بالمساء ثم يتقدم نحو الصباح، ثم يصل إلى أوج الظهيرة...
حرىّ بنا أن تشتمل حياتنا على هذا التدرج: من الآمال المحدودة، ومن الحب المحدود، الذى يشبه ضياء الصباح، إلى وهج الظهيرة الذى يمثل الحب غير المحدود... نحن ندخل إلى الحب غير المحدود عن طريق "باب الرجاء"، الذى يتكلم عنه الله فى سفر هوشع (2: 15)... هذا الدخول يعتبر بداية الامتلاك، إلا أنه ليس هو الامتلاك الكامل. (مع ملاحظة أن الحب غير المحدود هو الذى يستطيع أن يمتلكنا، بينما لا نستطيع نحن أن نمتلكه).
لنتذكر كلمات المسيح لملاك كنيسة فيلادلفيا: "هنذا قد جعلت أمامك باباً مفتوحاً ولا يستطيع أحد أن يغلقه" (رؤ 3: 8)... هذا الباب المفتوح الذى لا يستطيع أحد أن يغلقه هو باب الرجاء وهو عينه الذى أشار إليه الله فى سفر هوشع... إنه الباب الذى يقودنا إلى ملكوت الحب!!
وفى مجال محبتنا لله لا شك أننا أضعنا فرصاً كثيرة... لكن الرجاء يتدخل فلا يجعلنا نحزن، ويُسِرّ فى آذاننا قائلاً: إن هذه الفرص التى ضاعت لا تقارن بالفرص الجديدة التى سوف يقدمها لنا الله... حتى لو أعطانى الله قبل انتقالى من العالم فرصة واحدة، فإنه يمكننى أن استخدمها من أجل خلاص نفسى (اللص اليمين على الصليب). ولو استخدمتها حسناً فسوف تعوضنى عما سبق وأضعته من فرص سابقة... فى كل يوم، وفى كل لحظة ينفتح أمامنا باب الرجاء...
ب – الإيمان:
الرجاء هو الفضيلة التى تتوسط بين الإيمان والمحبة. الإيمان يُظْهر بنوتنا لله. والبنوة بحكم طبيعتها هى علاقة ثقة واتكال. هذه العلاقة – كما فى حياتنا الأرضية – تقوى بالرجاء. وكنتيجة لذلك تأتى المحبة كشئ محتوم. ومعنى ذلك أن الإيمان يمرّ من خلال الرجاء إلى المحبة. يقول بولس الرسول:
«فلنصُح لابسين درع الإيمان والمحبة وخوذة هى رجاء الخلاص لأن الله لم يجعلنا للغضب، بل لاقتناء الخلاص بربنا يسوع المسيح الذى مات لأجلنا» (1تس 5: 8 - 10)).
يقول القديس أغسطينوس عن علاقة الرجاء بالإيمان:
[الرجاء رفيق الإيمان. وهو ضرورى طالما أنك لا ترى ما تؤمن به، خوفاً من أن تيأس مما لا ترى فتفقد الإيمان، انت تحزن لأنك لا ترى، ولكن تعزَّ لأنك ترجو أن ترى. فليكن الرجاء معك رفيقاً للإيمان... فى الزمان الحاضر ضيق، وفى المستقبل رجاء. فإذا لم تجد عزاءً فى رجاء المستقبل عن ضيق حادث لك الآن، هلكت لا محالة... فى الحاضر تؤمن، وفى المستقبل ترى. طالما أنت تؤمن فالرجاء قائم فى هذا الزمان... طالما أنت فى هذا الجسد فأنت بعيد عن المسيح. أنت مسافر تتقدم بالإيمان وليس بالمشاهدة... خلاصك الآن قائم على الرجاء وليس على الحقيقة، لأنك لم تَنَلْ حتى الآن ما وُعدت به بل ترجوه... المسيح يقولك لك: رجاء الكفرة فى الحاضر، ورجاؤك للمستقبل. رجاؤهم زائل ورجاؤك مضمون. رجاؤهم كاذب ورجاؤك حق... شيدّ الرجاء فى قلبك واطرد منه عدم الإيمان... المؤمن لسان حاله يقول: أنا واثق يارب من مواعيدك. الماضية آمنت بها، والحاضرة عرفتها، والمستقبلة أرجوها... ها هنا أنت يا الله رجائى، وفى أرض الأحياء نصيبى].
ﺠ - التوبة:
فى بداية طريق التوبة، يحارب عدو الخير الإنسان باليأس. فيُصعّب أمامه طريق التوبة من ناحية، ومن ناحية أخرى يكشف أمامه ماضيه بكل ما فيه من خطايا بشعة. انه يحاول جهده أن يُدخل اليأس إلى نفسه، لكى ما يعود إلى الخطية وهو فى بداية طريق التوبة... والرجاء نافع جداً للإنسان فى هذه المرحلة... الشيطان يجذبه بشدة للخلف، والرجاء يعطيه دفعات قوية للأمام... لقد أخطأ كل من يهوذا الاسخريوطى وسمعان بطرس خطيئة شنيعة. فالأول باع معلمه واسلمه مقابل ثلاثين من الفضة، والثانى أنكر المسيح وجدّف عليه وشتمه أمام جارية حقيرة وليس أمام والٍ أو حاكم أو ملك... لكن سمعان بطرس أحسّ بخطأه وندم ندماً شديداً وبكَّى بكاء مراً، فقبله المسيح ورده إلى رتبته الرسولية ثانية بقوله له: "ارعَ غنمى، ارعَ خرافى"... أما يهوذا ففقد رجاءه وذهب وانتحر. ولو تاب يهوذا وندم لقبله المسيح على نحو ما قبل بطرس وكل الخطاة... وقد عبّر بطرس عن رجائه فى رسالته الأولى بقوله:
«القوا رجاءكم بالتمام على النعمة التى يؤتى بها إليكم» (1بط 1: 13)).
..
«قدسوا الرب الإله فى قلوبكم مستعدين دائماً لمجاوبة كل مَن يسألكم عن سبب الرجاء الذى فيكم بوداعة وخوف» (1بط 3: 15)).
وأورد كتاب بستان الرهبان قصة أخ كان ساكناً فى دير. وانه من شدة حرب الشهوة كان يسقط فى الزنى مراراً كثيرة. فظل يُكره نفسه ويصبر كيلا يترك طريق الرهبنة. ومن أجل ذلك كان حريصاً على إتمام قانون عبادته من مزامير وأصوام ومطانيات. وكان يقول فى صلاته: [يارب أنت ترى شدة حالى وشدة حزنى فانتشلنى يارب إن شئت أنا أم لم أشأ، لأنى مثل الطين اشتاق إلى الخطية واحبها. ولكن أنت الإله القوى الجبار اجعلنى أكفّ عن هذه النجاسة، لأنك إن كنت ترحم القديسين وحدهم فليس هذا بعجيب، وإن كنت تخلّص الأطهار فقط فما الحاجة، لأن أولئك مستحقون. ولكن اظهر فىَّ أنا الغير مستحق عمل رحمتك العجيبة، لأنى إليك أسلمت نفسى]... هذه الصلاة كان يرددها كل يوم سواء أخطأ أو لم يخطئ. ففى ذات يوم وهو يردد هذه الصلاة حدث أن "ضجر الشيطان من حُسن رجائه ووقاحته المحمودة، فظهر له وجهاً لوجه وهو يرتل مزاميره" وقاله له: [أما تخزى أن تقف بين يدى الله بالجملة وتسمى اسمه بفمك النجس؟!]. قال له الأخ: [ألست أنت تضرب مرزبّة وأنا أضرب مرزبة؟ أنت توقعنى فى الخطية وأنا أطلب من الله الرحوم أن يتحنن علىَّ، فأنا اضار بك على هذا الصراع حتى يدركنى الموت، ولا اقطع رجائى من إلهى. ولا أكف من الاستعداد لك. وسننظر مَن يغلب أنت أم رحمة الله]. فلما سمع الشيطان كلامه قال له: [من الآن لا أعود إلى قتالك، لئلا أسبّب لك أكاليل نتيجة رجائك فى إلهك]. وتنحى عنه الشيطان منذ ذلك اليوم... ورجع ذلك الأخر إلى نفسه وأخذ ينوح ويبكى على خطاياه السالفة. وكان إذا حورب بأفكار العظمة كان يتذكر خطاياه التى عملها. وإذا حورب بأفكار اليأس كان يترجّى الله ويتذكر محبته للخطاة.
يقول القديس أغسطينوس: [إن لم تكن الخطية قد انتزعت منك، فيجب ألاَّ يُنتزع منك الرجاء فى الغفران... مازالت أمواج البحرتتقاذفنا، غير أننا القينا مرساتنا فى أرض الرجاء].
د – الفرح والتعزية:
الرجاء يُنشئ فى القلب سلاماً وفرحاً، على نحو ما يقول الرسول بولس إلى أهل رومية:
«فرحين فى الرجاء» (رو 12: 12)).
.. فعدم الإيمان يُسبب قلقاً، والخطية تنزع السلام من النفس، أما الرجاء فيهدّئ القلب ويسكّنه ويحل الفرح محل القلق والحزن. كما يملأ الرجاء قلب الإنسان بالتعزية... يقول القديس أغسطينوس: [الرجاء ضرورى لك أيها المسافر، وعزاء لك فى الطريق. حين تتعب فى سفرك تحمّل اتعابك على أمل الوصول. انزع عنك الأمل فى الوصول، تفقد للحال القدرة على السير... أنت تعمل الآن ما يُرجَى منه ثمر، ثم تذوق ثمرة عملك. ومع انك تأكل أتعاب أعمالك فأنت سعيد. وكم تكون سعيداً أوان الحصاد؟! إن كان للرجاء هذا القدر من العذوبة، فما أعذب الحقيقة؟!].
إن موضوع قيامة السيد المسيح من بين الأموات يقدّم فكرة عظيمة عن الرجاء... هذه الفكرة هى انه مهما ساد الموقف الظلام، وتعقدت الأمور، واشتدت الضيقات، وكثر الأعداء، وقالوا: "ليس له خلاص بإلهه" (مز 3)، فهناك – رغم ذلك كله – لنا رجاء فى المسيح المخلّص. إن الفرح يجتمع مع الرجاء. لقد بدّل المسيح حزن تلاميذه إلى فرح، وطمأن الخائفين الذين كانوا يحكمون اغلاق أبواب نوافذ وأبواب العليّة، فإذ بالمسيح يقف فى وسطهم ويقول لهم: "سلام لكم". لقد ذهبت مريم المجدلية ومعها الحنوط إلى قبر المسيح فجر الأحد "والظلام باقٍ"... ولما رأت القبر فارغاً، أسرعت، واخبرت بطرس ويوحنا. وبعد أن عاينا انصرفاً، "أما مريم فكانت واقفة عند القبر خارجاً تبكى" لم تنصرف بسرعة كان لها رجاء فى رؤية سيدها وحبيبها. ومن أجل رجائها رأت ملاكين فى القبر، ثم بعدها رأت الرب يسوع نفسه وكلمها، وكانت أول مَن رأته، وكانت أول مَن بشر التلاميذ بالقيامة المجيدة (يو 20).
لماذا نترجى الله؟
نحن نترجى الله بالنظر إلى بعض صفاته ووعوده للإنسان...
أ - قدرة الله:
من صفات الله أنه كلى القدرة أو قادر على كل شئ... ولذا فنحن نرجوه من هذه الوجهة... وطبيعى ان الإنسان لا يرجو شيئاً أو أمراً من إنسان ضعيف لا يملك القدرة... هكذا اختبر رجال الله قدرة الله وتغنوا بها والتمسوها...
يقول المرتل:
«اطلبوا الرب وقدرته. التمسوا وجهه دائماً» (مز 105: 4)).
.. ويقول داود النبى:
«يبارك اتقياؤك. بمجد مُلكك ينطقون وبجبروتك يتكلمون. ليعرّفوا بنى آدم قدرتك ومجد جلال مُلكك» (مز 145: 10 - 12)).
.. إن الله فى سفر إشعياء يتساءل فى دهشة:
«هل قَصَرَت يدى عن الفداء. وهل ليس فىَّ قدرة للانقاذ» (إش 50: 2)).
.. ويصلى القديس بولس من أجل أهل أفسس لتستنير عيون أذهانهم ليعلموا.
«ما هو رجاء دعوته، وما هو غنى مد ميراثه فى القديسين. وما هى عظمة قدرته الفائقة نحونا نحن المؤمنين، حسب عمل شدة قوته» (أف 1: 16 - 19)).
.. وحينما يتكلم بطرس الرسول عن الله يشير إلى أن.
«قدرته الإلهية قد وهبت لنا كل ما هو للحياة والتقوى بمعرفة الذى دعانا بالمجد والفضيلة» (2بط 1: 3)).
حينما يحسّ الإنسان أنه يضع رجاءه فى أمر من الأمور فى الله القادر على كل شئ، حينئذ تهدأ نفسه ويستريح، عالماً وموقناً أن أموره هى بين يدى إله قادر على كل شئ... وكون الله قادر على كل شئ، فهو قادر على حفظنا من الأشرار ومؤامراتهم ومن الشيطان وكل فخاخه، وهو بالجملة قادر أن يدبّر كل أمورنا حسب كلمته.
ب – محبة الله:
إن إيماننا بمحبة الله للبشر عامة، وللخطاة خاصة، يجعلنا نتقدم إليه فى رجاء. نؤمن بمحبة الله لنا، من أجل ذلك نرجوه... إن كلمات السيد المسيح إلى ملاك كنيسة فيلادلفيا تشجعنا وتملأ قلوبنا رجاءً، وتكشف عن المحبة الإلهية التى تُزيد وتقوّى رجاءنا فيه... "هذا يقوله القدوس الذى... يفتح ولا أحد يغلق، ويغلق ولا أحد يفتح. أما أعارف أعمالك. هنذا قد جعلت أمامك باباً مفتوحاً ولا يستطيع أحد أن يُغلقه... لأنك حفظت كلمة صبرى، أنا أيضاً سأحفظك من ساعة التجربة" (رؤ 3: 7 - 10).
ﺠ - مواعيد الله:
ما أكثر وعود الله لنا. إن الكتاب المقدس بعهديه ملئ بوعود الله، التى يصفها القديس بطرس بأنها.
«عظمى وثمنية» (2بط 1: 4)).
.. والله صادق فى مواعيده لأنه.
«ليس إنسان فيكذب ولا ابن إنسان فيندم» (عدد 23: 19)).
.. وهو لا يتباطأ عن وعده (2بط 3: 9)... إن كل مواعيد الله الطيبة هى لك إن أنت أحببته.
«فكل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله، الذين هم مدعوون حسب قصده» (رو 8: 28)).
لذلك يقول بولس الرسول:
«لنتمسك بإقرار الرجاء راسخاً لأن الذى وعد هو أمين» (عب 10: 23)).
.. نعم إن الله صادق فى كل ما أعطانا من مواعيد... وصدق سليمان فى صلاة تدشين الهيكل الذى بناه حينما قال:
«مبارك الرب الذى أعطى راحة لشعبه... ولم تسقط كلمة واحدة من كل كلامه الصالح» (1مل 8: 56)).
.. وصدق يشوع فيما قاله لشيوخ إسرائيل فى كلامه الوداعى حينما شاخ:
« وها أنا اليوم ذاهب فى طريق الأرض كلها وتعلمون بكل قلوبكم وكل أنفسكم أنه لم تسقط كلمة واحدة من جميع الكلام الصالح الذى تكلّم به الرب... لم تسقط منه كلمة واحدة» (يش 23: 14)).
د – عناية الله:
ونحن نترجّى الله من أجل عنايته بنا... فلقد قال:
«لا اهملك ولا أتركك، حتى اننا نقول واثقين الرب معينُ لى فلا أخاف ماذا يصنع بى إنسان» (عب 13: 5).
، 6)... لقد اختار له اسماً فى التجسد يعبّر عن انه معنا دائماً.
« ويدعون اسمه عمانوئيل الذى تفسيره الله معنا» (مت 1: 23)).
.. ما أحلى وعود الرب التى بها يعبّر عن عنايته باولاده. يقول بفم إشعياء النبى:
«هل تنسى المرأة رضيعها فلا ترحم ابن بطنها. حتى هؤلاء ينسين وأنا لا أنساك. هوذا على كفى نقشتك» (إش 49: 15).
، 16). ويقول بلسان زكريا النبى:
«مَن يمسكم يمسّ حدقة عينه» (زك 2: 8)).
.. إن آخر وعد أعطاه الرب يسوع لنا فى شخص تلاميذه:
«ها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر» (مت 28: 20)).
.. ويقول المرتل:
«الاتكال على الرب خير من الاتكال على البشر. والرجاء بالرب خير من الرجاء بالرؤساء» (مز 118: 8).
، 9).
لقد وعد السيد المسيح أن أبواب الجحيم لن تقوى على الكنيسة (مت 16: 18)... وقال عن المؤمنين به:
«لا يخطفها أحد من يدى. أبى الذى أعطانى إياها هو أعظم من الكل ولا يقدر أحد أن يخطف من يد أبى» (يو 10: 28).
، 29)... لقد رآه يوحنا فى الرؤيا "شبه ابن الإنسان فى وسط السبع المناير ومعه فى يده اليمنى سبعة كواكب... نعم إن الرب يسوع المسيح مازال وسط كنيسته، ومازال يمسك بخدام الكنائس وبأولاده (رؤ1).
مما يُقوّى فينا الرجاء:
الرجاء شأنه شأن بقية الفضائل ينمو... يقول بولس الرسول إلى أهل رومية:
« وليملأكم إله الرجاء كل سرور وسلام فى الإيمان لتزدادوا فى الرجاء بقوة الروح القدس» (رو 15: 13)).
.. وإذا كان الرجاء ينمو فما الذى ينميّه فينا؟
أ - الوقوف على صفات الله والتفكّر فيها لا سيما محبته ورحمته وعنايته بأولاده وقد اشرنا إلى ذلك فى النقطة السابقة.
ب - القراءة فى الكتب المقدسة... يقول الرسول بولس:
«لأن كل ما سبق فكُتب كتب لأجل تعليمنا، حتى بالصبر والتعزية بما فى الكتب يكون لنا رجاء» (رو 15: 4)).
ﺠ - الضيقات والصبر... وهذه من شأنها أن تقوّى رجاءنا فى الله... يقول الرسول بولس:
«عالمين أن الضيق ينشئ صبراً، والصبر تزكية، والتزكية رجاء، والرجاء لا يخزى» (رو 5: 3 - 5)).
..
حدث انه فى السنة الرابعة عشرة لملك حزقيا صعد سنحاريب ملك آشور على جميع مدن يهوذا الحصينة وأخذها. وأرسل حزقيا إلى ملك آشور: "قد أخطأت ارجع عنى ومهما جعلت علىَّ حملته"، ففرض عليه غرامة باهظة، حتى أن حزقيا دفع جميع الفضة الموجودة فى بيت الرب وفى خزائن بيت الملك، وقشَّر الذهب عن أبواب هيكل الرب والدعائم التى كان قد غشاها ودفع الجميع إلى ملك آشور "... ورغم ذلك ارسل سنحاريب ملك آشور جيشاً عظيماً إلى أورشليم... وقال قائد جيش سنحاريب لرجال حزقيال:" قولوا لحزقيا هكذا يقول الملك العظيم ملك آشور، على مَن اتكلت حتى عصيت علىَّ "... وعيّر الله الحى!!
فلما سمع الملك حزقيا ذلك الكلام مزق ثيابه وتغطى بمسح ودخل بيت الرب، وأرسل بعض ماشيته وبعض شيوخ الكهنة متغطين بمسح إلى اشعياء النبى يسألونه أن يرفع الله عن البلاد هذه الغمة... وعاد أيضاً قائد جيش سنحاريب يهدد حزقيا قائلاً: "لا يخدعك إلهك الذى أنت متكل عليه...". فأخذ حزقيا الرسائل من أيدى الرسل وقرأها ثم صعد إلى بيت الرب، ونشرها حزقيا أمام الرب وصلى للرب قائلاً: "امل يا رب اذنك واسمع. افتح يا رب عينيك وانظر واسمع كلام سنحاريب الذى أرسله ليعيّر الله الحى... والآن أيها الرب إلهنا خلصنا من يده فتعلم ممالك الأرض كلها أنك أنت الرب الإله وحدك"... فأرسل إشعياء إلى حزقيا قائلاً: "هكذا قال الرب إله إسرائيل الذى صليت إليه من جهة سنحاريب ملك آشور. قد سمعت"...
وحدث فى تلك الليلة أن ملاك الرب خرج وضرب من جيش آشور مئة وخمسة وثمانين ألفاً. ولما بكّروا صباحاً إذا هم جميعاً جثث ميتة. فانصرف سنحاريب ملك آشور وعاد را جعاً إلى نينوى. وفيما هو ساجد فى بيت إلهه نسروخ ضربه ابناه بالسيف ومات "2مل 18، 19)...
هكذا نرى كيف أن الضيقة العظمى التى وقع فيها حزقيا كانت سبباً فى تقوية رجائه فدخل إلى بيت الرب ونشر أمامه رسائل سنحاريب، ولسان حاله يقول للرب: "إلى مَن أنت معين مَن ليس له معين ورجاء مَن ليس له رجاء".
د – قراءة الكتب الروحية، ولا سيما سير رجال الله ومعاملاته معهم... هؤلاء القديسون الذين – رغم شدة الحروب والتجارب التى واجهوها، لم ينقطع الرجاء من قلوبهم فى الله، دون أن يشكوّا لحظة فى محبته وعنايته، ووثقوا أن الله إنما يجربهم لخيرهم، ولأجل المنفعة لكى يشتركوا فى قداسته (عب 12: 10)... وظلوا فى انتظارهم لله حتى رفع عنهم التجارب أو أعطاهم سؤل قلوبهم: "نفسى تنتظر الرب أكثر من أنتظار الحراس للصبح والساهرين للفجر" (مز 130)... "انتظر الرب ليتشدد وليتشجع قلبك وانتظر الرب" (مز 27).
المسيح رجاء المتعبين:
1 - رجاء المرضى:
ما أكثر الذين لم يخيّب المسيح رجاءهم فيه وشفاهم من أمراضهم... لكننا نقدم ثلاثة أمثلة: مريض بيت حسدا، المرأة الكنعانية، المرأة نازفة الدم...
● مريض بيت حسدا:
هذا المريض عانى من المرض طويلاً. مكث 38 سنة. ويبدو أنه إلى جانب آلام الجسد، كان يعانى من آلام نفسية... لقد كشف المسيح سر هذا المرض بعد شفائه. كان سبب مرض ذلك الرجل هو الخطية. لقد قال له المسيح ذلك صراحة:
«ها أنت قد برئت، فلا تخطئ أيضاً لئلا يكون لك أشر» (يو 5: 14)).
.. ولقد كان اليهود لا يتعاملون مع الخطاة، خاصة مَن يظنون أنفسهم أبراراً، ولذلك كانوا يأخذون على المسيح أنه يجالس الخطاة ويأكل ويشرب معهم. ولذا فالمرجح أن هذا الإنسان – كخاطئ – فى نظر بنى جنسه كان معزولاً. يعيش وحده. حتى انه حينما سئل من المسيح: "أتريد أن تبرأ"، كان جوابه على الفور: "يا سيد ليس لى إنسان". ويبدو ان الناس من طول الذى عانى منه، انفضوا من حوله. فالمدة طويلة جداً، ثمان وثلاثون سنة!! لقد تخلى الناس عن ذلك المريض، وكان المسيح وحده هو رجاؤه. كانت كل آمال ذلك المريض أن يلقيه أحد فى ماء البركة بعد أن يحركها الملاك. لكن إله الملائكة علم بمعاناته وأتاه دون أن يطلبه. وبكلمة واحدة أبرأه "قم احمل سريرك وامشِ".
● إبنة الكنعانية:
والمرأة الكنعانية كانت أممية وثنية. وكانت ابنتها بها روح نجس أصابها بالجنون الشديد.... هذه المرأة تعلقت بالمسيح برجاء عجيب من أجل شفاء ابنتها... والحديث الذى دار بينها وبين المسيح – على ظاهره – لم يكن حديثاً ودياً مشبعاً بالعطف على عكس عهدنا بالمسيح فى معاملاته مع الآخرين... حتى حينما شبهها المسيح بالكلاب لم تفقد رجاءها، وظلّت على لجاجتها، حتى ظفرت فى النهاية بما أرادت: "يا امرأة عظيم إيمانكِ. ليكن لكِ كما تريدين" (فشفيت ابنتها من تلك الساعة!! (انظر مت 15: 21 - 28؛ مر 7: 24 - 30).
● نازفة الدم:
وهذه هى الأخرى عانت من المرض الجسدى والألم النفسى... فقد ظلت تنزف مدة اثنتى عشرة سنة، وأنفقت كل ما تملك على الأطباء، وللأسف كانت حالتها تزداد سوءً!! هذا فضلاً عن معاناتها عن عزلتها عن المجتمع. فقد كانت معتبرة حسب الشريعة نجسة، وتُنجس كل ما تنام عليه أو تجلس عليه، بل إن كل مَن كان يمسّ فراشها يتنجس (لا 15: 19 - 32). وعلى الأرجح – إذا كانت متزوجة – طلقت من زوجها حسب تعليم معلمى الشريعة اليهودية... هذه المرأة فى بؤسها صارت بلا رجاء... سمعت عن يسوع وقالت فى نفسها: "إن مسست ثوبه فقط شُفيتُ"... هذه لم تجد فى نفسها الجرأة والشجاعة أن تتقدم للمسيح تطلب منه الشفاء، فهى المرأة النجسة، المنبوذة من مجتمعها... لذا لم يكن أمامها سوى أن تندس وسط الجموع المزدحمة حوله لتلمس هدب ثوبه... لقد ظنت فى نفسها أن المسيح لن يحسّ بها... بل إن التلاميذ أنفسهم حينما قال المسيح: "مَن لمس ثيابى"، ردّ عليه تلاميذه مستنكرين: "أنت تنظر الجمع الذى يزحمك وتقول مَن لمسنى". لكن المسيح أحسّ بلمسة إيمان قد تعلّقت به... كان المسيح رجاء هذه المرأة البائسة لقد شفاها من علتها بكلمة: "يا ابنة إيمانكِ قد شفاكِ. إذهبى بسلام، وكونى صحيحة من دائكِ" (انظر مت 9: 20 - 22؛ مر 5 - 34؛ لو 9: 43 - 48).
2 - رجاء الخطاة:
وعلى نحو ما كان المسيح له المجد رجاءً للمرضى، فقد كان رجاء للخطاة... وخير مثل يقدمه لنا الإنجيل المقدس، هو لقاء المرأة الخاطئة بالمسيح فى بيت سمعان الفريسى، والذى دوّنه لنا القديس لوقا فى بشارته (لو 7: 36 - 50)... يقول عنها لوقا: "امرأة فى المدينة كانت خاطئة". هذه المرأة علمت أن الرب يسوع متكئ فى بيت سمعان الفريسى، "فجاءت بقارورة طيب، ووقفت من ورائه باكية، وابتدأت تبلّ قدميه بالدموع، وكانت تمسحهما بشعر رأسها وتقبّل قدميه، وتدهنهما بالطيب"...
هذه المرأة لم يكن لها أدنى رجاء فى حياة مقدسة... لقد كانت حياتها مكشوفة لكل أهل مدينتها. لقد ضاعف من ثقل خطاياها نظرة الناس إليها. ليس مَن يمد يده لينتشل نفساً تردت فى هاوية الرذيلة... جاءت إلى بيت الفريسى... ومعلوم ماذا تكون نظرة ذلك الفريسى وحكمه عليها. وهذا ما تكشفه القصة. فلما رأى الفريس تصرفات المرأة الخاطئة نحو المسيح، وهو لا ينفر منها ولا ينتهرها، بدأ يقول فى نفسه: "لو كان هذا نبياً لعلم مَن هذه المرأة التى تلمسه وما هى. إنها خاطئة"...
كانت أفكار الفريسى غير المقدسة وشكّه فى المسيح، سبباً فى أن يكشف محبة تلك المرأة الخاطئة للتوبة، ولشخصه، الذى يقدر أن يريح نفسها ويهبها الغفران، إزاء محبة ذلك الفريسى الضعيفة للرب!!...
كانت تلك المرأة الخاطئة تحسّ بآثامها الكثيرة، وجاءت إلى السيد المسيح فى خزى عظيم، لذا وقفت من ورائه حياءً وخجلاً... لكن المسيح الذى جاء ليخلص الخطاة، وهو فاحص القلوب، الذى علم أن تلك المراة وضعت كل رجائها فيه، بعد أن نبذها المجتمع، لم يخيّب رجاءها فيه... بل كشف عن محبتها وعظم ندمها وتوبتها وغفر لها خطاياها، وأضاف قائلاً للمرأة: "إيمانكِ قد خلّصكِ. إذهبى بسلام"!!
3 - رجاء المتألمين:
ونقدم مثلين على ذلك... اقامة المسيح له المجد للشاب ابن أرملة نايين (لو 7: 11 - 17) ومشاعره تجاه مرثا ومريم أختى لعازر الذى مات (يو11).
● لم يكن تحرك السيد المسيح عشوائياً، بل كان تحركه بهدف. ومن أمثلة ذلك ذهابه من مدينة كفرناحوم إلى مدينة نايين... أحسّ أن هناك امرأة ثكلى فقدت وحيدها الشاب. ولنا أن نحسّ بمدى الحزن الذى كان يعتصر قلب تلك الأم... إنه شاب ثم انه وحيدها... هل يستطيع المعزّون أن يدخلوا العزاء إلى قلبها... لا أعتقد. فكثيراً ما يكون كلام المعزين متعباً وملهباً للمشاعر. وصدق أيوب حينما قال لأصحابه الذين جاءوا إليه يعزونه فى محنته: "معزّون متعبون كلكم" (أى 16: 2). لقد ادرك الشاب محمولاً فى النعش وهم فى طريقهم إلى المقابر، قبل أن يواروه التراب... يقول القديس لوقا: "فلما رآها الرب تحنن عليها، وقال لها لا تَتْكِ. ثم تقدم ولمس النعش فوقف الحاملون. فقال أيها الشاب لك أقول قم. فجلس الميت وابتدأ يتكلم، فدفعه إلى أمه".
لا أظن أن تلك الأم الثكلى كان يراودها أى أمل فى أن يعود إبنها الشاب إلى الحياة. وماذا يُجدى البكاء والدموع... لكن المسيح، الذى هو رجاء مَن ليس له رجاء، تحنن على المرأة وطلب إليها ألاَّ تبكى وأقام ابنها ودفعه إليها حيلً...
● ومن أمثلة المسيح رجاء المتألمين، مرثا ومريم أختا لعازر اللتان كانتا منذ اللحظة الأولى لمرض أخيهما متعلقتين بالمسيح. فحينما مرض لعازر: أرسلت الأختان إليه قائلتين: يا سيد هوذا الذى تحبه مريض (يو 11: 3). لكن المسيح تباطأ فى الذهاب لكى يتمجد بإقامة لعازر من القبر. ذهب المسيح إلى بيت عنيا، وكان لعازر قد مات. وحالما لاقته مرثا قالت له: "يا سيد لو كنت ههنا لم يمت أخى. لكنى الآن أيضاً أعلم أن كل ما تطلبه من الله يعطيك الله إياه"... وحينما لاقت مريم الرب يسوع قالت له نفس كلام أختها: "يا سيد لو كنت ههنا لم يمت أخى"... إن هذا الكلام يوضح مدى الرجاء الذى كان فى هاتين الأختين فى شخص الرب يسوع. إنه رجاء لم يقف عند حد إمكان شفاء المسيح للعازر وهو بعد مريض، بل امتد إلى ما بعد الوفاة... ونحن نعلم ماذا فعل الرجاء فى النهاية. لقد قام لعازر بكلمة المسيح الآمرة "لعازر هلم خارجاً".
4 - رجاء المنبوذين:
إن كنا قد تكلمنا عن المرأة الخاطئة فى بيت سمعان الفريسى تحت عنوان "المسيح رجاء الخطاة"، لكنها فى نفس الوقت مثال للمسيح رجاء المنبوذين... فالمرأة كانت خطيئتها علنية ومعلومة لأهل مدينتها. وبالتأكيد كانت منبوذة من مجتمعها. ورأينا كيف قبلها المسيح، وردها إلى طريق الصلاح...
● وهناك قصة المولود أعمى بعد المعجزة العظيمة التى صنعها معه السيد المسيح بأن خلق له عينين من الطين وأسكن فيهما النور بكلمته... لقد تمت هذه المعجزة فى يوم سبت. وثارت مجادلات ومناقشات بين الفريسيين من ناحية وبين المولود أعمى ووالديه من ناحية أخرى. لأن المسيح فى نظر الفريسيين "ليس من الله لأنه لا يحفظ السبت"... وكان موقف الوالدين مزرياً حينما تنصّلا من الكلام فى المعجزة خوفاً من اليهود الذين تكتلوا وقرروا انه إن اعترف أحد بأن يسوع هو المسيح يخرجونه من المجمع... وكان موقف المولود أعمى عظيماً، واعترف فيه بكل ما صنعه المسيح معه ودافع عن صلاحه "منذ الدهر لم يُسمع أن أحداً فتح عينى مولود أعمى. لو لم يكن هذا من الله لم يقدرأن يفعل شيئاً". فأخرجوه خارج المجمع... والطرد من المجمع عقاب شديد عند اليهود...
ماذا فعل المسيح "سمع يسوع أنهم أخرجوه خارجاً فوجده وقال له أتؤمن بأبن الله. أجاب ذاك وقال مَن هو يا سيد لأؤمن به. فقال له يسوع قد رأيته والذى يتكلم معك هو هو. فقال أؤمن يا سيد وسجد له" (يو 9)... نعم لقد كان المسيح رجاء ذاك الذى نبذه اليهود وطردوه من مجمعهم. إنه عقاب أشبه بالحرم الآن...
● وهناك قصة المرأة التى أمسكت فى ذات فعل الزنا، وأحضرها له الكتبة والفريسيون ليسمعوا حكمه عليها... كانت الشريعة تقضى بأن تُرجم مثل تلك المرأة... لكن ماذا فعل المسيح معها ومعهم... أما المشتكون عليها فقد لقنّهم درساً أن يبحثوا عن خلاص أنفسهم حينما كشف لهم خطاياهم وقال لهم: "مَن كان منكم بلا خطية فليرمها أولاً بحجر"... لقد انصرف الجميع وانسحبوا فى خزى حينما كشف المسيح خطاياهم المخبوءة، وبقيت المرأة بمفردها مع المسيح، فقال لها:
«يا امرأة أين هم أولئك المشتكون عليك. أما دانك أحد. فقالت لا أحد يا سيد. فقال لها يسوع ولا أنا أدينكِ. إذهبى ولا تخطئى أيضاً» (لو 8: 3 - 11)).
لقد افلتت هذه المرأة من الموت بأعجوبة. حينما وقعت فى أيدى أولئك الفريسيين، كانت لا محالة ستواجه عقوبة الموت رجماً بالحجارة... وكان المسيح لها هو الرجاء الذى انقذها من موت الجسد ومن موت الخطية.
أمثلة لأشخاص تعلقوا بالرجاء:
1 - البارة مونيكا:
هى أم القديس أغسطينوس الذى وصل إلى أعماق سحيقة فى الخطية، ثم تاب وبلغ سمو الفضيلة... لقد افتقد الله هذه النفس من أجل صلوات أمه البارة ولجاجتها... ولكن ما يهمنا أن نتكلم عنه فى هذا المقام هو رجاؤنا فى توبة ابنها والذى تحقق بصلواتها وسعيها الدائب من أجل...
لم يكن أبنها وحده هو الذى تعلقت من جهته برجاء عجيب فى الله، بل ان هذا الرجاء بدأ يُظهر ثماره أولاً فى زوجها، ثم تألّق فى ابنها أغسطينوس... تزوجت من زوج وثنى شرير، وكانت أمه على شاكلته وحتى الخدم أيضاً... لكنها اعتبرت ذلك صليبها الذى يجب عليها أن تحمله فى شكر، ووضعت رجاءها فى الله الذى يستطيع كل شئ. وبالفعل استطاعت أن تكسبه وصار مسيحياً... بل صارت فى رجائها فى الله ومحبته لخلاص الخطاة تشدد وتشجع النساء الأخريات اللائى كان لهنّ أزواج على شاكلة زوجها.
وبعد وفاة زوجها انحرف اغسطينوس ابنها انحرافاً شديداً... طلبت إلى أسقف مدينتها أن ينصحه لكى يردّه، لكنه اعتذر لأنه كان يعلم أنه لا جدوى من النقاش مع إنسان يعتدّ بعقله وذكائه. ترك مسقط رأسه بشمال أفريقيا وذهب إلى روما حيث الشهرة، ولم تُجدِ توسلاتها إليه فى أن يبقى إلى جوارها، ولم تكن هناك بارقة أمل فى توبته بعد أن تردّى فى هاوية الرذيلة إلى أعمق أعماقها!!
ظلت مونيكا متعلقة برجائها مدة عشرين سنة تصلى بدموع وتركض وراءه – وهو الابن الضال – من بلد إلى بلد، وتسأله أن يترك طريق الشر بلا تذمر أو يأس... أخيراً تحقق رجاؤها وأتت الصلوات والدموع بثمارها، حين قبل ابنها الإيمان، وتعمد على يد أسقف ميلانو العظيم امبروسيوس. وسافرت هى إلى ميلانو وحضرت عماد ابنها، وكانت فرحتها حينئذ لا توصف... عاد الابن إلى أفريقيا، وعادت هى معه... وكانت شهوة قلبه أن تنطلق من هذا العالم. وبالفعل حقق الله شهوتها وانطلقت نفسها إلى المجد بعد أيام، وكان لها من العمر ست وخمسين سنة...
يقول عنها أغسطينوس بعد توبته مناجياً الله: [أمى التقية قد تكلمت. وصوتها على ما أرى كان صدى صوتك. فإنها كانت تلّح علىَّ بشدة لاعتزل الغوانى وكل أنواع الفجور. وأما أنا فما كنت أعيرها أذناً صاغية، ولا أكترث بأقوالها، لأنها أقوال امراة، بينما هى صادرة من لدنك. فكان امتهانى لها امتهاناً لك. وعدم اعتبارى لها، عدم اعتبار لأقوالك... باتت أمى تبكى علىَّ بكاءً فاق بكاء الأمهات على فقد أولادهن بالموت الجسدى. وأنت يا مولاى قد استمعت لها. ولم تزل تلك الدموع التى كانت تذرفها فى صلواتها بين يديك، حتى كانت تبلل وجه الأرض من مدامعها].
2 - المرحوم جندى فام:
كان يعتبر المرحوم جندى فام من الأبرار المعاصرين. كان يعمل ناظر محطة بالسكة الحديد، وقد تنيح منذ نحو خمس عشرة سنة... ربطتنى به محبة قوية رغم فارق السن. تعلقت بمحبته من اجل تقواه واستقامته وطيبته... كنت أشكو من الهضم والمعدة. فقال لى: [منذ مدة كنت أعانى من آلام فى معدتى، حتى شرب الماء كانت معدتى لا تحتمله. لكن بعدما حطّ أبو جريس (يقصد مارجرجس) يده فى داخلى حتى انتهت كل تلك الآلام بالتبعية]... سألته عن قصة أبو جريس فروى لى قصة المعجزة الآتية...
مرض بالكبد – وكان فى ذلك الوقت معاوناً بمحطة سكة حديد السَمَطة قرب دشنا بالوجه القبلى – وحدث ذلك منذ نحو ستين عاماً... واتضح انه يعانى من خراج فى الكبد... وعرض نفسه على أطباء كثيرين، وأجمع الجميع على وجوب عمل عملية جراحية فى الكبد. وكانت نتيجة هذه العملية فى ذلك الوقت – قبل ظهور المضادات الحيوية – هى واحد فى الألف... وبناء على ضعف الأمل فى نجاح العملية رفض الفكرة.
فى صباح يوم أحد، أحسّ بتعب شديد جداً، فلم يقوّ على الذهاب إلى الكنيسة، وكان عليه أن يلقى عظة القداس... فمن شدة التعب القى بنفسه على الفراش وقال: [أنا لا رايح كنيسة ولا حاجة]... نام، وفى نومه رأى حلماً... رأى إنساناً يلبس ثياباً بيضاء كالأطباء الذين يجرون عمليات جراحية... وقال له: "[قم. فيه حدّ ينام يوم الأحد ولا يذهب إلى الكنيسة]... أجابه عم جندى: [أنا تعبان ومش قادر أروح]. أجابه ذلك الرجل: [والتعبان مش يروح للدكتور علشان يخف وما يحرمش نفسه من الذهاب للكنيسة؟]. قال له المرحوم عم جندى: [أنا روحت للدكاترة وقالوا لازم من عملية جراحية]. قال له: [طب مش تعمل العملية علشان تخف]. أجاب المرحوم جندى: [لغاية كده ومش راح أعمل عمليات. إذا كان الله يعجز انه يعمل لى العملية، أروح للدكاترة. لكن إذا كان ربن مش عاجز، فأنا يستحيل أعمل عملية. وراح أفضل كده]. قال له الرجل: [هل أنت مصمم على كده؟] أجابه: [نعم أنا مصمم].
قال لى المرحوم جندى، مَدَ ذلك الرجل – الذى فى صورة الطبيب – يده إلى بطنى من جهة اليمين، ناحية الكبد وعمل بيده وكأنه يفتح سوستة. وأخرج الكبد واستأصل الخراج. وبعد أن انتهى من ذلك، عمل بيده على بطنى وكأنه يقفل سوسته. وفى هذه اللمسة الأخيرة استيقظت بدون أى ألم... بل كان عم جندى يعانى من تعب المعدة، شُفى منه ضمناً... وهذا معنى عبارته [من ساعة أبو جريس ما حطّ ايده فى بطنى وكل حاجة بقت تمام]... ولم يكن أبو جريس هذا إلاَّ الشهيد البطل مارجرجس الذى أجرى له العملية الجراحية واستاصل الخراج بطريقة معجزية...
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.