حياة التسليم

حياة التسليم

حياة التسليم هى أعظم التقدمات المقبولة.

أمور تسبق حياة التسليم.

مظاهر حياة التسليم.

بركات حياة التسليم.

أمور تساعد الإنسان على حياة التسليم.

العطاء فى المسيحية أمر واجب وممدوح، وهو وصية الرب يسوع نفسه... قال القديس بولس إلى قسوس مدينة أفسس:

«فى كل شئ اريتكم أنه هكذا ينبغى أنكم تتعبون وتعضدون الضعفاء، متذكرين كلمات الرب يسوع انه قال مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ» (أع 20: 35)).

.. ونلاحظ أن كلمات الرب يسوع التى يشير إليها بولس هنا لم ترد فى الأناجيل الأربعة، لكنها كانت شائعة بين المؤمنين، بدليل أن الرسول يذكرهم بها: "متذكرين كلمات الرب يسوع"... وشيوعها بين المؤمنين يؤكد انها كانت مبدء مسيحياً متفقاً عليه...

جميل أن نقدّم للرب عطايا وتقدمات مادية، وأجمل منه أن نقدم عطايا وتقدمات روحية، وأجمل من كليهما أن يقدم الإنسان ذاته للرب... ولا أقصد بهذه التقدمة الأخيرة حياة التكريس. لكنى أعنى بها تقدمة تفوق جميع التقدمات، هى اخضاع المشيئة لله، وتسليم الحياة بجملتها له... وليس أدل على أفضلية هذه التقدمة عما سواها، أننا فى التقدمات الأخرى نقدم لله شيئاص مما لنا. أما فى اخضاع مشيئتنا لمشيئة الله نكون قد أمتنا إرادتنا وميولنا الخاصة. وبالجملة نكون قد قدّمنا ذواتنا قرباناً حياً لله على مذبح التسليم.

فقد أعطى صدقة لإنسان، أو مالاً للكنيسة، لكنى فى هذه الحالة أكون قد قدّمت جزءً من مالى لا مالى كله... وقد أخدم الرب بأمانة، وفى هذه الحالة أيضاً أكون قد قدمت لله جزءً من وقتى لا وقتى كله... وقد أتعب لأجل أمر من الأمور المقدسة، ومع هذا تكون تقدمتى جزءً من جهدى لا جهدى كله.

حياة التسليم، والحال هذه، هى عبارة عن تسليم الحياة كلها لله، بحيث تكون كل أفعال الإنسان وتصرفاته وأفكاره وأقواله مطابقة لمشيئة الله، أو بحسب تعبير القديس بولس:

«فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فىَّ» (غل 2: 20)).

وهذا الأمر واضح كل الوضوح فى حياة السيد المسيح له المجد، الذى قدّم لنا صورة للإنسان الكامل... قال:

«نزلت من السماء، لا لأعمل مشيئتى بل مشيئة الذى أرسلنى» (يو 6: 38)).

وفى صلاته فى بستان جثسيمانى ليلة آلامه قال مخاطباً الآب:

«إن شئت أن تعبر عنى هذه الكأس، ولكن لتكن لا إرادتى بل إرادتك أنت» (مت 26: 39)).

.. قال رب المجد هذا على الرغم من أنه ليس له سوى مشيئة واحدة مع الآب... لكنه أراد أن يقدم لنا تعليماً فى هذا الوقت... وحينما طلب إليه تلاميذه أن يعلّمهم كيف يصلّون، أعطاهم صلاة مثالية، اهتم أن يبرز فيها هذه الفضيلة... قال لهم: "صلوا أنتم هكذا أبانا الذى فى السموات... لتكن مشيئتك كما فى السماء كذلك على الأرض"... ونلاحظ هنا أنه علمنا أن نطلب إلى الآب السماوى أن تكون مشيئته نافذة فى حياتنا كما هى نافذة فى السماء... ففى السماء ليس مَن يعطلّ مشيئة الله، لكن الإنسان على الأرض، بسبب حرية إرادته التى ميّزه الله بها، يستطيع أن يخالف الله. وهذا للأسف الشديد!!... والقديس بطرس الرسول يبرز هذه الفضيلة فى حياة السيد المسيح بقوله:

«الذى إذ شُتم، لم يكن يشتم عوضاً. وإذا تألم لم يكن يهدّد، بل كان يسلّم لمَن يقضى بعدل» (1بط 2: 23)).

أمور تسبق حياة التسليم:

يجب أن نقرر بادئ ذى بدء، أن الأمر فيما يختص بحياة التسليم، ليس سهلاً هيناً، فهناك مصاعب فى طريق حياة التسليم، منها الرغبات الخاصة، والشعور بالذات، والعقل... ولذا يجب أن يسبق التسليم ثلاثة أمور:

1 - التجرد من الرغبات:

الإنسان غير المتجرّد له رغبات يريد أن يحققها. ومن ثم لا يستطيع أن يسلّم حياته لله، لأنه سبق وسلّم حياته لهذه الرغبات... وحتى لو سلّم حياته لله يشترط عليه شروطاً. وبذا لا يكون تسليمه كاملاً. يلزم لمَن يريد أن يسلّم حياته لله أن يتجرّد من كل رغبة ومن كل شهوة، حتى فى الأمور الروحية. فالرغبات الروحية يجب أن يكون لها غرض واحد هو الاتحاد بالله. أما تفاصيل هذا الاتحاد وطريقة الوصول إليه فينبغى أن يسلّمها الإنسان لله، ولا يكون له فيها غرض معين.

2 - الاتضاع:

لا يمكن السلوك فى حياة التسليم إلاَّ بالاتضاع... لأن الإنسان الواثق بذاته، المعتدّ بفكره، المعتمد عليه فى تدبير حياته، لا يستطيع أن يسلّم حياته لله فى بساطة الإيمان. لأنه غالباً ما يجعل معاملات الله معه، تحت رقابة هذا الفكر المعتز بذاته. فيقبل من هذه المعاملات ما يمكن أن يقبله فكره منها، ويرفض ما عداها مستعيناً فى ذلك بالمجادلة والمناقشة فى كل تصرفات ومعاملات الله...

وقد يخطئ هذا الإنسان ويظن الشرّ حيث أراد الله به خيراً... وقد ينسب بعض هذا للناس الأشرار، وبعضه للشياطين. وقد يقاوم، ويصوّر له فكره أموراً يرى أنها سليمة، لأنه حكيم فى عينى نفسه. لا تستطيع كبرياء فكره اقناعه بتسليم حياته لله تسليماً كلياً وكاملاً...

3 - الإيمان:

لا يستطيع إنسان أن يسلّم حياته لله إلاَّ إذا كان واثقاً بهذا الإله، كإله يهتم به ويدبرّ كل أموره. ويؤمن أن كل ما يعمله الله إنما يعمله بحكمة، ولا يحتاج إلى تدخل منه... أما إذا شك الإنسان فى رعاية الله ومحبته واهتمامه، فكيف يستطيع مثل هذا الإنسان أن يحيا حياة التسليم؟!... وإذا كان الإيمان بالله هو الثقة به، فبديهى أن الإنسان لا يمكن أن يسلّم لمَن لا يثق به. وقد أشرنا إلى ذلك فى موضوع الإيمان.

مظاهر حياة التسليم:

التسليم وإن كان حياة فى الداخل، لكن له مظاهر يمكن أن نلمسها...

أ - تسليم المشيئة بحيث لا تصبح للإنسان مشيئة أخرى تُغَايرْ مشيئة الله... وبعبارة أخرى يصبح هذا الإنسان كالشمع اللّين الذى يقبل الصورة التى تنطبع عليه... إنه لا يحيا منقسماً على ذاته، تارة يسلّم حياته لله، وتارة أخرى يتوق إلى إتمام مشيئته الخاصة... نحن نلمس ذلك فيما قاله شاول الطرسوسى (بولس الرسول قبل اهتدائه) حينما تراءى له الرب عند مشارف دمشق:

«يا رب ماذا تريد أن أفعل» (أع 9: 6)).

.. إن هذه الكلمات التى تعبّر عن التسليم الكامل، كانت هى نقطة التحوّل فى حياة ذلك الرسول العظيم، الذى عاش منقاداً بالروح بعد ذلك... ونحن نلمس ذلك فى أقواله:

«مع المسيح صُلبت فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فىَّ. فما أحياه الآن فى الجسد فإنما أحياه فى الإيمان، غيمان ابن الله الذى احبنى وأسلّم نفسه لأجلى» (غل 2: 20)).

.. ولننظر إلى ما قاله لقسوس كنيسة أفسس...

« والآن ها أنا أذهب إلى أورشليم مقيّداً بالروح لا أعلم ماذا يصادفنى هناك. غير أن الروح القدس يشهد فى كل مدينة قائلاً إن وُثقاً وشدائد تنتظرنى. ولكننى لست أحتسب لشئ، ولا نفسى ثمينة عندى، حتى اتمم بفرح سعيى والخدمة التى أخذتها من الرب يسوع لأشهد ببشارة نعمة الله» (أع 20: 22 - 24)).

.. إنه يحيا فى طاعة كاملاً للروح القدس روح الله. وعلى الرغم من أنه يعرف أن وثقاً وشدائد تنتظره، لكنه لا يتخلى عن طاعته للروح، وحياة التسليم الكاملة التى نذر نفسه لها...

ب - والفكر أيضاً يصبح فكر الله... إن بولس الرسول الذى عاش حياة التسليم وخبرها يقول:

«أما نحن فلنا فكر المسيح» (1كو 2: 16)).

وهذه نتيجة طبيعية لحياة التسليم. فإن سلّم إنسان حياته تسليماً كاملاً لله، فهو الذى سيقود أفكاره... قال المرتل:

« وأنا بليد ولا أعرف... أمسكت بيدى اليمنى، برأيك تهدينى... » (مز 73: 22 - 24)).

ﺠ - وبالجملة فإن كل ما يصدر عن الإنسان من تصرفات سيكون موافقاً لإرادة الله. قال الوحى الإلهى عن داود النبى والملك:

« وجدت داود بن يسى رجلاً حسب قلبى، الذى سيصنع كل مشيئتى» (أع 13: 22)).

.. وقد استحق داود هذه الشهادة العظيمة لأنه كان يحيا حياة التسليم، وكان يهتف دائماً:

«مستعد قلبى يا الله مستعد قلبى» (مز 57: 7)).

وما ذلك إلاَّ اظهاراً لاستعداده لطاعة الله طاعة كاملة، وتسليم مشيئته له تسليماً كلياً.

د – وثمة مظهر آخر من مظاهر حياة التسليم، هو هدوء الأعصاب إزاء الأحداث المختلفة... فالإنفعال إزاء أمر من الأمور يدل على إننا صدمنا نتيجة رغبة خاصة لنا لم تتحقق، وظهر أثر ذلك فى فقدان أعصابنا... أما الإنسان الذى عرف كيف يسلّم حياته لله، فإنه لا يكتئب ولا ينفعل. فحينما يحدث أمر من الأمور يتقبله برضى وشكر، عالماً أنه لخيره، سواء كان من جهو مظهره خيراً أو شراً.

بركات حياة التسليم:

ماذا يستفيد الإنسان من تسليم حياته لله، وما هى البركات التى يجنيها؟

1 - فرح دائم لا يعكر صفوه كآبة أو انزعاج... وسلام جزيل لا يشوبه قلق أو خوف نتيجة الشعور بإتمام إرادة الله... قال المرتل:

«ان افعل مشيئتك يا إلهى سررت» (مز 40: 8)).

..

«ليفرح جميع المتكلين عليك إلى الأبد يُسرّون وتحل فيهم. ويفتخر بك كل الذين يحبون اسمك. لأنك أنت تبارك الصديق يا رب، وتكتنفه برضاك مثل الترس» (مز 5: 11)).

.. فالفرح من ثمر الروح (غل 5: 22)، والحزن من ثمر الخطية.

إن مبعث فرح الإنسان وما يصاحبه من سلام هو نتيجة إتمام إرادة الله، وما يستتبع ذلك من الإيمان أن.

«كل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله» (رو 8: 28)).

.. وقد عبّر عن ذلك الحكيم بقوله:

«مهما يصيب الصديق لا يحزنه» (أم 12: 21)).

وليس معنى الفرح والسلام اللذين يصاحبان تسليم المشيئة لله أن الإنسان الذى يتمتع بهما لا تعرف الضيقات إلى قلبه سبيلاً، بل ربما كان الأمر على العكس من ذلك، فكثيرة هى أحزانا الصديقين. لكن من جميعها ينجيهم الرب (مز 34: 19)... مثل هذا الإنسان يشبه فى حالته – إلى حد كبير – حالة الثلاثة فتية فى أتون النار ببابل. فقد كانوا يُرون وسط نار الأتون يتمشون متهللين كمَن هم فى نزهة. ولم تَقْو النار على حرق ثيابهم ولا حتى شعرة من رؤوسهم. كل ما فعلته أنها أحرقت قيودهم فحررتهم، وبذا استطاعوا أن يمشوا الأتون!! والسرّ فى كل ذلك أنه شوهد معهم رابع شبيه بابن الآلهة (دا 3)... هذا هو الهنا الذى قيل عنه:

«فى كل ضيقهم تضايق وملاك حضرته خلّصهم» (إش 63: 9)).

2 - هدوء جزيل... فالإنسان الذى عرب كيف يُخضع مشيئته لمشيئة الله يكون هادئاً لا يزعجه شئ. فقد سلّم حياته كلها لله القدير الذى:

«منه وبه وله كل الأشياء» (رو 11: 36)).

.. وهو يشعر دائماً أن حياته هى فى يد الله الذى يحبه ويعتنى به، والذى يستطيع أن ينقذه من الشدائد والضيقات. ومزامير داود مليئة بهذه المشاعر التى كانت تملأ قلب ذلك النبى...

«إن سلكت فى وسط ظلال الموت، فلا أخاف شراً لأنك معى. عصاك وعكازك هما يعزياننى» (مز 23: 4)).

.. "الرب نورى وخلاصى ممَن أخاف. الرب حصن حياتى ممَن أرتعب... مضايقىَّ وأعدائى عثروا وسقطوا. وإن حاربنى جيش فلا يخاف قلبى. وإن قام علىَّ قتال ففى هذا أطمئن" (مز 27)... "إلهنا ملجأنا وقوتنا ومعيننا فى شدائدنا التى أصابتنا جداً. لذلك لا نخشى إذا تزعزعت الأرض وانقلبت الجبال إلى قلب البحار..." (مز 46).

ومبعث هدوء الإنسان الذى يحيا حياة التسليم أيضاً، شعوره بأن الله الذى سلّم حياته له لا يأتيه إلاَّ بما هو صالح وخير، على نحو ما يقول القديس بولس:

«كل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله» (رو 8: 28)).

.. وحت لو فوجئ بأمر لا يتوقعهن فإنه يشعر لوقته أن الله لابد وأنه يقصد من ورائه نفعه.

روى عن أحد الآباء القديسين الذين سلكوا فى تدريب حياة التسليم، انه نزل إلى مدينة الاسكندرية. فاجتمع حوله هناك بعض الوثنيين، وأخذوا يشتمونه ويضربونه ويهينونه. وكان هو فى كل ذلك محتفظاً بهدوئه بلا ضجر ولا تململ. وفيما هم على هذه الحال، سأله واحد منهم: [ما هى العجائب والمعجزات التى صنعها ذلك الناصرى الذى تؤمنون به؟]. فخرج عن صمته وقال: [إن إحدى معجزاته أنكم تضربوننى وتهينوننى وأنا فرح مسرور].

وروى عن راهب قديس كان يصنع عجائب ومعجزات، أن رئيس ديره – رغم المعجزات التى كانت تتم على يديه – كان يلاحظ عليه أن جهاده لا يميّزه عن أى راهب آخر فى الدير. فتعجب من أمره فسأله عن أحواله، فأجابه بأنه لا يصل ىولا يسهر ولا يصوم أكثر من باقى الرهبان، ولكنه كان لا يضجر من شئ على الاطلاق. فسأله رئيس الدير: [ألم تتضايق يوم هجم أعداؤنا على ديرنا وحرقوا مخزن الحنطة؟]. أجابه الراهب: [لقد تعودت أن أقبل كل شئ بشكر مسلّماً الأمر لله... فتحقق رئيس الدير سرّ هدوئه وعجائبه هما فى تسليم حياته كلها لمشيئة الله.

3 - قلنا فيما سبق أن الاتضاع يسبق حياة التسليم. ونضيف هنا أن حياة التسليم تُنمّى فينا بعد ذلك فضيلة الاتضاع، الذى هو الأساس المتين الذى يرتفع فوقه بناء حياتنا الروحية...

4 - من بركات حياة التسليم الاطمئنان من جهة دينونة الله الأخيرة... فمعنى أنى سلّمت حياتى لله انى سوف لا أُذان... إذ كيف أُدان على إتمام مشيئته؟! إن كل جهاد الإنسان روحياً هو من أجل الوصول إلى هذه النقطة – إننا لا ندان فى الويم الأخير... فإذا كانت حياة التسليم توصلنى إلى ذلك لكفى...

5 - ومن بركات حياة التسليم أننا نُلزم الله بالعناية بنا. فبقدر ما تسلّم ذواتنا له بقدر ما نلزم أن يعتنى بنا... يقول المرتل: "لأنه علىَّ اتكل فأنجيه، استره لأنه عرف اسمى. يدعونى فاستجيب له. معه أنا فى الشدة أنقذه وأمجّده. طول الأيام أشبعه واريه خلاصى" (مز 91)... إن التدريب الأول فى تعلّم السباحة أن يسلّم الإنسان ذاته للماء دون خوف. وبقدر ما يفعل ذلك بقدر ما يحمله الماء...

6 - إن حياة التسليم تنمّى فينا الحب الإلهى. فالمحبة لا تعتبر كاملة إلاَّ إذا اتفقت إرادتنا مع إرادة مَن نحبه... والدليل العملى على حبنا لله هو تسليم حياتنا له، وإتمام إرادته فينا.

«إن كنتم تحبوننى فاحفظوا وصاياى» (يو 14: 15)).

7 - والتسليم يعطينا فرصة لإكتساب فضائل روحية أخرى كالطاعة والصبر والاحتمال فان تدخل إرادتى تحول بينى وبين إكتساب هذه الفضائل. فالإنسان الذى لا يسلّم لله، لا يمكن أن يكون مطيعاً، لأن الطاعة هى فى التسليم. وتسليم حياتى واقتبال أمر من الأمور – حتى لو بدا أمامى فى غير صالحى – يدّربنى على فضيلة الصبر. والصبر ينشئ تزكية لحياتى (رو 5: 4). والصبر يوصلنى إلى فضيلة الاحتمال...

8 - وحياة التسليم تهئ لى فرصة لخبرات مقدسة فى الحياة مع الله. فالله خلق الإنسان حراً... والإنسان بكامل حريته يحرم نفسه نعماً كثيرة، وذلك عندما تتعارض إرادته الخاصة مع إرادة الله الخيّرة... يقول رب المجد يسوع لسكان أورشليم:

«كم مرة أردت أن أجمع بنيكِ.. وأنتم لم تريدوا. هوذا بيتكم يُترك لكم خراباً» (مت 23: 37).

، 38)... فإن سلّمت إرادتى لإرادة الله أرى أعمالاً عجيبة... يضاف إلى ذلك أن الإنسان بهذا سيأخذ من الله نعماً كثيرة نتيجة عدم عرقلة عمل روح الله فيه...

أمور تساعد الإنسان على حياة التسليم:

1 - ليقنع الإنسان ذاته انه لا يمكن أن يحدث له شئ فى حياته، بل فى العالم بأسره إلاَّ من قبل الله، سواء بإرادته أو بسماح منه... قال السيد المسيح لبطرس ليلة آلامه، حينما استل سيفه وضرب عبد رئيس الكهنة فقطع أذنه:

«اجعل سيفك فى الغمد. الكأس التى أعطانى الآب ألاَ أشربها» (يو 18: 11)).

.. ولم يقل رب المجد: "الكأس التى أعدّها لى يهوذا ورؤساء الكهنة. بل الكأس التى أعطانى الآب ضابط الكل الذى بيده كل الأشياء"... ومرة أخرى لما قال له بيلاطس: "ألست تعلم أن لى سلطاناً أن اصلبك، وسلطاناً أن اطلقك". أجابه الرب يسوع:

«لم يكن لك علىَّ سلطان البتة لو لم تكن قد أعطيت من فوق» (يو 19: 10).

، 11).

لقد حاول هيرودس الملك اليهودى قتل الرب يسوع وهو بعد طفلاً، فقتل كل أطفال بيت لحم من سنّ سنتين فما دون، لكن دون جدوى، لأن تلك الساعة لم تكن ساعة موت الرب يسوع (مت 2: 16)... وقام اليهود عدة مرات على السيد المسيح ليقتلوه لكنهم لم يحققوا غرضهم الشرير. ومرة مضى به أهل الناصرة إلى خارج مدينتهم ليطرحوه إلى أسفل الجبل الذى كانت مدينتهم مبنية عليه.

«أما هو فجاز فى وسطهم ومضى» (لو 4: 30)).

.. لكن لما أتت الساعة التى رسمها فى علمه الأزلى، قال لمَن خرجوا عليه ليقبضوا عليه:

«هذه ساعتكم وسلطان الظلمة» (لو 22: 53)).

وكم تعب شاول ملك إسرائيل ليقتل داود، وكم اهتم لكى يمسكه، لكنه فى جميع محاولاته كان يفشل. أما السبب فلأن.

«الله لم يدفعه ليده» (1صم 22: 14)).

.. لقد قصد اخوة يوسف أن يتخلصوا منه، لكن الله بعث به إلى مصر لاستبقاء حياة لكثيرين. لذا قال لاخوته فى مصر:

« والآن لا تتأسفوا، ولا تغتاظوا لأنكم بعتمونى إلى هنا. لأنه لاستبقاء حياة أرسلنى الله قدامكم... فقد أرسلنى الله قدامكم ليجعل لكم بقية فى الأرض، وليستبقى لكم نجاة عظيمة. الآن ليس أنتم أرسلتمونى إلى هنا بل الله» (تك 45: 5 - 8)).

.. كما قال لهم:

«لا تخافوا... أنتم قصدتم لى شراً، أما الله فقصد به خيراً» (تك 50: 19).

، 20).

فما أجمل الشعور بأن حياتنا هى فى يد الله المحب الحنون القدير... إذا توفر فينا هذا الشعور فإننا برضى نسلّم ذواتنا له طواعية واختياراً... قال القديس كبريانوس معلّقاً على عبارة "لا تدخلنا فى تجربة": [إننا نتجه إلى الله – لا إلى الشيطان – لكى لا ندخل فى تجربة]. هكذا فهم القديسون حياة التسليم... ففى قتالات القديس أنبا أنطونيوس الكبير أب الرهبان مع الشيطان، ظهر له ذات مرة فى صورة وحوش كاسرة كثيرة العدد. فالتفت إليها أنطونيوس فى ثبات وقال: [لو كان لكم علىَّ سلطان، لكان واحد منكم يكفى ليحارب إنساناً مثلى. لكن الله أعدمكم قوتكم]...

2 - يجب على الإنسان ألا يتضايق حينما تصيبه أمور لا توافق مزاجه... بل عوضاً عن التضايق عليه أن يلجأ إلى الله ليصلح النقص الذى فيه... لقد كره بنو إسرائيل - وهم فى البرية – أكل المنّ، واشتهوا اللحم، فأعطاهم الله اللحم بكثرة... أعطاهم شهوتهم. إلاَّ أن ذلك صار شراً لهم.

«فصعد عليهم غضب الله وقتل من اسمنهم، وصرع مختارى إسرائيل» (مز 78: 29 - 31)).

.. كان الأحرى ببنى إسرائيل – بعد كل عجائب الله معهم – أن يغيّروا تذوقهم للمن، وأن يشكروا الله على هذه النعم العظيمة وسط تلك البرية القاحلة!!

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

›

مبدأ الباب الضيّق فى الحياة الروحيّة

‹

حياة السلام

سلسلة بستان الروح - الأنبا يؤانس أسقف الغربية
سلسلة بستان الروح - الأنبا يؤانس أسقف الغربية