الإيمان فى معجزات السيد المسيح

الإيمان فى معجزات السيد المسيح

معنى المعجزة – اعتراضات ضد المعجزات.

الشيطان والمعجزات.

كيف نميّز بين المعجزة والضلالة – السحر وتحضير الأرواح.

المؤمنون والسحر والسحرة.

الإيمان فى معجزات السيد المسيح:

+ شفاء المفلوج. + شفاء نازفة الدم.

+ تفتيح عينى بارتيماوس. + شفاء ابنة الكنعانية.

+ شفاء غلام قائد المائة.

قصص عن معجزات معاصرة.

قبل أن نتناول بالكلام موضوع الإيمان فى معجزات السيد المسيح، نراه لزاماً علينا أن نتوقف بعض الشئ لنتكلم عن المعجزة ما هيتها، والفرق بين المعجزة الإلهية وضلالات الشياطين، الأمر الذى يقودنا إلى الكلام عن السحر وتحضير الأرواح. ثم نناقش موضوعاً كثر فيه الجدل عن المعجزات الإلهية وهل كانت قاصرة على الفترة المبكرة من تاريخ المسيحية وتوقفت بعد ذلك. وما الحكم فى المعجزات التى تحدث الآن بشفاعات القديسين.

معنى المعجزة:

المعجزة هى الأعجوبة التى تثير الدهشة، وسميت معجزة لأن البشر يعجزون عن الاتيان بمثلها... وهناك ثلاث كلمات ترادف معنى المعجزات فى كتاب العهد الجديد وهى "العجائب والقوات والآيات"... يقول الرسول بطرس وهو يتحدث عن برهان رسالة المسيح:

«يسوع الناصرى رجل قد تبرهن لكم من قبل الله بقوات وعجائب وآيات صنعها الله بيده» (أع 2: 22)).

.. وفيما يتحدث القديس بولس الرسول عن قانونية رسوليته يقول:

«إن علامات الرسول صنعت بينكم فى كل صَبْر بآيات وعجائب وقوات» (2كو 12: 12)).

.. ونلاحظ أن الدهئة التى تثيرها المعجزة ليست هى المقصودة لذاتها، بل المقصود انها العلامة التى تشهد عن حضور الله ووجوده، وتدخله فى صنع المعجزة. وهى لا تتم إلاَّ بالقوة الخارجة الإلهية، القوة التى لا يمكن أن تكون من صنع البشر أو من حيلة الإنسان... ونلخص هذا الكلام بالقول إن المعجزة هى ذلك الحادث الإلهى الذى يصنعه الله مباشرة، أو عن طريق واحد من أنبيائه أو رسله أو قديسيه بكيفية تعلو وترتفع وتسمو على كل نظام أو ترتيب أو مقدرة بشرية. وان هذا الحادث لا يمكن أن يكون المقصود به اللهو أو اثارة الفضول، لأن الله له حكمة سامية فى كل معجزة يجريها.

إذن فالمعجزة هى كل تدخل خارق للعادة ونادر وغير مألوف. وقد تستخدم فيه وسائل طبيعية. لكن هذه الوسائل ما كانت لتأتى بأى نتيجة باهرة لولا تدخل الله الفعلى. والقصد من المعجزة إما تثبيت وتقوية الشهادة للدين أو الاغاثة والمساعدة والانقاذ التى تعزّ فيها الوسائل العادية الطبيعية...

وكتاب العهد القديم يقدم لنا عينات من المعجزات الإلهية مثل معجزات الضربات العشر على يد موسى النبى فى مصر، وعبور البحر الأحمر، وإعالة الشعب مدة أربعين عاماً فى البرية، ووقوف الشمس والقمر بكلمة يشوع خليفة موسى وتلميذه، واقامة ابن أرملة صرفة صيداء على يد إيليا النبى، وابن المرأة الشونمية على يد اليشع النبى، وضرب مائة وخمسة وثمانين ألفاً من جنود ملك آشور فى ليلة واحدة. وعدم احتراق الثلاثة فتية فى أتون نار بابل، وكذا عدم مساس الأسود لدانيال النبى فى الجب الذى القى فيه... أما عن العهد الجديد فهو ملئ بالمعجزات التى صنعها السيد المسيح ورسله وتلاميذه، وهو ما سنتحدث عن بعضها فيما بعد.

اعتراضات ضد المعجزات:

ومن الناس مَن لا يؤمن بالمعجزات على الاطلاق، إما لعدم إيمانه أساساً بوجود إله وهؤلاء هم الملحدون... والبعض لا يؤمنون لأنهم يعتقدون أن الله لا يمكن أن يغيّر نواميسه الطبيعية التى وضعها لسياسة الكون وخلائقه، بل انه يحترمها لأنه مبدعها وواضعها، ولذا فهى تسير سيرها المحتوم على الدوام... وهناك مَن يؤمن بالمعجزات كأمور حدثت فى الماضى ودونت فى الكتاب المقدس لإثبات تدخل الله وسيطرته على الكون وتأييد الحق الإلهى المعلن، وانها انتهت بثبات هذا الحق ووضوحه ورسوخ المسيحية فى العالم. وهى بذلك لا يمكن أن تتكرر مادامت قد أدت غرضها وغايتها. ومعنى هذا الكلام أن عصر المعجزات قد ولىّ وانتهى... بينما يوجد مَن يؤكد أن المعجزا حق، وانها ما تزال قائمة حتى الآن وان رسالتها فى الشهادة لله ووجوده وقوته لم تنتِه بعد، وانه ليس فى الكتاب ما يقطع بأنها كانت هناك لفترة معينة أو زمن محدود.

ونعرض الآن للرد على هذه الآراء...

أولاً – بالنسبة للملحدين،

فنحن لا نحتاج لاثبات وجود الله فى هذا البحث لأنه ليس موضوع دراستنا، فضلاً عن ان اليقين بوجود الله اثبت وأقوى من أى زعم يتخيله أو يتوهمه هؤلاء الملاحدة...

ثانياً – أما عن الزعم بأنه لا يليق بالله أن يتدخل فى النواميس الثابتة التى أبدعها ونظمها،

فهو زعم لا يليق. لأن معنى ذلك أن هذا الناموس قد غدا بمثابة إله آخر معادل لله ومستقل عنه، لا يخضع لأى اشراف ويعلو عن كل رقابة، ولا يجوز التدخل فى سيره... كما أن هذا الزعم معناه أن الله وضع الناموس ليقف منه موقف المتفرج أو العاجز عن أن يصنع إزاءه أمراً أو شيئاً. ومثل ذلك كمثل مهندس يصنع آلة ضخمة، وبعد أن حركها، وقف أمامها يتطلع إلى حركتها دون أن يملك القدرة على ايقافها أو حتى الاقلال من حركتها أو زيادتها، لغرض معين!!

وثمة أمر آخر فى غاية الأهمية، وهو ان الناموس المادى هو أحد النواميس التى أبدعها الله، وليس هو الناموس الوحيد... فمثلاً يوجد الناموس الادبى، الذى يختص بالأخلاقيات وسلوكيات البشر سواء فى حياتهم الخاصة أو فى التعامل بينهم وبين بعضهم. هذا الناموس الأدبى اسمى وأعظم عند الله من الناموس المادى، بقدر ما تسمو الروحيات والأدبيات عن الماديات. وقد تدخل الله فى شتى العصور والأجيال لاصلاح ما طرأ هذا الناموس الأدبى... وليس أدل على ذلك من قول المسيح لليهود بعد معجزة شفاء مريض بيت حسدا فى يوم سبت:

«أبى يعمل حتى الآن وأنا أعمل» (يو 5: 17)).

وكانت كلماته هذه موجهة لليهود الذين اتهموه بكسر وصية حفظ السبت وهى إحدى وصايا الناموس الأدبى...

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، ماذا يمكن أن يقال عن الاختراعات العلمية الجبارة التى وصل إليها العقل الحديث والتى تشبه المعجزات... فمثلاً إرسال صواريخ إلى القمر خارج نطاق الجاذبية الأرضية، ومشى الإنسان فى منطقة انعدام الوزن، ثم استعادة هذه الصواريخ فى الوقت الذى أراده والمكان الذى حدوده... هل يمكن أن يقال فى هذه الحالات أن قانون أو ناموس الجاذبية الأرضية قد تحطم؟!... وثمة مثل آخر نوضح به ما نقول... إذا امسكنا قطعة صغيرة من الحديد وتركناها من بين أصابعنا، فإنها تسقط إلى أسفل بتأثير الجاذبية الأرضية. لكن لو قربنا من قطعة الحديد هذه مغناطيساً قوياً من أعلى لانجذبت إليه إلى أعلا بما يخالف الجاذبية الأرضية...

فإذا كانت الإرادة البشرية بقدراتها تستطيع أن تعلو على الناموس المادى الطبيعى، أفلا يملك الله بإرادته وقدرته الكاملة غير المحدودة أن تعلو أو تسود على أى ناموس معروف أو غير معروف؟!... إن أية معجزة بالنسبة لله هى السيطرة البسيطة العادية على أى ناموس. والأمر كله يتعلق فى الفرق بين حكمة الإنسان وقدرته وحكمة الله وقدرته. إذ ما يعتبره الإنسان خارقاً إنما هو بالنسبة لمجال حكمته وقدرته، على العكس من الحكمة الإلهية وقدرتها بالنسبة لها هو يسير عادى وبسيط... والخلاصة انه ليس ثمة تناقض أو تحطيم للنواميس فى صنع المعجزات، بل هو علو عليها أو تسخيرها بيد مَن يملك أمرنا وأمرها...

ثالثاً – أما عن الاعتراض الثالث الذى يزعم أن عصر المعجزات كان قاصراً على الفترة المبكرة من تاريخ المسيحية من أجل اثباتها وانتشارها،

نقول انه لا يوجد فى الكتاب المقدس وبخاصة العهد الجديد نص يحدد زمناً للمعجزات، بل على النقيض من ذلك يقول السيد المسيح لتلاميذه:

«اذهبوا إلى العالم أجمع واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها. مَن آمن واعتمد يخلص، ومَن لم يؤمن يُدَنْ. وهذه الآيات تتبع المؤمنين، يخرجون الشياطين باسمى ويتكلمون بألسنة جديدة. يحملون حيات، وإن شربوا شيئاً مميتاً لا يضرهم. ويضعون أيديهم على المرضى فيبرأون» (مر 16: 15 - 18)).

.. وتاريخ الكنيسة بعد عصر الرسل وحتى الآن حافل بالمعجزات التى أجراها الله على أيدى قديسيه وابراره فى كل العصور... وعلى ذلك نقول إن المعجزات باقية ما بقى على الأرض إنسان أو مؤمن إذا انها من جانب الله لمعونة الإنسان وانقاذه من شدائد، وتقويته وتشجيعه، فضلاً عن انها تحمل الشهادة لله وانه مازال يعتنى بخليقته تحقيقاً لمواعيده... وستبقى المعجزات ما بقى الإنسان بحاجة إليها، وهو بالفعل كذلك...

مَن ذا الذى يتردد فى الاعتراف إن هناك معجزات لا تعد ولا ت حصى تجرى كل يوم، كمعجزات الشفاء التى تحدث بعد أن يفشل الأطباء فى شفاء أمراض مستعصية تحقيقاً للوعد ان غير المستطاع عند الناس مستطاع عند الله... وليس معجزات الشفاء هى الوحيدة التى يتمجد الله بها، بل هناك معجزاته مع شعبه ككنيسة التى نلمسها حتى اليوم... إه هذا دليل لا يدع مجالاً لشك إن إله المعجزات ما يزال يعمل إلى اليوم كما كان يعمل فى العهد القديم وفى فجر المسيحية على حد سواء، إذ هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد... وما يقوله القديس بولس الرسول: "استطيع كل شئ فى المسيح يسوع الذى يقوينى" (فى 4: 13)، لا يختص ببولس وحده، بل بكل مَن يؤمن لأنه كما قال المسيح:

«كل شئ مستطاع للمؤمن» (مر 9: 23)).

الشياطين والمعجزات:

من المهم فى هذا الصدد أن نقول انه يخرج عن دائرة المعجزات كل ما يمكن أن يصنعه الإنسان عن طريق الحيلة أو الايحاء أو اساليب التنويم المغناطيسى أو تحضير الأرواح الأمور التى سنشير إليها فيما بعد. فأساس المعجزة يبدأ من حيث تتوقف كل قدرة بشرية على الاطلاق... والسؤال الآن هل يستطيع الشيطان أن يصنع عجائب ومعجزات؟

الشيطان باعتباره ملاك ساقط، فى قدرته أن يصنع عجائب. وقد حدث ذلك مراراً عديدة مقابل معجزات الله الحقيقية، من أجل اظهار قوته... لكن النصرة فى النهاية لله وقوته. ولدينا مثل واضح على صدق هذا الكلام فى المعجزات التى أجراها الله على يد موسى فى الضربات العشر. لكن السحرة المصريين فعلوا بسحرهم على نحو ما فعل موسى وهارون. لكن ماذا كانت النتيجة فى النهاية؟ فى الضربة الأولى، طرح السحرة عصيهم فصارت ثعابين.

«لكن عصا هارون ابتلعت عصيهم» (خر 7: 12).

وفى الضربة الثانية وهى تحويل الماء إلى دم.

«فعل عرّافو مصر كذلك بسحرهم» (خر 7: 22)).

.. وفى الضربة الثالثة وهى ضربة الضفادع.

«فعل كذلك العرافون بسحرهم واصعدوا الضفادع على أرض مصر» (خر 8: 7)).

.. وفى الضربة الرابعة الخاصة بالبعوض توقف السحرة واعلنوا عجزهم وقالوا لفرعون:

«هذا اصبع الله» (خر 8: 19)).

.. كانت هذه هى النتيجة، عجز السحرة أمام قوة الله واعترافهم بذلك.

وما نود أن نوضحه هو أن الشيطان من حيث طبيعته، فى قدرته أن يصنع عجائب تدهش الناس... هذا ما يقوله الرب بلسان موسى النبى لبنى إسرائيل.

«إذا قام فى وسطك نبى أو حالم حلماً واعطاك آية أو اعجوبة. ولو حدثت الآية أو الأعجوبة التى كلّمك عنها قائلاً لنذهب وراء آلهة أخرى لم تعرفها ونَعْبُدها، فلا تسمع لكلام ذلك النبى أو الحالم ذلك الحلم لأن الرب إلهكم يمتحنكم لكى يعلم هل تحبون الرب إلهكم من كل قلوبكم ومن كل أنفسكم» (تث 13: 1 - 3)).

كما قال السدي المسيح:

«كثيرون سيقولون لى فى ذلك اليوم يارب يارب أليس باسمك تنبأنا، وباسمك أخرجنا شياطين، وباسمك صنعنا قوات كثيرة. فحينئذ اصرّح لهم انى لم أعرفكم قط. اذهبوا عنى يا فاعلى الإثم» (مت 7: 22).

، 23)... وقال:

«لأنه سيقوم مسحاء كذبة وأنبياء كذبة، ويعطون آيات عظيمة وعجائب حتى يضلوا لو أمكن المختارين أيضاً» (مت 24: 24)).

ويتحدث القديس بولس الرسول عن إنسان الخطية.

«الذى مجيئه بعمل الشيطان بكل قوة ويات وعجائب كاذبة» (2تس 2: 9)).

.. ويتحدث يوحنا فى سفر الرؤيا عن الوحش قائلاً: "ويصنع آيات عظيمة حتى انه يجعل ناراً تنزل من السماء على الأرض قدام الناس. ويضل الساكنين على الأرض بالآيات التى أعطى ان يصنعها" (رؤ 13: 13، 14). وعن النبى الكذاب يقول: "فقُبْض على الوحش والنبى الكذاب معه، الصانع قدامه الآيات التى بها أضلّ الذين قبلوا سمة الوحش، والذين سجدوا لصورته" (رؤ 19: 20).

كيف نفرّق بين المعجزة والضلالة؟

إذا كانت هناك ضلالات وخداعات من الشيطان، فكيف نفرّق ونميّز بين المعجزة والضلالة؟ يجب دراسة الأمر الخارق الذى يحدث من ثلاثة جوانب: صانع الأعجوبة، والوسيلة التى تمت بها، ثم هدفها...

من جهة صانع الأعجوبة يجب أن تكون حياته مقدسة ويحيا حياة تقوية، فإذا كان شريراً اثيماً فهو كاذب وآلة فى يد الشيطان، وعمله لا يمكن أن يصدر بحال من الأحوال عن شخص الله القدوس... هذا والوسيلة المستخدمة فى اجراء هذه الأعجوبة تنبئ أيضاً وتكشف عن طبيعتها. فالسحر أو العرافة أو التعاويذ أو تحضير الأرواح وما إلى ذلك ليس إلاَّ وسائل شيطانية ولا يمكن أن تكون صادرة عن إرادة الله أو قداسته... ولدينا الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، ولدينا سير القديسين والأبرار المعترف بقداستهم. ومنها نستطيع أن نميّز كيف أجرى الله على ايديهم المعجزات والعجائب وهى لا تخرج عن الصلاة التى نعرفها جميعاً، أو بكلمة تخرج من فم القديس... أخيراً فإن هدف الأعجوبة أو الغاية المقصودة منها تكشف إلى حد كبير هل هى من الله أم من الشيطان. فالمعجزات والعجائب والآيات لا يمكن أن يكون القصد منها ابهار الناس ولا شئ غير ذلك... كلما يبعد الإنسان عن الله أو الحياة المقدسة فلا يمكن أن يكون صادراً عنه. وكل ما يقود إلى الخرافات والضلالات والتسليات لا يمكن ان يكون صادراً عن الله... هل يمكن أن الله الحكيم يجرى معجزة أو أعجوبة بدون هدف مقدس... قطعاً لا. المعجزة إما أن يجريها الله من أجل تمجيد اسمه أو تشديد إيمان الناس أو رفع معاناتهم من الأمراض والمصائب وما إليها... ما أكثر الضالالات التى ظهرت وتظهر فى أيامنا هذه، وللأسف يصدقها لا بسطاء الناس والسُذَّج بل حتى المثقفون... لذا أرى كتكملة للموضوع أن نتكلم باختصار عن السحر وتحضير الأرواح مع سرد قصص من التاريخ القديم وقصص معاصرة...

السحر وتحضير الأرواح:

هل السحر شئ حقيقى وموجود؟ الإجابة: نعم... لكن بادئ ذى بدء يجب أن نفرق بين السحر والدَجَل. فكثيرون من الدجالين يدّعون انهم سحرة. لكن هؤلاء الدجالين يعتمدون على الدهاء وينتهزون فرصة سذاجة بعض الناس والضوائق التى يكابدونها ويوقعونهم فى حبائلهم... والسحر الحقيقى هو اتيان أعمال غير عادية تفوق طاقة البشر، ولا يستطيع الإنسان أن يعملها إلاَّ بقوة الشيطان، وهذا هو السبب فى أن السحر والالتجاء إلى السحرة خطية!!

ويذكر العهد الجديد سيمون الساحر فى مدينة السامرة الذى كان.

«يستعمل السحر ويدهش شعب السامرة قائلاً انه شئ عظيم. وكان الجميع يتبعونه من الصغير إلى الكبير قائلين هذا هوقوة الله العظيمة. وكانوا يتبعونه لكونهم قد اندهشوا زماناً طويلاً بسحره» (أع 8: 9 - 11)).

ويذكر سفر أعمال الرسل انه بسبب كرازة القديس بولس الرسول النشيطة فى مدينة أفسس.

«كان كثيرون من الذين يستعملون السحر يجمعون الكتب ويحرقونها أمام الجميع» (أع 19: 19)).

ويذكر بولس الرسول السحر مقترناً بعبادة الأوثان ضمن أعمال الجسد (غل 5: 19، 20)... ويذكر يوحنا فى رؤياه السحرة مقترنين بعبدة الأوثان فى البحيرة المتقدة بنار وكبريت (رؤ 21: 8)، وانهم خارج أورشليم السماوية (رؤ 22: 15)... وقد قاوم بولس الرسول عليم الساحر فى مدينة بافوس بجزيرة قبرص. وامتلأ بولس من الروح القدس وقال له:

«أيها الممتلئ كل غش وكل خبث يا ابن إبليس يا عدو كل برّ. الا تزال تفسد طرق الله المستقيمة. فالآن هوذا يد الرب عليك فتكون أعمى لا تبصر الشمس إلى حين. ففى الحال سقط عليه ضباب وظلمة، فجعل يدون ملتمساً مَن يقوده بيده» (أع 13: 9 - 11)).

وإذا كان هذا قد ورد فى العهد الجديد، فهناك نصوص كثيرة وردت فى أسفار العهد القديم. يقول الله لموسى:

« والنفس التى تلتفت إلى الجان والتوابع... أجعل وجهى ضد تلك النفس واقطعها من شعبها» (لا 20: 5)).

وموقف الله وغضبه واضح وصريح فقد أمر موسى فى سفر الخروج:

«لا تدع ساحرة تعيش» (خر 22: 18)).

هذا عن السحر، أما عن تحضير الأرواح فنقول إننا نؤمن بوجود الأرواح وبخلودها ونحن ننادى القديسين ونستغيث بهم ونسأل شفاعتهم فينا ومعونتهم لنا وصلواتهم عنا، لكن من دون أن نسأل ظهورهم لنا ليجيبوا على أسئلة لنا. فليست أرواح القديسين المنتقلين تحت سلطان الأحياء، إنما هى أولاً وأخيراً تحت سلطان الله ولا تنتقل إلاَّ لإرادته المقدسة. إذن ليس مباحاً لنا أن نحضر أرواح المنتقلين بصلاة أو بمزمور...

لقد ظهرت روح النبى صموئيل فى العهد القديم لشاول الملك، لا بناء على وسائل عرّافة عين دور التى لجأ إليها شاول، ولكن بناء على أمر الله وإرادته ليضبط شاول متلبساً بجريمة التجائه لعرافة ضداً لوصية الله (تث 18: 10؛ 1صم 15: 23). حتى أن العرافة صرخت بشدة وبصوت عظيم (1صم 28: 12) مما يدل على انها رأت روح صموئيل النبى بصورة مغايرة تماماً لسائر الأرواح الشريرة التى كانت تحضرها بسلطان الشيطان أو الجان صاحبها.

نعود فنذكر انه إذا كان مباحاً لنا ان نتصل بأرواح القديسين فذلك عن طريق الصلوات وحدها. وهم قد يأتون إلينا ويكونون فى نجدتنا بحسب إرادة الله التى تحكمهم لا بحسب إرادتنا نحن. لكن ليس لنا سلطان عليهم وليس فى مقدور أحد أن يحضرهم متى شاء ويصرفهم متى شاء على نحو ما يدعى بعض الأدعياء.

ولقد أوضح مخلصنا له المجد هذه المسألة ف مثل الغنى ولعازر (لو16). فحينما أبدى الغنى فى موضع العذاب رغبته فى أن يرسل إبراهيم لعازر من عالم الأرواح إلى عالم الأحياء لينذر أخوة الغنى حتى لا يذهبوا إلى العذاب. قال له إبراهيم: "عندهم موسى والأنبياء وليسمعوا منهم. أى عندهم كتابات موسى وسائر الأنبياء وهى كافية ان يتلقوا منها التعليم الصحيح.

وليس مباحاً للقديسين أن يتحدثوا بشئ عن العالم الاخر خارجاً عن الحدود المرسومة لهم من الله والمعلنة فى الكتب المقدسة وقد اتيح للقديس بولس الرسول أن يختطف بروحه إلى الفردوس، لكنه لم يسمح لنفسه أن يتحدث عن العالم الذى رآه. واكتفى بالقول بإنه:

«سمع كلمات لا ينطق بها، ولا يسوغ لإنسان أن يتكلم بها» (2كو 12: 4)).

وفضلاً عن ذلك فقد حذرنا الوحى الإلهى من أن نتلقى من الأرواح تعليماً أو معرفة خارجاً عن التعاليم التى أعلنت لنا فى الكتب المقدسة، حرصاً على المؤمنين من الضلال... يقول بولس الرسول:

«إن بشرناكم نحن أو ملاك من السماء بغير ما بشرّناكم فليكن اناثيماً... إن كان أحد يبشركم بغير ما قبلتم فلكين أناثيما (محروماً» (غل 1: 8).

، 9)... والمعنى أن الوحى الإلهى يمنع المؤمنين من أن يتلقوا المعرفة من غير طريقها الطبيعى المرسوم من الله، أو يصغوا إلى ملاك أو روح يعلمهم تعليماً يغاير التعليم الذى تسلّموه من الكنيسة...

ما أكثر الخداعات التى يقع فيها الإنسان لا سيما البسطاء منهم... هذه الخداعات هى من الشيطان. والشيطان وجنوده أرواحُ نارية قوية تتمتع بالقدرة والمعرفة وسرعة الحركة. لقد ظهرالشيطان لقديسين كثيرين أحياناً فى صورة رجل أو امرأة أو طفل أو حيوان وأحياناً فى صورة قديس أو ملاك طاهر. وإلى ذلك يشير بولس الرسول بقوله:

« ولا عجب لأن الشيطان نفسه يغيّر شكله إلى شبه ملاك نور» (2كو 11: 14)).

وعلى أى حال فلا يحلّ لأبناء الإيمان أن يستشيروا الأرواح لمعرفة أمر أو اجابة على سؤال حسبما أمر الله.

«لا يوجد فيكَ مَن يُجيز ابنه أو ابنته فى النار. ولا من يَعْرُف عرافة، ولا عائفٍ ولا متفائل ولا ساحر. ولا مَن يَرْقى رُقية، ولا من يسأل أو تابعة، ولا من يستشير الموتى. لأن كل من يفعل ذلك مكروه عند الرب» (تث 18: 1 - 12)).

..

وانتقام الله رهيب ممن يلجأون إلى السحر والعرافة. ولدينا مثل رهيب فى العهد القديم عما حدث لمنسى ملك يهوذا الذى "عبَّر بنيه فى النار فى وادى ابن هنوّم، وعاف وتفاءل وسَحَر، واستخدم جاناً وتابعه وأكثر عمل الشر فى عينى الرب لإغاظته" (2أى 33: 6)... ماذا كان انتقام الله من منسى فى هذا العالم؟ لقد أخذ ملك آشور منسى بخزامة وقيدوه بسلاسل نحاس وذهبوا به أسيراً إلى بابل 2أى 33: 11)!!

وثمة خداع آخر يقال فى تبرير الالتجاء للسحرة... يقولون هناك سحر للشر وهذا ممنوع ومرفوض، وسحر يقصد به الخير (فكّ عمل)، أو ايجاد محبة بين اثنين... أو... إلخ. وهذا كله شر ومرفوض من الله. القاعدة انه لا يجب الالتجاء لغير الله والاستعانة بسواه... وهذه وتلك من أعمال الشيطان.

وثمة سؤال هام نطرحه، هل للسحر سلطان على أولاد الله؟... والجواب إذا كان السحر هو من عمل الشيطان، فليس للشيطان سلطان على أولاد الله والمؤمنين. وإذا كان السيد المسيح قد أعطى المؤمنين سلطاناً أن يخرجوا الشياطين فهل من المعقول أن يكون لهم عليهم سلطان؟!... قال تلاميذ السيد المسيح له: "حتى الشياطين تخضع لنا باسمك" وقال هو لهم:

«هذه الآيات تتبع المؤمنين، يخرجون الشياطين باسمى... يحملون حيات وان شربوا شيئاً مميتاً لا يضرهم» (مر 16: 17).

، 18).

المؤمنون والسحر والسحرة:

قلنا أنه لا سلطان للشيطان على المؤمنين.

«اعطيكم سلطاناً لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدّو ولا يضرّكم شئ» (لو 10: 19)).

.. وطالما أن السحر يستند إلى قوة الشيطان ويتم يفعله، فليس سلطان للسحرة على المؤمنين من أولاد الله... ونقدم بعض قصص قديمة ومعاصرة عن أن الشيطان – وبالتالى السحرة – لا سلطان لهم على المؤمنين...

أ - قصة كبريانوس الساحر ويوستينة:

كبريانوس هذا كان ساحراً بارعاً فى علمه وسحره والتقى به فى مدينة انطاكية شاب هام بحب فتاة مسيحية تدعى يوستينة. حاول الشاب أن يلفت نظر الفتاة إليه فلم يفلح. وكانت يوستينة فتاة مؤمنة. فلما فشل فى بلوغ مرامه لجأ إلى كبريانوس الساحر، فوعده بأنه سيحقق له مراده... بدأ كبريانوس فى أعمال سحره فلم يفلح على غير المألوف. فلما عجز قال لشياطينه: [إن لم تحضروا لى يوستينة اعتنقت المسيحية]... وهنا حاول الشيطان أن يخدعه فظهر له فى صورتها. ففرح كبريانوس وهمّ ليعانقها، وحالما ذكر إسمها انحلّ الشيطان المتشبه بها، وفاحت رائحة نتنه... كان هذا سبباً فى أن يفكر كبريانوس فى شياطينه التى لم تحتمل أن تثبت أمام ذكر اسم فتاة مسيحية. فأحرق كتب السحر وصار مسيحياً... وتعيد الكنيسة بتذكاره فى الحادى والعشرين من شهر توت.

ب – الأعجوبة التى تمت على يد القديس باسيليوس الكبير:

هذه قصة واعجوبة حدثت بمدينة قيصرية كبادوكية على يد القديس باسيليوس الكبير... حدث أن شاباً أجيراً هوى ابنة سيده والتهب قلبه بحبها... ولما كان أمر زواجه منها أو تمكنه منه مستحيلاً لجأ إلى أحد السحرة، فكتب له ورقة وأمره أن يذهب فى منتصف الليل إلى قبور غير المؤمنين ويرفع يده بالورقة... فعل ذلك وتناول الشيطان منه الورقة، وطلب إليه أن يكفر بالمسيح ولا يرجع عن ذلك بعد نواله امنيته. فلما وافقه الشاب أمره الشيطان أن يكتب له اقراراً بذلك على ورقة... وبدأ الشيطان فى عمله فألهب قلب الفتاة بمحبة ذلك الشاب، وكاشفت أباها بذلك وهددته بأنه إما أن يزوجها إياه أو تقتل نفسها... خضع والداها لرغبة الفتاة خوفاً على حياتها، لكنهما كانا يكثران التضرع بدموع أمام الله أن يترأف عليهما ويزيل حزنهما... استجاب الله لهما وبدأ الله يزيل الغشاوة عن عقل الفتاة وعينيها، واتضح لها كأن ذلك الشاب غير مسيحى لأنه لا يمارس أى عبادة، فبدأت تندم وتبكى على ما فعلته، فاتحت الفتاة الشاب بما فى نفسها فأنكر فى بادئ الأمر لكنه عاد واعترف لها بكل ما فعله... اسرعت الفتاة إلى أسقف مدينتها القديس باسيليوس وقصت عليه محنتها وطلبت منه نجدتها. فاستحضر القديس ذلك الشاب وسأله إن كان مشتاقاً أن يرجع إلى المسيح... ثم استمع إلى قصته... صلى عليه واستبقاه عنده ورسم له صلاة يصليها لمدة ثلاثة أيام. بعدها افتقده فأعلمه أن الشياطين يهددونه بالصك الذى كتبه على نفسه. شجعه واعاده إلى مكانه... وفى كمال الأربعين يوماً ذهب ليفتقده وسأله عن حاله فأعلمه الشاب انه رآه فى تلك الليلة يقاتل عنه الشيطان وقد غلبه... دعا باسيليوس الرهبان والكهنة وصلوا عليه تلك الليلة كلها. وفى الغد أحضره إلى الكنيسة واحضر شعب المدينة. وطلب إلى الجميع أن يصرخوا إلى الله كيرياليسون – يا رب أرحم. واستمروا فى صراخهم وفوجئوا بورقة تسقط من فوق، وإذا بها الصك الذى اخذه الشيطان على ذلك الشاب. قرأه على الشعب وبارك على الشاب وناوله من الأسرار المقدسة، وأعاده إلى زوجته وبارك عليهما... وتعيد الكنيسة بتذكار هذه الأعجوبة فى الثالث عشر من شهر توت.

ﺠ - قصة أثناسيوس الساحر ومارجرجس:

اذهل احتمال الشهداء والمعترفين المسيحيين معذبيهم، ونسبوا احتمالهم لقوة السحر. وفى قصة استشهاد البطل مارجرجس كلفوا ساحراً ماهراً يدعى أثناسيوس بأن يُعد سماً قوياً ليشربه مارجرجس وبذلك يقضون عليه... قدموا لمارجرجس كأس السم فرشم عليها بعلامة الصليب فلم يَنَله أذى، فنسبوا ذلك إلى العلامة السحرية، يقصدون علامة الصليب!! ولكى يمنعوه من رشم هذه العلامة السحرية ربطوا يديه وقدموا له كأساً من السمّ أقوى من الأول. ولإيمانه بقوة علامة الصليب، حينما قدموا له كأس السم قال لهم مشيراً برأسه: أتريدونى أن أشربها من هنا أم من هنا أم من هنا أم من هنا... وبحركة رأسه هذه رشم علامة الصليب على كأس السم، وشربها فلم يَنَلْه أذى... وبالإضافة إلى موضوع شرب السمّ، أقام مارجرجس ميتاً توفى منذ وقت قصير – كان ذلك كله سبباً فى إيمان الساحر اثناسيوس بل واستشهاده على يد دقلديانوس.

د – فى هذا القرن مرضت سيدة من عائلة بدّار فى مدينة نقادة، وطال مرضها...

ولما يئست من الشفاء سمعت وهى على فراش مرضها أحد المغاربة ينادى (كال هذا يعنى أحد المشتغلين بالسحر). فقالت لمَن فى البيت: [نادوا الراجل ده، انا خلاص تعبت]... دخل الرجل الذى يشتغل بالسحر حجرة المريضة، فقال لهم: [الأودة دى مضلمة (مظلمة) لا تصلح للشغل]. قالوا له نفتح الشبابيك. قال لهم برضه ما تنفعش. ولما ألحوا عليه لمعرفة السبب. قال لهم: [بصراحة واحد راجل طيب نام فى الأودة دى]... وكان المتنيح الأنبا مرقس مطران الأقصر واسنا وأسوان – وجلس على الكرسى 56 سنة وكان من القديسين – قد بات فى هذه الحجرة قبل ذلك بعشرين سنة. وطبعاً صلى فيه صلواته ومزاميره...

ﻫ - حدثت هذه القصة 1969 على يد المتنيح القمص بيشوى كامل كاهن كنيسة مارجرجس باسبورتنج بالاسكندرية...

كانت إحدى بناته فى الاعتراف وتدعى فوزية وكانت طالبة بمعهد القطن بالاسكندرية. وكانت فى البكالوريوس ومعقّدة من الدراسة ويائسة من النجاح... وفى إحدى الأيام وهى ذاهبة إلى المعهد – وكان يقع فى شارع ضيق – قابلتها فى أول هذا الشارع سيدة سوداء اللون. وقالت لها بلكنة كأنها لكنة أجابت: [انت مالك زعلان – اتكل على ربنا – اتكل على ربنا]... وأخذت تسرد لها بعض أخبار اسرتها وتاريخها هى. ثم قالت لها ان تذهب للمعهد وستجد الأستاذ فلان معتذراً عن الحضور. كما اخبرتها ببعض أمور أخرى... وقالت لها: [ماتخافيش أنا راح اجيب لك الامتحانات آخر السنة]... تعجبت الفتاة وحينما عادت إلى منزلها قصّت على امها ما حدث ففرحت الأم لما سمعت بأخبار امتحانات آخر السنة. كانت الفتاة مرتبطة بالمتنيح القمص بيشوى كامل... قصدت منزله فى نفس هذا اليوم وظلت تنتظره لكنه تأخر. فقال لها مدام أبونا بيشوى ناصحة إياها: [هذا شيطان... لما تقابليها مرة ثانية قولى لها باسم يسوع المسيح تقولى أنتِ مين]... وفى اليوم التالى قابلتها نفس السيدة السوداء فى نفس المكان الأول، وبادرتها الفتاة بقولها: [باسم يسوع قولى لى أنتِ مين]... فأحدثت أصوات عالية من فمها وقالت لها: [أنا روح هايم هايم هايم]. ثم اخرجت عقداً من صدرها وحركته نحو وجه الفتاة حتى تخيفها. لكن الفتاة رسمت بعلامة الصليب على الست السوداء وعلى العقد، فسقط العقد من يدها... ذهبت إلى المعهد فى ذلك اليوم مرتعبة. وقصدت منزل أبونا بيشوى فى نفس هذا اليوم... فقال لها أبونا بيشوى بطريقته الوديعة: [اعترفى أولاً وتناولى من الأسرار المقدسة وسأعمل لكِ قنديل]... وفى اليوم التالى أثناء ذهابها للمعهد قابلتها نفس السيدة وقالت لها: [انت حتخلّى أبوكم بيشوى يعمل قنديل. لو عمل قنديل راح اهدّ الحيطة عليكم. وانك عمّاله تحنجل فى كل ركن فى البيت] (يبدو أن أم الفتاة كانت تصلى فى البيت). لكن الفتاة اجابتها بشجاعة: [مش حتقدرى تهدّى الحيطة أو تعملى شئ إلاَّ إذا أخذتِ إذن من المسيح]... وذهبت إلى معهدها وقصدت أبونا بيشوى وحدد لها ميعاد لعمل قنديل فى الصباح قبل ذهابها للمعهد... وفى أثناء عم القنديل وضعت صورة للسيدة العذارء لحضور صلاة القنديل. وبعد انتهاء صلاة القنديل رش ابونا ابونا الماء فى الشقة. وذهبت الفتاة لمعهدها فنظرت الست السوداء جالسة على الأرض مكسّحة وقالت لها: [كدة خلّيتى أبوكم بيشوى يعمل لكم القنديل ونور أم النور عمى عينىّ ما بقتش (لم أعُد) أشوفك إلاَّ فى الحمام. وكان الحمّام هو المكان الوحيد الذى لم يرشه أبونا بيشوى بالماء. فلما اعلمته بما قالته الست السوداء صلىّ على كوب ماء وأمرها أن ترشه فى الحمام... كما قالت لها فى نفس هذا اللقاء الأخير: [وحرام عليكِ شوفى أنا اتكسحت إزاى]...!!

الايمان فى معجزات السيد المسيح:

سبق أن قلنا إن الإيمان قرين المعجزات.

«كل شئ مستطاع للمؤمن» (مر 9: 23)).

.. وفى كتاب العهد الجديد معجزات كثيرة عملها الرب يسوع من خلال إيمان مَن عُملت معهم هذه المعجزات... وفيها نلمس صوراً ودرجات للإيمان من خلال تصرفاتهم... وصدق القديس يعقوب حينما قال:

« وأنا أريك بأعمالى إيمانى» (يع 2: 18)).

.. وكأمثلة على ذلك نتكلم عن خمس معجزات للسيد المسيح تمت من خلال الإيمان، وفيها نلمس تدرّج الإيمان ونوعياته. هذه المعجزات هى: شفاء المفلوج الذى حمله أربعة رجال – شفاء نازفة الدم – تفتيح عينى بارتيماوس الأعمى – شفاء ابنة الكنعانية – شفاء غلام قائد المائة.

1 - شفاء المفلوج الذى حمله أربعة:

(مت 9: 2 - 8؛ مر 2: 1 - 12؛ لو 5: 17 - 26).

حدثت هذه المعجزة فى مدينة كفر ناحوم... إنسان مفلوج تماماً بمرض الفالج حمله أربعة على فراشه وجاءوا به إلى حيث الرب يسوع. وكان البيت الذى فيه قد امتلأ بالناس ووقف الناس خارجه... وإذ لم يجد حاملو المفلوج وسيلة للدخول إلى حيث الرب يسوع، وإذ كانوا مصرّين ألاَّ تفلت منهم هذه الفرصة، صعدوا إلى سقف البيت وكشفوه، وبعدما نقبوه "دلّوا السرير الذى كان المفلوج مضجعاً عليه، فلما رأى يسوع إيمانهم قال للمفلوج يا بُنَىّ مغفورة لك خطاياك"... ودارت مناقشة بين جماعة من الكتبة وبين المسيح بخصوص سلطانه فى مغفرة الخطايا... وإذ أراد أن يقدم لهم برهاناً عملياً على سلطانه الإلهى فى مغفرة الخطايا قال للمفلوج: "لك أقول قم واحمل سريرك واذهب إلى بيتك" فقام المفلوج فى الحال وحمل فراشه وخرج قدام الجميع "فُبهتَّ الجميع ومجدوا الله قائلين ما رأينا مثل هذا قط".

ويجمع المفسرون وعلى رأسهم القديس يوحنا ذهبى الفم أمير شُرّاح الكتاب المقدس ان كلمة إيمانهم فى عبارة "فلما رأى يسوع إيمانهم"، لا تشير إلى إيمان الأربعة الذين حملوا المفلوج فقط، بل ومعهم إيمان المفلوج أيضاً...

نحن فى هذه المعجزة أمام إيمان يتخطى الصعاب حتى يظفر بما يريد... كان من السهل أن يعود هؤلاء الأربعة ادراجهم لما وجدوا أنفسهم غير قادرين على الدخول حيث الرب يسوع لكنهم فكروا – مدفوعين بإيمان قوى – كيف يصلون إلى الرب يسوع، ويقدمون مريضهم المفلوج إلى الطبيب الأعظم، فصعدوا إلى السقف ودلوا المريض من بين الآجر، فكانت المعجزة...

2 - شفاء نازفة الدم:

(مت 9: 20 - 22؛ مر 5: 25 - 34؛ لو 9: 43 - 48).

كانت تعانى من نزيف مدة اثنتا عشرة سنة. وكانت هذه المرأة ومن فى حالتها بحسب شريعة العهد القديم تعتبر فى حالة نجاسة دائمة. كل مَن يمسّها يتنجس، وكل ما تضطجع عليه يصبح نجساً. وكل ما تجلس عليه يتنجسّ أيضاً، وهكذا كل مَن يمسّ فراشها (لا 15: 19 - 32). وتبعاً لذلك فإنها بسبب نجاستها كانت ممنوعة من الاشتراك فى العبادة. وافتى معلمو الشريعة اليهودية بتطليق مثل هذه المرأة من زوجها... وبسهولة نستطيع أن ندرك مدى بؤس هذه المرأة، لأنها عاشت معزولة عن المجتمع...

سمعت هذه المرأة بالرب يسوع ومعجزاته العظيمة وقدرته الشافية، وكانت "قد تألمت كثيراً من أطباء كثيرين، وانفقت كل ما عندها". أى أن الأطباء كانوا سبب زيادة ألمها بدلاً من أن يكونوا وسيلة شفائها!! والعجيب أنه رغم استعانتها بوسائل الطب هذه السنين كلها "لم تنتفع شيئاً بل صارت إلى حال اردأ"... قالت هذه المرأة فى نفسها: "إن مسست ولو ثيابه شفيت".

وبالفعل استجمعت هذه المرأة البائسة قواها النفسية المهلهلة، واندست وسط جمع كان يحيط به، وجاءت من ورائه ومست ثوبه "فللوقت جف ينبوع دمها، وعلمت فى جسمها انها قد برئت من الداء"... أى أنها شفيت فى الحال واحست هى بذلك.

التفت الرب يسوع حوله وقال: "مَن لمس ثيابى"... هذه الكلمات اعلن بها الرب يسوع أن شخصاً تعلّق به فى إيمان وطيد!! وانه وجد صدى لهذا الإيمان فى القوة الشافية التى خرجت منه... وليس كما قال له تلاميذه: "أنت تنظر الجمع يزحمكم وتقول مَن لمسنى"!!

إن سؤال الرب يسوع "مَن لمسنى" يوضح ان هناك فرقاً بين دفع الجموع وزحامهم، وبين لمسة النفس المؤمنة المحتاجة!!

ثم ماذا؟ جاءت المرأة "وهى خائفة ومرتعدة عالمة بما حصل لها، فخرّت وقالت له الحق كله"... لم يكتف السيد المسيح بذلك ولم تنته القصة عند هذا الحد، لكنه يكشف عن علة شفاء المرأة: "يا ابنة إيمانكِ قد شفاكِ. اذهبى بسلام وكونى صحيحة من دائكِ"... هذه هى المناسبة الوحيدة فى الإنجيل التى استخدم فيها الرب يسوع كلمة "يا ابنة"... إن قصة هذه المرأة توضح الثقة الكاملة فى الرب يسوع...

3 - تفتيح عينى بارتيماوس:

(مر 10: 46 - 52).

هذه قصة إنسان أعمى كان يجلس يستعطى على الطريق فى مدينة أريحا، والتقى بالسيد المسيح وهو خارج من المدينة... وفيما هو جالس كعادته سمع ضجة السائرين وتساءل عن الأمر فعلم أن الرب يسوع يمر من ذلك المكان. وما أن علم بذلك حتى أخذ يصرخ ويقول: "يا يسوع ابن داود ارحمنى"...

كان السيد المسيح متجهاً من أريحا إلى أورشليم والتى بعدها ستحدث أحداث الصليب. ورغم أن كثيرين انتهروه ليسكت ويكف عن صراخه، لكنه كان يصرخ أكثر: "يا ابن داود ارحمنى"... فتوقف الرب يسوع عن المسير وأمر أن ينادوه... نادى الناس بارتيماوس الضرير وقالوا له: "ثق. قم. هوذا يناديك". فطرح رداءه وقام وجاء إلى الرب يسوع. فسأله: "ماذا تريد أن أفعل بك". أجابه: "يا سيدى أن أبصر". فقال له الرب يسوع: "إذهب. إيمانك قد شفاك". فللوقت أبصر وتبع يسوع فى الطريق. ولعله آخر مَن تبعه!!

إن بارتيماوس الأعمى يمثل لجاجة الإيمان الذى لا يدع الفرصة تفلت منه.

4 - شفاء ابنة الكنعانية:

(مت 15: 21 - 28؛ مر 7: 24 - 30).

تمت هذه المعجزة فى نواحى صور وصيدا. وإذا امرأة كنعانية (فينيقية سورية). كانت هذه المرأة اممية وثنية وليست يهودية. صرخت إليه قائلة: "ارحمنى يا سيد يا ابن داود. ابنتى مجنونة جداً"... لم يُجبها رب المجد بكلمة... كان تصرفاً غريباً وغير مألوف من جانب المسيح الذى عهده الناس لطيفاً رحيماً!! ولقد صنع معجزات مع كثيرين دون أن يطلبوا منه. وهذه المرأة تستغيث به متوسلة، وهو لا يجيبها بكلمة!!

ازدادت المرأة صراخاً مكررة نفس طلبها الأول. ولما رأى التلاميذ سيدهم معرضاً عنها، طلبوا إليه أن يصرفها لأنها تصيح وراءهم... فقال لهم: "لم أرسل إلاَّ إلى خراف بيت إسرائيل الضالة"... ماذا فعلت تلك المرأة بعد سماعها بقرار السيد... لم تيأس، بل: "أتت وسجدت له قائلة يا سيد أعنّى"... وأيضاً كانت اجابته فى هذه المرة غير متوقعة، أجابها: "ليس حسناً أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب"... ورغم القسوة الظاهرية فى كلمات السيد، قالت له فى اتضاع: "نعم يا سيد. والكلاب أيضاً تأكل من الفتات الذى يسقط من مائدة أربابها"...

لم يكن قصد المسيح هو إهانة تلك المرأة فليست هذه من صفاته وهو الكامل القدوس. لكنه كان يقصد إلى إظهار إيمان هذه المرأة الأممية الوثنية... لقد أظهرت إنسحاقاً عجيباً. ووقعت عند رجلية ساجدة له. وأظهرت بتشبثها به وبطلبها عظم ثقتها فيه، واصرارها على ان تنال مطلوبها... ما كان يشغلها سوى أن تظفر بما تريد معرضة عن أى كلام أو تشبيه.

كيف انتهت قصة هذا اللقاء... إن إيمان تلك المرأة – من خلال الخطوات السابقة – كشف عن أصالته، وبلغ أوجه وكماله... وحينئذ قال لها المسيح: "يا امرأة عظيم إيمانِك. ليكن لكِ كما تريدين". فشفيت ابنتها من تلك الساعة...

حين يصل الإيمان إلى هذه الدرجة يأخذ ما يريد "ليكن لكِ ما تريدين"... إن قصة المرأة الكنعانية هى قصة كمال الإيمان الذى تحلّى بالصبر والإنسحاق وعدم اليأس.

5 - شفاء غلام قائد المائة:

(مت 8: 5 - 13؛ لو 7: 2 - 10).

حدثت هذه المعجزة فى مدينة كفر ناحوم العاصية، التى قال عنه رب المجد:

« وأنت يا كفر ناحوم المرتفعة إلى السماء ستُهبطين إلى الهاوية. لأنه لو صُنعت فى سدوم القوات المصنوعة فيكِ لبقيت إلى اليوم. ولكن أقول لكم إن أرض سدوم تكون لها حالة أكثر احتمالاً يوم الدين مما لكِ» (مت 11: 23).

، 24).

كانت مدينة كفرناحوم مدينة كل سكانها من اليهود، ومع ذلك وجد فيها إنسان وثنى شهد عنه الرب: "لم أجد ولا فى إسرائيل إيماناً بمقدار هذا"... كان قائد مائة رومانى وثنى. لكنه كان شخصية عجيبة. فمع أنه كان يمثل المستعمر لكنه أحب الشعب اليهودى واحبوه هم أيضاً حتى انهم توسلوا للسيد المسيح أن يشفى غلامه قائلين عنه: "انه مستحق أن يفعل له هذا. لأنه يحب امتنا وهو بنى لنا المجمع"... كما انه تميّز بالإنسانية فقد أحب غلامه أى عبده وأخذ يسعى لشفائه.

تدور القصة حول عبد ذلك القائد الذى كان مريضاً جداً ومشرفاً على الموت. وفى انسحاق نفس عجيب أحسّ ذلك القائد انه غير مستحق أن يتقابل مع السيد المسيح رغم حاجته إليه لشفاء غلامه وعبده، فوسّط شيوخ اليهود ليسألوا المسيح. واستجاب الرب لطلبهم وقال: "أنا آتى وأشفيه". وبالفعل ذهب يسوع معهم متجهاً نحو بيت ذلك القائد... وعلى مقربة من البيت أرسل إليه قائد المائة أصدقاء برسالة يقول فيها: "يا سيد لا تتعب. لأنى لست مستحقاً أن تدخل تحت سقفى. لذلك لم أحسب نفسى أهلاً أن آتى إليك. لكن قُل كلمة فيبرأ غلامى"... وكأنه يقول: "أنا فى موقعى أستطيع أن انفذ ما أريده بكلمة، وأنت فى مجالك تستطيع بكلمة أن تنفذ إرادتك"...

تعجب الرب يسوع من إيمان ذلك القائد الوثنى، وقال لمّن حوله: "الحق أقول لكم لم أجد ولا فى إسرائيل إيماناً بمقدار هذا"... ثم قال لقائد المائة: "إذهب وكما آمنت ليكن لك". فشفى غلامه فى تلك الساعة... انه الإيمان العميق الواعى المنسحق الذى فاق إيمان المؤمنين بإله إسرائيل، حتى أن المسيح وبخ اليهود بقوله: "إن كثيرين سيأتون من المشارق والمغارب ويتكئون مع إبراهيم وإسحق ويعقوب فى ملكوت السموات. وأما بنو الملكوت فيطرحون إلى الظلمة الخارجية. هناك يكون البكاء وصرير الأسنان".

قصص عن معجزات معاصرة:

1 - والدة نيافة الأنبا غريغوريوس

كانت سيدة تقية وتحب السيدة العذراء جداً، ودائماً تطلب شفاعتها، وكانت العذراء تجيب طلباتها وتظهر لها. فى احدى المرات حدث احتقان وتورّم بكل وجهها مع صديد بكل الوجه تحت الجلد. وكانت لا تحب عرض نفسها على الأطباء. لكنها استخدمت كل الوسائل البلدية دون جدوى، ولم يظهر أثر لخراج أو خلافه... وفى أحد الأيام صمّم أفراد الأسرة أن تذهب إلى طبيب. ولما كانت تكره عرض نفسها على الأطباء، فطلبت منهم أن يمهلوها تلك الليلة وإذا لم يتم شئ تتوجه للطيب. فى تلك الليلة طلبت العذراء بشدة. وفى الليلة اتتها فى حلم وإذا بها تمد يديها إلى وجهها كمَن يعصر الصديد ويجمعه بأسفل الذقن. وفى الصباح وجدوا الصديد كله تجمع فى خراج أسفل الذقن، ففتحوه وهكذا شفيت... وفى المرة التى مرضت فيها مرض الموت سألت العذراء أن تشفيها، فظهرت لها وقالت لها: "أنا سألت ابنى، لكن الأمر خرج من يدى". فعلمت أنها ستفارق العالم. وهذا ما تم بالفعل.

2 - حدثت هذه المعجزة مع سيدة شابة تدعى إيفون سليم رزق الله كانت فى ذلك الوقت فى طنطا ولكنها الآن فى بنى سويف... وفى فجر يوم 5 مايو 1946م

استيقظت على ألم شديد فى رجلها اليمنى، وكان ذلك بعد أن وضعت ابنتها البكر باثنى عشر يوماً. أحضروا الأطباء وقرروا أن الألم نتيجة جلطة فى الرجل اليمنى... لم تتحسن على العلاج واخبر الأطباء والدها بعد اسبوعين من العلاج انهم فعلوا ما فى استطاعتهم، والأمل فى شفائها واحد فى الألف. وإذا تحقق هذا الأمل ستمشى بعكّاز. وكنت فى الحجرة التى ترقد فيها صورة كبيرة للعذراء وعلى رجليها المسيح بعد ما انزلوه عن الصليب. وكانت كلما اشتد الألم بها تقول: [لازم اكسر صورة العذراء دى علشان ليه سيبانى كده]... وفى أحد الأيام انقطع الأمل وانصرف الأطباء (دكتور رمسيس جرجس ودكتور إبراهيم فرج ودكتور أمين غالى)، وأبلغوا أحد أقاربها ان حالتها سيئة، ولن تمضى ساعتان إلاَّ وتحدث الوفاة!! بعد ذلك شعرت بهبوط وفقدت قدرتها على الرؤية والسمع... وفى تلك اللحظة نظرت وإذا بصورة العذراء التى فى الحجرة تكبر وتكبر حتى صارت فى الحجم الطبيعى ووقفت العذراء ووضعت السيد المسيح على الكرسى الذى كانت تجلس عليه. وامتلأت الحجرة من نور قوى جداً اشبه بنور القمر. وبدأت العذراء تكلمها وهى مكشرة وقالت لها: "أنتِ عاوزة إيه. عاوزة منى إيه؟" قالت لها المريضة: [وانتِ مكشّرة ليه، أنا عاوزة أخف وانزل امشى ورجلىَّ ترجع زى ما كانت]. قالت العذراء لها: "كل ده عاوزاه"، اجابتها: [أيوه عاوزاه دلوقت]... فضحكت العذراء، وكانت صورتها جميلة جداً جداً... قالت لها العذراء: "خذى قرص ونص برشام وانتِ تخفىّ"... وكان فى يدها البرشام فى حجم العشرة قروش وكأن حجر. قالت للعذراء: [فيه كبّاية ميّه قريبة منى هاتيها، وخلّى البرشامة تبوش شوية وأما آخذها]. فذهبت العذراء واحضرت الكباية ووضعت فيها البرشامة حتى باشت ثم شربتها. ثم قالت العذراء لها: "خذى بقى النص قرص اللى فاضل". قالت لها: [خليه يبوش شوية وأنا آخده علشان انزل دلوقتى امشى]. فكسرت نص البرشامة إلى ربعين. وادابت ربع وشربته. أما الربع الثانى فأعطته لها فى كفّها. وقالت لها: "أنا بوّشته لكِ، لكن خليه معاكِ علشان تفتكرينى". قالت لها المريضة: [لكن أنا مش باعرق أبداً والدكاترة بيقولوا لو عرقت يمكن أخف]. قالت لها: "حتعرقى كتير". وكان بجوار سرير المريضة فوّاطة، فاحضرت العذراء فوطة من عليها ووضعتها على رأس المريضة وقالت لها: "نشفى عرقكِ فى الفوطة". ثم اخذت العذراء تتراجع بظهرها إلى الصورة، وهى تبتسم ابتسامة هادئة جميلة حتى وصلت للصورة، وأخذت السيد المسيح ووضعته على رجليها كما كانت، ثم أخذت الصورة تصغر وارتسمت الدموع على وجه العذراء وانطفأ النور. فقالت المريضة [النور انطفى ليه؟ انا عاوزه مية علشان آخذ ربع البرشامة، علشان أمشى دلوقتى]. سمعها والدها وقال لها: [فين البرشامة يا بنتى]. قالت له: [فى ايدى بس عاوزة مية علشان امشى دلوقتى]. ففتحت يدها ولم تجد البرشامة. فقالت: [عاوزة أنام الألم راح]. فنامت نوماً هادئاً وعرقت كثيراً جداً. وفى الصباح كانت درجة حرارتها طبيعية. ذهب والدها ليخبر الطبيب الدكتور إبراهيم فرج. فحينما رآه قال له: "البقية فى حياتك". لقد ظن أنه حضر ليأخذ منه شهادة لتقديمها لاستخراج شهادة الدفنة. فقال له الوالد دى عايشة وكويسة خالص. قال له سأذهب معك لأراها لأن هذا غير معقول إلاَّ إذا كان ربنا عمل معها معجزة. وحينما رآها الطبيب اندهش جداً. ونزلت من الفراش ومشت طبيعية فى اليوم التالى.

3 - قصة عن معجزة للأنبا مرقس مطران الأقصر واسنا وأسوان

وكان ابن خالة الأنبا كيرلس الخامس البطريرك وجلس على كرسى الايبارشية 56 سنة، وكان مشهوداً لقداسته من جميع أهالى ايبارشيته... كانت هناك فتاة اسمها آيتْا خليل من الأقصر (وقد روى لى هذه القصة شقيقها غطاس خليل وكان زميلاً لى). مرضت مرضاً شديداً جداً حوالى سنة 1934 أو سنة 1935، وبلغت حدّ الموت، وأرسلوا لكل الأقارب من بلدها أرمنت لكى يودعوها الوداع الأخير. وجلسوا فى المنزل منتظرين خروج السرّ الإلهى. وكان والدها جالساً فى حجرة مجاورة، وكان له دالة كبيرة مع الأنبا مرقس (وكان قد تنيح منذ وقت قليل). لكن قد حدث بينهما زعل نتيجة وشاية من أحد الناس فى أواخر الأنبا مرقس... وكان فى تلك الحجرة صورة للأنبا مرقس. فنظر والد المريضة للصورة وقال: أنا مش قلت لك يا أنبا مرقس انت لسه زعلان منى. ولولا كده كنت تيجى وتشفى انتّا؟ ثم اخذته اغفاءة نوم وإذا به يرى أنبا مرقس ويقول له أنا مش قلت لك مفيش زعل خلاص. طيب روح ضع الشال بتاعى على انتا (وكان عنده شال للأنبا مرقس محتفظ به كبركة)، وأنا راح ادخل ارشمها. وكان بالمنزل زوج خالتها ويدعى توما رأى أنبا مرقس عياناً خارج من حجرة انتا... ثم قال توما لوالدها أنتّا: يا خواجة مش تمسك فى سيدنا أنبا مرقس. قال له فين. فال له أهو عند السلم... ودخلوا عند المريضة فإذا بها قد عادت صحيحة.

4 - كان الخواجة دريعة من أعيان الأقصر مريضاً بالسل من الدرجة الثالثة، ووصل إلى حالة سيئة وخطيرة جداً.

وكان فى ذلك الوقت منذ أكثر من خمسين سنة ينظر إلى مرض السل انه من الأمراض الخطيرة قبل اكتشاف العلاجات الحديثة... ترك الأقصر إلى القاهرة ثم إلى الاسكندرية بحثاً عن مهرة الأطباء دون جدوى. وأخيراً نُصح بالسفر إلى سويسرا للاستشفاء. أرسل المريض خطاباً من الاسكندرية لأصدقائه بالأقصر يخبرهم بسفره إلى سويسرا. فسافر إليه من الأقصر بعض أصدقاه لوداعه وتشجيعه ومنهم شخص يدعى خليل والد زميل لى هو الذى روى لى هذه القصة... وفى الاسكندرية علموا أن مطرانهم أنبا مرقس موجود فى البطريركية (وهو ابن خالة انبا كيرلس الخامس البطريرك) – فتوجهوا للسلام عليه. وكان موجوداً بالبطريركية معه أنبا يوأنس مطران البحيرة ووكيل الكرازة المرقسية (الذى صار بطريركاً فيما بعد). فقال خليل للانبا مرقس: [أنتم (أى المطارنة) ما عدش منكم فايدة]. قال له: [ليه]. قال: [واحد زى الخواجة دريقة يروح سويسرا ليه وانتم تعملوا إيه؟]... تدخل أنبا يوأنس فى الكلام وقال له يا أنبا مرقس: لهم حق فى الكلام ده. أنا عارف روح الله تخلّى عنا ليه؟ فقال له تعالَ نطلع لسيدنا البطريرك أنبا كيرلس – وكان موجوداً بالاسكندرية – ونطلب منه أن يصلى عليه. وقبل الأنبا كيرلس – وتقدم المريض وركع أمامه. وظل مدة ساعة كاملة يصلى عليه. وأخيراً شعر المريض بحرارة تسرى فى جسده. فأقامه وقال له ربنا يشفيك. وفعلاً قام معافى وليس به أدنى شئ من المرض. وشعر بجوع شديد فقصد مطعم وأكل. ولما توجه للفندق الذى كان نازلاً فيه القى من نافذة الحجرة قفة مملوءة من الأدوية... لقد شفى.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

›

الرجاء

‹

الإيمان بالله – فعاليته وثماره

سلسلة بستان الروح - الأنبا يؤانس أسقف الغربية
سلسلة بستان الروح - الأنبا يؤانس أسقف الغربية