هذا الفصل هو جزء من كتاب: بستان الروح جزء ثالث – الأنبا يؤانس أسقف الغربية .
حياة السلام
المسيحية والسلام.
السلام والإيمان المسيحى.
المسيحى والسلام.
اختبار السلام فى حياة رجال الله.
ومع السلام يأتى الفرح.
"السلام والسلام الكامل"... يا لها من كلمات لها نغم جميع وموسيقى شجّية!! إن مجرد ذكرها يملأ القلب بالأشواق التى تريد الشبع والارتواء... قد ننجح أحياناً فى اسكات هذه الرغبات الداخلية، على نحو ما تسكت أم طفلها الهائج بطريقة مؤقتة... لكن هذه الرغبات سرعان ما تعاوز الظهور وهى أكثر ما تكون تشوقاً وتعطشاً.
نستطيع أن نرى سلاماً فى الطبيعة ولو إلى حدٍ ما... فهناك سلام فى زرقة السماء الصافية. وهناك السلام الذى يغمر البحيرة الهادئة التى يكتنفها الجبل. فتكون فى حمى من الرياح العاصفة. بل إننا نلحظ السلام فى الحقول المتسعة، بعد أن يكون الربيع قد خلع عليها حلّة سندسية خضراء... إلى غير ذلك من مظاهر الطبيعة التى تنطق بالسلام.
حمداً لله أنه يوجد سلام للبشرية... كان يعقوب أب الآباء طريح الفراش فى مصر أرض الغربة، وظهرت على وجه علامات دنو الموت منه. وفى نفس الوقت بدت على محيّاه أنوار العالم السماوى الذى كان منطلقاً إليه... وفى رقاده تنبأ عن "شيلون" رئيس السلام، وعن قدومه إلى العالم ليعطى سلاماً للناس...
ومضت أجيال يعقبها أجيال، ولم يأتِ شيلون بعد... وأخيراً ظهر بين الناس إنسان كانت حياته مليئة بالحزن والتعب "رجل أوجاع ومختبر الحزن". ولكن وجهه الهادئ دلّ على السلام الكامل الذى غمر قلبه. وهو الذى تواترت عنه مواعيد الأنبياء بأنه الواهب السلام للناس... كان قلبه زاخراً بالسلام فاستطاع أن يقول: "سلامى". كانت له القدرة على إعطاء السلام للآخرين لأنه قال: "سلامى أعطيكم"...
المسيحية والسلام:
هل المسيحية دعوة إلى الضيق والحزن كما يتوهم البعض "بضيقات كثيرة ينبغى أن تدخلوا ملكوت السموات"... وهل طريقها هو وادى الدموع "الذين يزرعون بالدموع يحصدون بالابتهاج"... ألا يوجد بها غير ذلك؟ ثم ما الذى يدعونا إلى هذا الطريق الكرب، وما الذى يشجعنا على السير فيه؟!
ليست المسيحية دعوة إلى حياة الضيق والحزن. بل هى على عكس ذلك رسالة التحرر والفرح.
«ليس ملكوت الله أكلاً وشرباً، بل هو برّ وسلام وفرح فى الروح القدس» (رو 14: 17)).
وملكوت الله هذا ليس هو الملكوت المنتظر فى الدهر الآتى فحسب، بل انه الملكوت الذى نحيا فيه من الآن ونأخذ عربونه.
«ها ملكوت الله داخلكم» (لو 17: 21)).
نعم إن المسيحية هى رسالة الفرح.
«يسوع المسيح الذى وإن لم تروه تحبونه. ذلك وإن كنتم لا ترونه الآن لكن تؤمنون به، فتبتهجون بفرح لا يُنطق به ومجيد» (1بط 1: 7).
، 8). إن الرسالة التى كتبها بولس الرسول من أسره الأول بروما إلى فيلبى، هى أكثر رسائله التى تنضح فرحاً. فيها يقول: "افرحوا فى الرب كل حين وأقول أيضاً أفرحوا" (فى 4: 4)...
وحتى الدموع التى يذرفها الإنسان المؤمن – الذى يحيا لله وفى الله – ليست دموع حزن، بل دموع فرح، لأنه من خلالها يرى الله فيمتلئ قلبه فرحاً... يقول ما رإسحق: [طوبى للباكين من أجل الحق، لأنه من خلال دموعهم يرون باستمرار وجه الله].
ويصاحب الفرح سلام الله الداخلى الذى يملأ قلب الإنسان...
«ملكوت الله... سلام وفرح فى الروح القدس» (رو 14: 17)).
فما هو هذا السلام الداخلى الذى تنعم به كل نفس تحب الله؟
ليس من السهل ان نتكلم عن سلام الله. وهوذا القديس بولس الرسول الذى صعد إلى السماء الثالثة، ورأى أموراً لا يُنطق بها، لم يستطع أن يقدم تعريفاً وافياً عنه... كل ما استطاع أن يصفه به انه "يفوق كل عقل" (فى 4: 7)... وإذا كان يفوق كل عقل فكيف نستطيع ان نتحدث عنه. انه شئ يفوق إدراكنا!!
ما هو السلام إذن؟
كل ما نستطيع قوله إن السلام هو حالة تصاحب حلول الله فى القلب... إنها حالة الفرح القلبى. وأين يوجد السلام والفرح إلاَّ حيث يوجد الرب نفسه... "ها ملكوت الله داخلكم"... "المجد لله فى الأعالى، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرّة"... ومتى كان على الأرض سلام إلاَّ حينما وُلد الرب يسوع ابن الإنسان، فأتى بالمسرة إلى البشر... والخلاصة ان السلام هو الراحة القلبية والهدوء الداخلى نتيجة حلول الله فى هيكلنا الضعيف...
السلام والإيمان المسيحى:
السلام هو ثمرة الإيمان الأولى...
«فإذ قد تبررنا بالإيمان لنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح» (رو 5: 1)).
إنه ثمرة الإيمان الأولى لأن أساسه دم الفادى والمخلص.
«صانعاً سلاماً بدم صليبه» (كو 1: 20)).
.. ويعتبر السلام من أعظم عطايا الله لبنى البشر فى شخص المسيح... فالسلام الذى فقدناه بالمعصية، نستعيده بالإيمان من قبل تجسد الابن الكلمة.
ليس أدل على ذلك من الشعار الذى اتخذه المسيح فى تحيته لتلاميذه تعبيراً عن رسالته "سلام لكم"... وقد أوصاهم باستعمالها، حين أرسلهم أمامه فى إرساليات تدريبية.
« وأى بيت دخلتموه فقولوا أولاً سلاماً لهذا البيت» (لو 10: 5)).
..
والواقع أن هاتين الكلمتين "سلام لكم"، ليستا تحية بقدر ما هما نعمة وقوة يهبهما المسيح "رئيس السلام" لكل المؤمنين باسمه... إن هذا هو اللقب الذى تنبأ به إشعياء النبى قديماً عن المسيح:
«لأنه يولد لنا ولد، ونُعطى ابناً وتكون الرئاسة على كتفه. ويدعى اسمه عجيباً مشيراً إلهاً قديراً أباً أبدياً رئيس السلام» (إش 9: 6)).
قلنا إن عبارة: "سلام لكم" ليست تحية بقدر ما هى نعمة وقوة يهبها المسيح للمؤمنين به، بدليل قول السيد المسيح لتلاميذه:
«سلاماً أترك لكم. سلامى أعطيكم. ليس كما يعطى العالم أعطيكم أنا» (يو 14: 27)).
.. إذن فالسلام عطية روحية، وتركة مقدسة لكل البنين. وتعبير السلام هو تحية رئيس الملائكة جبرائيل إلى العذراء مريم.
«سلام لكِ أيتها الممتلئة نعمة» (لو 1: 28)).
نعم إن تعبير "سلام لكم" ليس مجرد كلمات، لكنها قوة صيغت فى حروف بشرية. فتعبير السلام الذى استعمله الرب بعد قيامته المجيدة – حينما كان يحل فى وسط تلاميذه – كان يملأ قلوبهم سلاماً وفرحاً وطمأنينة...
إن السلام هو عطية مباركة يهبها الله لأولاده... قال المرتل قديماً:
«الرب يُعطى شعبه قوة. الرب يبارك شعبه بالسلام» (مز 29: 11)).
..
«انى اسمع ما يتكلم به الرب الإله. لأنه يتكلم بالسلام لشعبه وقديسيه، وللذين رجعوا إليه بكل قلوبهم» (مز 85: 8).
، 9)... وفى العهد الجديد يقول معلمنا بولس الرسول:
«فكل الذين يسلكون بحسب هذا القانون عليهم سلاماً ورحمة» (غل 6: 16)).
المسيحى والسلام:
قلنا إن السلام هو الثمرة الأولى لحياة الإيمان بالمسيح، وانه العطية الروحية والتركية المقدسة التى تركها لنا السيد المسيح "سلامى أترك لكم"... والواقع ان حياة السلام هى الدليل الحقيقى على اننا فى شركة مقدسة معه.
وإن كان السلام من ثمار الإيمان الحق، ففقدان السلام، أى القلق، من ثمار الخطية، التى حينما تنضج تؤدى بالإنسان إلى اليأس وقطع الرجاء وربما إلى التخلّص من الحياة كلية. ماذا يقول الكتاب المقدس عن الأشرار والسلام؟! يقول الوحى الإلهى بفم إشعياء النبى:
«أما الأشرار فكالبحر المضطرب، لأنه لا يستطيع أن يهدأ. وتقذف مياهه حمأة وطيناً. ليس سلام قال إلهى للأشرار» (إش 57: 20).
، 21)... ويقول داود النبى بعد أن أخطأ:
«ليست فى عظامى سلامة من جهة خطيتى» (مز 38: 3)).
ولعل كلمات قايين التى قالها لله بعد أن قتل أخاه هابيل توضح لنا ذلك بأجلى بيان:
«ذنبى أعظم. إنك قد طردتنى اليوم عن وجه الأرض. ومن وجهك اختفى وأكون تائهاً وهارباً فى الأرض. فيكون كل مَن وجدنى يقتلنى» (تك 4: 13).
، 14)... إن الشهوات الجامحة والميول المنحرفة تأتى على سلام القلب، على نحو ما تأتى النار على الخشب، وكما يُتلف العث الصوف...
لن يكون للإنسان سلام وراحة فى شهوات العالم، بل قلق واضطراب. وهذا يتفق مع طبيعة العالم المتغيّرة والمتقلبة. أما سلام الله الحقيقى فيدوم معنا لأنه من الله الذى.
«ليس عنده تغيير ولا ظل دوران» (يع 1: 17)).
.. ما أشبه مَن يطلب سلاماً من العالم، بطائر يرفرف فوق أمواج البحر، ليس لقدميه مستقر. ويظل هكذا حتى يُعييه الطيران والتحليق!!
ما أشبه السلام الذى يتمتع به الإنسان المسيحى بالحكم فى مباراة كرة قدم!! فالحكم أثناء المبارة حينما يطلق صفارته، يكون ذلك دليلاً على أن هناك خطأ حدث أثناء اللعب. فيوقف اللعب ويُصحح الخطأ... هكذا حينما نفتقد السلام داخلنا ولا نجده، كان ذلك بمثابة صفارة الحكم الذى وضعه الله داخلنا، ليعلنا أن خطأ قد صدر عنا!! ماذا يجب علينا أن نفعله حينئذ. علينا أن نتوقف – ولو من داخلنا – لنصحح الخطأ الذى ارتكّبناه، ونرفع قلبنا بالتوبة إلى الله لأننا أخطأنا. أما إذا لم نتعرّف على هذا الخطأ، فعلينا أن نتخشع أمام الله طالبين منه أن يُعلن لنا سرّ هذا النذير الذى دوى فى أعماقنا... نعم "لا سلام للأشرار ومع الخطية". وبعد أن نصحح خطأنا، سيعود إلينا سلامنا ثانية...
ألم تختبر فى حياتك هذا الاختبار؟... احسب انك بالتأكيد قد اختبرته... لا سلام مع الخطية... بعض الناس ممَن نعرف أنهم يسلكون طريق الخطية، ويعيشون فى الدنس، يبدون أمام الآخرين ضاحكين متهللين... لكنه خداع... فلو كاشفك هؤلاء عما تنطوى عليه نفوسهم من كآبة ومرارة، لأدركت أن ضحكاتهم وتهريجهم ليس سوى ستاراً يخفون به مرارة نفوسهم!! وفى كثير من الأحيان يلجأ هؤلاء إلى وسائل تدخل إلى نفوسهم البهجة والسرور... لكن هذا هرب من النفس. وهذه الوسائل هى بمثابة المسكّنات الوقتية. لكن ليس لها القدرة على إزالة ما بنفوسهم من ضيق وقلق...
والسلام يأتى مع النقاوة الداخلية. فالإنسان الذى لم يُخضع جسده لسلطان الروح، وفيه "الجسد يشتهى ضد الروح، والروح ضد الجسد"، ويقاوم كلاهما الآخر، مثل هذا الإنسان لا يمكن أن يتمتع وينعم بالسلام، بل يعانى من إنقسام الداخل... أما إذا وصل إلى درجة النقاوة التى يتوقف فيها شغب الجسد وتبطل حركاته السَمجَة، وصارت للروح القيادة على الجسد، حينئذ يملك السلام على هذا الإنسان، إذ خضع الجسد لسلطان الروح، وصار هذا الإنسان واحداً بعد أن كان اثنين متعاركين. مثل هذا هو السلام الداخلى الناتج عن النقاوة...
اختبار السلام فى حياة رجال الله:
ولعل عمق اختبار السلام الداخلى نلمسه فى حياة القديسين ورجال الله الأبرار الذين ملك السيد الرب على قلوبهم، وسكنت فيهم كلمته بغنى...
فداود النبى العظيم تكشف لنا مزاميره عما يتمتع به من سلام عميق... يقول:
«الرب نورى وخلاصى ممَن أخاف. الرب حصن حياتى ممَن أرتعب. عندما اقترب إلىَّ الأشرار ليأكلوا لحمى، مضايقىَّ وأعدائى عثروا وسقطوا. إن نزل علىَّ جيش لا يخاف قلبى. إن قامت علىَّ حرب ففى ذلك أنا مطمئن» (مز 27: 1 - 3)).
.. وفى مزمور آخر يقول:
«إلهنا ملجأنا وقوتنا. ومعيننا فى شدائدنا التى أصابتنا جداً. لذلك لا نخشى إذا تزعزعت الأرض وانقلبت الجبال إلى قلب البحار. تعّج المياه وتجيش. وتتزعزع الجبال بعزته. مجارى الأنهار تفرّح مدينة الله. لقد قدّس العلىّ مسكنه. والله وسطها فلن تتزعزع» (مز 46: 1 - 5)).
إن اختبار داود للسلام ليس قاصراً على اوقات الراحة، بل أيضاً فى وسط الأخطار والضيقات كما هو واضح من كلامه... وإن أنت سألت داود لماذا لا يخشى إذا تزعزعت الأرض. وانقلبت الجبال إلى قلب البحار، وحينما تعّج المياه وتجيش وتتزعزع الجبال، يجيبك بقوله: "لأن مجارى الأنهار تفرّح مدينة الله، ولأن العلىّ قد قدّس مسكنه، وهو فى وسطها فلن تتزعزع"... إن مدينة الله ليست سوى قلب الإنسان المؤمن الذى يسكنه العلىّ. ومجارى الأنهار ليست سوى رمز للروح القدس وعمله فى الإنسان... ألم يقل السيد المسيح:
«إن عطش أحد فليقبل إلىَّ ويشرب. مَن آمن بى كما قال الكتاب، تجرى من بطنه أنهار ماء حىّ. قال هذا عن الروح القدس الذى كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه» (يو 7: 37 - 39)).
إن سلام المسيح كالنهر ذى المياه الصافية، يظل يتدفق ويعمق مجراه فى هدوء وسكون، ممتداً إلى الأمام حتى يصب فى البحر اللانهائى...
«ليتك أصغيت لوصاياى، فكان كنهر سلامك، وبرك كلجج البحر» (إش 48: 18)).
.. وعلى نحو ما يعمق النهر مجراه بعامل الزمن هكذا سلام الله يزداد عمقاً وتدفقاً على مرّ الأيام...
« وأجعل... كل بنيك تلاميذ الرب، وسلام بنيك كثيراً» (إش 54: 13)).
.. قد تزول الجبال، وتتزعزع الآكام، أما سلام الرب فيظل ثابتاً...
إن موسيقى السلام الإلهى أعلى من هياج العاصفة... انه اختبار تقدمه لنا بحيرة الجليل. فسلام الرب يسوع، الذى يعطى من فيضه لخاصته، يستطيع أن يُسكت أشد العواصف عنفاً، وأكثر الرياح هياجاً. لأنه حينما نهض السيد وانتهر الريح وقال للبحر "اسكت. ابكم"، سكنت الرياح وصار هدوءاً عظيماً...
«سلام جزيل للذين يحبون اسمك. وليس لهم شك» (مز 119: 165)).
ومع السلام يأتى الفرح:
يصاحب السلام القلبى دائماً فرح عميق، وصفه الرسول بطرس بأنه.
«لا ينطق به ومجيد» (1بط 1: 8)).
انه فرح لا يُنطق به لأنه داخلى فى أعماق النفس لا يظهر بوسائل تافهة ورخيصة وهو لا يطفو على السطح (اى يظهر خارجاً "لأن النفايات هى التى تطفو على السطح. انه فرح عميق متأصّل فى القلب، يقول عنه رب المجد:
«لا ينزع أحد فرحكم منكم» (يو 16: 22)).
.. وهو فرح لا يُنطق به لأنه لا يعبّر عنه... انه وصف يشبه إلى حدٍ كبير وصف معلمنا بولس الذى وصف به السلام انه "يفوق كل عقل"...
وفى الوقت الذى كان الملائكة ينشدون الأنشودة الخالدة: "وعلى الأرض السلام"، كان ملاك آخر يبشر الرعاة قائلاً: "ها أنا أبشركم بفرح عظيم"... بمولد المسيح نرى الفرح قرين السلام الذى لنا منه وفيه...
ونلمس تقريباً نفس الشئ فى بيت زكريا الكاهن. زارت العذراء القديسة مريم نسيبتها اليصابات وأعطتها مريم السلام. وللوقت قالت اليصابات:
«هوذا حين صار صوت سلامكِ فى اذنى، ارتكض الجنين بابتهاج (بفرح) فى بطنى» (لو 1: 44)).
وقد يقول قائل كيف يكون السلام وما يصاحبه من فرح من نصيب الإنسان المؤمن، وهوذا ربنا قد سبق وأنبأ مَن يريد أن يتبعه بالضيفات وأمره بحمل الصليب رمز الألم...
لا تناقض فى هذا... الضيق الذى تحدث عنه رب المجد ضيق من الخارج لا يتسرب إلى النفس المؤمنة التى صارت هيكلاً للرب. أما السلام ومعه الفرح الجزيل فهو تصوير لحالة الإنسان من الداخل. لذا قال الرسول بولس:
«كحزانى ونحن دائماً فرحون» (2كو 6: 10)).
لاحظ كاف التشبيه فى كلمة "كحزانى". أى أن مَن يرانا يظن أننا حزانى، ولكن فى واقع الأمر نحن فرحون!! فالعالم له مقاييسه الخاصة بالفرح... أما الإنسان المؤمن ففرحه فى الداخل...
إن الإنسان المسيحى من هذه الوجهة يشبه العليقة الخضراء التى تراءى السيد الرب منها لموسى النبى... كانت النار ممسكة بأغصان العليقة وأوراقها، لكنها لم تأت عليها، ولم تُذهب نضرتها أو تلاشى خضرتها... هكذا المؤمن الضيقات التى تشبه النار تحيط به من الخارج، لكنها لا تقدر ولا تقوى على أن تفقده سلامه وفرحه الداخلى!!
ألا تعلم يا أخى أن السائر إلى جبل الزيتون (جبل الصعود)، يمرّ لا محالة ببستان جثسيمانى، ثم يرتفع بمشقة إلى اكمة الجلجثة، ثم يهبط إلى بستان القبر؟! لكن فى هذه جميعاً نستطيع أن نحتفظ بسلامنا متشبهين بسيدنا الذى فى وقت آلامه المريرة كان محتفظاً بسلامه الكامل وبهدوئه، حتى انه عمل معجزة شفاء فى الوقت التى تألب عليه أعداؤه من كل ناحية. لقد شفى أذن عبد رئيس الكهنة التى قطعها بطرس بسيفه فى تهوّر لو 22: 50، 51؛ يو 18: 10، 11).
لقد عاش القديسون حياة السلام والفرح الداخلى، ولذا فقد استهانوا بكل شئ، وازدروا بكل شئ... وعاشوا على الأرض بأجسادهم، وكأن لا أجساد لهم. كان اهتمامهم بما فى الداخل وليس بما فى الخارج... عاشوا حياة السلام والفرح. ولم تسعفهم قدراتهم اللفظية والبلاغية عن وصفها...
حاول يوحنا سابا (الشيخ الروحانى) أن يصف حالة سلام وفرح ولذة وسعادة وبهجة القديسين التى انعكست عليهم نتيجة حياتهم مع المسيح، فلم يستطع وبان عجزه. وجاءت عباراته أقرب إلى التصوّر منها إلى القدرة على الافصاح والبيان... قال:
[كنت أود أن أكتب ولكنى لم أقدر... ولما تحكمت بطرق كثيرة، وحاولت أن أصوّرها لم استطع، تلك التى الكل ممتلئ منها، أردت أن أصورها على الورق لغذاء أبناء شعبى فلم أتمكن... فى العالم الخارجى لا يوجد لها شبيه، وفى العالم الداخلى مَن يعلم بها. اشباه عالمنا لا يوجد لها. ومن عالم الروحانيين مَن يقدر أن يأتى لها بمثال. لا أعرف كيف أهدّئ حرقة قلبى الذى يحترق ويغلى. بالكلام لا ينُطق بها، وبالإشارة لا تُرى، وبالصور لا تُصوَّر، وبحركات الضمير لا تسمع. قُهرت منها قهراً عظيماً. غُلبت منها مثل مُن لم يعرفها. سكت عنها مثل مَن لم يحسّ بها. غفلت بها مثل مَن لا توصف. سكت عنها مثل مَن ليس هو كفء لها. كم أنا حزين جداً، إذ لم أعرف كيف أصوّرها أو أشبهّها. وإن كانت لا تُشبّه اطلبوها يا اخوتى اطلبوها. اطلبوها لتمتزج بكم. طوّب نعيمها أرفع من كل التطويبات. ليس للذتها مثيل. هذا هو تفسيرها. ذلك الذى قيل أنت يا أبى فىَّ وأنا فيك. وأيضاً ليكونوا فينا واحداً. طوبى لمَن ذاق هذه الطوبى. طوبى لمَن صارت نفسه مع لحمه وعظامه فى هذه الذة التى لا تفسرّ].
والآن يا أخانا، قد عرفت أن المسيح له المجد قد أعطاك عطية السلام الذى يفوق كل عقل... هل تشعر فى داخلك بهذا السلام، وهل تنعم بهذه العطية المقدسة؟ اعلم يا أخانا أن الأمر الوحيد الذى ينزع السلام والفرح من قلب الإنسان هو الخطيئة. فإن كنت حتى الآن تعانى من القلق والضيق، فاجلس مع ذاتك وفتّشها جيداً. وكن صريحاً مع نفسك... وإن عجزت عن الوصول إلى أسباب فقدان السلام، فارفع قلبك بالصلاة إلى الله أن يرشدك إلى نقائصك، ويكشف لك عيوبك وخطاياك، ويُظهر لك ضعفاتك، فسيفعل الله بمحبته وسيمنحك أيضاً سلاماً يفوق كل عقل حسب كل وعوده المباركة الأمينة...
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.