هذا الفصل هو جزء من كتاب: بستان الروح جزء ثالث – الأنبا يؤانس أسقف الغربية .
محبة الإنسان لأخيه الإنسان
محبة الإنسان للإنسان فى تعليم السيد المسيح.
محبة الإنسان للإنسان فى تعليم الرسل.
المحبة الأخوية فى حياة الكنيسة.
مفهوم جديد يقدمه المسيح لمحبة الإنسان للإنسان.
تعليم المسيح عمن هو القريب.
محبة الأعداء فى تعليم المسيح.
سمات المحبة المسيحية فى محبة الإنسان للإنسان.
الله هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد، ليس عنده تغيير ولا ظل دوران (عب 13: 28؛ يع 1: 17). وإذا كان الله محبة كما أعلن فى العهد الجديد، لكنه محبة أيضاً منذ القديم، بل منذ الأزل، فالله من صفاته الثبات وعدم التغير... وإن كنا فى العهد الجديد نرى محبة الله فى ملئها وعمقها، فليس معنى ذلك أنه لم يكن محباً منذ القديم.
قال الله بلسان موسى النبى:
«تحب قريبك كنفسك أنا الرب... كالوطنى منكم يكون الغريب النازل عندكم، وتحبه كنفسك، لأنكم كنتم غرباء فى أرض مصر. أنا الرب إلهكم» (لا 19: 18).
، 34)...
«فاحبوا الغريب لأنكم كنتم غرباء فى أرض مصر» (لا 10: 19)).
.. ويقول الحكيم:
«البغضة تهيّج خصومات، والمحبة تستر كل الذنوب... أكلة من البقول حيث تكون المحبة خير من ثور معلوف ومعه بغضة... مَن يستر معصية يطلب المحبة» (أم 10: 12).
؛ 15: 17؛ 17: 9). كما يقول أيضاً:
«لا تفرح بسقوط عدوك، ولا يبتهج قلبك إذا عثر، لئلا يرى الرب ويسوء ذلك فى عينيه» (أم 24: 17).
، 18)... وحين أخطأ بنو إسرائيل وصنعوا لأنفسهم عجلاً من الذهب ليعبدوه، اظهر موسى محبته لشعبه ووقف يشفع فيه وقال للرب:
«آه قد أخطأ هذا الشعب خطية عظيمة، وصنعوا لأنفسهم آلهة من ذهب. والآن ان غفرت خطيتهم وإلاَّ فامحنى من كتابك الذى كتبْت» (خر 32: 31).
، 32)... ويقول المرتل:
«هوذا ما أحسن وما أجمل أن يسكن الاخوة معاً. مثل الدهن الطيّب على الرأس النازل على اللحية لحية هارون النازل إلى طرف ثيابه. مثل ندى حرمون النازل على جبل صهيون. لأن هناك أمر الرب بالبركة حياة إلى الأبد» (مز 133: 1 - 3)).
قلنا إن تعليم محبة الإنسان لأخيه الإنسان موجود فى العهد القديم، لكن الفهم الكامل والواضع لهذه الوصية لا نراه إلاَّ فى العهد الجديد، حيث أظهر الله محبته فى ملئها سواء محبته هو للبشر أو فى تعليمه عن محبة الإنسان للإنسان فى شخص ابنه يسوع المسيح ربنا. وليس أدل على ذلك مما قاله الرسول بولس:
«أما المحبة الأخوية فلا حاجة لكم أن أكتب إليكم عنها، لأنكم أنفسكم متعلمون من الله أن يحب بعضكم بعضاً» (1تس 4: 9)).
.. لنلاحظ التعبير الذى يستخدمه الرسول: "لأنكم أنفسكم متعلمون من الله".
محبة الإنسان للإنسان فى تعليم السيد المسيح:
وما أكثر ما علّم السيد المسيح عن المحبة الأخوية:
«تحب قريبك كنفسك» (مت 19: 19).
؛ غل 5: 14)... وفى عظته على الجبل يقول:
«مَن سّخرك ميلاً واحداً فاذهب معه أثنين. مَن سألك فاعطه. ومَن أراد أن يقترض منك فلا تردّه... وكما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا أنتم أيضاً بهم هكذا» (مت 5: 41).
؛ لو 6: 31)...
«هذه هى وصيتى أن تحبوا بعضكم بعضاً كما أحببتكم... أنتم احبائى إن فعلتم ما أوصيتكم به... بهذا أوصيكم حتى تحبوا بعضكم بعضاً» (يو 15: 12).
، 14، 17).
والإنسان الذى لا يحب يفصل نفسه عن الكنيسة، ومعلوم أنه لا خلاص خار الكنيسة... يقول رب المجد يسوع:
«إن أخطأ إليك أخوك فاذهب وعاتبه بينك وبينه وحدكما. إن سمع منك فقد ربحت أخاك. وإن لم يسمع فخذ معك أيضاً واحداً أو اثنين... وإن لم يسمع منهم فقل للكنيسة. وإن لم يسمع من الكنيسة فليكن عندك كالوثنى والعشار» (مت 18: 15 - 17)).
.. بعد هذا القول يسأل بطرس الرسول السيد المسيح قائلاً: "كم مرة يخطئ إلىَّ أخى وأنا أغفر له. هل إلى سبع مرات". فكان جواب الرب عليه:
«لا أقول لك إلى سبع مرات بل إلى سبعين مرة سبع مرات» (مت 18: 21).
، 22)...
بعدها مباشرة يقدم لنا مثلاً يوضح به عاقبه مَن لا يحب أخاه... يقول:
"يشبه ملكوت السموات إنساناً ملكاً أراد أن يحاسب عبيده. فلما ابتدأ فى المحاسبة قُدّم إليه واحد مديون بعشرة آلاف وزنة. وإذ لم يكن له ما يوفى، أمر سيده أن يباع هو وامرأته وأولاده وكل ما له ويوفى الدين. فخرّ العبد وسجد له قائلاً: يا سيد تمهّل علىَّ فأوفيك الجميع. فتحنن سيد ذلك العبد وأطلقه وترك له الدين. ولما خرج ذلك العبد وجد واحداُ من العبيد رفقائه كان مديوناً له بمائة دينار. فأمسكه وأخذ بعنقه قائلاً أوفنى ما لى عليك. فخرّ العبد رفيقه على قدميه وطلب إليه قائلاً تمهّل علىَّ فأوفيك الجميع. فلم يُرد، بل مضى والقاه فى سجن حتى يوفى الدين. فلما رأى العبيد رفقاؤه ما كان حزنوا جداً واتوا وقصّوا على سيدهم كل ما جرى. فدعاه حينئذ سيده وقال له: أيها العبد الشرير كل ذلك الدين تركته لك لأنك طلبت إلىَّ أفما كان ينبغى أنك أنت أيضاً ترحم العبد رفيقك كما رحمتك أنا. وغضب سيده وسلّمه إلى المُعذّبين حتى يوفى كل ما كان له عليه. فهكذا أبى السماوى يفعل بكم إن لم تتركوا من قلوبكم كل واحد لأخيه زلاته" (مت 18: 23 - 35).
بل أكثر من هذا فإن السيد المسيح يجعل المحبة العملية هى المؤهل للملكوت السماوى:
"ومتى جاء ابن الإنسان فى مجده وجميع الملائكة القديسين معه، فحينئذ يجلس على كرسى مجده. ويجتمع أمامه جميع الشعوب فيميّز بعضهم من بعض كما يميّز الراعى الخراف من الجداء. فيقيم الخراف عن يمينه والجداء عن اليسار. ثم يقول الملك للذين عن يمينه تعالوا يا مباركى أبى رثوا الملكوت المعّد لكم منذ تأسيس العالم، لأنى جعت فأطعمتمونى، عطشت فسقيتمونى، كنت غريباً فآويتمونى، عرياناً فكسوتمونى، مريضاً فزرتمونى، محبوساً فأتيتم إلىّ. فيجيبه الأبرار حينئذ قائلين: يا رب متى رأيناك جائعاً فأطعمناك أو عطشاناً فسقيناك، ومتى رأيناك غريباً فآويناك، أو عرياناً فكسوناك، ومتى رأيناك مريضاً أو محبوساً فأتينا إليك. فيجيب الملك ويقول لهم: الحق أقول كلم بما أنكم فعلتموه بأحد أخوتى هؤلاء الأصاغر فبى فعلتم. ثم يقول أيضاً للذين عن اليسار اذهبوا عنى يا ملاعين إلى النار الأبدية المعّدة لإبليس وملائكته، لأنى جعت فلم تطعمونى، عطشت فلم تسقونى، كنت غريباً فلم تأوونى، عرياناً فلم تكسونى، مريضاً ومحبوساً فلم تزورونى. حينئذ يجيبونه هم أيضاً قائلين: يا رب متى رأيناك جائعاً أو عطشاناً أو غريباً أو عرياناً أو مريضاً أو محبوساً ولم نخدمك. فيجيبهم قائلاً: الحق أقول لكم بما أنكم لم تفعلوا بأحد هؤلاء الأصاغر فبى لم تفعلوا. فيمضى هؤلاء إلى عذاب أبدى، والأبرار إلى حياة أبدية" (مت 25: 31 - 46).
ويقول السيد المسيح:
«من سقى أحد هؤلاء الصغار كأس ماء بارد فقط باسم تلميذ فالحق أقول لكم انه لا يُضيع أجره» (مت 10: 42)).
.. ربما كان كأس الماء البارد تافهاً فى نظر الناس، لكنه متى قُدم بمحبة فقد صار شيئاً له أجر عند الله، لأنه تنفيذ لوصيته.
محبة الإنسان للإنسان فى تعليم الرسل:
يقول معلمنا القديس بولس الرسول:
«لا تكونوا مديونين لأحد بشئ، إلاَّ بأن يحب بعضكم بعضاً. لأن مَن أحب غيره فقد أكمل الناموس. لأن لا تزنى لا تقتل لا تسرق لا تشهد بالزور لا تشتهى، وإن كانت وصية أخرى هى مجموعة فى هذه الكلمات أن تحب قريبك كنفسك» (رو 13: 8).
، 9). ويضيف على ذلك قوله:
«المحبة لا تصنع شراً للقريب. فالمحبة هى تكميل الناموس» (رو 13: 10)).
ويكتب إلى أهل كورنثوس...
«اتبعوا المحبة... لتصر كل أموركم فى محبة» (1كو 14: 10).
؛ 16: 14). ويقول لأهل غلاطية:
«بالمحبة اخدموا بعضكم بعضاً. لأن كل الناموس فى كلمة واحدة ويكمل تحب قريبك كنفسك» (غل 5: 13).
، 14)... ويربط بين محبتنا بعضاً لبعض ومحبة المسيح لنا فيقول:
«اسلكوا فى المحبة كما أحبنا المسيح أيضاً وأسلم نفسه لأجلنا قرباناً وذبيحة لله رائحة طيبة» (أف 5: 1).
، 2)...
ويتكلم هذا الرسول عن الفضائل المسيحية ويتوّجها بالمحبة حينما يقول لأهل كولوسى:
«فالبسوا كمختارى الله القديسين المحبوبين أحشاء رأفات ولطفاً وتواضعاً ووداعة وطول أناة محتملين بعضكم بعضاً ومسامحين بعضكم بعضاً إن كان لأحد على أحد شكوى، كما غفر لكم المسيح هكذا أنتم. وعلى جميع هذه البسوا المحبة التى هى رباط الكمال» (كو 3: 12 - 14)).
ويجعلها الغاية من جميع وصايا الله "وأما غاية الوصية فهى المحبة من قلب طاهر وضمير صالح وإيمان بلا رياء" (1تى 1: 5).
ويعقوب الرسول يدعو المحبة الأخوية الناموس الملوكى... فإن كنتم تكملون الناموس الملوكى حسب الكتاب تحب قريبك كنفسك فحسناً تفعلون "(يع 2: 8).
أما يوحنا الرسول – التلميذ الذى كان الرب يسوع يحبه – فيسهب فى الكلام عن المحبة الأخوية:
«لأن هذا هو الخبر الذى سمعتموه من البدء أن يحب بعضنا بعضاً... نحن نعلم أننا قد انتقلنا من الموت إلى الحياة لأننا نحب الاخوة. من لا يحب أخاه يَبْق فى الموت. كل من يبغض أخاه فهو قاتل نفس. وأنتم تعلمون أن كل قاتل نفس ليس له حياة أبدية ثابتة فيه. بهذا قد عرفنا المحبة أن ذاك وضع نفسه لأجلنا. فنحن ينبغى لنا أن نضع نفوسنا لأجل الاخوة. وأما من كان له معيشة العالم ونظر اخاه محتاجاً وأغلق احشاءه عنه فكيف تثبت محبة الله فهي. يا أولادى لا نحب بالكلام ولا باللسان بل بالعمل والحق» (1يو 3: 11 - 18)).
.. كما يقول:
«أيها الأحباء لنحب بعضنا بعضاً. لأن المحبة هى من الله. وكل من يحب فقد وُلد من الله ويعرف الله. ومَن لا يحب لم يعرف الله لأن الله محبة» (1يو 4: 7).
، 8).
ومما يذكر عن يوحنا الرسول إنه ل حياته كلها رسول المحبة فى كرازته ووعظه ورسائل وإنجيله... روى عنه انه لما شاخ ولم يعد قادراً على الوع، كان يُحمل إلى الكنيسة ويقف بين المؤمنين مردداً العبارة: "يا أولادى حبوا بعضكم بعضاً". فلما سأم السامعون تكرار نفس هذه العبارة، تساءلوا لماذا يعيد هذه الكلمات ويكررها. فكان جوابه لأنها هى وصية الرب، وهى وحدها كافية لخلاصنا لو اتممناها...
ويقول بطرس الرسول: "طهّروا نفوسكم فى طاعة الحق بالروح للمحبة الأخوية العديمة الرياء. فاحبوا بعضكم بعضاً من قلب طاهر بشدة... والنهاية كونوا جميعاً متحدى الرأى بحسّ واحد ذوى محبة أخوية مشفقين لطفاءن غير مجازين عن شر بشر أو عن شتيمة بشتيمة بل بالعكس مباركين عالمين أنكم لهذا دعيتم لكى ترثوا بركة... ولكن قبل كل شئ لتكن محبتكم بعضكم لبعض شديدة لأن المحبة تستر كثرة من الخطايا" (1بك 1: 22؛ 3: 8، 9؛ 4: 8).
وبولس الرسول فيلسوف المسيحية يقارن بين العلم والمحبة فيقول:
«العلم ينفخ ولكن المحبة تبنى» (1كو 8: 1)).
.. ويجعلها أول ثمار الروح القدس فى النفس المؤمنة.
«أما ثمر الروح فهو محبة فرح سلام طول أناة. لطف صلاح. إيمان وداعة تعفف» (غل 5: 22)).
وفى مجال التعامل بين الأفراد ينصح أهل رومية قائلاً:
«يجب علينا نحن الأقوياء أن نحتمل اضعاف الضعفاء ولا نرضى أنفسنا. فليرى كل واحد منا قريبه للخير لأجل البنيان. لأن المسيح أيضاً لم يُرض نفسه، بل كما هو مكتوب تعييرات معيريك وقعت علىَّ» (رو 15: 1).
، 2، 3).
المحبة الأخوية فى حياة الكنيسة:
لا قيمة للوصية الإلهية دون تنفيذها عملياً. فالغرض من الوصية هو أنه بتنفيذها تصبح جزءاً معاشاً فى حياة الإنسان... ويعبّر الرسول بولس عن ذلك بقوله:
«إن كنت أتكلم بألسنة الناس والملائكة، ولكن ليس لى محبة فقد صرت نحاساً يطنّ أو صنجاً يرنّ» (1كو 13: 1).
، أى أن مثل هذا الإنسان يصبح كالطبق الأجوف... لا قيمة للمعرفة النظرية، فإنها لا تقدم الإنسان فى حياته الروحية أو العملية قيد شعرة!! وحسناً قال رسول المحبة يوحنا:
«يا أولادى لا نحب بالكلام ولا باللسان، بل بالعمل والحق» (1يو 3: 18)).
.. لا غرابة إذن إن رأينا الكنيسة فى حياة رسل المسيح – الذين تسلّموا منه تعليم المحبة الأخوية – أن ينفذوه عملياً فى حياة الكنيسة الأولى...
كان المجتمع المسيحى الأول، معظم أعضائه من العناصر الفقرة الكادحة. وكانت الكنيسة ترعى أعضاءها الفقراء من الأرامل وأمثالهن، بتوزيع وجبة من الطعام عليهم يومياً. لذا فقد سميت هذه الخدمة، خدمة الموائد (أع 6: 2)... بعد ذلك – حينما ازداد عدد المنضمين إلى الكنيسة الأولى – أقامت الكنيسة سبعة شمامسة كهيئة مسئولة عن خدمة الفقراء.
ويقدم لنا سفر أعمال الرسل برهاناً عملياً على إيمان أعضاء الكنيسة الأولى بالمحبة الأخوية. فيذكر لنا من باعوا حقولاً وبيوتاً، وقدموا اثمانها للكنيسة لتوزيعها على المحتاجين... ومنهم برنابا الرسول وحنانيا وسفيرة (أع 4: 34؛ 5: 2)... كما يذكر اسم طابيثاً التى اهتمت بالفقراء وعلى الأخص الأرامل (أع 9: 36 - 39)... ولما اتسعت دائرة المؤمنين بدأ يظهر تنظيم مالى فى الكنيسة الأولى عناية بالفقراء وتنفيذاً لوصية المحبة الأخوية. ويعبر عن ذلك سفر أعمال الرسل بقوله:
«لم يكن فيهم أحد محتاجاً» (أع 4: 34)).
.. كان المؤمنون يعيشون فى حياة وصية المحبة الأخوية، فوجدت الحياة المشتركة أو الحياة الاشتراكية كما تسمى:
«لم يكن أحد يقول إن شيئاً من أمواله له، بل كان عندهم كل شئ مشتركاً» (أع 4: 32)).
.. ونلاحظ على الاشتراكية المسيحية الأولى، انها مفهوم روحى بالدرجة الأولى نتيجة عمل النعمة فى القلب... لقد أصبح جميع المسيحيين أعضاء فى جسد واحد رأسه المسيح، وكان لهم قلب واحد ونفس واحدة (أع 4: 32؛ رو 12: 5؛ كو 1: 18)... فلا عجب إن كان لهم الاحساس الواحد بآلام البعض واحتياجاتهم... ولم تطلب الكنيسة من أعضائها أن يقدموا، بل قدموا هم من تلقاء أنفسهم، بل أكثر من هذا، كانوا يلتمسون من الكنيسة أن تقبل عطاياهم. هذا ما كشفه الرسول بولس بالنسبة للمكدونيين... "لأنهم أعطوا حسب الطاقة، أنا أشهد وفوق الطاقة من تلقاء أنفسهم. ملتمسين منا بطلبة كثيرة أن نقبل النعمة، وشركة الخدمة التى للقديسين". أما السر فى ذلك، فيكشفه الرسول فى الآية التالية بعد الكلام السابق فيقول انه سبق وأعطوا أنفسهم أولاً للرب (2كو 8: 1 - 5)...
وبالاضافة إلى عناية الكنيسة بالمحتاجين من أعضائها، فقد ظهرت المحبة الأخوية فى ميادين أخرى كإعالة المعلمين والخدام وقد أوصى بها الآباء الرسل فى تعاليمهم وقوانينهم، ورعاية المرضى والعجزة والمقعدين وغير القادرين وذلك من خلال صلوات الكنيسة وزيارات الخدام. وهذا واضح مما جاء فى رسالة كليمنضس إلى أهل كورنثوس وكتاب الراعى لهرماس. كما ظهرت فى العناية بالمحبوسين. كان هناك محبوسون لأجل إيمانهم، وآخرون محبوسون وفاءً لديون عليهم. وكان جيب افتقاد النوعين بالصدقة والمحبة. وكان هذا يتم عن طريق شمامسة الكنيسة والمؤمنين العلمانيين... ولعل هذا واضح فيما قاله الرسول بولس:
«اذكروا المقيدين كأنكم مقيدون معهم، والمذلين كأنكم أنتم أيضاً فى الجسد» (عب 13: 3)).
.. وبداءة فقد كان هذا تعليم السيد المسيح "كنت محبوساً فأتيتم إلىَّ"...
وقد كانت المحبة الأخوية تظهر كذلك فى العناية بمن تحل بهم الكوارث. وقد مُدحت الكنيسة منذ وقت مبكر لأنها وقفت بنبل إزاء الاضطهاد والكوارث التى حلت بها (انظر عب 10: 32 - 34)... كما ظهرت فى ضيافة الغرباء. وقد اظهرت الكنيسة الأولى اهتمامهم بهم (رو 12: 13؛ 16: 1، 2؛ عب 6: 10؛ 13: 2؛ 1بط 4: 9؛ 3يو 5 - 8)... فى رسائل ووثائق الكنيسة الأولى نجد صلوات وطلبات مقدمة من الكنيسة لأجل الغرباء والمعتنين بهم... ولعل هذا واضحاً فى القداس الباسيلى "بارك إكليل السنة بصلاحك من أجل فقراء شعبك. من أجل الأرملة واليتيم والغريب والضيف"...
كما ظهرت المحبة الأخوية منذ الفترة المبكرة من تاريخ الكنيسة فى العناية بالكنائس الفقيرة أو التى يحيق بها خطر. وهذا واضح فى سفر أعمال الرسل ورسائل بولس الرسول. فقد كانت تجمع تقدمات لأجل فقراء أورشليم. وقد اهتم بولس نفسه بهذا الأمر، وجمع من كنائس انطاكية وغلاطية ومقدونية واخائية لهذا الغرض (أع 11: 27 - 30؛ 2كو 8: 1 - 5؛ رو 15: 26؛ غل 2: 10).
وثمة نقطة أخيرة فى موضوع المحبة الأخوية فى الفترة المبكرة من تاريخ الكنيسة فقد دعا المسيحيون بعضهم بعضاً اخوة واخوات تأكيداً لهذا الحقيقة. كان لهم قلب واحد ونفس واحدة (أف 4: 1 - 6). ويسلمون على بعضهم بعضاً بقبلة مقدسة (رو 16: 16؛ 1كو 16: 20؛ 2كو 13: 12؛ 1تس 5: 26؛ 1بط 5: 14)... لقد كانت محبة المسيحيين بعضهم لبعض تثير دهشة اليهود فيقولون: "انظروا كيف يحبون بعضهم بعضاً"!!... وحينما كان أى مسيحى غريب يصل إلى أية مدينة كان يُقبل فيها كأخ ويقدمون له المسكن. وكانت الأرامل التقيات يغسلن قدميه. وكان يعامل بكل ما يدل على المحبة الأخوية...
والموضوع عميق – لكن المجال لا يتسع للتوسع فيه... يكفى أن نقول ان روح الأخوة حملت معها معنى المساواة، فلا تفرقه عنصرية بسبب لون أو جنس او وطن. الجميع يتجهون إلى إله واحد، ويجلسون جنباً إلى جنب على موائد الأغابى، ويقفون للصلاة فى الكنيسة متجاورين سواء كانوا أحراراً أم عبيداً...
«ليس يهودى ولا يونانى. ليس عبد ولا حُرّ. ليس ذكر وانثى، لأنكم جميعاً واحد فى المسيح يسوع» (غل 3: 28)).
وإذا انتقلنا من الفترة المبكرة من تاريخ الكنيسة إلى ما تلاها، نجد نفس الروح الأخوية تسرى فى حياة آباء الكنيسة وتعاليمهم، بل نراها واضحة كل الوضوح فى المؤمنين العلمانيين، وذلك من القصتين التاليتين...
يذكر كتاب بستان الرهبان عن القديس مقاريوس الكبير أب رهبان الاسقيط (وادى النطرون)، أنه فى إحدى الفترات حُورب بأفكار العظمة انه صار أفضل أهل زمانه. واراد الله محب البشر أن يُلقنه درساً. فأعلمه أنه لم يصل بعد إلى فضيلة امرأة فى الاسكندرية تسكن مع نساء بنيها. كما أعلمه أنه يستطيع أن يشاهد ذلك عياناً... ولما سمع القديس ذلك اتقدّ بنار الغيرة المقدسة، إذ كيف وهو الرجل الناسك الذى هجر العالم وعاش فى البرية، لم يصل بعد إلى فضيلة امرأة متزوجة ومقيمة فى العالم!!... قام لوقته قاصداً الإسكندرية فوصلها صباح يوم الأحد. قصد الكنيسة، وفى نهاية الصلاة تقدك كواحد من الشعب لنوال البركة من الأب البطريرك. فشاهد امرأة تخلفت عن بقية النساء، وكانت تصلى بحرقة ودموع. فظن القديس أنها فى شدة، فأخذته الشفقة وأسرع نحوها لعله يستطيع مساعدتها. وفيما هو يسألها عن سبب حزنها، أعلن له الروح أن هذه هى المرأة التى قصدها الله... ولما سألها عن طريقة معيشتها ذكرت له ان لها ابنين متزوجين من غريبتين. وتعاهد الجميع أن يعيشوا بمحبة. وكانت هى لا تفضل واحدة من زوجتى ابنيها على الأخرى. وتعاهدن ألاَّ تخرج من فم احداهن كلمة تثير خاطر الآخرى. وان لهن زماناً طويلاً عائشات بهذه الطريقة. وأن لولديها صندوقاً واحداً لرزقها، لا يعلمان الموجود فيه، موضوع تحت عناية وتصرف هذه المرأة... أما سبب صلاتها بدموع فلظنها أن الله غير راض عن بنيها لأن لهما فترة طويلة بلا تجربة!!... فانتفع القديس من كلامها وعلم قيمة المحبة الأخوية لدى الله...
والقصة الثانية هى قصة إيمان الأنبا باخوميوس أب الشركة الرهبانية، ذلك العملاق الذى بنى أول دير فى العالم بصورة الأديرة الحالية، والذى تتلمذ له آلاف من الرهبان، ووضع قوانين للرهبنة سار على منوالها رهبان العالم الغربى... ولد الأنبا باخوميوس من أبوين وثنيين ونشأ وثنياً. وانخرط فى سلك الجندية وهو فى سن العشرين تنفيذاً لأوامر الامبراطور قسطنطين الكبير فى الحرب التى أثارها عليه خصمه مكسيميانوس سنة 310م. لكن هذه الحملة لم تستمر طويلاً لاندحار قوات مكسيميانوس وقتله. وعاد باخوميوس إلى الحياة المدنية... وما يهمنا من قصة العملة العسكرية انه تعرف خلالها على المسيحيين ودينهم. كانت الكتيبة التى كان هو ضمن أفرادها قد عسكرت عند مدينة اسنا. ورغم ان الجنود فى ذلك الوقت كانوا مكروهين من سكان المدن والبلاد من أجل تصرفاتهم واعتداءاتهم على ما يملكه سكان تلك البلاد، فقد خرج سكان مدينة اسنا إلى الجند يحملون إليهم الطعام ويقضون حوائجهم فى دعة ودماثة، استرعت انتباه باخوميوس. فتساءل ما الذى حدا بهؤلاء الناس إلى إبداء العطف عليهم. فقيل له انهم مسيحيون ينفذون وصايا دينهم. فما كاد يُسَرحّ من الجندية حتى عكف على دراسة هذا الدين الجديد. وانتهى به الأمر إلى اعتناقه المسيحية سنة 314. وبانضمام باخوميوس للمسيحية كسبت واحداً من أكبر زعمائها. ولم يقف الأمر عند حدّ إيمانه بالمسيح، بل لقد قرر تكريس نفسه وترك العالم. وكانت هذه بداية الطريق الذى صار هو رائداً من أكبر رواده...
مفهوم جديد يقدمه المسيح لمحبة الإنسان لأخيه الإنسان:
قال السيد المسيح لتلاميذه فى تعليمه عن المحبة:
« وصية جديدة أنا أعطيكم، أن تحبوا بعضكم بعضاً، كما أحببتكم أنا تحبون أنتم أيضاً بعضكم بعضاً» (يو 13: 34)).
.. ما معنى كلام المسيح هنا عن المحبة كوصية جديدة؟ وهل المحبة وصية جديدة، وقد سبق أن ذكرنا وجود هذه الوصية فى العهد القديم... فماذا يقصد المسيح؟ يجيب عن ذلك القديس أغسطينوس فيقول:
[يعلن الرب يسوع انه يعطى تلاميذه وصية جديدة ان يحب الواحد الآخر... لكن ألم تُعطَ هذه الوصية فى ناموس الله القديم حيث هو مكتوب.
«تحب قريبك كنفسك» (لا 19: 18)).
.. فلماذا إذن يدعوها الرب وصية جديدة إذا كانت هكذا قديمة؟! لأنه نقلنا من القديم والبسنا الإنسان الجديد. فليس حقاً أن كل نوع من الحب يجدّد من يستمع إليه أو يسلّم لطاعته. بل ذاك الحب الذى أشار إليه الرب، لكى يميّزه من الحب الجسدانى. لذا فقد أضاف قائلاً: "كما أحببتكم أنا"... فالأزواج والزوجات يحبون بعضهم بعضاً، والوالدون أطفالهم، وكل العلاقات الإنسانية الأخرى التى تربط الناس ببعضهم. فما بالكم بحب الزناة والزانيات؟!... من أجل هذا أعطانا المسيح وصية جديدة أن يحب الواحد الآخر كما احبنا هو. هذا هو الحب الذى يجدّدنا، جاعلاً منا أشخاصاً جدداً، ورثة العهد الجديد، مرنّمى الترنيمة الجديدة... هذا هو الحب الذى يُجَدّد الان الشعوب. ومن بين الجنس البشرى الذى ينتشر فى العالم كله، يعمل ويجمع شعباً جديداً، هو جسد العريس الحديث الزيجة الذى للابن الوحيد ابن الله... من أجل هذا، فإن أعضاء هذا الجسد لهم اهتمام مشترك كل بالآخر. وإذا تألم عضو تألمت معه سائر الأعضاء، وإذا كُرّم عضو، فإن كل الأعضاء تفرح معه (1كو 12: 25، 26)... ليس كما يحب الفاسدون بعضهم بعضاً، وليس كما يحب البشر بعضهم بعضاً بطريقة بشرية. لكنهم يحبون بعضهم بعضاً كأناس الله، وجميعهم بنو العلىّ، واخوة لابنه الوحيد... والإنسان الذى يحب قريبه بطريقة مقدسة روحية إنما يحب الله فيه. هذا هو الحب المميّز عن الحب العالمى الذى ميّزه الرب حينما أردف "كما أحببتكم أنا". لأنه ماذا أحب فينا غير الله؟!].
وخلاصة هذا الكلام أن الحب الأخوى فى المسيحية ليس على غرار حب أهل العالم الجسدى. فالحب المسيحى بالدرجة الأولى فى كل صوره وأشكاله هو حب انسكب فى قلوب المؤمنين المسيحيين بالروح القدس المنسكب من فوق (رو 5: 5)... إنه من نوعية الحب الذى أحبنا به المسيح... ذلك الحب الذى لا يبغى شيئاً إلاَّ الحب ذاته، ولا يقف عند حد. بل كما أحبنا المسيح إلى المنتهى هكذا الحب المسيحى. انه ليس حب نَفْعّى. بل هو حب خالص فريد متميّز "تحب قريبك كنفسك"!!
تعليم المسيح عمَن هو القريب:
قال الرب قديما لشعبه بلسان موسى النبى:
«لا تنتقم ولا تحقد على أبناء شعبك. بل تحب قريبك كنفسك» (لا 19: 18)).
.. وهكذا استقر فى أذهان بنى إسرائيل أن القرابة تقتصر على صلات الارتباط بحسب الجسد، سواء فى الأسرة الواحدة أو فى جماعة بنى إسرائيل كشعب انحدر عن أب واحد هو إبراهيم... كانت محبة القريب هى تلخيص للوصايا التى جاءت فى اللوح الثانى للوصايا العشر... وهذا واضح من كلام الرسول بولس:
«لا تكونوا مديونين لأحد بشر إلاَّ بأن يحب بعضكم بعضاً. لأن مَن أحب غيره فقد أكمل الناموس. لأن لا تزن، لا تقتل، لا تسرق، لا تشهد بالزور، لا تشته. إن كانت وصية أخرى هى مجموعة فى هذه الكلمة أن تحب قريبك كنفسك. المحبة لا تصنع شراً للقريب. فالمحبة هى تكميل الناموس» (رو 13: 8 - 10)).
ولكن السيد المسيح قدم مفهوماً جديداً للقريب... فلم يَعُد القريب هو أخ الإنسان فى الأسرة الواحدة أو الشعب الواحد، لكنه يتعداه إلى المفهوم الإنسانى... أى أن قريب الإنسانن هو أى إنسان، باعتبار أن البشر جميعاً انحدروا من أب واحد هو آدم... يقول بولس الرسول إن الله.
«صنع من دم واحد كل أمة من الناس يسكنون على كل وجه الأرض» (أع 17: 26)).
..
قدم السيد المسيح هذا المفهوم الجديد عن القريب فى مثل السامرىّ الصالح...
تقدم ناموسى إلى السيد المسيح، وسأله سؤالاً ليس بقصد الاستفادة بل بقصد تجربته. والسؤال كان: "يا معلم ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية". أجابه: "ما هو مكتوب فى الناموس. كيف تقرأ. فأجاب وقال تحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل قدرتك، ومن كل فكرك. وقريبك مثل نفسك. فقال له بالصواب أجبت. أفعل هذا فتحيا". لكنه لم يكتف بهذه الإجابة بل أراد أن يبّرر نفسه، فعاد وسأل الرب يسوع: "ومَن هو قريبى". أجاب يسوع وقدم مثلاً هو ما يعرف باسم السامرىّ الصالح، قال:
«إنسان كان نازلاً من أورشليم إلى أريحا فوقع بين لصوص فعّروه وجرّحوه ومضوا وتركوه بين حى وميت. فعرض أن كاهناً نزل فى تلك الطريق فرآه وجاز مقابله. وكذلك لاوى أيضاً إذ صار عند المكان جاء ونظر وجاز مقابله. ولكن سامرياً مسافراً جاء إليه ولما رآه تحنن. فتقدم وضمد جراحاته، وصب عليه زيتاً وخمراً وأركبه على دابته، وأتى به إلى فندق واعتنى به. وفى العد لما مضى أخرج دينارين وأعطاهما لصاحب الفندق، وقال له: اعتنِ به ومهما انفقت أكثر فعند رجوع أوفيك. فأى هؤلاء الثلاثة ترى صار قريباً للذى وقع بين اللصوص. فقال الذى صنع معه الرحمة. فقال له يسوع اذهب أنت أيضاً واصنع هكذا» (لو 10: 25 - 37)).
مثل السامرى الصالح ملئ بالتأملات العميقة النافعة، ولكن ما يهمنا هنا هو تعريف السيد المسيح للقريب... كان المفروض أن يحس اليهود أنهم جميعاً أخوة باعتبارهم من نسل إبراهيم، كلهم يؤلفون شعب الله فى ذلك الوقت... فماذا حدث بالنسبة لذلك الإنسان اليهودى الذى كان مسافراً من أورشليم إلى أريحا ووقع بين اللصوص واعتدوا عليه اعتداء مُبرحاً. مرّ به كاهن يهودى فنظر إليه وعاين حالته التى تدعو إلى الشفقة والمساعدة، لكنه اكتفى بالنظرة ومضى فى حال سبيله. ومرّ به أيضاً لاوى وهو من طغمة خدام الدين. وما فعل اللاوى. وبعدها مرّ به سامرى... كان هناك عداء تقليدى بين اليهود والسامريين، حتى أن اقسى شتيمة كان اليهود يوجهونها إلى أحد كانت هى القول انه سامرى. وهذه التشيمة وجهها اليهود للسيد المسيح فى إحدى المرات، حينما قالوا أليس حسناً أننا قلنا انك سامرى وبك شيطان (يو 8: 48)... ومع كل ذلك فإن هذا السامرى ما أن رأى اليهودى المجروح والعريان حتى تحنن عليه وضمّد جراحاته، وأركبه على دابته وحمله إلى فندق ليستريح. وأعطى أجراً لصاحب الفندق، وطلب إليه أن يعتنى به، وسيدفع إليه كل ما ينفقه عليه مهما بلغ... كان المثل بليغاً وواضحاً. وحينئذ سأل السيد المسيح ذلك الناموسى: "أى هؤلاء الثلاثة ترى صار قريباً للذى وقع بين اللصوص" فأجاب بدون تردد: "الذى صنع معه الرحمة"...
المسيحية تعلّم وتنادى بالمحبة. وإن كان أساس المحبة فى الفرد والأسرة، لكنها لا تقف عند هذا الحدود. انها تشمل كل البشر وتضمهم بين ذراعى حنوّها... فبينما أقامت الروح القومية قديماً حواجز ضخمة بين الشعوب المختلفة (يهود وأمم، رومان ويونان وبرابرة... إلخ) حتى كانوا كالغرباء بالنسبة لبعضهم البعض، إذ بالمسيحية تزيل هذه الحواجز جميعاً، وتعلّم أن الله.
«صنع من دم واحد كل أمة من الناس يسكنون على كل وجه الأرض» (أع 17: 26)).
..
وبتمجيد فكرة الإنسانية ووضعها فوق القومية، غيّرت المسيحية بالتدريج وجه العالم القديم، وطعّمت فكرة الوطنية الجامدة بمشاعر أنبل وأفكار أرحب... لقد تغلغلت المسيحية فى حياة الناس المدنية والاجتماعية بفضيلتها وادبياتها، وقادتهم فى الطريق نحو التمدين الحقيقى... إن روح المسيحية روح مسكونية جامعة، تهدم فواصل البغضة والكراهية بين مختلف الإجناس والأمم.
محبة الأعداء فى تعليم المسيح:
استحدثت المسيحية تعليماً جديداً لم يرد فى تعليم أى من الفلاسفة أو حكماء العالم... قال السيد المسيح فى عظته على الجبل التى تتضمن تعاليم المسيحية الأدبية...
«سمعتم أنه قيل تحب قريبك وتبغض عدوك. وأما أنا فأقول لكم: احبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، احسنوا إلى مبغضيكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم، لكى تكونوا أبناء أبيكم الذى فى السموات. فإنه يشرق شمسه على الأشرار والصالحين، ويمطر على الأبرار والظالمين لأنه إن أحببتم الذين يحبونكم فأى أجر لكم. أليس العشارون أيضاً يفعلون ذلك. وإن سلّمتم على اخوتكم فقط فأى فضل تصنعون. أليس العشارون أيضاً يفعلون هكذا. فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذى فى السموات هو كامل» (مت 5: 43 - 48)).
لكن ما معنى قول المسيح: "سمعتم انه قيل تحب قريبك وتبغض عدوك"؟... هل هذا هو ما علّمت به شريعة العهد القديم؟
كان تعليم العهد القديم لأبنائه اليهود ألاَّ يعادوا من يعاديهم معاداة شخصية، لأن الناموس أمرهم أن يحسنوا معاملة مثل هذا... يقول الرب:
«إذا صادفت ثور عدوك أو حماره شادراً ترده إليه. إذا رأيت حمار مبغضك واقعاً تحت حمله وعدلت عن حلّه فلابد أن تَحُل معه» (خر 23: 4).
، 5 – أنظر تث 23: 7)... ويقول الحكيم:
«لا تفرح بسقوط عدوك. ولا يبتهج قلبك إذا عثر» (أم 24: 17)).
.. كما يقول:
«إن جاع عدوك فاطعمه خبزاً، وان عطش فاسقه ماءً. فإنك تجمع جمراً على رأسه، والرب يجازيك» (أم 25: 21).
، 22). نفس هذا المعنى أورده القديس بولس الرسول فى (رو 12: 20)...
لكن كان عدو اليهود الحقيقى هو مَن يعادى الله ويتحدّاه، ومن ثم يعاديه الله، ويأمر شعبه كحكومته على الأرض أن يقضوا عليه بلا شفقة (تث 23: 3 - 6؛ يش 6: 2، 20، 21)... لكن معلمى اليهود بعد انتهاء عهد الحكومات الإلهية، حولوا هذا الأمر إلى قانون للانتقامات الشخصية... وهذا ما أراده المسيح بتعليمهن وما كان ينقضه.
ولا شك أن محبة الأعداء هى درجة من درجات السمو والكمال المسيحى الذى يجب أن نجاهد للوصول إليه... وقد دعانا السيد المسيح فى نهاية تعليمه عن محبة الأعداء أن نكون أبناء حقيقيين لله، متشبهين بأبينا السماوى الذى يشرق على الأبرار والأشرار. وختم تعليمه بقوله: "فكونوا أنتم كاملين، كما أن أباكم الذى فى السموات هو كامل".
والحق ان الإنسان يحتاج إلى عمل نعمة الله فيه لإتمام هذه الوصية. هى ليست وصية مستحيلة، بل وصية ممكنة عاشها القديسون وأظهروها فى حياتهم... ولدينا أمثلة كثيرة على ذلك...
فاستفانوس أول شهداء المسيحية – فيما كان أعداؤه يرجمونه حتى الموت – كان يدعو ويقول:
«يا رب لا تُقم لهم هذه الخطية» (أع 7: 60)).
.. وما أكثر ما أظهر الشهداء والمعترفون من حب حقيقى نحو معذبيهم ومضطهديهم، ورفعوا صلوات من أجلهم جذبت بعضهم فيما بعد للإيمان. وفى نفس الوقت كانت محبة هؤلاء الشهداء والمعترفين لأعدائهم برهاناً صادقاً على سمو الديانة المسيحية وصادق تعاليمها، وانها ليست تعاليم نظرية... هذا الأمر دفع كثيرين من غير المؤمنين لإعلان إيمانهم وما يتبعه من تحمل الآلام كثمن للإيمان الجديد...
لكننا لا ننكر أن تنفيذ وصية محبة الأعداء ليست سهلة، لكن تنفيذها يحتاج إلى عدة أمور:
أ - معونة من الله معطى هذه الوصية، تنفيذاً لقوله: "بدونى لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً" والمعونة الإلهية توافينا بالصلوات والتضرع.. ولا شك أن الله فى هذه الحالة سيعيننا لأنه يعلم ضعف طبيعتنا من ناحية، ومن ناحية أخرى يعلم أننا نجاهد ضد طبيعتنا الجسدية التى تميل إلى الانتقام، وإلى الاحساس بالذات...
ب - الامتلاء من المحبة نحو الله فننفذ وصيته "إن كنتم تحبوننى فاحفظوا وصاياى"، ثم الامتلاء من المحبة الأخوية نحو من يُضمر أو يظهر لنا العداوة، والنظر إليه على انه إنسان مسكين خاطئ استحوذ الشيطان على أفكاه وسَلَبَه محبته لله ولاخوته...
ج - الاتضاع الحقيقى... ويعيننا فى ذلك محاولة التشبه بسيدنا المسيح وتذكّر قوله:
«ليس التلميذ أفضل من المعلم، ولا العبد أفضل من سيده، يكفى التلميذ أني كون كمعلمه والعبد كسيده» (مت 10: 24).
، 25)... وماذا فعل أعداء المسيح به؟! لقد افتروا عليه وشتموه واهانوه وهو الإله، وظلت عداوتهم تزداد حتى بلغت الذروة حينما صلبوا رب المجد... وإلى جانب ذلك نتذكر ماذا كان موقف المسيح منهم فى أحلك الأوقات، وهو معلّق على الصليب اغفر لهم يا أبتاه لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون (لو 23: 24)... ربما قيل إن تسليم المسيح نفسه لأعدائه كان لوناً من الضعف، لكن ماذا يمكن أن يقال فى طلب المسيح المغفرة لصالبيه بعد أن صُلب وانتهى الأمر.
د – التفكّر فى أن مقابلة عداوة إنسان بعداوة مثلها، أى مقابلة الشر بشر مثله، من شأنه أن يزيد نار العداوة اشتعالاً، الأمر الذى يكون له أسوأ العواقب على الإنسان روحياً وصحياً. ومن هذا نفهم حكمة الرسول فى قوله:
«لا يغلبنك الشر، بل اغلب الشر بالخير» (رو 12: 21)).
ومن الناحية المقابلة نقول إن مقابلة عداوة إنسان بمحبة أو بإحسان من شأنه أن يزيل هذه العداوة ويستأصلها... ذكر عن المعلم رجس الجوهرى أن إنساناً تعرض له وأهانه، فذهب يشكو إلى أخيه المعلم إبراهيم الجوهرى – وكان أكبر موظفى الدولة فى عهد المماليك إبراهيم ومراد بك فى أواخر القرن الثامن عشر. فقال المعلم إبراهيم لأخيه بعد أن استمع إليه، سأقطع لسان هذا الإنسان الذى اهانك، ثم استدعى خادمه وأمره أن يأخذ قمحاً وسمناً وجبناً وأشياء أخرى يوصلها إلى منزل ذلك الشخص المعتدى... وفى اليوم التالى مرّ المعلم جرجس كعادته، وما أكثر دهشته حينما وجد نفس الإنسان الذى أهانه بالأمس يرحب به ويبجله. فتعجب جداً وذهب يروى لأخيه المعلم إبراهيم عما فعله مع ذلك الرجل، فروى له ما فعله وقال له لقد قطعت منه لسان الشر!!
سمات المحبة المسيحية فى محبة الإنسان لأخيه الإنسان:
كانت كنيسة كورنثوس ببلاد اليونان فى زمن الرسول بولس غنية بمواهبها الروحية. ولكن سرعان ما بدأ بعض أعضاء هذه الكنيسة الناشئة يتفاخرون بهذه المواهب، أو يسعون من أجل اقتنائها كشئ هام... كان هذا التفاخر ومحبة أقتناء المواهب لذاتها من جانب هؤلاء الكورنثيين أمراً خاطئاً اهتم الرسول بولس أن يبيّنه.
فضمن رسالت الأولى التى كتبها إلى هذه الكنيسة ثلاثة اصحاحات تكلم فيها عن المواهب الروحية أو مواهب النعمة كما تُسمى. وهذه الاصحاحات التى هى الثانى عشر والثالث عشر والرابع عشر من هذه الرسالة. وفى نهاية الاصحاح الثانى عشر كتب إليهم الرسول يقول:
«لكن جدّوا للمواهب الحسنى وأيضاً أريكم طريقاً أفضل» (1كو 12: 31)).
.. أما هذا الطريق الأفضل من المواهب فهو اقتناء المحبة، الذى تكلم عنه الرسول بالتفصيل فى الاصحاح التالى الثالث عشر من رسالته هذه.
فى هذا الاصحاح بعد أن عرض القديس بولس لأهمية المحبة كفضيلة المسيحية الأولى، وأبان أنها أهم من موهبة التكلم بألسنة، ومن النبوة التى تكشف الأسرار وتعلّم الإنسان ما لا يعلمه، ومن الإيمان الذى ينقل الجبال، ومن الصدقة والنسك الشديد، بدأ يتكلم عن سمات المحبة المسيحية... والمحبة كما أوضحها بولس فى هذا الاصحاح لها وجهان، أحدهما يهدم كل ركن من أركان الإثم والخطية وهو ما نسميه بالوجه السلبى، والآخر يبنى كل فضيلة فى الإنسان المسيحى على اعتبار أن المحبة هى فضيلة كل فضيلة وهو ما نسميه بالوجه الإيجابى... ونعرض فيما يلى لكل من الوجهين...
أولاً: الوجه السلبى:
ونعنى به آثر المحبة فى ملاشاة واختفاء كل ملامح الخطية فى حياة الإنسان المؤمن...
المحبة لا تحسد:
الحسد احساس بالنقص، والمحبة احساس بالملء. الحسد عين ناظرة إلى أسفل أما المحبة فعين ناظرة إلى فوق، إلى السماء، وهذا سر فيضها وشبعها... يكفى لمعرفة كم أن الحسد شر، أن اليهود أسلموا المسيح حسداً (مت 27: 18؛ 15: 10). وان اخوة يوسف الصديق باعوه كعبد للإسماعيليين حسداً...
استطاع الراهب بفنوتيوس أو ببنوده تلميذ القديس مقاريوس الكبير أب رهبان الاسقيط، أن يصعد مسرعاً فى السلّم الروحانى وهو بعد شاب الأمر الذى أهلّه فيما بعد إلى أن يخلف القديس مقاريوس فى أن يكون أباً لرهبان الاسقيط... دخل شيطان الحسد قلب أحد الرهبان الشيوخ، ودفعه الحسد الذى تملّك عليه ان يسئ إليه... ففى أحد أيام الآحاد بينما ترك جميع الرهبان قلاليهم ليذهبوا إلى الكنيسة، تسلل ذلك الشيخ الحاسد إلى قلاية بفنوتيوس وخبأ إنجيله وهو بين سعف النخيل الذى بالقلاية، وأسرع بعدها إلى الكنيسة. وفى الكنيسة أعلن أمام الجميع أن انجيله قد سرق وهذا ما لا يصح فى أماكن القديسين... حزن الأنبا ايسيذوروس قس القلالى على حدوث مثل هذا الأمر المحزن، وأمر بتفتيش جميع القلالى... جلس الشيخ الحاسد شامتاً عالماً بما سيحدث... ويحدث ما لا يتوقعه الاخوة يوجد الإنجيل فى قلاية بفنوتيوس... وكان تصرفه الوحيد هو سكب الدموع وضرب المطانيات لكل الاخوة يسألهم الصلاة عنه... تقبل الاتهام وهو برئ بالتسليم وضاعف صلاته وصومه وانسحاقه.
لم تكن هذه هى خاتمة القصة... فقد صرع الراهب الحاسد روح شرير وبقى زماناً متألماً. وحمله الاخوة للأنبا ايسيذوروس – وكان قد أعطى موهبة اخراج الشياطين – لكنه عجز عن اخراج هذا الشيطان. ولما سأله الأنبا ايسيذوروس ذلك الراهب الحاسد اعترف بخطيئته. وأراد الله أن يكرم بفنوتيوس، فلم يخرج الروح النجس إلاَّ بصلاته...
المحبة لا تتفاخر ولا تنتفخ:
الانتفاخ هو الكبرياء، والتفاخر هو مظهر الانتفاخ وثمره... المفتخر بنفسه وبمقدرته ومواهبه أو بشئ له هو إنسان فاته أن الله مصدر خيره وكل ما هو حسن فيه... أما المحبة فلأن مصدرها الله فهى تفتخر بالله المعطى كما يقول:
«من افتخر فليفتخر بالرب» (2كو 10: 17)).
أما المنتفخ فهو إنسان ذاته كبيرة فى نظره، وهو بار فى عينى نفسه، وأحب مجد ذاته أكثر من مجد الله... والحقيقة أنه إنسان لم يعرف حقيقة ذاته، وانه حفنة من تراب الأرض. وإن كل ما فيه من حسن هو من الله لأن.
«كل عطية صالحة وكل موهبة تامة هى من فوق نازلة من عند أبى الأنوار» (يع 1: 17)).
ذكر عن القديس العظيم الأنبا أرسانيوس المعروف باسم معلم أولاد الملوك لأنه كان يعلم اركاديوس وهونوريوس ابنى الملك ثيئودوسيوس الصغير، ذكر عنه أنه شوهد مرة يجلس إلى شيخ راهب مصرى بسيط، يسمع إليه ويستفيد من نصائحه... رآه راهب وهو جالس يستمع إلى هذا الراهب البسيط فأبدى دهشته أن معلم اولاد الملوك يحاول أن يستفيد من مثل هذا الراهب. فقال الأنبا أرسانيوس لذلك الراهب انه اتقن العلوم اليونانية والرومانية، أما الفا فيطا فى الروحيات التى اتقنها الراهب المصرى فهو يجهلها!!
المحبة لا تقبّح:
تقبذح أى تستهجن، وتدين، ويخرج ذلك الاستهجان إلى حيّز التقبيح... أما المحبة فلها العين البسيطة التى لا ترى إلاَّ ما هو حسن. انها ترى الخالق فى خلقته، ولأنها طاهرة فترى كل ما يحيط بها طاهراً... ذكر عن راهب قديس انه إذا دخل قلاية راهب ويجدها نظيفة ومرتّبة يقول لابد وأن أخى الراهب حياته مرتبة كقلايته. وإذا دخل قلاية راهب آخر ووجدها غير مرتبة يقول فى نفسه لابد وانه مشغول بالعبادة عن أن يصرف وقتاً فى ترتيب قلايته.
المحبة لا تطلب ما لنفسها:
مَن يطلب ما لنفسه أنانى يعيش فى دنيا ذاته... وأما المحبة فهى العطاء والبذل. انها لا تطلب ما لنفسها لأنها تعيش من أجل الآخرين...
حدث فى زمان القديس مقاريوس الكبير أن الراهب المكلّف بالزراعة شاهد عنقود عنب يظهر فى غير أوانه. حمله إلى أبيه القديس مقاريوس... لكن مقاريوس فكر فى راهب مُسِنّ ومريض فحمله إليه لأنه أحسّ أنه بحاجة إليه. أخذه الشيخ لكنه فكر فى راهب بسيط حديث الرهبنة فحمله إليه قائلاً فى نفسه انه لم يألف حياة التقشف. أخذه الراهب الصغير، لكنه لم يقربه وفكر فى آخر أحسّ أنه أكثر احتياجاً. وظل عنقود العنب ينتقل من شخص إلى آخر حتى وصل إلى القديس مقاريوس ثانية. شك القديس الله لأنه أوجد محبة فى قلبو الاخوة، ودق الناقوس واجتمع الاخوة يسمعون إلى رحلة عنوقد العنب التى برهن فيها جميع الاخوة أن المحبة لا تطلب ما لنفسها...
يذكر عن القديس الأنبا سرابيون أنه أثناء سيره فى الطريق أبصر فقيراً عارياُ من الثياب ويتلوى من البرد الشديد. فخلع القديس ثوبه وأعطاه لذلك المسكين. قابله أحد الأغنياء وسأله بدهشة: [مَن الذى عرّاك]. أجابه: [الإنجيل يا ولدى]. فما كان من ذلك الغنى إلاَّ أن خلع ثوبه وأعطاه للقديس. ثم يعود سرابيون ويلتقى بآخر عليه دين، والدائن ممسك به يعذبه، يتألم القديس، ماذا يمكن أن يفدى به هذا الرجل. لم يكن معه سوى الإنجيل الغالى الثمن فى ذلك الوقت... ولم يتردد فى أن يبيع الإنجيل ويعطى ثمنه للدائن. واصل مسيرته بلا إنجيل وقابله مسكين آخر فخلع ثوبه واعطاه له. وعاد إلى قلايته بلا ثوب ولا إنجيل. فلما ره تلميذه بلا ثوب سأله عنه فقال: [لقد قدمته يا ولدى أمامنا حيث نحتاجه] وأشار إلى السماء. ثم عاد وسأله عن الإنجيل الذى يتعزى بكلامه فقال له: [لقد كان كل يوم يقول لى بع كل ما لك وأعطه للفقراء وتعال اتبعنى]...
المحبة لا تحتد:
من يحتد يسلّم نفسه للغضب وضيق النفس، أما المحبة فتوسّع القلب.
المحبة لا تظن السوء:
مَن يظن السوء قلبه غير نقى، وعينه غير بسيطة. أول ما ينطبع فى ذهنه هو الشر. أما المحبة فلأنها من الله، فهى نظيره تجعل كل الأمور تعمل معاً للخير ولا تقبل إلاَّ الحياة فى سلام... وما أكثر الأبرياء الذين يظلمهم الناس بسبب سوء ظنهم.
قصد الأنبا دانيال – وهو أحد آباء الرهبنة الكبار – ديراً للعذارى كان يأخذ العترافاتهن. وكان بهذا الدير عذراء دعوها الهبيلة لأن تصرفاتها كانت تحكم عليها بذلك. وما أن دخل الأنبا دانيال للدير حتى اسرعت الأم الرئيسة وبقية العذارى لنوال بركته ما عدا هذه الهبيلة. فاعتذرت الأم الرئيسة له واظهرت ضجرها منها وقالت له: [مراراً كثيرة أردت أن اطرحها خارج باب الدير، لكنى خشيت من الخطية]...
تنهد الأنبا دانيال لأنه علم بالروح سرّ هذه الهبيلة... فقال لتلميذه اسره معى الليلة لترى عجائب الله فى قديسيه... وفى الليل نهضت تلك الهبيلة لتصلى وتسكب الدموع، وكان وجهها يضئ. كانت تصلى فى الخفاء، فاذا احست بقدوم أحد تظاهرت بالنوم. أرسل الأنبا دانيال واستدعى الأم الرئيسة وعاينت ذلك بنفسها فبكتت نفسها قائلة: [الويل لى أنا الخاطئة فكم صنعت بها من الشتم والإهانة والتعيير]...
انتشر الخبر بين عذارى الدير، وما أن أحست الهبيلة بأن أمرها انكشف حتى هربت من الدير وتركت ورقة كتبت فيها: [أهانتكن لى كانت ثمرة نفسى. بُعدكن عنى واستقلالكن (احتقاركن) لى كان ربحى. فمباركة تلك الساعة التى قيل لى فيها يا هبيلة. وانتن بريئات من الخطية من جهتى. وانى قدامكن أمام المنبر سوف أجاوب عنكن لأجلى. ليس فيكن مستهزئة، بل كلكن نقيات]... وعندما قرأن الرسالة مع الأنبا دانيال قال لهن: [ما كان مبيتى أمس هنا إلاّ لهذا السبب].
المحبة لا تفرح بالإثم:
مَن يفرح بالإثم هو أثيم ويشتهى أن يسقط كل الناس كما سقط هو... أما المحبة فتقيم الساقطين وتحل المربوطين وتستر على الأثمة...
ذهب القديس بولس البسيط إلى الكنيسة يتأمل الإخوة الداخلين، وكان قد اعطى نعمة نظر الخفيات... كان يرى الملاك الحارس لكل أخ يتبعه مسروراً، ما عدا أخ نظر ملاكه الحارس عابساً وشياطين كثيرة تُحيط به. وفهم أن هذا الأخ معذب من الخطية. بكى القديس بولس البسيط على هذا الأخ الذى دخل إلى الكنيسة. وفيها تحرك قلبه بالتوبة عند سماعه القراءات الكنسية وبالفعل قرر عدم العودة إلى الخطية... وحال خروجه من الكنيسة رأى بولس البسيط الملاك الحارس لهذا الأخ متهللاً... لقد استجاب الله لدموع القديس بولس الذى احترّ قلبه من أجل هذا الأخ.
المحبة لا تسقط أبداً:
الإنسان يسقط حينما يكون وحده، وليس معه مَن يسنده أو يقيمه حينما يسقط. اما المحبة فالله يسندها، لذا فهى لا تسقط أبداً... المحبة الحقيقية التى تستند إلى محبة الله لا تسقط أبداً مهما قابلها ومهما احتملت من شدائد وضيقات... أما العاطفة الوقتية فسرعان ما تزول... ولدينا مثل فى الإنجيل المقدس، ذلك الشاب الغنى الذى اظهر لهفة نحو الحياة الأبدية فركض نحو المخلص وسأله "أيها المعلم الصالح ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية"... ولما قال له السيد: "يعوذك شئ واحد. اذهب بع كل مالك واعط الفقراء فيكون لك كنز فى السماء وتعالَ اتبعنى حاملاً الصليب"... لما سمع هذه الكلمات:
«اغتم على القول ومضى حزيناً لأنه كان ذا أموال كثيرة» (مر 10: 17 - 22)).
.. مسكين ذلك الشاب الذى أظهر عاطفة فى الأول، لكن سرعان ما سقطت محبته لأن شهوة محبته للمال كانت أقوى من محبته لله...
ثانياً – الوجه الإيجابى:
ونقصد بها الصفات الإيجابية التى تتصف بها المحبة...
المحبة تتأنى وتترفق:
لا عجب أن يضع القديس بولس هاتين الصفتين المتكاملتين على رأس قائمة صفات المحبة الإيجابية مشيراً إلى جوهرها الإلهى. فالله بطبيعته طويل الأناة جداً. وهكذا ينبغى أن يكون أولاده. إن التأنى هو الصفة المتعلقة بمعاملة الضعفاء والخطاة، وإذا توفرت للإنسان توفرت له عوامل النجاح فى خدمته. والترفق صفة مكملة للتأنى... يقول الآباء: [طول الروح هو فخر القديسين]. إن المحبة بطول أناتها وترفقها تكسب النفوس.
ذًكر عن القديس تادرس تلميذ الأنبا باخوميوس أب الشركة الرهبانية، انه علم يوماً أن راهباً من رهبان الدير ينوى أن يترك الرهبنة لتضايقه من الأب الكبير أنه باخوميوس. فذهب إلى أنبا باخوميوس واتفق معه سراً بأنه سيحضر مع هذا الراهب ويتظاهر أمامه بشدة تضايقه منه ومن معاملته ويظهر بذلك متضامناً مع ذلك الراهب... ذهب تادرس والراهب إلى أنبا باخوميوس، وأمامه أخذ تادرس يكيل الاتهامات لأبيه باخوميوس. أما باخوميوس ففى وداعة أخذ يستمع فى صمت، حتى ان الراهب الآخر خجل من موقف تادرس وكان يمنعه عن الاسترسال فى الكلام. وأخيراً صنع ذلك الراهب مطانية لأنبا باخوميوس وعاد إلى حياته الأولى كما كان.
المحبة تفرح بالحق:
إذا كانت المحبة لا تفرح بالإثم فبالتالى هى تفرح بالحق... والحق هو الله نفسه "أنا هو الطريق والحق والحياة". إن الحق لا ينفصل عن الله لأنه من صفاته، بل هو الحق ذاته... وحينما يظهر الحق فى قضية ما يكون الله قد ظهر أو أظهر ذاته. وحينما يسود الحق بين جماعة، يكون الله وسط هذه الجماعة... وإذا كنت إنسان الله – حتى لو كان الحق ضدى – لفرحت به...
المحبة تحتمل كل شئ:
هذه الصفة تؤمّن للمحبة وصولها إلى غايتها، وهى تفيد احتمال الاساءة إلى اقصى حدودها بدون أى رد فعل حتى لا تفقد النفس سلامها.
كان الأب جلاسيوس وهو أب لجماعة من الرهبان يقتنى انجيلاً ثميناً ووضعه فى كنيسة الدير لمنفعة بقية الرهبان... حرك الشيطان أحد زوّار الدير لسرقة الإنجيل. وخرج مسرعاً من الدير ليبيعه. عرضه على أحد المهتمين بالكتب فعرض عليه أن يشتريه منه بثمانية عشر ديناراً. لكنه أجل دفع الثمن حتى ما يستشير إنساناً له دراية بالكتب المقدسة... عرض الإنجيل على الأب جلاسيوس الذى تعرّف على انجيله فى الحال. ورغم ذلم لم يظهر بل شجعه على شرائه بهذا الثمن...
عاد الرجل إلى السارق وقال له انه عرض الإنجيل على الأب جلاسيوس وقد نصحه بشرائه. صُدِمَ السارق حينما سمع اسم الأب جلاسيوس، واستعلم منه إن كان قد قال له شيئاً آخر... فلما نفى الرجل ذلك، مضى للتوّ إلى الأب جلاسيوس ومعه الإنجيل دون أن يبيعه. وخرّ عند قدمى ذلك القديس معترفاً وتائباً... ولم يكتفٍ بذلك بل مكث بجوار الأب جلاسيوس ونذر حياته للرهبنة.
المحبة تصدق كل شئ:
حدث أن ضبعة قطعت الطريق إلى أحد الأديرة. فاستدعى رئيس الدير راهباً بسيطاً وأمره أن يذهب ويحضر هذه الضبعة. أطاع الراهب. ولما وصل إلى حيث كانت الضبعة خضعت تحت قدميه، فقال لها إن معلمى أمرنى أن أحضركِ. وبالفعل حملها إلى رئيس الدير... لكن رئيس الدير خاف على الراهب من لمجد الباطل فأمره أن يطلق الضبعة قائلاً له: [لقد طلبت منك أن تحضر لى ضبعة فتمضى وتأتينى بكلب]. وللوقت اطلقها.
المحبة ترجو كل شئ:
المعلم فانوس هو أحد أراخنة الأقباط فى عهد حكم المملوكين إبراهيم ومراد بك فى النصف الثانى من القرن الثامن عشر. وفى ليلة عيد من الأعياد الكبيرة كان أحد جيران المعلم فانوس من الأقباط مقبوضاً عليه ظلماً. فذهبت زوجة ذلك الرجل وشكت إلى زوجة المعلم فانوس. فما كان منها مشاركة لها إلاَّ أنها لم تظهر أى مظهر من مظاهر ليلة العيد. ولما عد زوجها المعلم فانوس وجد بيته مظلماً فأخذته الدهشة. لكن زوجته قالت له كيف نحتفل بالعيد وأخونا فلان محبوس!! خرج لوقته المعلم فانوس وأخذ يتصل ببعض كبار الحكم حتى تمكن من الأفراج عن جاره... كل ذلك استغرق جزء كبيراً من الليل فنام متأخراً.
كانت العادة أن يذهب الأراخنة إلى الأب البطريرك لتهنئته بالعيد. وكان مرتب أن يمر المعلم فانوس على المعلم إبراهيم الجوهرى ليذهبا سوياً للبطريرك. لكن بسبب ظروف الليلة السابقة تأخر المعلم فانوس عن موعده، واعتذر للمعلم إبراهيم الجوهرى ذاكراً له الأسباب. فلامه المعلم إبراهيم لأنه لم يشركه فى نوال هذه البركة... ذهبا إلى البطريرك وعرضا عليه الخلاف. فقال البطريرك للمعلم إبراهيم الجوهرى: [هو أطلقه من حبسه وأنت أوجد له عملاً].
المحبة تصبر على كل شئ:
لا مفر من أن تصبر المحبة على كل ما يصادفها من ضيقات وشدائد وعقبات... فالصبر هو الذى يوصل إلى المجد الأبدى "الذى يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص. بصبركم تقتنون أنفسكم"... والمحبة بطول اناتها قادرة على الصبر...
سكن أخوان البرية وعاشا معاً فى محبة. فلما ضجر الشيطان من محبتهما – وهو عدو كل خير – عوّل على التفريق بينهما. ففى ذات مساء أوقد الأخ الأصغر السراج ووضعه فى المكان المعتاد فاوقعه الشيطان فانطفأ... احتد الأخ الأكبر على أخيه الأصغر وعنّقه وضربه. أما الأصغر فكان مملوءاً محبة. صنع مطانية لأخيه معتذراً وقال له: [لا تضجر يا أخى. طوّل روحك علىَّ وأنا أوقد السراج ثانية]. ومن أجل صبر الأخ الصغير ومحبته عذب الرب الشيطان إلى الصباح.
ذهب الشيطان إلى رئيسه فى هيكل للأوثان ليقص عليه ما حدث له. وكان هناك كاهن ذلك الهيكل الوثنى يستمع إلى حديث الشيطان الذى عُذّب من أجل صبر ومحبة الأخ الصغير... اخذت الكاهن الدهشة من عظم هذه المحبة التى تغلب الشر وتهزم الشيطان. فقرر ان يصير مسيحياً ويصبح راهباً. وبالفعل سلك هذا الطريق...
.فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.
