مخطوط من 1757م –تفسير ذهبى الفم لسفر التكوين

هذا الفصل هو جزء من كتاب: عقيدة وراثة خطية آدم فى المخطوطات – المهندس مكرم زكي شنوده. إضغط هنا للذهاب لصفحة تحميل الكتاب.

ص48:- الإنسان من البدء حاز الرياسة على الوحوش كاملاً ، لأنه يقول ليرأسوا على أسماك اليم وطير السماء ووحوش الأرض ودباباتها ، أما الآن فنفزع من الوحوش ونخافها ، إذ قد سقطنا من الرياسة … (قبل سقوط آدم) الوحوش قد هلعت ورعبت وخافت للسيد ، ولما سقط من الدالة لأجل المعصية ، إنقبضت عنه جهة الرئاسة … لما دخلت الخطية إُنتزعت بعد ذلك الرئاسة والسلطان … لأنه إذ كانت له دالة عند الله كان مهيباً عند الوحوش ، ولما عصى خشى حينئذ من أصغر العبيد

ص49:- قال (الله) معاقباً للإنسان من جرى المعصية: ستأكل خبزك بعرق جبينك ، ولئلا يصير العرق والتعب غير محتملين خفف الثقل بكثرة البهايم التى تشاركنا فى النصب والتعب (نلاحظ هنا أنه يعتبر أن عقاب الله ليس مقصوراً على آدم –الذى كان الكلام موجهاً له وحده آنذاك- بل إنه يشمل الكل ، فهو يستخدم كلمة الإنسان هنا بمعناها الشامل)

ص71:- أشاهدت هذا العيش العجيب كملاك (أى الحياة مثل الملائكة) ،هكذا أقام الإنسان على الأرض متوشحاً بالجسد وهو بمعزل عن الضرورات الجسدية (سبق له توضيح أن الله وفَّر له الإحتياجات) ، وكملك … هكذا كان يتنعم بالتصرف فى الفردوس بغاية الفسحة (الرحابة) ومنتهى الكثرة.

ص82:- لأنه بعد التجاوز (المعصية) صار الإجتماع (التزاوج) ، وإلى ذلك الحين كانا يتصرفان فى الفردوس كالملائكة ولم يكونا ملتهبين بالشهوة … كانا عاريين وغير مستحيين لأن الخطية والمعصية لم يكونا دخلتا (هنا الربط بين الخطية والإحتياج للزواج ، مثلما قال الرب –لو20: 35و36)، وكانا متوشحين بالمجد من العلو لهذا السبب لم يستحيا ، وأما بعد تجاوز الوصية فولج الخزى ومعرفة التعرى.

ص87:- بحسد الشيطان وَلَجَ الحَمَام (أى: دخل الموت) إلى العالم

ص88:- لما كان الأكل منها هو سبب العصيان وتجاوز الوصية .. إنتُزِعَ منهما بهاؤهما الشامل لهما …البهاء الذى من العلو كان (قبل المعصية) شاملاَ لهما (كاسياً) أكثر من كل ثوب

ص90:- الخطية التى من أكل الشجرة ، والمعصية الشاملة للإنسان (أى التى شملت كل الإنسانية)… فلننقل القول من هذه إلى عُودِ الصليب وننظر ماذا جلبت هذه (أى معصية الأكل من الشجرة) من الشرور ، وماذا سببت تلك (أى الفداء على عود الصليب) من الخيرات … تلك الشجرة أولجت الحَمَام (أدخلت الموت)… لكن هذا العود (عود الصليب) خوَّل (منح سلطة) عدم الموت ، تلك أخرجت من الفردوس ، وهذا رقَّانا (رفعنا) إلى السموات

ص97و98:- قال للمرأة سأكثر أحزانك. ستلدين أولادك فى الكأبة … لكى تتذكرى دائماً بالطلق فى كل وقت وبالأحزان المتولدة كل يوم عِظَم الجريرة (أى الجريمة) وتفاقم المعصية … ولا تنسين مع إنصرام (إنقضاء) الزمان ، لكى تعرفى أن هذه الخديعة هى العلة فيما ألمَّ بك لما جنحت إلى مفاوضة الأرقم (الحية) وإستجزت قبول مشورته

ص102:- لكن فليُظِهر الرجل غاية العناية لكى يبعدها من أن تشير بالمهلكات ، والمرأة فلتحصل فى ذاتها العقوبة التى توجهت إلى حواء عندما داخلت إلى رجلها تلك المشورة الردية (نلاحظ أنه دائما يعتبر الرجل والمرأة متمثلين فى آدم وحواء ، وهو نفس منهج الكتاب المقدس وكل كتابات القديسين)

ص103: ستكون الأرض ملعونة بأعمالك …أرأيت كل واحد من العقاب الممتد مع الدهر … إنظر كيف بعد العصيان قد إنقادت كل الأمور بعكس السيرة الأولى (عندما كانت الجنة مملوءة أشجار بهجة للعيون وشهية للأكل بدون مجهود)

ص105ى:- ويضع عليه ثوباً  حقيراً عبدياً لئلا يكون عارياً بالكمال ومفتضحاً ، هكذا فعل الله المحب للبشر ، فإنهما لما جعلا أنفسهما غير مستحقين لذالك اللُباس المنير .. الشامل لهما .. قبل التهور فى هذه الزلة المردية (القاتلة) جعل لهما ثياباً جلدية وألبسهما إياها ((ملحوظة: أغلب كتابات الآباء تقول نفس الكلام بأن آدم قبل السقوط كان له رداءاً نورانياً كالملائكة ، ولم تكن به الشهوة إطلاقاً ولا التزاوج ، فلما سقط تعرى من هذا الثوب النورانى وظهرت عورته وبدأت الشهوة تعمل فيه)) … تذكرة دائمة للخلاف (المخالفة) ، ليسمع الأغنياءالمتنعمون بغزل الدود (الحرير) ليعرفوا كيف من الإبتداء .. لأجل نقض العهد تحت قضية الحمام (الموت) وجب أن يضع عليه سربال (رداء) مغطياً لخزيه … لا لسبب آخر إلاَّ للسترة ..فليكن إذاً لبسنا لهذا الشكل ذكراً أبدياً للسقوط من تلك الخيرات وتعليماً للعذاب الذى قَبِله جنس البشر من جراء الخلاف (المخالفة)  … إنهم (الأغنياء) ينسجون الذهب فى الملابس .. وما تمعن النظر أن هذا الغطاء لأجل العصيان كوِّن لنا عرضاً من العذاب العظيم … إذا ما كان لنا الغذاء والغطاء فلنقنع بهما … لا يكون الجسد عارياً بل مستوراً فقط (نلاحظ أنه دائماً يعتبر السقوط والمعصية أو العصيان كشيئ يخصنا نحن كلنا)

ص107ش:- “وأما آدم فعرف إمرأته حواء” ، تأمل متى كان هذا ، بعد المعصية ، بعد الخروج من الفردوس ، حينئذ إبتدأت أحوال الجماع (التزاوج) ، لأنهما قبل الخلاف (المخالفة) كانت سيرتهما تضاهى سيرة الملائكة ولم يكن الجماع موجود .. فإنه منذ البدء كانت العذراوية (البتولية) مقررة ، ولكن لما وَلَجَ العصيان … حينئذ إستتبت شريعة الزواج .. فإسمع السيد المسيح .. “لأنهم فى القيامة لا يزوجون ولا يتزوجون بل يكونون كالملائكة” … لما وفدت الخطية بالعصيان وأوجب القضية عليها الموت ، تلطف الله بحسب حكمته لثبات (أى لبقاء) جنس البشر ، فسمح أن يُنَمّى الجنس البشرى بالجماع

ص127ش:- وإسترضى أخنوخ الله ولم يصادف (موتاً) لأن الله نقله ، إنظر حكمة السيد ، نقله حياً ولم يمنحه عدم الموت (أى مثل آدم قبل المعصية) ، لكيلا يحل (أى لكى لا يُبطِل) خوف الجريمة (أى مخالفة آدم) ، لكن ترك ذلك ليكون ذكره نامياً لجنس الناس ، لهذا السبب أيضاً بطريق خفى أراد إزالة القضية التى أوجب على آدم ، إلاَّ أنه لم يصنعه ظاهراً لكى يصير الفزع عوضاً عن التأديب … لكنه صار أعلا من القضية الموجبة على جنس الناس بخاص إسترضاه لما ألفى رجلاً متقناً للفضيلة لم يعدمه المنزلة التى منحها للمخلوق أولاً قبل إهمال الوصية ، معلماً لنا أن ذاك لو لم يفضِّل الخديعة على الوصية المفوضة إليه ، لكان أهلاً لهذه الأمور نفسها وما هو أَجَلَّ

ص 128ش:- لما كانت الأحزان قد تمت لهم بعملها وفعلها الخبيث ، ومن الأرض التى لعنت لأجل خلاف (مخالفة) المخلوق أولاً وعصيانه. ((هنا يجمع بين الخطية الفعلية فى الجزء الأول من العبارة ، وبين اللعنة الموروثة من آدم فى بقية العبارة))

ص123ش:- إن الموت دخل إلى العالم بحسد المحال (الشيطان = سفر الحكمة2: 24) ، لو لم يكن المحال سقط قبل خلقة الإنسان كيف كان حسد الإنسان وهو ثابت فى منزلته ، فلأى سبب يحسد ملاك لا جسد له وهو فى كرامة هذا مقدارها لإنسان متوشح بجسد؟ لكنه لمَّا سقط من ذلك الشرف الأعلى إلى غاية الهوان وهو بلا جسد ورأى الإنسان المخلوق بجسد قد أُهِّل لكرامة هذا مقدارها، لأجل محبة الخالق للبشر ، جنح إلى الحسد ، وقرر (وَضْع) الإنسان تحت قضية الموت بالخديعة التى داخلها بالحية

ص 160ى:- كيف قَدِرَ (نوح فى التابوت أى السفينة) أن يتصرف بين الوحوش أعنى السباع والنمورة… إذكرهاهنا المنزلة التى كان قد حظى بها المخلوق أولاً قبل المعصية ، وذلك أن عصيانه أزال السلطة المفوضة إليه ، فلما وجد السيد الرب رجلاً آخر قادراً على إعادة الصورة القديمة ، حافظاً لرسوم الفضيلة ومظهراً غاية الطاعة نحو الوصايا ، رفعه أيضاً إلى كرامته معلماً لنا جسامة سلطان آدم الذى كان مالكاً له قبل الخلاف (المخالفة) ، ففضيلة الصديق (نوح) ساعدت تلك الرئاسة الأولى وعرَّفت الوحوش الطاعة

((ملحوظة: تأمل كيف أن خطية آدم ماثلة دائماً فى فكر ذهبى الفم ، مثلما فى كل كتابات القديسين ، وأن “الصورة القديمة” التى كانت بلا خطية هى محور تفسيراته ، ولاحظ أيضاً أنه ينسب السقوط وكل عقوبات خطية آدم لكل الناس ، مثل إلغاء سيادته على الوحوش))

ص192 :- وقال (نوح) ملعون الصبى كنعان (وهو إبن حام الذى أخطأ فى حق أبيه نوح) سيصير عبداً لإخوته… وَصَّلَ اللعنة بالولد … فلأى حال هذا أخطأ وهذا عوقب … فإنه وإن كان قد قَبِلَ اللعنة من جراء جريرة الأب ، إلاَّ أنه على كل حال من الواجب أن يُدان لأجل خطايا خاصية (ملحوظة :- سبق ذهبى الفم وإفترض أن كنعان إبن حام كان شريراً منذ سابق حياته – بنى ذلك على مجرد أنه مكتوب: “حام أبو كنعان”! ، وليس لذلك أى علاقة بالطبع!-  كما إفترض أن نوح عجز عن لعن حام مباشرة لأن الله بارك نوح وبنيه بعد الفُلك. + ولكن الكتاب المقدس لم يقل بوجود خطايا سابقة لكنعان ولم يقل بعجز نوح عن لعن حام ، ومباركة الله لنوح وبنيه تعنى أنه بارك كل عائلة نوح بدون إستثناء ، له ولبنيه ولزوجاتهم ولأولادهم وبناتهم بلا إستثناء ، وهو باركهم لأنهم عائلة نوح الصديق ، فنوح هو سبب البركة لهم جميعاً ، ولو كان قد عجز بسبب مباركة الله لبنيه ، لعجز أيضاً عن لعن أى واحد من عائلته مهما أخطأ ، ولكن البركة لا تستقر إلاَّ على من يحافظ عليها ، فآدم بعد البركة نال الطرد والسقوط والعرى عندما أخطأ .

وذهبى الفم فى بعض الأحيان يقدم تبريرات أو تخيلات أكثر منها شروحات للمكتوب فعلاً ، مثلما قال عن فرعون إبراهيم –فى هذا المخطوط من صفحة 217- الذى تزوج سارة بناءً على قول إبراهيم بأنها أخته ، فتزوجها بعد أن دفع مهرها لإبراهيم، قطعاناً من الماشية ، فالكتاب المقدس لم يقل أنه خطفها أو إغتصبها بل خطبها من أخيها –كما قال إبراهيم عن نفسه- بمهر ضخم ، فضرب الله فرعون ليمنعه من أن يمسها ، فلم يعاند بل رد سارة فوراً ، ولكن الذهبى ، لكي ينفى الضعف عن إبراهيم ، وبدلاً من تفسير سبب مساندة الله له برغم ضعفه ، فإنه صبَّ هجوما على فرعون ونسب له جرائم فظيعة لم يقلها الكتاب المقدس ، ووصفه بالوحش والملك المصرى المارد الفاسق المغتصب ، و: ملك مصرى مغتصب هايم بالفسق ، وأيضاً: هذا الإقدام الدنس وهذا الوثوب البهيمى الوحشى!!!.+ وبالطبع يوجد فراعنة أشرار ، مثل فرعون موسى ، ولكن ليس كلهم ، ففرعون يوسف حفظ الجميل مدى عمره ، وأما بخصوص فرعون إبراهيم فإن الكتاب المقدس لم ينسب له نقيصة واحدة ، والله ضربه وكل بيته ضربة مؤقتة طارئة ، وأعلمه بسببها ، ليمنعه من إتمام زواجه فعلياً من سارة ، فهى ليست لخطأ فعله فرعون ولكن لأن كرامة ومقام إبراهيم عند الله عظيمة جداً ، ولأن الله هو الذى أمره بالغربة وهو بالتالى الذى يحميه فى غربته بالرغم من ضعفه وخوفه ، وأما ضربة الله لفرعون فإنها تتماثل تماماً مع ضربته لبيت أبيمالك والتى يقدم عنها سفر التكوين شرحاً أكثر تفصيلاً ، إذ أعلمه الله بأنه ضربه برغم علمه بسلامة فعله ولكنه ضربه ليمنع وقوعه فى الخطأ ضد إبراهيم صاحب المقام العظيم عند الله (تك20: 17) ، وفى النهاية لم يخسر الإثنان شيئاً بل حصلوا على فرصة لمعرفة الإله الحقيقى عند رؤية عمله العظيم !!.

+ فالذهبى يفسر أحياناً بما يتمناه أو لأغراض خاصة لا نعرفها الآن ، فإنه أحياناً يرمى الكلام على  شخص ما بدون ذكر إسمه ، وهو يعترف علناً أحياناً بأنه يقصد شخصاً محدداً ولكن بدون ذكر إسمه ، مثلما فى المخطوط رقم: (Cop 21- 10) صفحة 31 شمال ، وجمهور المستمعين كان يعرف الشخص المقصود بدليل أنه يطمئنهم بعدم الخوف منه لأنه لن يذكر إسمه . وهذا فى الحقيقة أمر صعب جداً .

ومع الأسف فإن البعض حتى هذا العصر يستغلون منبر الكنيسة بهذه الطريقة ، برمى الكلام على شخص مجهول إفتراضياً ومعروف فعلياً ، قد يكون خصماً لهم فى أمرٍ ما ، وينسبون له إفتراءات ويحكمون على هواهم ما دام مجهولاً ، وقد عاينت مثل ذلك عدة مرات ، منها ما كان عن أشخاص أفاضل بل وقديسين ، مثل القديس أثناسيوس السريانى بعدما تنيح فى الطريق ، وكان الذين يزمونه شامتين حاقدين موتورين بطريقة تكشف ما يملأهم من شر ، ثم يتملّصون من مسؤلية جريمة الطعن بأنهم لم يذكروا إسمه . ولكن المسؤلية لا تسقط أمام الله . أمَّا تأديب الأب الكاهن لأبنائه – ولو علنياً لمنع إنتشار الخطأ- فإنه يكون بمخافة الله ، مع صلاة من القلب ليجعل الكلام مقبولاً ومفيداً ، ولا يكون “بتلقيح” الكلام ، بل بكلام مباشر منضبط وبمحبة أبوية صادقة وبهدف الإصلاح لا الهدم ولا الإنتقام ، وتظهر نتائجها الإيجابية للجميع ، ولا يلجأ إليه إلاَّ فى النادر وتحت ظروف تحتِّم ذلك ، وهو ما رأيناه عملياً فى كهنة قديسين عديدين . وقد حذَّر القديس إغريغوريوس الثيؤلوغوس من ذلك الخطأ –فى ميمر 3 مخطوط COP27- 11 -ص44- قائلاً: “إظهرلى طهارتك حتى أقبل صرامتك ، وإلاَّ فما أخوفنى أنك من نتن قروحك تحكم على غيرك ”

ولكن أسوأ ما قرأته هو ما يُنسب لذهبى الفم عن القديسة العذراء نفسها فى تفسير بشارة يوحنا المقالة 21 – ص100 المخطوط COP 21-7  ، إذ يدَّعى كاتب المقالات أنه قال: قالت ليس عندهم خمر ، ولعمرى أنها أرادت أن تُسْدى إلى أولائك مِنّةً ، وأن تجعل ذاتها أبهىَ حالاً ومنزلة بإبنها (هذا ضد ما قاله الإنجيل بأن أحداً لم يعرف بالمعجزة إلاَّ الخدم ، فقد فعلت ذلك بدافع الرحمةً وليس للتباهى ،وعلى حساب إبنها!! فلو كانت تريد التباهى لعرَّفت الجميع)!! ولعلها عرض لها عارض إنسانى !! مثل ما عرض لإخوته (لم يقل الإنجيل أبداً أنها شكَّت فيمن أنجبته بمعجزة من الروح القدس!! بل قال أنها كانت تحفظ كل هذه الأمور فى قلبها!!) … ولذلك أجابها أشد جواب ردعاً !! بقوله مالى ولكِ يا إمرأة ما حان وقتى بعد ..

كان واجباً عليها أن تسمع من إبنها تعليمه ، فإذ لم تشأ إقتبال تعليمه بسهولة ، لكنها طلبت فى كل مكان لذاتها ! (هل يُعقل سوءَ ظنٍ وإفتراء وتطاول كهذا ، وعلى مَنْ! على المملوءة نعمة!!)… لذلك أجاب هذا الجواب … إنتهرها (!!) قائلاً مالى ولكِ أيتها الإمرأة ، مؤدباً إياها !!!! (لو كان ينتهرها -كمن فعلت ذنباً- لَمَا أجاب طلبها ، قد يمكن القول بأنه إستعفى للحظةٍ ثم أجاب طلبها ، ولكن يستحيل القول بأنه إنتهرها مؤدباً إياها!! هذا ما لا يمكن إحتماله ولا يصح نسبته لذهبى الفم ، فإن كان يتكلم هكذا عن السماء الثانية المملوءة نعمة المباركة فى النساء التى جميع الأجيال تطوبها ، فكيف كان يتكلم عن الآخرين!! فلعل كاتب المقالات أضاف من عندياته ما يوافق هواه مثلما يحدث كثيراً ، أو لعل الذهبى –إن كان هو القائل فعلاً- لم يكن يقصد إهانة القديسة العذراء نفسها بهذه الألفاظ المتجنية والغير لائقة نهائياً ، ولكنه كان يرمى الكلام على شخصية أخرى يعرف المستمعون آنذاك أنه يرمى الكلام عليها وليس على سيدتنا كلنا !! فكل شيئ محتمل فى الخطابة الجماهيرية الحماسية).

أما بخصوص التعاليم فى هذه الخطبة ، فإنه يتأرجح بين تأكيد ما قاله الكتاب المقدس عن لعن نوح لكنعان إبن حام عن خطأ أبيه ، وبين تهوين الأمر بأن يفترض لكنعان أخطاء لم يقلها الكتاب ، فمرة يقول هذا ومرة يقول ذاك ، ولكنه فى النهاية حسم أمره بصحيح الكلام ، بأن فداء ربنا يسوع رفع كل هذه الموروثات فلم يعد لها تأثير بل مجرد إسم على غير مسمى ، وهو ما سيظهر فى بقية هذه الفقرة .

وبالطبع نحن نعرف أنه يوجد فارق كبير بين إلقاء خطبة وبين كتابة كتاب ، ففى إلقاء الخُطَب يتعرض الخطيب لتأثيرات وإنفعالات كثيرة ، خصوصاً مع كثرة الجمهور ومع تباين مستويات أشخاصه وإنصراف بعضهم للأحاديث الجانبية وصياح الأطفال وإنتهار إمهاتهم … (وهو فى هذه الخطب يشير لمثل ذلك بكلام كثير جداً ،  فيؤنب المنصرفين عن الإستماع وحتى الغائبين يؤنبهم بشدة) ، فيحاول جذب الإنتباه لمنع الفوضى ، فيقول القول بحسب توارد الخواطر عنده ، ثم يلحظ فيه قصوراً أو تمادياً زائداً عن الحد يمكن أن يُفهم منه تطرف بعيداً عما يجب ، فيعدله فيما بعد ، مرة أو مرات ، ففى مجموعة هذه الخطب بالذات تجد الكلام “سايح على بعضه” والإستطرادات كثيرة والمعانى متقلـِّبة ، مما يرهق القارئ ، خصوصاً إذا كان يبحث عن رأى حاسم فى نقطة معينة مهمة ، إذ يقرأ الشيئ ثم يجد -بعد عدة سطور- ما يناقضه ، فيرجع من الأول ، ثم يواصل ثم تنقطع الأفكار ثم يجدها تتواصل فيما بعد ولكن بفكر مختلف! ، مما يسبب إرهاقاً شديداً.

ولكن عندما يجلس الإنسان منفرداً ويكتب كتاباً بتركيز ويراجعه بهدوء كلمة كلمة قبل أن يقدمه للناس ، فإنه يخرج مرتباً منظماً واضحاً ، فيقرأه القارئ بسهولة ويفهم المقصود من أقصر طريق وحتى فى عصرنا – الذى فيه لا يضطر الخطيب لأن يصرخ بأعلى صوته ليسمع الكل ، إذ توجد الآن الميكروفونات- تحدث هذه المشكلة ، ولذلك فنحن نتفهم مثل هذه الأمور ولا نعطيها أكثر من حقها ، ولكننا لا نتجاهلها تماماً لكيلا نقع فى خطأ الفهم  إنتهت الملحوظة ونعود للمخطوط )) ، وذلك أنه لم يُلعن من أجل زلة أبيه فقط ، لكن لينال ذاك ، أى الوالد ، العذاب به (أى أن اللعن جاء على الإبن -بالظلم- لكى يجعل أبيه يتألم عندما يرى إبنه مظلوماً !!!) … لا الآباء يعاقبون عن الأولاد ولا الأولاد عن الآباء ، لكن كل واحد بجريرة نفسه …… إلاَّ أننا إن تيقظنا فلن تقدر هذه الأمور الوالجة (الداخلة) إلى العالم لأجل خطايا أجدادنا – الثابتة بالإسم فقط- أن تضرنا ، فإن المخلوق الأول لأجل الخلاف (المخالفة) أدخل قضية الموت والعبودية وإذهاب الحياة فى الأحزان والأتعاب ، لكن لما جاء السيد المسيح أزال وجود هذه كلها ، دون (ماعدا) الأسماء فقط ، فليس الموت موتاً الآن لكن له إسم الموت فقط ، بل وحتى الإسم نفسه قد أزيل ، لأننا الآن لا نسميه موتاً لكن رقاداً…..

ص193 وهذا الآن من أجل التأديب قَبِلَ القضية ، وبالصبى إحتمل العقاب ، لكى يعلم أن العقاب إن لم يلحق به الآن لكنه قد تخطّى إلى ولده ، فتتمرر حياته إذا ما أمعن النظر إلى أن ولده عتيد أن يُعاقب بعد وفاته من جراء ما إقترفه هو….ص194 تأمل فسق حام ، فإنه لم ينظر إلى ما أظهره أبوه من المسك ويتأدب ، لكنه ناقضه فى جميع ما عمله ، لهذا السبب بالواجب قضى على كل الجنس الناشئ منه بالعبودية. … ص195 أهل نينوى … لما توخوا أن يتوبوا توبة بليغة لم تضرهم شيئاً رذيلة أجدادهم … فينبغى لنا أن نماثل هؤلاء عالمين أن رذيلة أجدادنا لم تضرنا البتة إن نحن تيقظنا (هنا يشترط التيقظ لكى لا تضرنا خطية أجدادنا ، ولم يلغها تماماً ، مع ملاحظة أنه أثبتها فى الفقرة السابقة بوجه مطلق بدون أن يربطها بأفعال نسل حام ، لذلك ينبغى الصبر الطويل عند قراءة خطب ذهبى الفم لأنها تحتوى على توجهات متقلبة)، ولا فضيلتهم تجدينا نفعاً إن نحن توانينا ، فلنجتهد فى الفضيلة ونبرز نية جميلة لنتمتع ببركة سام ويافث ، وننعتق من اللعنة والعبودية اللتين قبلهما كنعان (هنا عاد لتوكيد وقوع اللعنة على كنعان ، بالرغم من أن أباه حام هو الذى أخطأ ) ولا نكون عبيداً للخطية (هنا يتكلم بالفكر المسيحى)، لكن نقتنى الحرية الصادقة لنحظى بتلك الخيرات التى لا توصف ، بنعمة ربنا يسوع المسيح …

ص 195ش:- (عن إسبوع الألام) لأيِّ سبب ندعو هذا الإسبوع أنه عظيم ، لأجل أمور لا توصف ، صالحة ،  تكوَّنت لنا فيه ، لأن الحرب الزمنية فيه إنحلت وإنطفأت جمرة الموت وإستؤصلت اللعنة (هو هنا يقرر بأن جمرة الموت أى نار الجحيم لم يتم إنحلالها إلاَّ بربنا يسوع ، وكذلك اللعنة لم يتم إستأصالها إلاَّ بفداء ربنا الذى كان فى هذا الإسبوع العظيم ، وبالطبع هو هنا لا يتحدث عن أى لعنة أخرى غير التى أصابت البشر بمعصية آدم ، فإنه يقرر بأنها ظلت على البشر إلى أن أزالها الرب)



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.