كيف هيأت الكنيسة العالم لفتح التعلم لكل إنسان؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ6 – المفاهيم المسيحية والحياة اليومية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

كيف هيأت الكنيسة العالم لفتح التعلم لكل إنسان؟

أولاً: فتح باب التعليم والخدمة للجميع. اهتم أغلب الكتاب المسيحيين بالدفاع عن تقديس حرية الإنسان. يقول العلامة أوريجينوس: [كل نفس عاقلة تمنح إرادة حُرة والقوة للاختيار[103]] كما يقول: بتوجد حرية معيبة، وعبودية تستحق المديح]، فإنه يمكننا أن نتحرر من التسيب أو نُستعبد للعدالة والحكمة والرحمة الخ[104]. فهو ينادى بالحرية الملتزمة الجادة، وكما يقول الرسول بولس: "لا تصيروا الحرية فرصة للجسد، بل بالمحبة اخدموا بعضكم بعضاً" (غل5: 13). فالحب العامل حتى للإخوة يعطى عذوبة للعبودية والخدمة وقبول الآخرين وتقديمهم فى الكرامة. يقول عن هذه العبودية: فإنى إذ كنت حراً من الجميع استعبدت نفسى للجميع لأريح الأكثرين "(1كو9: 19).

ثانياً: بث روح الفرح الداخلى الذى يُهيئ للتعلم. الدراسة والبحث والعمل المُتجدد الخلاق يحتاج إلى نفوس سوية، لا يُحطمها اليأس، ولا يفسدها الشعور بالقلق، ولا يعطلها ثقل الهم الذى يفسد بصيرة الإنسان، فيرى كل شئ من منظار مظلم، فيفقد حيويته ويحطم قدراته ومواهبه. ركز الآباء على الحياة المسبحة المُفرحة، فقد كان العالم فى حيرة إلى خبرة الفرح السماوى. جاء السيد المسيح يبث روح الفرح الداخلى فى المؤمنين به. يقول القديس إكليمنضس السكندرى: [لنأخذ نموذج حياة مخلصنا مثالاً كمنهج لأجل خلاصنا، متأملين ذلك النموذج السماوى للحياة، نهتدى به، ونتقدس، وندهن رؤوسنا، ونعطر أنفسنا بطيب الفرح الدائم الأبدى[105]].

ثالثاً: رفع نفسية الإنسان واعتزازه بقدراته فى الرب. يحتاج الإنسان إلى من يرفع من نفسه بأن الحق فى متناول يده. جاءه الحق ذاته إلى أرضه وإلى بيته، بل وإلى قلبه ليصير بالحق عاملاً للتمتع بالمعرفة فى هذا العالم والعالم العتيد. هذه الرغبة فى المعرفة والتعلم لا تتوقف قط، بل تبقى ملتهبة فى داخله، تسكب عليه بهجة داخلية دائمة. يعمل حسب موهبته وفى الحدود اللائقة بإمكانياته وظروفه، دون فصل بين جهاده فى معرفته للزمنيات وتلك التى للأبديات. إنه إنسان الله الحى الذى يصبو نحو التأمل فى الله، وإظهار الأعمال المقدسة فى إصرار لا يكل ولا ينقطع[106]]. طكت يقول: [يُعين الله الإنسان الفاضل مكرماً إياه بعنايته الفائقة... يبث فيه إذ هو موطد العزم أن يسلك الحياة الصالحة، القوة ليتمتع بالخلاص... وكما أن الطبيب يشفى الذين يتعاونون معه لاسترداد صحتهم، هكذا يهب الله الخلاص الأبدى لمن يتعاون معه لينال المعرفة والأعمال الصالحة[107]].

رابعاً: بث روح الرجاء وتحدّى المرض والشيخوخة والموت. جاء السيد المسيح إلى العالم ليهب الإنسان روح القوة لا روح الفشل (2تى1: 7). بهذا الروح يعمل الإنسان بقوة وفى تحد لكل الظروف القاسية. هذا الروح ضرورى فى حياة الراغب الحقيقى فى التعلم والتقدم والمساهمة فى العمل الخلاق يقول القديس إكليمنضس السكندرى: [لا تخف من المرض الذى يُهددك، ولا من الشيخوخة التى تجلبها السنوات عليك. فإنه حتى المرض يبطل إن تممنا إرادة الله بكل قلوبنا. إذ تعرف ذلك، عِد نفسك أن تكون قوية ضد المرض. كن شجاعاً كمحارب قوى فى الإستاد، حتى تغلب متاعبك بثبات لا يُقهر. لا تسمح لنفسك أن تكتئب بالحزن، لا بسبب مرض أو بسبب أية كارثة تحل بك[108]]. كما يقول: [يقف (الغنوصى أو صاحب المعرفة الحقيقية) ضد كل خوف وكل خطر، وليس فقط ضد الموت، بل وضد الفقر والمرض والعار[109]].

خامساً: الاعتدال فى كل سلوك. دعوة المسيحية للحياة المعتدلة فى كل شئ خاصة الأكل والشرب والملبس والمرح تسحب الإنسان من الاستعباد لهذه الأمور ليدرك سمو رسالته. فيتفرغ فكره وقلبه للعمل، فى اعتزاز بالعمل لحساب البشرية كلها، ولأجل المجد المُنتظر فى السماء! يقول القديس إكليمنضس السكندرى: [كما ان الاعتدال والبُعد عن الإسراف هما ابنا القناعة عادة، فإذا اعتاد إنسان أن يستغنى عن كل ما هو كمالى وغير ضرورى، لا يوجد انحراف أو سقوط فى الإغراءات[110]].


[103] Origen: De Principiis, 1, Praef. , 5.

[104] Origen: Ep. Ad Rom. 5: 6.

[105] Paedagogus 12: 1.

[106] Paedagogus 7: 1.

[107] Stromata 7: 7 PG 468: 8.

[108]

[109]

[110]

ما هى نظرة الإيمان المسيحى للثقافات البشرية المتباينة؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ6 – المفاهيم المسيحية والحياة اليومية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هى نظرة الإيمان المسيحى للثقافات البشرية المتباينة؟

جوهر الإيمان المسيحى كله أن الله ليس فى معزل فى السماء، خلق العالم وحركه ثم تركه للقوانين التى وضعها له كما قال أرسطو، إنما الله محب البشر. يحتل الإنسان مركزاً خاصاً فى قلبه، إن صحّ التعبير. وكما قيل بالنبى: "الرب إلهك فى وسطك... يبتهج بك فرحاً... يبتهج بك بترنم" (صف3: 17). إنه أشبه بالآم التى تحتضن طفلها الوحيد، وتُعبر عن فرحها به بالتهليل والأغانى!

تجسد كلمة الله وحلوله فى عالمنا كواحد منا، قدس أرضنا وأعمالنا وعقولنا وعواطفنا ومواهبنا وإمكانياتنا. فلا نعجب أن بظهوره بدأ التطور السريع فى التقدم، وصارت بعض الأديرة ورجال الدين علماء، يشغفون بالتقدّم المستمر دون انتظار لمكافأة. جاء مسيحنا ليُقدس العقل كما العواطف، فلا يتوقف الإنسان عن البحث والعمل، وحتى اقتحم عالم الفضاء، والتقدم التكنولوجى السريع. وسيبقى هذا التقدم مادام كلمة الله نفسه نزل ليُقدس ويُنمى، دون الاستخفاف بالحياة البشرية والفكر الإنسانى.

والآن فى اختصار شديد نُقدم صورة حية لموقف الكنيسة الأولى من الفكر الاجتماعى، وإن كان قد وُجد قلة قليلة ذات فكر ضيق أخذوا موقفاً مضاداً، لكن الكنيسة بفكرها الإنجيلى الحىّ لا تكف عن مساندة العالم فيما هو حق وللبنيان!

ما هو منهج الكنيسة الأولى وثلاثية trilogyالقديس إكليمنضس السكندرى؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ6 – المفاهيم المسيحية والحياة اليومية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو منهج الكنيسة الأولى وثلاثية trilogyالقديس إكليمنضس السكندرى؟

يُعرف القديس إكليمنضس بثالوثه المشهور أو أعماله الكتابية الثلاثة الرئيسية، وهى: نصح لليونانيين Protrepticus، والمُعلم أو المربى Paedagogus، والمتفرقات Stromata. يكشف هذا الثالوث عن منهج الدراسة فى مدرسة الإسكندرية الأولى. وكما يقول Osborn: إن مشكلة العلاقة بين هذه الأعمال الثلاثة الكبرى قد جذبت الانتباه بطريقة ملحوظة فى الخمسين سنة الأخيرة[95]. ويقول Swete: "ربما ليس فى كل الأدب الأولى أكثر جاذبية للقارئ الحديث مثل ثالوث (إكليمنضس) العظيم فى تدريج التعليم فى حياة المسيحية... ومفهوم إكليمنضس للمسيحية فى علاقتها بكل ميادين الفكر البشرى، الأمر الذى له قيمته فى أيامنا... ونفعه متزايد فى العصر الحاضر[96].

يرى القديس إكليمنضس أن خطة الله نحو البشرية تأخذ ثلاث مراحل وهى تطابق كتبه الثلاثة[97]:

أولاً: يدعو اللوغوس "كلمة الله" البشرية للخلاص من براثن الوثنية خلال الإيمان... هذا يطابق الكتاب الأول "نصح لليونانيين". وكما يقول يوسابيوس: إنه كان مناسباً جداً لإكليمنضس أن يُوضح خسة الوثنية فقد عبّر هو خلالها لكنه هرب من وبائها.

ثانياً: تصالح حياتهم بالوصايا الأخلاقية... هذه المرحلة تُطابق كتاب "المُربى" الذى يهتم بالكثير من الوصايا السلوكية غايتها "التشبه بالله الكلمة أو المُعلم الإلهى نفسه".

ثالثاً: فى كتابه "المتفرقات" يرفعهم إلى المعرفة الكاملة للإلهيات ليتمتعوا بالغنوسية المسيحية.

هذا العمل الثلاثى هو نصح وتقديم مشورة ثم تدريب وتقوية وأخيراً شفاء وتعليم. وكما يقول Jay: "يسعى فى ثالوثه أن يظهر كلمة الله الذى قدم استنارة لإسرائيل القديم لليونانيين أنه قد جاء الآن فى المسيح يسوع بطريقة جديدة ليُقدم معرفة الله الخلاصية لكل البشرية. إنه يناشد قارئيه أن يأخذوا المسيح مُعلماً لهم. ففى البداية ينصحهم، وبعد اهتدائهم يُدربهم بنظام مفيد ويقودهم إلى مبادئ التهذيب من الخوف إلى الرجاء، إلى الحب النزيه والمعرفة التى تطلب الآن كغاية فى ذاتها، أى معرفة الله[98]. ومن كلمات القديس نفسه [إذ يريد اللوغوس خلاصنا خطوة خطوة، يستخدم وسيلة ممتازة: أنه فى البداية يهدى، ثم يصلح، وأخيراً يُعلم[99]]. تكشف لنا كتابات القديس إكليمنضس السكندرى عن حرص الكنيسة الأولى منذ عصر مبكر على الاهتمام بكل الجوانب للحياة البشرية، سواء الخلاص من فساد الوثنية، أو التمتع بالشركة فى الحياة الجديدة العملية، كأيقونة للمُهذّب الإلهى، أو التمتع بالنمو فى معرفة الأسرار الإلهية. فالحياة وحدة واحدة، ليس من فصل بين العقيدة والعبادة والسلوك والعلم والمعرفة. بهذا لا نعزل الفكر الكنسى الاجتماعى عن كل جوانب الحياة.


[95] F. F. Osborn: The Philosophy of Clement of Alexandria, Cambridge 1957, p. 5.

[96] H. B. Swete: Patristic Study, London, 1902, P. 48.

[97] Cf. Neander: Church History, vol. 2, p. 11 - 12.

[98] Eric G. Jay: The Church, vol. 1, London, 1977, p. 59.

[99] Paedagogus 1: 1.

ما هى سمات الخط الاجتماعى فى الكتاب المقدس؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ6 – المفاهيم المسيحية والحياة اليومية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هى سمات الخط الاجتماعى فى الكتاب المقدس؟

ليس ما يشغل الناموس فى العهد القديم مثل العدالة والبرّ، فالعدالة فى الناموس تمسّ معاملات الإنسان مع الله ومع الإنسان أخيه، بل ومع الحيوانات والطيور، حتى الجمادات. إنها قوانين تفصيلية قُدمت للإنسان فى بدء حياته الروحية لتكون ناموساً له، لا يحيد عنه يميناً ولا يساراً. بدونها ليس من قبول لذبائحه وصلواته وأصوامه وعطاياه وكل عبادته. حين تحدث الأنبياء عن الفساد الذى حلّ بالإنسان لمحاربته والتوبة عنه يبدأون بالحديث عن التحرر من الآلم والعنف مع الاهتمام بالمحتاجين والضعفاء والذين ليس لهم من يسأل عنهم. ثم يخلطون هذا التحرر خلال التوبة بالعبادة الطاهرة النقية.

أما فى العهد الجديد فلا نجد شرائع تفصيلية خاصة بالخط الاجتماعى، لكن الله يتعامل مع المؤمن كإنسان ناضج، يهبه الفكر الحىّ والحياة الداخلية النقية، لكى يتم الأمل الاجتماعى حسب احتياج كل عصر بروح إيمانى عملى واقعى. من هنا نجد فى كتابات الآباء الأولين منذ عصر الآباء الرسوليين تطوراً فى العمل الاجتماعى، لكن بفكر إيمانى واضح غير مُتغير. فالفكر حى وثابت، لكنه يتكيف تطوراً فى العمل الاجتماعى، لكن بفكر إيمانى واضح غير مُتغير. فالفكر حىّ وثابت، لكنه يتكيف حسب احتياجات العصر.

يصعب علينا ان نُحدد الخط الاجتماعى للكنيسة الأولى كما لو كان فى معزل عن الخط الروحى أو الثقافى أو غيره. إنما هو خط واحد متكامل، وخبرة حياة مُعاشة. لقد جاءت كتابات الكنيسة الأولى المُبكرة تكشف عن هذه الوحدة فى الحياة، فليس من فصل بين الحياة الروحية الشخصية الخفية والحياة الكنسية الجماعية الملتهبة بالروح. وليس من فصل بين علاقة المسيحى مع الله علاقته بإخوته بنى البشر عامة والمؤمنين خاصة. وليس من عزل بين نموه الروحى واهتمامه بنموه الدراسى، ولا بين تقديس النفس وتقديس العقل، وأيضاً الجسد والحواس والعواطف! لهذا عندما نحاول تسجيل الخط الاجتماعى عند آباء الكنيسة الأولى يليق بنا ألا نعزله عن بقية جوانب الحياة ككل!

ما هو دور الفكر الاجتماعى فى الكنيسة الأولى؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ6 – المفاهيم المسيحية والحياة اليومية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو دور الفكر الاجتماعى فى الكنيسة الأولى؟

الكنيسة وإن كانت لا تتدخل فى الشئون السياسية والقوانين المدنية والعسكرية والاقتصادية والمنظمات الاجتماعية، لكنها تحمل أمومة صادقة نحوكل إنسان وكل أسرة بل وكل المجتمع، وتشتهى أن تتحول الأرض إلى سماء متهللة ليست فى عوز، كما لا تحتمل أن ترى إنساناً مظلوماً أو متألماً. تود أن ترى كل إنسان فى العالم يحمل ثقة فى نفسه بالرب، له دوره الحىّ فى البشرية، يحمل فى داخله روح القيادة الجادة الملتزمة بتواضع داخلى، فى غير خمول أو شعور بالنقص.

جاء الخط الاجتماعى فى الكنيسة الأولى ليس وليد دراسات جافة وجدال عقلانى بحت، لكنه وليد تقدير حىّ للفكر الإنسانى، واعتزاز بالثقافات البشرية وتقديسها، وشركة حية مع الله محب كل البشرية. فكل أب، وكل عضو فى الكنيسة، يشتهى أن يرى العالم كله سماء جديدة متهللة، لا ينقصها شئ، وليس للظلم الاجتماعى أو الجهل الفكرى أو الأنانية وحب السلطة موضع فيه! فالخط الاجتماعى المسيحى هو حياة إنجيلية كنسية تمسّ أعماق الفكر والحواس، وتُترجم خلال السلوك والمعاملات اليومية.

ما هو ملخص مبادئ حديث القديس سرابيون عن الرذائل فى مناظرة القديس يوحنا كاسيان معه؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ6 – المفاهيم المسيحية والحياة اليومية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو ملخص مبادئ حديث القديس سرابيون عن الرذائل فى مناظرة القديس يوحنا كاسيان معه؟

  • الخطايا الجسدية التى يشبع فيها الجسد أو يتلذذ تحتاج إلى تضافر قوى الجسد (الصوم والزهد والسهر) مع قوى العقل (صلاة وتنهدات) فى يدى النعمة الإلهية للنصرة عليها.
  • الخطايا سلسلة، كُل منها تُسلّم الإنسان إلى غيرها، لذا يلزم محاربة الأصل...
  • لكل إنسان خطية مُعينة، يلزمه أن يُركز عليها ضربا السهام من صوم وصلاة وسهر وتنهدات ودموع، وتتطلب النصرة عليها الاهتمام بالخطايا الأخرى أيضاً.
  • قد جُرب الرب والنتصر، لكى نعلم أنه لا نصرة لنا بجهودنا الذاتية بل بالرب يسوع المنتصر.
  • تتطلب النصرة حياة الشكر لله، لأنه لا خلاص لنا من خطية بغير نعمة الله وعنايته وحمايته لنا.

إلى أى مدى يفيدنا التعرف على نوع الرذيلة التى تهاجمنا؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ6 – المفاهيم المسيحية والحياة اليومية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

إلى أى مدى يفيدنا التعرف على نوع الرذيلة التى تهاجمنا؟

يقول الأب سرابيون فى مناظرات كاسيان:

[يجب علنيا أن نتطلع إلى جميع الخطايا بطريقة تسمح لكل واحد منا أن يتعرف على الخطية التى تربكه هو بالذات. بهذا يُوجه هجماته الأساسية ضدها معطياً إياها عناية خاصة، ساهراً من أجلها، وموجهاَ ضدها سيوف الصوم اليومى، قاذفاً عليها رماح التنهدات والتأوهات القلبية على الدوام، مجاهداً فى أعمال السهر والتأملات القلبية منسكباً بدموع وصلوات أمام الله، طالباً على الدوام أن يحفظه من هجماتها...

ويكون فى ذلك مثله مثل ذاك الذى يُصارع مع مجموعة من الحيوانات المفترسة فى حضرة ملوك أرضيين، فإنه دون اعتبار إلى المكافأة التى يأخذها فى ذلك المشهد الذى يدعى pancarpus، يُوجه هجومه الأول ضد الحيوان الأقوى والأشد افتراساً، فإذا ما قتله يستطيع بسهولة أن يتغلب على بقية الحيوانات الأضعف غير المُخيفة...

إلا أنه يلزمنا ألا نظن أنه إذا هاجم إنسان خطية مُعينة واحدة يهمل فى الهجوم على بقية الخطايا الأخرى، فإنه لن ينتصر بسهولة بسبب الهجمات المفاجئة التى تثيرها الخطايا الأخرى... [93].

ويُعلمنا المُشرّع نفسه أن نسلك هكذا، غير معتمدين فى ذلك على جهادنا الذاتى، إذ يقول: "لا ترهب وجوههم لأن الرب إلهك فى وسطك إله عظيم ومخوف. ولكن الرب إلهك يطرد هؤلاء الشعوب (رمز للخطايا) من أمامك قليلاً قليلاً. لا تستطيع أن تفنيهم سريعاً ليلاَّ تكثر عليك وحوش البرية. ويدفعهم الرب إلهك أمامك ويوقع بهم اضطراباً عظيماً حتى يفنوا" (تث7: 21 - 23) [94]].


[93] - تحدث عن الطمع والغضب أنه يمكن التغلب عليهما بسهولة حتى أن الآلاف تركوا ممتلكاتهم وسكنوا البرارى. كذلك عن الغمّ والفتور وهما يظهران بدون حاجة إلى مؤثر خارجى، لذلك فإنهما كثيراً ما يهاجمان المتوحدين.

[94] Conferenve 14: 5.

هل يُهاجم من عدو الخير كل البشر بأسلوب واحد؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ6 – المفاهيم المسيحية والحياة اليومية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل يُهاجم من عدو الخير كل البشر بأسلوب واحد؟

جاء فى المناظرة الخامسة: [وإن كانت هذه الخطايا الثمانية تهاجم البشر جميعاً، إلا أنها لا تهاجم الكل بطريقة واحدة. فقد يحتل الزنا مركز الصدارة عند البعض، بينما يحتل الغضب المركز الأول عند آخرين[92]].


[92] Conference 13: 5.

هل من علاقة تربط الخطايا مع بعضها البعض؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ6 – المفاهيم المسيحية والحياة اليومية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل من علاقة تربط الخطايا مع بعضها البعض؟

جاء أيضاً فى المناظرة5: [وبالرغم من أن الخطايا الثمانية مختلفة عن بعضها البعض من جهة أصلها وطريقة تأثيرها علينا إلا أن الخطايا الست الأولى: أى النهم والزنا والطمع والغضب والغّم (الكآبة) والفتور لها ارتباطبين بعضها البعض. فإثارة أحداها تكون بداية للتى بعدها. فالزيادة فى النهم يتبعه الزنا، والزنا يتبعه الطمع، والطمع يثير الغضب، والغضب يولد الغم (الكآبة)، والغم يُنشئ الفتور... ويجب أن نراعى هذا فى محاربتنا الخطايا. فالشجرة الطويلة كثيرة الأغصان تجف متى تعرَّت جذورها أو قطعت، وبركة الماء لا يمكن تجفيفها ما لم توقف القناة التى تمدها بالماء.

فإن أردت الغلبة على الفتور يلزمك النصرة على الكآبة. ولكى ما تتخلص من الكآبة يلزم طرد الغضب ولتهدئة روح الغضب يلزم أن نطأ بأقدامنا على الطمع، ولأجل اقتلاع الطمع يلزم الامتناع عن الزنا، ولكى ما نهلك الزنا فلننتهر خطية النهم. أما الخطيتان الباقيتان أى الافتخار والكبرياء. فإنهما مرتبطان معاً بنفس الطريقة إلى حد ما... ونلاحظ أننا نكون فى خطر من هاتين الخطيتين متى صار أنا الغلبة والنصرة الرائعة على الخطايا الستة السابقة[91]].


[91] Conference 10: 5.

ما هى أصناف الرذائل وأشكالها عند كاسيان (أو عند الأب سرابيون)؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ6 – المفاهيم المسيحية والحياة اليومية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هى أصناف الرذائل وأشكالها عند كاسيان (أو عند الأب سرابيون)؟

هذه الرذائل صنفان: خطايا جسدية وخطايا روحية.

أما عن أسلوب الخطية أو الرذيلة فينا فإنه يأخذ أربعة أشكال:

(أ) البعض لا يتم ما لم يقوم الجسد بدور فيه، مثل النهم والزنا.

(ب) والآخر يتم بدون أن يقوم الجسد بأى عمل، مثل حب الظهور والكبرياء.

(ج) والبعض بواعثه من الخارج، مثل الطمع والغضب.

(د) والآخر ينبغ من مشاعر داخلية، كالفتور والغّم.

جاء فى المناظرة5: [إننى لا أتكلم من نفسى حسب ضعفى، إنما ببرهان الكتاب المقدس يظهر أن النهم والزنا وإن كانا يوجدان فينا طبيعياً، إذ ينبعان منا دون حاجة إلى بواعث ذهنية، بل حسب عواطف الجسد وإغراءاته، إلا أنهما لكى يتما فينا، يلزم أن توجد مادة خارجية تثير الجسد. "ولكن كل واحد يُجرب إذا انجذب وانخدع من شهوته. ثم الشهوة إذا حبلت تلد خطية والخطية إذا كملت تُنتج موتاً" (يع1: 14 - 15). فآدم الأول ما كان يسقط فى النهم لو لم يجد الطعام فى يده مستخدماً إياه بطريقة خاطئة، ولا جُرب آدم الثانى بغير مادة مُغرية، بل قيل له: "إن كنت ابن الله فقل أن تصير هذه الحجارة خبزاً" (مت4: 3). ومن الواضح أيضاً للجميع أن الزنا لا يتم إلا بعمل جسدى، إذ يقول الله عن هذا الزوج الطوباوى أيوب: "ها هى قوته فى متنية وشدته فى عضل بطنه" (أى40: 16). وبذلك فإذ هاتين الخطيتين بالذات تُثار بمساعدة الجسد، فهما يحتاجان إلى زهداً جسدياً بجوار الاهتمام الروحى، حيث تصميم العقل وحده لا يكفى لمقاومة تلك الحروب. توجد أخطاء مثل الغضب والغم وغيرهما يمكن التغلب عليها بقوة العقل بغير تقشف جسدى.

ويستخدم الزهد الجسدى عن طريق: الصوم والسهر، وأعمال التوبة. أضاف إلى ذلك ترك مكان الخطية، لأنه حيث أن الخطية تنتج عن تضافر أخطاء الجسد مع العقل، لذا يلزم أن تتضافر قواهما معاً للتغلب عليها. ومع أن الرسول الطوباوى يتكلم عن الخطايا عامة بأنها جسدية، إلا أنه يحصى العداوة والغضب والهرطقات أنها اعمال أخرى للجسد. لذا فى معاجلة الخطايا يلزم أن نكشف عن طبيعتها بدقة مميزين بين الصنفين، فندعو البعض جسدى والآخر خطايا روحية. الخطايا الجسدية هى التى تعمل على إشباع الشهوات الجسدية وتلذّذ الجسد. وهذه تهيّج العقل أحياناً ليقبل رغباتها بغير إرادته. وعن هذا يقول الرسول الطوباوى: "الذين نحن أيضاً جميعاً تصرفنا قبلاً بينهم فى شهوات جسدنا عاملين مشيئات الجسد والأفكار، وكُنا بالطبيعة ابناء الغضب كالباقين أيضاً" (اف2: 3).

أما الخطايا الروحية فهى تنبع فقط من باعث عقلى، فليس فقط لا تهب للجسد لذة، بل أحياناً تجلب له ضعفاً وتضرّه. إنه اتغذى العقل السقيم بطعام اللذة البائسة. لذلك فهى تحتاج إلى علاج واحد وليس كالخطايا الجسدية التى تشفى بعلاج مزدوج...

لقد لُقب كلاهما ب "آدم". أحدهما كان الأول فى الخراب والموت، أما الثانى فكان الأول فى القيامة والحياة. بالأول صارت البشرية كلها تحت الدينونة وبالثانى تحرر البشرية. لقد جربه الشيطان بنفس الخطايا التى بها انخدع آدم الأول، ظاناً أنه كما خدع الأول يخدع الثانى مثله، فوجد نفسه قد انهزم بالتجارب التى هزم بها آدم الأول. وإذا انتصر الرب فى تجربة النهم لم يجسر الشيطان أن يُجرّبه بتجربة الزنا بل عبر به إلى تجربة الطمع الذى هو مصدر الشرور (1تى6: 10). وعندما انتصر على الطمع لم يجسر أن يحاربه بالتجارب الأخرى التابعة لها والتى مصدرها وينبوعها هو الطمع، لكنه عبر به إلى آخر الخطايا وهى الكبراء، لأنه يعرف أن الكاملين الذين غلبوا كل الخطايا يمكن أن يتأثروا بالكبرياء، ولعلمه أنه هونفسه لوسيفور ومن معه قد سقطوا بسبب الكبرياء من غير أن يسقطوا فى أى خطية من الخطايا السابقة... بهذا الترتيب الذى ذكرناه حسب الإنجيلى لوقا نجد توافقا وترتيباً دقيقاً بين الإغراءات وأشكال التجارب التى هاجمهم بها العدو الماكر آدم الأول وآدم الثانى[90]].


[90] Conference 4: 5.