ما هى التزامات المسيحيين نحو الدولة؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ6 – المفاهيم المسيحية والحياة اليومية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هى التزامات المسيحيين نحو الدولة؟

التزامات الإنسان المسيحى نحو الدولة وإخوته المواطنين لا يحققها عن خوف من القانون، بل عن حب باذل، يُقدم أكثر مما يُطلب منه، بفرح وسرور. يبارى الآخرين فى العطاء، لا فى الأخذ، وفى هذا لا يطلب لنفسه مديحاً أو جزاءً. يقول الشهيد يوستين: [نبذل الجهد أن نكون أول من يدفع الضرائب والجزية للمسئولين فى كل مكان. هذا ما علمنا إياه (المسيح) [146]].

لا يحاول المسيحى التهرب من القوانين والأنظمة التى تحكم البيت والمدرسة والعمل والمؤسسات التى ينتمى إليها كما الدولة والمجتمع البشرى. يرى فى طاعته للقوانين شركة مع السيد المسيح الذى فى حُبه لنا أطاع، بل وأطاع حتى القديسة مريم والقديس يوسف النجار اللذين من خليقته.

يعلن تاتيان (فى القرن الثانى) أنه مستعد لدفع الضرائب. وخدمة الإمبراطور والطاعة له، لكنه لن يدفع جزية العبادة له، لأن "الإنسان يُكرم كإنسان، والله وحده نخافه" [147].


[146] Apology 17: 1: 1.

[147] Oratio ad Graecos, 1: 4;2: 27.

هل يليق بالكنيسة أن تُصلّى من أجل الدولة حتى إن كانت ضد الكنيسة والمؤمنين؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ6 – المفاهيم المسيحية والحياة اليومية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل يليق بالكنيسة أن تُصلّى من أجل الدولة حتى إن كانت ضد الكنيسة والمؤمنين؟

الصلاة من أجل كل البشرية وصية إنجيلية، يلتزم المؤمن أن يمارسها، كثمرة طبيعة لمشاركة مسيحه الحب لجميع الناس. هذا ويوصى الرسول بالصلاة من أجل الملوك والرؤساء، وكل الذين فى مركز قيادى. لأنهم كقادة يحتاجون إلى حكمة سماوية لقيادة الخاضعين لهم بروح الحب والأبوة، لصالح البشرية. كما فى سلامهم سلام للكنيسة وطمأنينة. جدير بالملاحظة أن الكنيسة فى بدء انطلاقها لم تدخل فى التيار السياسى وبقيت هكذا بالنسبة لبعض الكنائس كالكنيسة القبطية الأرثوذكسية، لكنها تشعر بالمسئولية نحو رجال السياسة كقادة لهم دورهم فى حياة البشر، وأيضاً فى حياة الكنائس المحلية، خاصة إن كان القادة يضطهدون الكنيسة ويقاومون الإيمان. يقول العلامة ترتليان إن المسيحيين يصلون عن الأباطرة ووزرائهم والولاة، من أجل حفظ العالم، وسلام الدولة[144].

يقول العلامة ترتليان: [نحن نتضرع إلى الله الأبدى، الله الحقيقى، الإله الحى، من أجل صحة رؤسائنا... يليق بهم أن يدركوا ممن نالوا سلطانهم، إنهم كبشر يعلمون ممن نالوا الحياة ذاتها. إنهم مقتنعون أنه هو الله الوحيد، وعلى قوته يعتمدون تماماً... إليه نحن المسيحيون نرفع أعيننا ونبسط أيادينا إذ نحن أبرياء، ورؤوسنا مكشوفة إذ لسنا فى حاجة أن نخجل، وأخيراً بدون حاجة إلى من يحثنا، لأننا نصلى من القلب، ونتضرع دوماً م نأجل كل أباطرتنا. نطلب لهم حياة طويلة، وإمبراطورية هادئة، ومسكناً آمناً، وجيوشاً قوية، ومجلس شيوخ مُخلصنا، وعالماً فى سلام وكل ما يشتهيه هذا الإنسان وقيصر[145]].


[144] Tertullian: Apology 2: 39.

[145] Tertullian: Apology 1: 30: 4.

هل امتناع المسيحيين عن الالتحاق بالجيش كان بسبب كراهيتهم للرومان؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ6 – المفاهيم المسيحية والحياة اليومية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل امتناع المسيحيين عن الالتحاق بالجيش كان بسبب كراهيتهم للرومان؟

مستحيل! فقد كتب القديس لوقا الإنجيل مُوجهاً إياه إلى أحد القادة يحمل لغة الحب نحوهم. هذا وقد لجأ بولس الرسول إلى قيصر (أع26: 30). وفى القرن الثانى قال العلامة ترتليان فى دفاعه عن الكنيسة: "العالم يضطهد الكنيسة، والكنيسة تحب العالم وتخدمه". هذا يكشف عن روح الكنيسة والمسيحيين تجاه الدولة حتى فى لحظات الاضطهاد. يرى العلامة أوريجينوس مدير مدرسة الإسكندرية أن فى سلام الدولة الرومانية عون إلهى لانتشار الإنجيل[143].


[143] Against Celsus 30: 2.

ما هو موقف آباء الكنيسة من الإمبراطور مُضطهد الإيمان ومن الجيش الرومانى؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ6 – المفاهيم المسيحية والحياة اليومية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو موقف آباء الكنيسة من الإمبراطور مُضطهد الإيمان ومن الجيش الرومانى؟

أولاً: ظهور مجموعة المدافعين Apologists. واجهت الكنيسة مقاومة من اليهود الذين تمسكوا بالحرف لفهم الناموس والنبوات، فكانوا يترقبون مجئ المسيا الملك الذى يقيم خيمة داود الساقطة، ويُخلصهم من الاستعمار الرومانى. لهذا كان الصليب بالنسبة لهم عثرة. كما واجهت مقاومة من بعض الفلاسفة إذ كانوا يحسبون المسيحيين جماعة من العامة غير المتعلّمين، فإذا بهم يجدون فلاسفة عظماء يقبلون الإيمان المسيحى. أما بالنسبة للدولة الرومانية، فهى دولة عسكرية من الطراز الأول، قامت على الأسلحة، ونمت خلال الحروب، إمبراطورها هو رأس الجيش وقائده. كان الدولة فى البداية تتطلع إلى المسيحية كفرقة يهودية، ولم يطمع أحد من القادة فى الغرب أو الشرق أن يغتصب الحكم من الإمبراطور ليُقيم مملكة أو إمبراطورية جديدة.

لم يعرف المسيحيون العنف، ولا استخدام السلام، لكن إذ تزايد عدد المسيحيين فى كل دول العالم فى ذلك الحين، كانوا يُمثلون خطراً ببث فكر يقاوم ديانة الدولة وإعلان رفضهم الحروب.

لقد ظهر مجموعة من المفكرين المسيحيين منذ بدء انطلاق المسيحية يُدعون بالمُدافعين Apologists، جابهوا المقاومة سواء من اليهود أو الفلاسفة أو الحكام بشجاعة مع أدب، يتحدثون مع كل فئة بلغتها ومفاهيمها.

ثانياً: موقف المسيحى من المحافل الدينية الوثنية. إذ كان المسيحيون لا يشتركون فى المحافل الدينية الوثنية، حسبهم البعض ليسوا رومانيين حتى وإن كانت لهم المواطنة الرومانية، وأنهم مقاومون للدولة الرومانية. فقام المدافعون المسيحيون بالكتابة عن أمانة المسيحيين وإخلاصهم للإمبراطور والهيئات الحاكمة والدولة، وأنهم سند للدولة.

ما هو موقف الكنيسة من السلطات المدنية والقضائية والعسكرية؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ6 – المفاهيم المسيحية والحياة اليومية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو موقف الكنيسة من السلطات المدنية والقضائية والعسكرية؟

نادت المسيحية بالطاعة للسلطات والخضوع للدولة كما ركزت على السلام الداخلى والغفران للمخطئين، وعدم استخدام السيف ضد المقاومين، فإن المؤمن يلزمه أن يُطبق هذه الوصايا، مشتهياً أن يُقدم الحب حتى للأعداء المقاومين وذلك بعمل روح الله القدوس فيه. يقول الرسول بولس: "لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة، لأنه ليس سلطان إلا من الله والسلاطين الكائنة هى مُرتبة من الله. حتى أن من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله، والمقاومون سيأخذون لأنفسهم دينونة. فإن الحكام ليسوا خوفاً للأعمال الصالحة بل للشريرة. أفتريد أن لا تخاف السلطان؟ افعل الصلاح فيكون لك مدح منه" (رو13: 1 - 3). "فأطلب أول كل شئ أن تُقام طلبات وصلوات وابتهالات وتشكرات لأجل جميع الناس. لأجل الملوك وجميع الذين هم فى منصب، لكى نقضى حياة مطمئنة هادئة فى كل تقوى ووقار. لأن هذا حسن ومقبول لدى مخلصنا الله" (1تى2: 1 - 3). هذا وقد اختلف تطبيق هذه الوصايا حسب الظروف التى يعيش فيها المؤمنون وقامتهم الروحية.

كانت الكنيسة فى الشرق والغرب تحمل فكراً انقضائياً حياً، فالكل يترقب مجئ السيد المسيح الأخير بفرح وبهجة قلب، مما دفع المؤمنين إلى تنازلات كثيرة بفرح من أجل المجد المنتظر، ولفتت انتباه الوثنيين بالحب واللطف إلى الحياة الإيمانية الحية، مهما كانت التكلفة.

اتسم المسيحيون بحُبهم للبشرية كلها، حتى للمقاومين والمُضطهدين لهم. غير أن كثيراً من القادة والشعب كانوا يرفضون أو على الأقل لا يستريحون للالتحاق بالجيش الرومانى، ليس بدافع الكراهية للجيش، ولا عن عصيان للسلطات، وإنما لأجل سمات الجيش فى تلك الأوقات، وهى:

أ. لم تكن الجيوش الرومانية فى فترات كثيرة منشغلة بالدفاع عن الإمبراطورية الرومانية قدر ما كانت تُكرس أغلب طاقاتها لتحطيم الإيمان المسيحى وإبادة المسيحيين أو إلزامهم بالعبادة الوثنية. وضع العلامة أوريجينوس العبادة الوثنية مع اللصوصية كخطايا عامة كانت فى الجيش[136]].

توجد حقيقة هامة وهى أنه منذ عصر نيرون (54 - 68) إلى عصر قسطنطين (306 - 337) كانت ممارسة الحياة المسيحية غالباً ما تُعتبر جريمة عقوبتها الموت. بالنسبة للمسيحى يستطيع الإنسان المدنى الهروب بطريقة أسهل من الجندى المسيحى. إذ لم يكن ممكناً للجندى أن يرفض ممارسة العبادة الوثنية. لهذا فإن نسبة الشهداء الجند والقادة تُعتبر مرتفعة عنها بين المدنيين وإن كانت نسبة تعداد العسكريين المسيحيين قليلة.

ب. اتسم الجيش الرومانى بالعنف واغتصاب الغير والتهور. هذا ولم يكن يُسمح للجنود أن يمارسوا حياتهم الزوجية أو أن يتزوجوا، لهذا كان أمامهم أحد اختيارين: إما العفة الإلزامية أو الزنا[137].

ج. كانت الكنيسة الأولى ترفض الدخول فى الحياة السياسية[138]. فى رد العلامة أوريجينوس بن لاونديوس الشهيد على صلسس كتب: [مجلس الشيوخ الرومانى، والأباطرة المتعاقبون، والجيش، والشعب، وأقرباء المؤمنين من الدرجات الأولى، الكل يتآمرون لتدير الكنيسة[139]]. كما كتب مُعلّمه القديس إكليمنضس السكندرى عن اضطهاد الدولة الرومانية للمسيحيين لا لجريمة ارتكبوها وإنما لأجل إيمانهم[140].

تؤكد الرسالة إلى ديوغنيتس أن الاستشهاد لم يُحطم المسيحية، بل به زاد عدد المسيحيين[141].

ويقول العلامة ترتليان إن دم الشهداء هو بذرة المسيحيين[142].


[136] Everett Ferguson, Scholer and Finney: Studies in Early Christianity, vol. 16, Christian Life: Ethics, Morality, and Discipline in the Early Church, p. 200 - 201.

[137] Everett. P. 227.

[138] Everett. P. 200.

[139] Contra Celsus 3: 1.

[140] Strom. 11: 4.

[141] Ad Diogn. , 7.

[142] Tertullion: Apology 13: 1.

ما هو موقف الكنيسة الأولى من المسارح والملاعب واستخدام أكاليل الزهور؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ6 – المفاهيم المسيحية والحياة اليومية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو موقف الكنيسة الأولى من المسارح والملاعب واستخدام أكاليل الزهور؟

كانت المسارح والملاعب تُستخدم عادة للاحتفالات الخاصة بالآلهة الوثنية أو بالإمبراطور كإله، وكان لها طقوسها الخاصة، مثل إنارة مشاعل ووضع أكاليل من الزهور على رؤوسهم. وقد اضطر البعض، بسبب البسطاء أو الضعفاء فى الإيمان، رفض استخدام الزهور، ليس لأنها دنسة، ولكن لأنها ارتبطت بعبادة الشيطان والأوثان. مع هذا يقول الشهيد يوستين (110 - 165): [كل شئ يُولد كعطية الله التى لا تُنتهك حرمتها، لا يُمكن انتهاكها بعمل بشرى (حتى وإن استخدمت فى طقوس وثنية). على أى الأحوال، نحن نمتنع عن استخدامها حتى لا يعتقد أحد اننا نخضع للشياطين الذى من أجلهم يُشرب الخمر، أو أننا نخجل من يانتنا. بالتأكيد زهور الربيع مُبهجة لنا، فإننا نختار وردة الربيع والسوسنة وغيرها من الزهور ذات الألوان المُبهجة للغاية والرائحة الذكية، ونستخدمها سواء كل منها بمفردها أو ننثر أوراقها أو ننسجها معاً كأكاليل نُزين بها رقابنا[133]].

يقول القديس إكليمنضس السكندرى: [الذين تعلّموا بواسطة اللوغوس يمتنعون عن ارتداء أكاليل (الزهور). إذ يحسبون أنه ليس من الضرورى أن يُقيدوا أذهانهم التى فى رؤوسهم، ليس لأن الإكاليل رمز لحياة السكر الجامحة، وإنما لأنها ترتبط بالوثنية[134]]. ويؤكد العلامة ترتليان (160 - 225) أن كل ما فى العالم صالح فى ذاته، حتى حجارة المسارح، وصوت المغنى والسيف والأعشاب. إنما إساءة استخدامها سواء فى المسارح وللغناء الفاحش أو القتل أو للسم هو شر[135].

كثيراً ما هاجم العلامة ترتليان فى مقاله De Spectaculis المسارح والملاعب للأسباب التالية:

1 - تُقدم فيها ذبائح بشرية استرضاء للموتى (ف12).

2 - يُقدم فيها أمور مخزية، وينطقون بألفاظ مشينة (ف22).

3 - تتم فيها جرائم قتل تحت شعار الرياضة. بهذا تُكسر وصية إلهية أساسية: لا تقتل (ف2).

4 - ممارسة العبادة الوثنية فيها (ف10).

5 - ما تدينه القوانين خارج المسارح يتم كأمر طبيعى فى المسارح (ف17).

6 - ما يتم فى المسارح لا يخنق العين كعضو للنظر فحسب، وإنما له تأثيره على الفكر، حيث يتعلم الشخص التسيب والحسد والغضب. إنه يثير العواطف ويفسدها (ف17).

يقول العلامة ترتليان إن المسيحيين "كهنة السلام"، فإن كانوا يدانون خارج المسارح، فإنهم يُدانون أيضاً داخلها، إن لم يكونوا أمناء فى دورهم كرجال سلام (ف16).

مع تحليله الأسباب التى لأجلها يرفض المسيحيون الذهاب إلى المسارح والملاعب، يقول العلامة ترتليان بأنه يجب تذكر "إن المواضع فى ذاتها لا تدنسنا، وإنما ما يُمارس فيها" (ف8).


[133] Justin 2: 3.

[134] Paedagogus 8: 2 PG 484: 8.

[135] Tertullian: de spectaculis, 1.

هل قامت المسيحية فى عصر الآباء الأولين على الإبداع الأدبى؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ6 – المفاهيم المسيحية والحياة اليومية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل قامت المسيحية فى عصر الآباء الأولين على الإبداع الأدبى؟

لم يقم الإيمان المسيحى على الإبداع الأدبى، لكنه يُقدّس كل ما هو مُبدع. شجع القادة والشعب على استخدام موهبة الإبداع الأدبى. كمثال الشهيد كبريانوس الذى كان قبل الإيمان خطيباً فصيحاً لم يُحطم ما تمتع به من بلاغة، لكن الإيمان أعطى لبلاغته عذوبة خاصة سندته فى رعايته للشعب سواء خلال الكلمة المقولة أو المكتوبة. لقد اقتدت الكنيسة بالأنبياء والرسل الذين كتبوا بلغة عصرهم، غير مُستخفّين بالثقافة التى كانت تسود فى أيام كل واحد منهم[131].

ما قلناه بخصوص الإبداع الأدبى واللغوى وتقديسه لحساب بنيان الجماعة فى تناغم وتناسق مع الإيمان الحى العملى، نقوله أيضاً بخصوص الفنون. لقد نجحت الكنيسة الأولى فى تقديس الفنون للعمل معاً على التهاب القلب بالحب الإلهى وطلب السماويات فى غير استخفاف بالفنون. وُجدت فى مصر ورقة بردى تحوى لحنا مسيحياً بموسيقى[132]. كما نعرف عن الأسقف المصرى نيبوس Neposأنه وضع الكثير من التسابيح والمزامير التى كان المؤمنون يتغنون بها بلذة فى أيام البابا ديونسيوس السكندرى (190 - 265).


[131] Origen C. Celsus, 59: 7 - 60.

[132] Igino Giordani, P. 52 - P. Oxy, 1786.

هل دور الإيمان نقد الثقافات أم تقديسها؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ6 – المفاهيم المسيحية والحياة اليومية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل دور الإيمان نقد الثقافات أم تقديسها؟

أوضح العلامة أوريجينوس أن المسيحية لا تدين الثقافة فى المجتمع، بل تقدسها. إذ يقول: [الثقافة ليست شراً، بل بالحقيقة هى طريق للفضيلة... إنها لا تعوق معرفة الله[124]]. [يلزم توبيخ أولئك المسيحيين الذين يجدون راحتهم فى جهلهم[125]] [الحكمة الحقيقية لا تأثم، بل الجهل يخطئ. الأمر الوحيد المستقر بين كل الموجودات هى المعرفة والحق، هذا وذاك ينبعان عن الحكمة[126]].

يفضل العلامة أوريجينوس أصحاب العقول الأكثر تعقلاً وذكاءً لاستخراج أسرار الكتاب المقدس والبحث بعمق فى غوامض الإيمان[127]. تعلم القديس غريغوريوس العجائبى (213 - 270) الذى يدرس فى مدرسة أوريجينوس أن المعرفة تقود إلى الإيمان، والجهل إلى العمى، وأن من لا يدرس الفلسفة لا يقدر أن يكون تقياً[128].

لقد كسب أوريجينوس القديس غريغوريوس العجائبى وأخاه أثنيودورس Athenodorusللمسيحية من خلال ثقافة مُعلمهم وقدرته الفكرية. كان مُعلمهم يُوجه تلاميذه نحو دراسة نظريات الفلاسفة اليونانيين، أياً كانوا، ماعدا الملحدين. لم يسمح لتلاميذه أن يجهلوا الأفكار البشرية، وقد درّبهم أن يُميزوا الحق من الباطل خلال الغابات الكثيفة المملوءة أشواكاً[129].

فى عظاته على سفر الخروج يقول العلامة أوريجينوس أنه يليق بالمسيحيين أن يستخدموا الفلسفات لبناء الصرح الإيمانى، كما استخدم العبرانيون ذهب المصريين فى إنشاء خيمة الاجتماع.

فى حديث للشباب لم يمنع القديس باسيليوس الكبير القراءة للشعراء والمؤرخين والخطباء مادامت هذه القراءات نافعة. يكمل حديثه لهم قائلاً: [علينا أن نبتدئ بقراءة الفكر الدنيوى لنرتفع بعده إلى المقدسات وأسرار الإيمان... فإذا كان هناك من موافقة بين هذه الثقافة وعقائدنا، كانت معرفتها من الإفادة بمكان كبير، وإلا فالمقارنة فى الحالة العكسية من شانها ان تثبت اعتقاداتنا الصحيحة[130]].


[124] Contra Celsus 47: 3, 49.

[125] Contra Celsus 44: 3.

[126] Contra Celsus 72: 3.

[127] Cf. Contra Celsus 74: 3.

[128] Paneg. 14: 6.

[129] Igino Giordani: The Social Message of the Early Church Fathers, 1977, p. 47 (Gregory Thaumaturgus: Paneg. 13).

[130] Durkheim E.: Education et sociologie, P,U,F. Paris 1966,, Introd. P. 1 - 2.

هل كان المسيحيون شعباً منعزلاً عن المجتمع؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ6 – المفاهيم المسيحية والحياة اليومية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل كان المسيحيون شعباً منعزلاً عن المجتمع؟

لم يكن المسيحيون شعباً منعزلاً عن المجتمع، لكنهم عاشوا فى المجتمع لهم خلفية ثقافية مُعينة، وتعليم مُعين وأصدقاء وأقرباء وجيران، لم ينفصلوا عن الثقافة التى وُلدوا فيها، والمجتمع بكل ما فيه. لقد كانوا فى العالم، لكنهم ليسوا من العالم. لهم دعووة خاصة لتقديس العالم بعمل الله بهم وفيهم. "لأن الله لم يدعنا للنجاسة، بل فى القداسة" (1تس4: 7). "بل نظير القدوس الذى دعاكم، كونوا أنتم أيضاً قديسين فى كل سيرة، لأنه مكتوب: كونوا قديسين لأنى أنا قدوس" (1بط1: 15 - 16).

جاء فى الرسالة إلى ديوغينيتس The Epistle to Diognetus والتى تُعتبر من كتابات الآباء الرسوليين، أن المسيحيين ليسوا، كما يتخيل ديوغنيتس، شعباً متقوقعاً حول ذاته، يُقيم من ذاته دولة لها لغتها الخاصة وعاداتها المستقلة، إنما الإيمان المسيحى هو انفتاح على البشرية، على خلاف اليهود. [لا وطن، ولا لغة، ولا عادات، تُميز المسيحيين عن سائر البشر. فهم لا يقطنون مدناً خاصة بهم، ولا ينفردون بلهجة مُعينة...] وأن علاقة الكنيسة بالعالم كعلاقة الروح بالجسد، مصدر حياتهم، إنها خميرة المجتمع البشرى، والنور الذى يهديه سواء السبيل. [يقيم المسيحيون فى العالم كما تقيم الروح فى الجسد. الروح منتشرة فى أعضاء الجسد انتشار المسيحيين فى مدن العالم. الروح تقيم فى الجسد، إلا أنها ليست من الجسد المنظور... الجسد يكره الروح ويقاومها، وإن لم ينله منها أذى، سوى أنها تحول دون انغماسه فى حمأة اللذات. والعالم يكره المسيحيين، لا لأنهم أساءوا إليه، بل بكونهم يتصدّون لما فيه من شهوات منحرفة فاسدة. تحب الروح الجسد الذى يبغضها، كما يحب المسيحيّون مبغضيهم. الروح سجينة الجسد، ولولاها لما كان للجسد من حياة، والمسيحيون موثقون فى سجن العالم، لولاها لا قيام ولا حياة للعالم].

ما هو موقف كنيسة العهد الجديد من الفلسفة والمعرفة؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ6 – المفاهيم المسيحية والحياة اليومية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو موقف كنيسة العهد الجديد من الفلسفة والمعرفة؟

وُلدت كنيسة العهد الجديد فى عصر يمكن تلقيبه "عصر الفلسفة". كانت كلمة "فلسفة" فى القرون الأولى تُعادل "التقدم الصناعى" فى العصور الوسطى بأوروبا، والتقدم العلمى فى القرن العشرين، والتقدم التكنولوجى فى عصرنا الحالى. فكان الحكام والقضاة وأصحاب المراكز القيادية يفتخرون بأنهم فلاسفة أو عشاق الفلسفة ورجالها، وأنهم أصحاب ثقافة عالية. أوضح الرسول بولس أن الصليب عند اليونانيين (الفلاسفة) جهالة (1كو2: 14)، لكنه فى حقيقته فلسفة إلهية فائقة. "لأن جهالة الله أحكم من الناس! وضعف الله أقوى من الناس!" (1كو1: 25). يحسبونه جهالة بسبب عجز هؤلاء الفلاسفة عن إدراك سرّ حكمة الله وفلسفته.

لم تسفه الكنيسة الفلسفة ولا المعرفة، فكثيراً ما استخدم الرسل كلمة "يعرف" ومشتقاتها فى العهد الجديد! المعرفة لا تقف فى تضاد مع الإيمان، إنما هما أختان متلازمتان، مادامت المعرفة صادقة (الحق) والإيمان حقيقى غير مُزيف.

تبقى مدرسة الإسكندرية المسيحية– أول معهد مسيحى علمى فى العالم – شاهداً عملياً فى نظرة الكنيسة الأولى المتسعة نحو الثقافة فى المجتمع:

أولاً: يشهد العلامة أوريجينوس (185 - 254) أن القديس بنتينوس مدير المدرسة (تنيح حوالى عام 190م) كسب كثيراً من الفلاسفة للإيمان المسيحى باستخدامه للفلسفة.

ثانياً: يُعتبر القديس إكليمنضس السكندرى (150 - 215) أول كاتب مسيحى قام بتزويج الإيمان مع الفلسفة، بكونهما هبة من الله، وإن كان بعض الفلاسفة أدخلوا عليها ما هو باطل. وكان القديس يلبس بلين الفلاسفة وهو يُدرس فى مدرسة إسكندرية المسيحية. آمن أنه لا توجد عداوة بين المسيحية والفلسفة. وتتلخص نظرته إلى الفلسفة فى النقاط التالية[111]:

أ. أن الفلسفة ليست عملاً من أعمال الظلمة، بل كل مذهب من مذابها يشرق عليها شعاع نور[112] من اللوغوس... ففى بداية كتابة "المتفرقات Stromata" انتقد القائلين بأن الفلسفة شرّ، ووعد أنه سيوضح خلال هذا العمل، أنها من جانب هى "عمل التدبير الإلهى[113]". فى رأيه أن غاية الفلاسفة فى كل المدارس الفلسفية هى ذات غاية المسيحية، ألا وهى الحياة السامية، ولكن الفارق هو أن الفلاسفة لم يتمتعوا إلا بقليل من الحق، أما المسيحية فأعلنت الحق كاملاً فى المسيح[114]. الفلسفة، فى رأيه، أقل من الحق[115]، لكنها ليست بلا قيمة[116]. لهذا يرى الفلاسفة أطفالاً بقوا هكذا حتى جعلهم السيد المسيح رجالاً.

ب. لقد قال: "أقصد بالفلسفة ولا المذهب الرواقى أو الأفلاطونى أو الأبيقورى أو الأرسطاطلى، بل ما قد قيل بحق فى كل المذاهب ويُعلم مع العلم التقوى.

ج. يرى أن عناية الله لم تتجاهل أى شعب. فكما اعد الله العبرانيين بالناموس ليقودهما للسيد المسيح، هكذا استخدم الفلاسفة بالنسبة لليونانيين للبلوغ بهم إلى ذات. فى هذا يقول: [قبل مجئ الرب الإعدادى للذين ينالون الإيمان خلال البرهان... لقد أعطيت الفلسفة اليونانية مباشرة، وبطريقة بدائية إلى أن يدعوهم الرب. وكما يقول الناموس العبرانيين للمسيح (غل3: 24)، هكذا كانت الفلسفة إعداداً، تهيئ الطريق الذين يتكلمون فى المسيح[117] "].

د. أكد القديس بأمثلة عديدة أن اليونانيين قد استعاروا الكثير من العهد القديم[118]. قال إن أفلاطون انتحل آراء موسى والأنبياء، ولو أنه لم يُقدمها بطريقة صادقة. كما شبه الفلسفة اليونانية بالشريعة الموسوية، ومع ذلك فكثيراص ما أكد أن الإيمان هو أساس كل المعرفة[119]، وأعظم منها وهو الحكم عليها [120]، كما دافع عن الإيمان ضد الفلاسفة[121].

ه. إذ عرف القديس العالم بجانبيه الوثنى والمسيحى، عرف الكتابات اليونانية الكلاسيكية واللاهوت المسيحى. لهذا اعتقد أنه ليس من واجب الكنيسة ان تثبط همة الموعوظين عن متابعة دراستهم الفلسفية، إنما تستطيع الكنيسة أن تعطى مسحة مسيحية للفلسفة بثقافتها وتعليمها.

ثالثاً: قيل فى القرن الثانى وبدء القرن الثالث صار الفلاسفة مسيحيين، والمسيحيون فلاسفة، حيث كان الفلاسفة على علاقة وثيقة بعمداء مدرسة إسكندرية المسيحية وأساتذتها[122].

رابعاً: لا نعجب أن مدرسة الإسكندرية منذ بدء نشأتها، لا يقف منهجها عند الدراسات الدينية، بل تدرس علوماً كثيرة encyclopedic. هذا الموقف المشرف من قادة الفكر المسيحى فى الكنيسة الأولى يكشف كيف واجهت الكنيسة المجتمع بثقافاته وقدراته وإمكانياته، لا لتأخذ موقف المواجهة ضد المجتمع، بل تقديس ونمو وتطور كل ما هو للبنيان.

خامساً: القديس إكليمنضس السكندرى فى محاولاته لإرساء "غنوسية" مسيحية حقيقية وأصيلة وعملية، يستخدم بصفة مستمرة، مصطلح "غنوسى Gnostic" بمعنى "المؤمن الروحانى". فهو لا يفصل بين المعرفة Gnosisوالروحانية.

فى حديث الشهيد يوستين (100 - 165م) عن الفلسفة والفلاسفة يقول: [إن كل ما علموه من حقائق يخصنا نحن المسيحيين، وذلك لأن "اللوغوس" الذى نعبده ونحبّه، والمولود من الآب، والمتجسد لأجلنا ولأجل شفائنا من آثامنا بتحمله العذابات والآلام، هو ذاته الذى أوحى إليهم بتلك الحقائق. لقد عرفوا الحقيقة، لأن اللوغوس نفسه وضع فيهم زرعه. ولكن الفارق كبير بين الحصول على هذا الزرع وبين المشاركة فيه. لهذا فإن جميع المبادئ الصحيحة التى اكتشفها الفلاسفة والمُشرعون وعبّروا عنها تعود إلى أنهم وجدوها وتأملوها جزئياً فى اللوغوس. وعندما كانوا يخطئون، فيعود ذلك إلى أنهم لم يعرفوا اللوغوس بالكلية، الذى هو المسيح. أما نحن فعرفناه وأخذنا عنه الحقيقة كاملة[123]].


[111] - راجع للمؤلف: آباء مدرسة الإسكندرية الأولون، 2001، ص69 - 72.

[112] Stormata, 13: 1.

[113] Stormata, 4: 1.

[114] W. Fairweather: Origen & Greek Patristic Theology, Edinburgh 1901, p. 15.

[115] Stormata,98: 1.

[116] Stormata, 15: 1.

[117] Stormata, 5: 1 (A. N. Frs, vol2, P305).

[118] Stormata, 5: 2.

[119] Stormata, 4: 2.

[120] Stormata, 4: 2: 5.

[121] Stormata, 2: 2: 8.

[122] Cf. Fr. Tadros Malaty: The School of Alexandria, chapters 4,5.

[123] Apology, 2 - 10.