ما هو موقف العلامة ترتليان (1220 تقريباً) من الالتحاق بالخدمة العسكرية؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ6 – المفاهيم المسيحية والحياة اليومية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو موقف العلامة ترتليان (1220 تقريباً) من الالتحاق بالخدمة العسكرية؟

فى أيام ماركوس أوريليوس (161 - 180) نسمع عن الكتيبة الثانية عشر[175] ومعجزة سقوط الأمطار. وكما يقول ترتليان[176] ويوسابيوس[177] أن الكتيبة الرومانية فى معركتها ضد الألمان وال Sormatiansعانت من الظمأ الشديد، وقد طلبت الفرق المسيحية التى كانت فى المعركة من الله مطراً يسند الجيش الرومانى، مما أعطاه فرصة للنصرة. هذا يعنى وجود عدد كاف من المسيحيين فى الكتيبة، ووجودهم لم يُسبب عثرة، بل كان سنداً للجيش فى المعركة.

حدد العلامة ترتليان ثلاث خطايا خطيرة وهى عبادة الأوثان والزنا والقتل دفاعاً عن النفس[178]. ولذلك بالرغم من رغبته الحارة فى إبراز الدور الإيجابى للمسيحيين فى خدمة الإمبراطور وجيشه، كان متردداً فى قبول المسيحى الالتحاق بالجيش والاشتراك فى الحروب. لم يستطع أن يُقدم تصالحاً بين هذه الظاهرة والدعوة الإنجيلية للسلام. [لقد بدأنا بالأمس وها نحن قد ملأنا العالم وكل ما يتعلق بكم: المدن، وشقق المنازل، والحصول، والبلاد، والأسواق، والمعسكرات ذاتها، وقبائلكم، ومجالس مدنكم، والقصر الملكى، ومجلس الشيوخ، وأسواق الحوار، الشئ الوحيد الذى تركناه لكم هو المعابد. يمكننا أن نحصى جيوشكم. يوجد عدد كبير من المسيحيين فى ولاية واحدة. أى نوع من الحرب نشترك فيها نحن الذين نخضع بإرادتنا للسيف... فإنه بحسب تعليمنا يُسمح بالأكثر أن نُقتل عن أن نقتل؟! [179]] [إننا نعيش فى العالم، نشاركهم أسواق الحوار والسوق والحمامات والمتاجر والمصانع والفنادق وأيام السوق وكل أنشطة تجارية. إننا لسنا أقل منكم: نبحر فى البحر، نخدم فى الجيش، نفلح الأرض، نشترى ونبيع[180]] [نحن نصلى بغير انقطاع من أجل كل الأباطرة من أجل امتداد حياتهم، ومن أجل إمبراطورية آمنة، وحماية للقصر الإمبراطورى، وجيوش شجاعة، ومجلس شيوخ ملوكى، ووطنية صادقة، وعالم مملوء سلاماً، ومن أجل كل ما يشتهيه الإمبراطور كإنسان وكقيصر[181]] [كيف يفعل المسيحى ذلك؟ كيف يمكنه أن يخدم فى الجيش حتى فى وقت السلام بدون السيف الذى انتزعه يسوع المسيح؟ حتى إن كان الجنود قد جاءوا إلى يوحنا وأخذوا مشورة ماذا يجب أن يفعلوا، حتى إن قائد المائة صار مؤمناً، فإن الرب بطلبه أن يُرد بطرس سيفه إلى غمده (مت26: 52)، يليق بكل جندى أن يتخلى عن سلاحه فيما بعد. إنه لا يسمح لنا أن نرتدى أى شكل يشير إلى عمل خاطئ[182]].

فى أيام سبتميوس سويرس Septimuis Severus (193 - 211م) تزايدت الأعمال الحكومية المدنية باستمرار، وكان يمارسها أشخاص عسكريون. لهذا كان يمكن أن يلتحق الإنسان بالجيش دون أن يشترك فى معركة، أو حتى يمارس واجب الشرطة (تأديب المجرمين).

جاء فى "التقليد الرسولى" المنسوب للقديس هيبولتس الرومانى [الجندى فى الرتب الدنيا لا يقتل أحداً. إن صدر له أمر بذلك لا يطيع، ولا يُقسم. إن كان لا يريد أن يذعن لهذا الاتجاه، فلينسحب (من الكنيسة). إن كان أحد يمارس سلطان السيف أو سلطاناً مدنياً، ويلبس الأرجوان، فليمتنع عن هذه الوظيفة أو ينسحب. الموعوظ أو العضو بين المؤمنين الذى يريد أن يلتحق بالجيش فلنيسحبن لكى يُظهر استحقاقاً لله[183]].


[175] Legio – 12 fulminate.

[176] Apology 6: 5; To Scapula 6: 4.

[177] Eccles. Hist. 5: 5: 1 - 6.

[178] De Pudicitia, 12.

[179] Tertullion: Apology 4: 37.

[180] Apology 2: 42 - 3.

[181] Apology, 4: 30.

[182] Tertullion: Idolatry 1: 19 - 3.

[183] St. Hippoltus of Roma: The Apostolic Tradition, canon 16.

ما هو موقف أثيناغوراس (القرن الثانى) من الالتحاق بالخدمة العسكرية؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ6 – المفاهيم المسيحية والحياة اليومية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو موقف أثيناغوراس (القرن الثانى) من الالتحاق بالخدمة العسكرية؟

يقول أثينا غوراس مدير مدرسة الإسكندرية إن المسيحى لا يقدر أن يرى إنساناً يُقتل ولو بعدل[172]. وفى دفاعه عن المسيحيين، الذى قدّمه للإمبراطور وابنه كتب: [إننا نصلى لأجل مملكتك لكى يعبر النجاح من الأب إلى الابن كما هو لائق جداً، ويزداد نفوذك، ويمتد، فيخضع كل واحد لك. مثل هذا التقدم يفيدنا نحن أيضاً حيث نقدر أن نسلك حياة هادئة وسالمة، ونفعل بإرادتنا كل ما نؤمر به[173]]. [لقد تعلمنا ألا نرد اللطمة بلطمة، ولا نأخذ إلى المحكمة من يسلبوننا ويغتصبون ما لنا. ماذا بالأكثر إن ضربونا بمهانة على رأسنا، فقد تعلّمنا أن نُقدم الجانب الآخر أيضاً (الحب)، وأن نُقدم ثوبنا لمن يأخذ رداءنا[174]].


[172] Legatio, 35.

[173] Plea for the Christians, 2: 37 - 3.

[174] Plea for the christians, 4: 1.

ما هو موقف الشهيد يوستين (حوالى 150م) من الالتحاق بالخدمة العسكرية؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ6 – المفاهيم المسيحية والحياة اليومية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو موقف الشهيد يوستين (حوالى 150م) من الالتحاق بالخدمة العسكرية؟

يرى رفض الاشتراك فى الحرب بسبب العادات الخاصة بالجيش حيث كان الجند يلتزمون بضرورة إنكار السيد المسيح وتقديم ذبائح قبل المعركة. إنه يقول: [نحن الذين كنا قبلاً نقتل بعضنا بعضاً ليس فقط نرفض أن نثير حرباً على أعدائنا، وإنما لكى نتجنب الكذب والخداع على الذين يسألوننا أن نذهب بكامل حريتنا للموت معترفين بالمسيح[171]].


[171] Apology 39: 1: 2 - 3.

ما هو موقف القديس إكليمنضس الرومانى (القرن الأول) من الالتحاق بالخدمة العسكرية؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ6 – المفاهيم المسيحية والحياة اليومية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو موقف القديس إكليمنضس الرومانى (القرن الأول) من الالتحاق بالخدمة العسكرية؟

يقتبس القدس إكليمنضس الرومانى فى كتاباته نظام القيادة العسكرية فى الجيش الرومانى، ليس فقط كأسلوب مجازى، لكنه كمن يؤيد ويقبل[169]. أظهر ان بعض المسيحيين كانوا يخدمون فى الجيش، وكأنهم فى جيش الله، كانوا فى طاعة يخضعون للأوامر العسكرية. كانوا فى رتب مختلفة، وقد أخذ الجيش مثلاً لحاجة الكبير والصغير لعضهما البعض، وضرورة ممارسة روح الخضوع العام[170].


[169] Cf. Robert M. Grant: Early Christianity and Society, London 1978, p. 22.

[170] Epistle, 37: 1: 1 - 4.

ما هو موقف كنيسة العهد الجديد من الحروب؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ6 – المفاهيم المسيحية والحياة اليومية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو موقف كنيسة العهد الجديد من الحروب؟

أولاً: المسيحية دعوة للحب حتى للأعداء. يقول القديس أمبروسيوس: [يدعو الناموس إلى الانتقام المعادل للضرر، أما الإنجيل فيامرنا ان نرد العداوة بالحب، والكراهية بالإرادة الصالحة، والصلاة من اجل اللاعنين. إنه يأمرنا ان نعين الذين يضطهدوننا[165]].

ثانياً: اهتمام العهد الجديد بالحياة الداخلية. مع عدم تجاهل الواقع الذى يعيش فيه المؤمن، ركز العهد الجديد على الإنسان الداخلى، او الحياة الداخلية، مؤمناً بقدرتها على التغيير بالنسبة للمؤمن والمجتمع. فقد اعلن السيد المسيح لتلاميذه: "ها ملكوت الله داخلكم" (لو17: 21)، والمسيحى قادر أن يمنح سلاماً (مت10: 13)، لأن سلام الله يحفظ قلبه (فى4: 7). ويظهر السيد المسيح الغالب فى شكل حمل (رؤ5) كمثال للغلبة بروح الوداعة الداخلية. وكما يقول العلامة أوريجينوس: [مادام قد أمر (المؤمن) ان يكون مُسالماً حتى مع الذين يبغضون السلام، فإنه يعجز عن استخدام السيف ضد اى شخص[166]] , ويقول القديس امبروسيوس: [السلام الذى ينزع إغراءات الأهواء، ويعطى هدوءً لمتاعب الروح، أكثر عذوبة من ذاك الذى ينتج عن إحباط غزو البرابرة. إنه لأمر عظيم ان تقاوم العدو داخلك عن ذاك العدو البعيد عنك[167]].

ثالثاً: لم يكن الالتحاق بالخدمة العسكرية إلزامياً. حتى عام 170 لم تكن هناك مشكلة بالنسبة للمسيحيين، فالدولة الرومانية لم تكن عسكرية بالمفهوم الحديث. كان الجيش يمثل نسبة صغيرة بالنسبة للتعداد، لهذا لم تكن هناك حاجة لإلزام المسيحى على الالتحاق بالجيش الرومانى. يرى Edward A. Ryanأنه لم تكن هناك مشكلة بالنسبة للمسيحيين فى بدء نشأة الكنيسة بخصوص الالتحاق بالخدمة العسكرية، إذ كان الرومان يتطلعون إليهم كطائفة يهودية، فانتفعوا بالاستثناء الذى لليهود الخاص بالإعفاء من الخدمة العسكرية[168].

من جانب آخر عندما قام اليهود بتمرد خطير ما بين عامى 66، 70 وقام فاسبسان وتيطس بمقاومته، كان المسيحيون قد عبروا الأردن إلى Pella، ولم يدخلوا فى مقاومة مسلحة للدفاع عن أورشليم، من أجل ولائهم للحاكم، فقد اكد الرسل ضرورة الطاعة للحكام (1بط2: 13؛ 13: 1 - 7). ولأن السيد المسيح سبق فأعلن لهم عما سيحدث وطالبهم بالهروب.


[165] Discourse on Luke 73: 5.

[166] Comm. Ser. 102 in Matth.

[167] On Jacob 2;29: 6.

[168] Everett Ferguson, Scholer and Finney: Studies in Early Christianity, vol Christian Life: Ethics, Morality, and Discipline in the Early Church, p. 217ff.

ما هى نظرة الكنيسة للالتحاق بالخدمة العسكرية فى عصور ما قبل قسطنطين؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ6 – المفاهيم المسيحية والحياة اليومية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هى نظرة الكنيسة للالتحاق بالخدمة العسكرية فى عصور ما قبل قسطنطين؟

فى القرن الثانى هاجم الفيلسوف الوثنى صلسس Celsus المسيحيين بكونهم هاربين من الجيش وبالتالى غير مدافعين عن الإمبراطور. لم يفند العلامة أوريجينوس هذا الاتهام بكونه اتهاماً باطلاًن لأن المسيحيين لا يشتركون فى الحرب مثل كهنة الأوثان الذين كانوا يُعفون من الخدمة العسكرية حتى لا يُقدموا الذبائح بأيد ملطخة بالدماء، ملوثة بالقتل. فالمسيحيون لهم ما يُبررهم فى الإعفاء من هذه الخدمة[160]. إنه يعلن عن ولاء المسيحيين للدولة دون الشركة فى الخدمة العسكرية متى كانت تُمارس بدون عدالة. فى اختصار يمكن الشركة فيها متى كانت حرباً عادلة. يقول العلامة اوريجينوس: [لو لم تكن هذه الحروب الجسدية (أى ضد الشعوب) ترمز إلى الحروب الروحية لست أظن انه كان يمكن للرسل ان يسمحوا لأتباع المسيح ان يقرأوا الأسفار التاريخية اليهودية فى كنائسهم... هكذا إذ كان الرسول مُدركاً أن الحروب الجسدية (أى ضد الشعوب) لم تعد بعد تُثار بواسطتنا، إنما محاربتنا هى فقط فى معارك النفس ضد الأعداء الروحيين يعطى الأوامر للمؤمنين بكونهم جنود المسيح وهو القائد العسكرى، إذ يقول: "البسوا سلاح الله الكامل تقدروا ان تثبتوا ضد مكايد إبليس" (أف6: 11) [161]].

يعالج القديس أغسطينوس موضوع الحروب التى سمح الله ان يمارسها الشعب ضد الشعوب الوثنية، متطلعاً إلى ان ما يحلّ بهذه الشعوب من عقوبة اخطر بكثير مما يعانوه من الحروب ومن الموت الجسدى. يقول إن الله "يستخدم عادة الحروب كطريق للتأديب ومعاقبة المخطئين[162]".

فى رده على فوستوس الذى هاجم الحروب الواردة فى العهد القديم، قال القديس أغسطينوس: [يلزم (لفوستوس) ألا يتعجب ولا يرتعب من الحروب التى اثارها موسى، فإنه حتى فى حالة موسى كان يتبع تعليمات الله. وقد فعل هذا ليس بروح الانتقام، بل من اجل الطاعة. لم يكن عمل الله هذا وإصدار أمره بالحروب غير إنسانى، بل هو تقديم عقوبات عادلة لإثارة الخوف فى قلوب مستحقيها... ما يستحق التوبيخ بحق هو الرغبة فى الضرر والانتقام القاسى... روح التمرد الهمجى، وشهوة السيطرة وغير ذلك من الأمور. أما لماذا يمارس الصالحون حروباً بأمر إلهى فى مواجهة المقاومة العنيفة، أو بأمر سلطة شرعية، فهو لكى يوقعوا عقوبة عادلة على مثل هذه الأمور[163]]. كما يقول: [يمارس الصالحون عمل الرحمة حتى بإثارة الحروب لكى يضبطوا الأهواء المتسيبة، ويقطعوا الرذائل التى يجب إزالتها، أو الضغط عليهم (الأعداء) بموقف مسئول[164]].


[160] Origen: Contra Celsus 73: 8.

[161] Against Celsus 1: 15.

[162] City of God 1: 1.

[163] Against Faustus 74: 22.

[164] Letter 2: 138: 14.

هل اتسمت المجتمعات المسيحية بنظام دقيق؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ6 – المفاهيم المسيحية والحياة اليومية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل اتسمت المجتمعات المسيحية بنظام دقيق؟

إنهم يتطلعون إلى الأسقف أنه مُعين من قبل الله، يُمثل السيد المسيح، يلزم طاعته. عندما اقتيد القديس اغناطيوس للاستشهاد كان الأساقفة والكهنة والشعب يلتقون به فى كل ميناء، ليحيوه ويطلبون بركته ويصلون معهز.

أشار العلامة اوريجينوس إلى استخدام على الأقل ثلاثة طرق فى إقامة الأسقف: إما باختبار الأسقف السابق له، أو بانتخاب الشعبن او بانتخاب الكهنة[157].

مع كل ما اتسمت به الكنيسة من نظام جامعى وتدبير دقيق من كل الجوانبن لكن حرصت الكنيسة ان تبقى الخميرة وسط العالم لكى تخمره، ولا تعزل نفسها عن العالم. فهى ليست دولة داخل دولة! لا يتطلع المسيحيون إلى إقامة دولة لهم، لكنهم ينتسبون إلى كنيسة واحدة جامعة (مسكونية)، لهم طابع جديد فى الحياة.

يقول العلامة ترتليان: [إننا لسنا براهمة ولا نمارس رياضيات هندية، لا نسكن فى غابات أو مستبعدين عن الحياة العادية... إننا نبحر معكم، ونخدم معكم فى الجيش، وننشغل معكم فى التجارة كما تفعلون انتم، ونمارس معكم الحرف العامة والخدمات لصالحكم[158]].

وجاء فى الرسالة إلى ديوجنيتس (غالباً فى بدء القرن الثانى).

[إن المسيحيين لا يختلفون عن سواهم من أبناء البشر فى الوطن أو اللغة والعادات. والواقع هو أنهم لا يقطنون مدناً خاصة بهم وحدهم، ولا يتكلمون لغة خاصة بهم، ولا يعيشون عيشة غريبة شاذة. وأن عقيدتهم ليست من مكتشفات فضوليين خياليين متكبرين. ولا يؤيدون كغيرهم عقيدة من صنع البشر. ومع انهم يسكنون فى مدن يونانية وغير يونانية حسب نصيب كل منهم، ويسلكون بموجب عادات البلد الذى يحلون فيه من جهة الزى والطعام وأٍساليب المعيشة الأخرى، فإن أسلوب معيشتهم يستوجب افعجاب والإقرار بأنه غير متوقع. تراهم يسكنون البلدان ولكنهم غرباء. هم يشتكون فى كل شئ كمواطنين ولكنهم يحتملون كل ما يحتمله الغرباء. كل بلد أجنبى وطن لهم. وكل وطن لهم بلد غريب[159]].


[157] Cf. E. Ferguson in Church History 43 (26 - 33).

[158] Apology 1: 42 - 3.

[159] - فصل 5، ترجمة بولين تدرى.

هل يليق بالكنيسة أن تحسب نفسها دولة؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ6 – المفاهيم المسيحية والحياة اليومية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل يليق بالكنيسة أن تحسب نفسها دولة؟

منذ البداية سلكت الكنيسة فى العالم، بكونها مُضطهدة ومطرودة خارج المحلة، لا لتقيم من أعضائها دولة، بل لتعمل بهم كخميرة مقدسة، قلوبهم مرتبطة بالوطن السماوى. وكما يقول الرسول بولس: "فلنخرج إذا إليه خرج المحلة، حاملين عاره. لأن ليس لنا هنا مدينة باقية، لكننا نطلب العتيدة" (عب13: 13 - 14). حقاً الكنيسة هى إسرائيل الجديد، شعب جديد له رسالة سماوية وسط العالم.

يتحدث السيد المسيح عن المؤمن أو الكنيسة كخميرة تخمر العجين كله. وقد تغنى كثير من آباء الكنيسة الأولين بالمجتمع الكنسى المقدس كمجتمع مثالى، أو مدينة الله المقدسة، أو الحياة الجديدة، أو ملكوت الله على الأرض. مع كل هذه الألقاب الصادرة عن خبرة عاشتها الكنيسة، لم تُقم من نفسها دولة داخل دولة، لكنها خميرة مقدسة تتفاعل مع العجين لتقديس العجين كله. يقول القديس إكليمنضس السكندرى: [واحد هو أب الجميع، واحد هو الكلمة للكل، وواحد هو الروح القدس، هو بعينه فى كل موضع. أيضاً واحدة هى الأم البتول، وإنى أسر أن أدعوها: الكنيسة... هى أيضاً بتول، طاهرة كبتول، ومحبة كأم[153]].

المسيحيون هم شعب جديد، لكنهم ليسوا جنساً آخر، يتسم هذا الشعب بالجامعية، لكنهم لا يُكونون جنساً متميزاً عن بقية الأجناس. يشعرون أنهم أسمى من أن يُحدّوا بجنس مُعين. يقول العلامة أوريجينوس "المسيحيون ليسوا جنساً، بل شعب واحد قادم من كل الأجناس". يلزم أن يُدعوا: "جنس الأجناس" [154]. يرى الآباء الرسوليون ومن جاء بعدهم أن المجتمع المسيحى، أو الكنيسة، شعب جديد هو جيش روحى، يعرف كل مؤمن موقعه فيه، له نظام هرمى قمته "السيد المسيح"، ملك الملوك، ومخلص الجميع، يخضع له كل ما فى السماء وما على الأرض. المسيحيون يحاربون روحياً تحت لوائه، ومن ينحرف عنه يهلك. يقول القديس أغناطيوس الأنطاكى إن المعمودية [هى درع، والإيمان هو خوذة، والحب هو رمح، والصبر سلاح، والأعمال الصالحة هى الربح المختزن لكم حتى متى انقضى وقت الخدمة تنالون المكافأة اللائقة بكم "[155]].

هذا الشعب الجديد له نظامه الخاص الهيراركى (الكهنوتى) hierarchical، له أيضاً نظامه المالى حيث يتقبل التبرعات المنتظمة أو كدفعات غير منتظمة، المالية والعينية، وله حق العطاء والأنفاق على العاملين فيها والأرامل والأيتام والفقراء والمرضى والتعليم الخ.

وجود نظام دقيق للكنائس أثار الحكام الموالين للدولة الرومانية إذ حسبوا الكنائس أشبه بمؤسسات لها قوانينها وأنظمتها التى قد تقف فى وجه الدولة الرومانية وقوانينها. يقول القديس إكليمنضس الرومانى: [لنلاحظ الذين يخدمون قادتهم بأى نظم وطاعة وخضوع يتمّمون أوامرهم. فإنه ليس الجميع ولاة ولا قوّاد ألف ولا قوّاد مائة أو خمسين، إنّما كل واحد حسب رتبته يأخذ الأمر من الملك أو القادة. إذ لا وجود للكبار بدون الصغار، ولا للصغار بدون الكبار، بل فى مكان يوجد دمج (كبار وصغار) لنفع الجميع[156]].


[153] Paeadagogus 6: 1. PG 300: 8.

[154] Origen: In ep. Ad Rom. 6: 8. PG 11: 14 73.

[155] St. Ignatius: Polyc. 2.

[156] Clement 1: 37 - 4.

ما هى نظرة المسيحى نحو الرؤساء؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ6 – المفاهيم المسيحية والحياة اليومية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هى نظرة المسيحى نحو الرؤساء؟

يُقبل العلامة ترتليان كمواطق رومانى لقب "أب" بالنسبة للحاكم، مُقدماً مفهوماً عميقاً لأبوة القائد أكثر من فرض للسلطة. [كيف يمكن لذاك الذى هو أب لأمته أن يكون سيداً عليها؟ لكن هذا اللقب الحامل الحنو أعذب مما للقب السلطة. رؤساء العائلات أيضاً آباء أكثر منهم سادة[150]]. يقول العلامة ترتليان: [الإنسان المسيحى ليس عدواً لأحد، فبالأولى لرئيس الدولة. وإذ يعلم أن الأخير مُقام من قبل إلهه، يجد نفسه ملتزماً بالحب له، وتقديم التكريم والتوقير له، مشتهياً له كل خير كما لكل الدولة الرومانية[151]] [نحن نكرم الإمبراطور إذ يسمح لنا بتكريمه، بكونه إنساناً يأتى بعد الله[152]].


[150] Apology. 2: 34.

[151] Apology, 34.

[152] Ad Scapulam, 2.

هل يعيش المسيحى كمواطن صالح؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ6 – المفاهيم المسيحية والحياة اليومية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل يعيش المسيحى كمواطن صالح؟

المسيحى الذى يُعده الروح القدس للمواطنة السماوية، حتماً يكون نموذجاً صالحاً وفريداً بين المواطنين. يُقدم صورة بهية للمواطن المملوء حباً وبذلاً، بدافع داخلى إلهى! يقول العلامة ترتليان: [تطلعوا إلى سجونهم، إنها مشحونة بالمجرمين، لكنه وثنيون[148]]. كما يقول إن الدولة التى تقتل أفضل مواطنيها، المسيحيين، إنما تضر نفسها[149].


[148] Apology, 44.

[149] Apology, 44.