لماذا دعا الله نفسه “يهوه” (خر14:15)، عندما سأله موسى النبي عن اسمه؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

لماذا دعا الله نفسه "يهوه" (خر15: 14)، عندما سأله موسى النبي عن اسمه؟

لأنه هو الكائن في السماء وعلى الأرض وفي كل المسكونة، وهو كائن في وسط شعبه ولا يُمكن مقارنته بكائنٍ آخر!

ما معنى “لا يرانى أحد ويعيش”؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما معنى "لا يرانى أحد ويعيش"؟

يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [يستحيل علينا أن نتطلع إلى الله بعينٍ بشرية، لأن غير الجسدي لا يقع تحت الأعين الجسدية. وقد شهد الابن الوحيد– ابن الله نفسه – قائلاً: "الله لم يره أحد في أى زمان" (يو1: 18). فإن فهم أحد مما ورد في حزقيال (حز1: 28) إنه رأى الله، فإنه ماذا يقول الكتاب المقدس؟ إنه رأى "شبه مجد الله"، وليس الرب ذاته كما هو في حقيقته، بل شبه مجده. وبمجرد رؤيته شبه مجد الله، وليس المجد ذاته، سقط على الأرض مرتعداً. فإن كانت رؤية شبه المجد تملأ الأنبياء رعدة، فبالتأكيد إن حاول أحد رؤية الله ذاته يموت، وذلك كالقول: "الإنسان لا يرى وجهي ويعيش" (خر33: 20).

من أجل هذا فإن الله بحنو رحمته بسط السماوات أمام لاهوته لكيلا نموت. لست أقول هذا من عندي بل هو قول النبى: "ليتك تشق السماوات وتنزل من حضرتك، تتزلزل الجبال (وتذوب) (إش64: 1).

نراه خلال اعماله لماذا تتعجب من سقوط دانيال عند رؤيته شبه المجد، إن كان دانيال عند رؤيته جبرائيل – الذي هو ليس إلا مجرد خادم الله – ارتعب للحال وسقط على وجهه ولم يجسر النبي أن يجيبه بالرغم من أن الملاك نفسه، جاء على شبه ابن بشر؟! (راجع دا10: 9، 16، 18) إن كان ظهور جبرائيل أرعب الأنبياء، فهل يرى الإنسان الله كما هو ولا يموت؟! [68]].


[68] مقال9: 1.

هل يشهد الكتاب المقدس بإمكانية الإنسان أن يعرف الله؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل يشهد الكتاب المقدس بإمكانية الإنسان أن يعرف الله؟

أولاً: خلال الخليقة المُبهرة. يقول الرسول بولس: "إذ معرفة الله ظاهرة فيهم، لأن الله أظهرها لهم. لأن أموره غير المنظروة تُرى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته حتى انهم بلا عذرٍ" (رو1: 19 - 20).

ثانياً: وهب الله الإنسان ناموساً بالفطرة. "الذين يُظهرون عمل الناموس مكتوباً في قلوبهم، شاهداً أيضاً ضميرهم وأفكارهم فيما بينها مشتكية أو محتجة" (رو2: 15).

ثالثاً: إذ يتطلع الإنسان إلى معاملات الله معه ومع إخوته في البشرية في الماضي، يدرك أن الله لا يترك الإنسان وحيداً، بل يهتم به فى الوقت المناسب. هذا يحثه ان يتسلح بالله كأبٍ قديرٍ ومحبٍ وحكيمٍ.

رابعاً: من جانبٍ آخر، إذ يتأمل المؤمنون فى معاملات الله معهم يدركون أن الله وضع خطة في حياتهم، فيترنمون: "يا لعمق غنى الله وحكمته وعلمه. ما أبعد أحكامه عن الفحص وطرقه عن الاستقصاء. لأن من عرف فكر الرب أو من صار له مشيراً؟!" (رؤ11: 33 - 34).

خامساً: تمتع أناس الله الأبرار باللقاء معه ورأوه في مجده، ونظروه جالساً على العرش. وحاولوا التعبير عن سمات الله، فدعوه الديّان والقدير والطويل الأناة والحق والرحوم الخ. وإذ تجتمع كل هذه الأسماء معاً يقول القديس إكليمنضس الإسكندري إن الله فوق كل إسمٍ! عبّر الرسول بولس عن ذلك، فإنه إذ اختطف إلى السماء الثالثة (2كو12: 2) قال: كما هو مكتوب ما لم تر عين ولم تسمع أذن، ولم يخطر على بال إنسانٍ ما أعدّه الله للذين يحبونه (1كو2: 9)، فكم بالأكثر يكون ذاك الذي أعدّ هذا المجد؟!

يُدعى الله: النور والحق والحياة والقدير وكلّي الكمال الخ. هذه الألقاب لا تكشف عن جوهر الله غير المّدرك، إنما اُعطيت لنا كي نتعرف عليه قدر ما نستطيع بسبب ضعفنا كبشرٍ، أو كخليقةٍ عاجزة عن معرفة جوهر الخالق.

سادساً: الإعلان الإلهى أو الوحى الإلهي: يعلن الله أسراره الإلهية وخطّته نحو الإنسان محبوبه لأنبيائه خلال الرؤى أو الأحلام المقدسة، تارة خلال الرموز وأخرى علانية. وذلك حسبما فيه بنيان وخلاص للبشرية. سنترك الحديث عن الإعلان الإلهي فى بندٍ خاص به.

ماذا يقول الكتاب المقدس عن عجز الإنسان في معرفة جوهر الله؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ماذا يقول الكتاب المقدس عن عجز الإنسان في معرفة جوهر الله؟

يقول الرسول: "الذي وحده له عدم الموت، ساكناً في نورٍ لا يُدنى منه، الذي لم يره أحد من الناس، ولا يقدر أن يراه، الذي له الكرامة والقدرة الأبدية. آمين" (1تى6: 16).

هل يمكن للإنسان أن يعرف جوهر الله؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل يمكن للإنسان أن يعرف جوهر الله؟

الإنسان هو المخلوق الوحيد في السماء وعلى الأرض قيل عنه إنه خُلق على صورة الله كشبهه (تك1: 26 - 27). لأجله خلق الله العالم، كما غرس له جنة في عدن (تك2: 8). لذلك وهبه إمكانية التعرّف عليه، لكن يبقى جوهر الله غير موصوف ولا يمكن إدراكه.

إن كان الإنسان يعجز عن رؤية روحه او نفسه، مع تأكده من وجودها، فكيف يستطيع رؤية الله خالقه، ويُدرك جوهره الإلهي؟!

قال أحد الفلاسفة للقديس أثناسيوس: "أرني إلهك فأؤمن بوجوده". أجابه القديس: أرني نفسك وأنا أريك إلهي!.

مادام الله حاضر في كل مكانٍ، فلماذا يُقال عنه إنه يسكن في السماء أو في الكنيسة أو في المؤمن؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

مادام الله حاضر في كل مكانٍ، فلماذا يُقال عنه إنه يسكن في السماء أو في الكنيسة أو في المؤمن؟

سكناه في السماء يشير إلى مجده الأبدي، وفي الكنيسة يشير إلى قبوله العبادة المقدسة، وفي المؤمن يشير إلى عمله في حياة المؤمن الداخلية. وحضوره متى اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمه (مت18: 20) يشير إلى اعتزازه بحياة الشركة بين المؤمنين في الرب.

إن كان الله روح، فلماذا يصف الكتاب المقدس لله أعضاء جسدية مثل قلب الله وعينا الرب وأذناه ويداه؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

إن كان الله روح، فلماذا يصف الكتاب المقدس لله أعضاء جسدية مثل قلب الله وعينا الرب وأذناه ويداه؟

يستخدم الكتاب المقدس اللغة التي يستخدمها البشر لتصل إليهم الرسالة مفهومة لديهم، فقلب الله يعني حنوّه ومحبته، وعينا الله وأذناه تشير إلى معرفته لكل شيء، ويداه تشيران إلى قدرته.

هل تجاهل الكتاب المقدس الحديث عن سمات جوهر الله؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل تجاهل الكتاب المقدس الحديث عن سمات جوهر الله؟

لقد تحدث عنه أنه روح: "الله روح، والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا" (يو4: 24).

سرمدي (أزلي، أبدي): "من قبل أن تُولد الجبال أو بدأت الأرض والمسكونة منذ الأزل إلى الأبد أنت الله" (مز90: 2؛ راجع رؤ4: 8؛ رو16: 26).

صالح: ليس أحد صالحاً إلا واحد وهو الله (مت19: 17). "الرب حنّان ورحيم، طويل الروح وكثير الرحمة. الرب صالح للكل، ومراحمه على كل أعماله" (مز145: 8، 9).

العالِم بكل شيء: الله أعظم من قلوبنا ويعلم كل شيء "(1يو3: 20)." يا لعمق غنى الله وحكمته وعلمه، ما أبعد أحكامه عن الفحص، وطرقه عن الاستقصاء "(رو11: 33).

عدل الله: "لأن الرب عادل، ويحب العدل، المستقيم يبصر وجهه" (مز11: 7) "ليس عند الله محاباة" (رو2: 11).

القدير: "لأنه ليس شيء غير ممكنٍ لدى الله" (لو1: 37).

حاضر في كل مكانٍ: "أين أذهب من روحك؟ ومن وجهك أين أهرب. إن صعدت إلى السماوات فأنت هناك، وإن فرشت في الهاوية فها أنت" (مز139: 7 - 8).

ما هي سمات الله الواحد؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هي سمات الله الواحد؟

يقول القديس كيرلس الأورشليمي: [إنه الله (الاب)، واحد وحيد غير مولود، بلا بداية ولا تغيير، ليس فيه تنوع، ليس مولوداً من آخر، ولا يعقبه آخر، لم يبدأ في زمن للحياة ولا ينتهي قط.

إنه صالح وعادل في نفس الوقت، فإن سمعت من شخصٍ هرطوقي ينادي بوجود إله عادل وآخر صالح[65] تذكر في الحال سهام الهراطقة المسمومة. إذ يتجاسر البعض في كفرٍ أن يقسموا الله الواحد. وقال البعض إن واحد خالق للنفس وآخر إله الجسد[66]. وهذا التعليم غامض وشرير. لأنه كيف يمكن لإنسان أن يصير خادماً للسيدين، بينما يقول ربنا في الإنجيل: "لا يقدر أحد أن يخدم سيدين؟!" (مت6: 24؛ لو6: 13).

يوجد الله، واحد وحيد، خالق للنفوس، والأجساد، واحد هو خالق السماء والأرض، صانع الملائكة ورؤساء الملائكة. هو خالق لكثيرين، لكنه أب لواحدٍ وحيدٍ قبل كل الدهور، الابن الواحد الوحيد ربنا يسوع المسيح، الذي به خلق كل شيء، ما يُرى وما لا يُرى (يو1: 3؛ كو1: 16) [67].].


[65] ذكر القديس ايريناؤس (ضد الهرطقات 1: 27) أن Cerdo نادى بأن إله الناموس والأنبياء ليس هو أباً ربنا يسوع المسيح، بل هو واحد عادل والآخر صالح. كذلك جاء فى (ضد الهرطقات 25: 3: 3) أن مرقيون قسم الله إلى اثنين الواحد يدعى صالحاً، والآخر عادلاً، وبهذا وضع حداً للاهوت. راجع أيضاً العلامة ترتليان ضد مرقيون 1: 2، 6. والعلامة أوريجينوس ضد مكسيموس 4: 54.

[66] من هؤلاء أتباع مانى.

[67] مقال 4: 4.

هل يلغي الإيمان عطية العقل؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل يلغي الإيمان عطية العقل؟

"سرّ" في المسيحية لا يعني أن يتقبل المؤمن عقائد غامضة دون فهمٍ، أو أن هذه العقائد غير مقبولة عقلياً؛ فعندما نتحدث عن الأسرار الإلهية الخاصة بجوهر الله وطبيعته وأعماله، إنما نعنىي أن الله يعلن لنا عن هذه الأمور بكوننا كائنات عاقلة، واهباً إيانا الاستنارة الإلهية التى تكشف لنا عن المعرفة الإلهية التي هي بحق فائقة السمو. تبقى عقولنا عاجزة عن استيعاب هذه الأسرار طبيعياً دون تدخل نعمة الله وإعلانه. فالسرّ لا يضاد العقل الإنساني، لكنه بدون معونة الله يبقى فائقاً بعيد الإدراك.

خلقنا الله كائنات عاقلة لا كائنات بهيمية. وهو يعلن لنا عن ذاته وعن أعماله لا ليلغي عقولنا، ولكن ليسمو بها، فتقبله طبيعتنا البشرية وتتعرف على أسراره.

"أُعطيَ لكم أن تعرفوا سرّ ملكوت الله" (مر4: 11). "إذ عرفنا بسرّ مشيئته حسب مسرته التي قصدها فى نفسه" (أف1: 9).

الله الذي يحب البشر ككائنات عاقلة، تحدث مع موسى "كما يكلم الرجل صاحبه" (خر33: 11) وهو يشتاق أن يدخل في حوارٍ مع كل مؤمنٍ.

اقتبس هنا بعض عبارات القديس إكليمنضس السكندري التي تعلن أن المسيحية تسمو بعقل الإنسان ولا تلغيه بالإيمان وبإعلان الله له، إنما تزيده حكمة.

[ترتفع النفس إلى الله، فتتدرب على الفلسفة الحقيقية وتسرع إلى قريبها فى الأعالي، متخلية عن شهوات الجسد كما تترك التعب والخوف[58].].

[الإنسان الخالد هو تسبحة رائعة لله، يتأسس في البرّ، حيث تّنقش فيه أحكام الحق. لأنه أين يمكن أن يّكتب الحق إلا في نفس حكيمة؟ [59].].

ويوضح القديس إكليمنضس أن المعرفة البشرية لازمة لفهم الأسفار المقدسة لكن ليس بدون معرفة الله[60].


[58] Strom 3: 4.

[59] Protrop. 10.

[60] Strom. 9: 1.