6- لماذا تُرنم الألحان بالطريقة القصيرة أو المختصرة وأحياناً الطويلة؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

6 - لماذا تُرنم الألحان بالطريقة القصيرة أو المختصرة وأحياناً الطويلة؟

فى الكنيسة الأولى لم تكن توجد كنائس فى بعض القرى، وكان كثيرون يحضرون من غروب يوم السبت حتى فجر أو صباح الأحد للاشتراك فى القداس الإلهى، فكان المؤمنون يُسَبِّحون طوال الطريق من القرية إلى كنيسة المدينة، وأيضاً بعد العشية حتى بداية صلاة باكر حتى لا ينشغل الحاضرون بأمور زمنية. هكذا يليق بالكنيسة أن تُقَدِّم العبادة حسب ظروف الشعب.

5- ما هى النغمات التى تستخدمها الكنيسة القبطية فى عبادتها؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

5 - ما هى النغمات التى تستخدمها الكنيسة القبطية فى عبادتها؟

توجد خمس نعمات تستخدمها الكنيسة فى عبادتها:

أ. النغمة السنوية annual: تُستخدَم فى الأيام العادية خلال السنة.

ب. النعمة الشعانينى: تُستخدَم فى أحد الشعانين، حيث استقبلت الجماهير السيد المسيح عند دخوله أورشليم، اشترك فيها الأطفال والرُضّع.

"أوصنًا" أو "هوشعنا" كلمة عبرية تعنى "خلصنا". فقد دخل السيد المسيح إلى أورشليم بكونه حمل الله الذى يحمل خطية العالم، مقدماً نفسه ذبيحة على الصليب. كما تُستخدم فى عيديّ الصليب.

ج. النغمة الصيامى (الحزاينى): نستخدمها فى الصوم الكبير، وهى تحمل نوعاً من الحزن الذى يهب النفس سلاماً. سرّ الحزن ليس التنسك فى الأكل والشرب. وإنما الرغبة فى التوبة عن الخطايا.

د. نغمة كيهك: تستخدم فى شهر كيهك الذى فيه نتذكَّر القديسة مريم التى بشرها رئيس الملائكة جبرائيل أنها تحمل بعمل الروح القدس الذى يحل عليها ويُهَيّئها كى يتجسد كلمة الله فى أحشائها، والذى يملك إلى الأبد، بكونه ملك الملوك. ونحن أيضاً فى صوم الميلاد نعلن شوقنا أن نركز أنظارنا على ملكوته الذى فى داخلنا (لو 17: 21)، مشتهين أن يتشكَّل كلمة الله فى كل البشرية، لتصير عروساً سماوية للعريس السماوى.

خلال هذا الشهر الكيهكى تُعلن الكنيسة تهليلها بميلاد ربنا يسوع المسيح: هذا الميلاد الذى أبهج السمائيين، إذ أعلن لهم سرّ الحكمة الإلهية لخلاص البشر المؤمنين.

ﮪ. النغمة الفرايحى: تستخدم فى الأعياد السيدية الكبرى والصغرى وأيضاً فى الخماسين المقدسة، والفترة من عيد النيروز (رأس السنة القبطية) إلى عيد الصليب. وأيضاً من عيد الميلاد حتى عيد الختان. فإن كانت نفوسنا تتهلل بعمل السيد المسيح الخلاصى سواء بميلاده أو تجليه أو قيامته وصعوده إلى السماء... فإن هذا العمل يتجلّى بقوة فى حياة الشهداء الذين نحتفل بهم يوم عيد النيروز حتى عيد الصليب المجيد[448].


[448] Cf. David Arida: Hymnology.

4- هل الطقوس والألحان ضرورية فى الكنيسة؟ وهل تلمس خلاصنا وأبديتنا؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

4 - هل الطقوس والألحان ضرورية فى الكنيسة؟ وهل تلمس خلاصنا وأبديتنا؟

سجّل القديس يوحنا الحبيب فى رؤياه التى تكشف عن أسرار السماء وترتيبها ونظامها وألحان الطغمات السماوية. هذه الرؤيا تكشف عن الآتى:

أولاً: إلهنا إله نظام وترتيب وليس إله تشويش (1كو 14: 33)، لهذا يليق بالكنيسة عروس المسيح أن تقتدي بعريسها السماوى، فلا تحسب العبادة الروحية تعنى أنها بلا ترتيب أو بلا نظام.

ثانياً: الطقس وما فيه من ألحان متنوعة تتباين حسب المناسبات، تمثل لغة يفهمها حتى الذين لا يعرفون اللغة التى ننطق بها. إنها تقوم بدور تعليمى فى حياة الأطفال والشباب بل والفلاسفة ورجال العلم. نذكر على سبيل المثال، كثير من الأطفال بعد حضورهم فى الكنيسة يعودون إلى منازلهم يحاولون استخدام أغطية الأوانى المعدنية كأنها دفوف، والبعض يفرح إن قدَّم له والديه شورية صغيرة الخ. وأيضاً فى المجموعات الخاصة بتعليم الألحان تجد طفلاً (أو أكثر) يقف صامتاً بجوار المجموعة وعندما يعود إلى منزله يُرَدِّد اللحن الذى سمعه.

فى إحدى كنائسنا فى لوس أنجلوس (ببسادينا)، قام أحد فصول مدارس أحد ابتدائى primary school بزيارة الكنيسة. سأل طفل من أصل صينى كاهن الكنيسة: "لماذا تضعون صور هؤلاء الأشخاص على" حامل الأيقونات؟ "أجابه الكاهن: إننا نؤمن أن الذين انتقلوا من هذه الحياة هم أحياء وهم سعداء فى الفردوس. ونحن نضع هذه الصور (الأيقونات) لنذكر دائماً أننا سنعبر نحن أيضاً إلى الفردوس، ونشاركهم تسابيحهم وفرحهم بالله. بعد أيام تلقَّى الكاهن خطاباً من أحد الأطفال يقول فيه:" منذ رأيت حامل الأيقونات فى كنيستك، لم أعد أخاف من الموت سواء لى أو لأحد أفراد أسرتى ".

ثالثاً: كتب أحد الأحباء بإيست برانزوك: [الألحان والطقس فى الكنيسة هى أدوات قوية وجميلة تجعلنا ملتصقين بالله، وتسمح لنا بنظرة خاطفة للحياة السماوية. استخدم الآباء أنغام موسيقية متنوعة، وطقوس متباينة خلال الفصول المختلفة من السنة، خلال الأصوام والأعياد تسمح لنا بالتلامس الروحى للصلوات والأسرار التى تقدمها عبادتنا.

هذا الأمر واضح على وجه الخصوص فى سبت الفرح (ليلة أبوغلامسيس) حيث يجتمع المؤمنون معاً ويسهرون بالقرب من قبر المسيح طوال الليل، يشهدون لنصرة الصليب على ظلمة الهاوية. نرى فى الصلاة الأولى التى يتغنَّى بها الكاهن على باب الهيكل الملكى كما أمام القبر، يترنم بالمزمور 151: "أنا الصغير بين إخوتى". وكأن الكنيسة تشرح لأبنائها الذين يمارسون طقس سبت الفرح، أنه وإن كان مظهر الصليب فيه ضعف المسيح بخضوعه للموت، إلا أنه هو الذى يُحَطِّم الموت. عندئذ يقف المؤمنون ويطوفون فى موكب داخل الكنيسة، يمسكون الشموع ليُعلِنوا أن المسيح هو النور الذى يبدد الظلمة. كل لحظة من لحظات هذه الليلة هى درس حىّ يُلهب قلوب المؤمنين، ويقوّى إيمانهم. ننطلق من كل قصص الخلاص (سوسنّة، والثلاث فتية فى أتون النار، ودانيال فى جب الأسود...) إلى تسابيح رائعة تعلن قوة السيد المسيح ولاهوته، مثل لحن "أجيوس أثاناتوس ناي نان" أى "أيها الخالد ارحمنا"، حتى نبلغ إلى السماء بالقراءات والألحان التى فى سفر الرؤيا. هكذا تنطلق الكنيسة بأبنائها من قبر الجمعة العظيمة إلى أورشليم السماوية، واحتفالات القيامة.].

هذا مثل لروعة طقس سبت النور بقراءاته وألحانه، وأرجو أن أشير فى حديثنا عن "تقويم الكنيسة القبطية" إلى الألحان الكنسية والطقوس بقراءاتها كيف تكشف عما وراء المناسبة ما يخص خلاصنا ونمونا الروحى والشهادات الحيّة لعمل الثالوث القدوس من أجل أبدينا[447].


[447] - راجع الشماس مينا عازر مقال عن الألحان بالإنجليزية.

3- لماذا نعتزّ بالألحان القبطية؟ وهل يجوز ترجمتها بلغة مفهومة للشعب؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

3 - لماذا نعتزّ بالألحان القبطية؟ وهل يجوز ترجمتها بلغة مفهومة للشعب؟

أولاً: لا يعنى اعتزازنا بالألحان القبطية تجاهل الألحان الأخرى كالسريانية والأرمنيّة والأثيوبية الخ. وفى نفس الوقت يلزمنا مراعاة المؤمنين المشتركين فى العبادة، فيلزم الاهتمام بترجمة هذه الألحان، كما يحدث حالياً فى أرض المهجر.

ثانياُ: امتاز الفراعنة بإيمانهم بالحياة السماوية فى العالم الآخر، وإن كان قد شابها بعض الانحرافات. لهذا انجذب الأقباط أبناء الفراعنة إلى الإيمان المسيحى، واستخدموا الألحان الفرعونية بعد أن أعطوها صبغة سماوية عميقة، وكما يقول البعض إنهم قاموا بتعميدها. كما أن بعض آباء الكنيسة قضوا على الهرطقات التى كانت تقاوم الكنيسة من خلال ترانيم وألحان يستخدمها الشعب مع استخدام ألفاظ تقدم الإيمان الصحيح.

بجانب هذا التهاب الأقباط بحُبِّهم للسماء والعبادة الهادئة مع وجود كثرة من الحروف العلة VOWELS فى اللغة القبطية مما يعطيها نوعاً من العذوبة والمرونة فى الألحان.

أذكر على سبيل المثال، كان أحد الشبان ضابطاً فى الجيش يُقيم مع ضابط غير مسيحى فى خيمة بصحراء مرسى مطروح، وإذ قام بغسل وجهة فى الصباح كان (يدندن) بأحد ألحان أسبوع الآلام بالنغمة دون الكلمات. سأله زميله: من أين هذه الأغنية الجميلة؟ سأله المسيحى: ما هى مشاعرك نحوها؟ فأجابه: إنها تحمل نغمة فيها روح الحزن، لكنها تقدم سلاماً لمن يسمعها. وطلب منه أن يغنيها بالكلمات، فشعر غير المسيحى بسلام عجيب. قال لى شخص فى نيوجرسي له طفل صغير لم يتعلَّم بعد النطق بكلمات معينة، وكان يأخذه فى صلوات البصخة، وبعد عدة أيام وجده "يدندن" بلحن "ثوك تيه تي جوم" الخاص بأسبوع الآلام، دون أن ينطق بكلمة من كلمات اللحن.

ثالثاً: لا ننكر أن الكنيسة الأولى إذ كانت تخدم فى أثيوبيا لم تلزمهم باستخدام الآلات الموسيقية البسيطة التى يستخدمها الأقباط، لكن بعض الأثيوبيين أَحَبُّوا الألحان القبطية. ونحن أيضاً خلال المؤتمرات مع الأحباء من الطوائف الأخرى أحب بعض أساقفتنا وكهنتنا بعض الألحان منها السريانية، وكانوا يُرَدِّدونها فى حياتهم الخاصة، بل وفى صلواتهم.

2- ما هى الجوانب المشتركة بين التسابيح والألحان؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

2 - ما هى الجوانب المشتركة بين التسابيح والألحان؟

أولاً: إن لم تصدر التسابيح والألحان من القلب، فلا تحسب عبادة مقبولة ومقدسة للرب، بل تتحوَّل إلى نوعٍ من الافتخار بروح الكبرياء، فيُرَكِّز الشخص على طريقة الأداء ويتمسك بحرفية اللحن بطريقة حرفية تُفقِّده الشركة مع الله.

ثانياً: إن كانت كل كنيسة لها ثقافتها، فيليق بكل الكنائس أن تتمتع بروح الوحدة خلال رفع القلب إلى السماء، وانطلاق الشعب مع الإكليروس من أساقفة وكهنة وشمامسة بروح التواضع والحب نحو الله ونحو بعضهم البعض والشركة ومع السمائيين.

ثالثاً: يليق بالتسابيح والألحان أن تحمل فكراً إنجيليّاً سماوياً. لذلك اعتادت الكنيسة الأرثوذكسية فى كل ليتورجياتها أن تُلَحِّن قراءة الكتاب المقدس، مع الحرص الشديد على وضوح الكلمات وتكون مفهومة حتى ينتفع الكل بها.

رابعاً: إن كان كثير من الهراطقة مثل أريوس منكر لاهوت المسيح قد استخدم هو وأتباعه الترانيم لنشر بدعهم الخاطئة، فيليق بالكنيسة أن تُقَدِّم العقائد اللاهوتية مع توجيه المرتلين وكل الشعب نحو الإيمان السليم والحياة الصالحة المقدسة فى الرب.

خامساً: يليق بالمؤمنين أن يمارسوا التسبيح وترديد الألحان فى وقارٍ حتى فى منازلهم، مُتَذكِّرين أن كل الطغمات السماوية يُسَبِّحون الله بخوفٍ ورعدةٍ فى وقارٍ مع تهليل القلب وفرح الروح.

1- ما الفارق بين التسبيح والألحان؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

1 - ما الفارق بين التسبيح والألحان؟

التسبيح فى جوهره هو شركة المؤمنين مع الخليقة السماوية فى تقديم الشكر لخالق الكل، والإيمان بأنه صانع الخيرات وضابط الكل. أما الألحان فهى لغة المؤمن بكونه موسيقاراً، يُدرِك أن الله محب البشر لا يستخفّ بالثقافات البشرية بل يُقَدِّس ما هو لائق فيها، كما يطلب من المؤمنين أن يُعَبِّروا عن حُبِّهم وشكرهم له، مقدساً الألحان.

يصعب الفصل بين التسبيح والتلحين. فخلال الألحان نُقَدِّم تسابيح لله، وخلال التسبيح نستخدم لغة الألحان التى يُقَدِّسها الربّ. ونحسب كل لحنٍ مقدس هو تسبحة مقدسة مُقَدَّمة للرب.

12- هل محتاج الرب إلى تسبيح البشر؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

12 - هل محتاج الرب إلى تسبيح البشر؟

يقول مار يعقوب السروجى: [ربك يطلب منك التسبيح ليس لأنه محتاج، لكنه يود أن تقترب منك فى كل الأحوال.

لا حد للمُسَبِّحين الموجودين فى موضعه: جموع وصفوف وأجواق النار بلا عددٍ.

آلاف الألوف وربوات ربوات صفوف النار التى تحرك التسبيح بلا هدوء إلى ميعاد موضعه.

لم يكن محتاجاً حتى إلى هذه الصفوف الكثيرة المقدسة والسامية والبهية والمليئة عجباً.

أنت من أنت سوى طين مجبول بالحنان؟ أو ما هو تسبيحك بين الملائكة؟

ها أنت خاضع للشهوة وللسبات وللطعام وللأهواء والأمراض والأوجاع والقلق.

وللجوع وللعطش ولأمور أخرى كثيرة. وللهمّ اليومى وللفكر بالأجل الخفى.

السبات ابتز منك نصف حياتك. وهذه (الحياة) التى فضلت وزعتها على البطالة...

لعمل العالم أنت نشيط وقوى وسريع الركض. ولتسبيح ربك أنت ضعيف وكسلان.

عندما تعمل فى العالم الزائل أنت نشيط. ولما يصادفك تسبيح ربك أنت بطال...

بما أنك اليوم حي فسَبِّح اليوم مثل متميز. ماذا تملك لتكافئ الرب بدل الحياة؟

يوجد كثيرون جعلهم الليل أمواتاً ولا يُطالبون بإعطاء التسبيح فى موضع الهاوية.

قبل أن تصير ميتاً مخيفاً وجامداً فى القبر، سبِّح الآن لأن فمك مفتوح للتسبيح...

كل العالم مدين ليُسَبِّح كل يوم. مبارك من أعطانا فماً لنُسَبِّحه ونحيا معه. له التسبيح.].

11- لماذا يدعو داود السماويين وغير الناطقين إلى التسبيح؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

11 - لماذا يدعو داود السماويين وغير الناطقين إلى التسبيح؟

يقول مار يعقوب السروجى: [داود الذى صار كنارة ألحان المزامير، يُنهض كل المخلوقات كل يوم للتسبيح. قام فى الوسط بين الأرضيين والسماويين مثل من يقوم بين الخورُسين ليحثهما.

صرخ: سبِّحوا الرب من السماء. وهتف بمزموره: سبّحوا الرب من الأرض.

دعا اللجج والتنانين والملائكة وأفواج القوات للتسبيح.

بصوته العالى أيقظ الجبال والآكام وطالب التسبيح من الأشجار المثمرة والأرز.

وقف وسط الخورُسين مثل مُنَظّم بين العلويين والسفليين وأيقظهم.

كان قد تحرك بمحبة الرب التى كانت تضطرم كاللهيب ليحث السماويين على التسبيح.

لم تكن هذه الجموع محتاجة ليحثها، لأن القوات لا تنام ولا تنعس.

ولا تسكت ولا تبطل من التسبيح، ومع ذلك كان يريد داود أن تُسَبِّح لو أمكن.

قل يا داود يا بحر الجمال والإيحاءات، لماذا رفعت صوتك إلى السماء لتُسَبِّح؟

أيقظ للتسبيح بنى جنسك وبنى ترابك وبنى عشيرتك وبنى وطنك.

فى السماء لا توجد بطالة ولا اضطراب ولا يوجد هدوء لمُسَبِّحى الله.

هناك لا توجد كلمة أخرى سوى التسبيح أو التهاليل أو التبريك أو الترتيل.

تصرخ القوات وتسبّحه بصوت وبعجب: قدوس قدوس مبارك مجده، مبارك من موضعه...

وفى مزاميره دعا الحيوانات والبهائم والطيور والدبيب والزحاف للتسبيح...

كل هذه الأمور التى قالها هى زائدة. وقد قالها لأجلك حتى تُسَبِّح بتمييز.

مثل الحكيم كان يوقظ المستيقظين على التسبيح ليوقظ البشر من سباتهم.

على الإنسان صورة الله الناطق أن يُسَبِّح الربّ...

وإذ صار سيداً لكلها فإنه ملزم أن يفى التسبيح بالأصالة عن نفسه ونيابة عنها.

هوذا كل المخلوقات تقوم مع جمالها ومع زينتها وتحركك على التسبيح.

ولأنها صارت لخدمتك بأشكالها. أنت مدين بأن تعطى التسبيح نيابة عن خدمتك[446].


[446] - الميمر 106 على المزمور: سبّحوا الرب تسبيحاً جديداً (مزمور 96: 1، 149: 1) راجع نص الأب بول بيجان؛ الدكتور بهنام سوني.

10- لماذا دُعِي داود النبى مرنم إسرائيل الحلو (2صم 1:23)؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

10 - لماذا دُعِي داود النبى مرنم إسرائيل الحلو (2صم 23: 1)؟ [444]

أولاً: قيل عنه إنه قائم فى الأعالى، يختبر الحياة السماوية المتهللة، يعيش فى شركة مع الطغمات السماوية المسبحة، يشاركهم طعامهم السماوى: "هذه هى كلمات داود الأخيرة... وحى الرجل القائم فى العلا، مسيح إله يعقوب، ومرنم إسرائيل الحلو". (2صم 23: 1) أكل الإنسان خبز الملائكة، أرسل عليهم زادا للشبع (مز 78: 25).

ثانياً: مشغول بكلمة الله، مصدر الفرح الحقيقى الدافع للتسبيح: "روح الرب تكلم بي، وكلمته على لسانى" (2صم 23: 2) يغنى لسانى بأقوالك، لأن كل وصاياك عدل (مز 119: 172).

ثالثاً: مشغول بالمسيح المُخَلِّص. ترسي عند الله مخلص مستقيمى القلوب (مز 7: 10).

رابعاً: مهتم بالشهادة أمام الأمم. "لذلك أحمدك يارب فى الأمم، ولاسمك أرنم". (2صم 22: 50).

خامساً: يتهلل بإله المرذولين والمحتاجين. "الرب مجري العدل والقضاء لجميع المظلومين". (مز 103: 6).

سادساً: يسبح سامع الصلاة. "يا سامع الصلاة، إليك يأتى كل بشر" (مز65: 2).

سابعاً: رجاؤه فى الرب. "لأنك أنت رجائى يا سيدى الرب، متكلى منذ صباى" (مز 71: 5).

ثامناً: يدعو للهتاف. "كهنتها ألبس خلاصاً، واتقياها يهتفون هتافاً". (مز 132: 16).

تاسعاً: يقدم أغنية جديدة. "رنموا للرب ترنيمة جديدة، رنمى للرب يا كل الأرض." (مز96: 1) يقول مار يعقوب السروجى: [سبّح هكذا مثلما علَّمك داود الملك كل تسبيحٍ جديدٍ كل يوم وبتمييزٍ.

قال: سبّحوا الرب تسبيحاً جديداً: انتبه الآن وسبّح كل تسبيحٍ جديدٍ.

سبّحتَ البارحة وذهب البارحة ودخل فى منزله. اليوم أعط تسبيحاً جديداً. لماذا أنت بطال؟

لا تتكل على التسبيح الذى دخل البارحة. فاليوم يطلب منك أن تسبّح هكذا.

لأنك تطلب أيضاً من المخلوقات أن تجدد لك كل يوم سميرة أشكالها.

الشمس التى مشت وخدمتك البارحة لا تتركها اليوم تتوقف كما لو كانت مسيرتها فى الأمس كافية.

لكن كما قامت لتنيرك اليوم فقط تنظر إلى نور اليوم لتتنعم به.

هكذا يطلب ربُّك منك كل الأيام كل تسبيحٍ جديدٍ لتُقَرِّبه له كل يوم.

لو سبَّحته البارحة وأول البارحة ربوات المرات، فأنت مدين له اليوم بتسبيحٍ جديدٍ[445].].

عاشراً: من الذى يرنم؟ الشخص نفسه (بصيغة المفرد): "أُسَبِّح الرب فى حياتى، وأُرَنِّم لإلهى ما دمت موجوداً". (مز 146: 2) كما يرنم شعب الله: "وأنت القدوس الجالس بين تسبيحات إسرائيل" (مز 22: 3). ويدعو العالم كله للتسبيح: "ويسجد له كل الملوك، كل الأمم تتعبَّد له". (مز 72: 11).

حادى عشر: يطلب أن تشترك النفس مع الجسد فى التسبيح. "لذلك فرح قلبى، وابتهجت روحى. جسدى أيضاً يسكن مطمئناً (مز 16: 9).

ثانى عشر: يطلب التبكير فى التسبيح. "استيقظى أيتها الرباب والعود، أنا استيقظ سحراً (مز 108: 2).

ثالث عشر: يتطلع إلى تقديم التسابيح كذبائح مقبولة لدى الله. "لك أذبح ذبيحة حمد". (مز 116: 17).

رابع عشر: يطلب التسبيح الكنسى الروحى. "من قبلك تسبيحى فى الجماعة العظيمة". (مز 22: 25).


[445] - الميمر 106 على المزمور: سبّحوا الرب تسبيحاً جديداً (مزمور96: 1، 149: 1) راجع نص الأب بول بيجان؛ الدكتور بهنام سونى.

9- ماهو دور القديسة مريم كمُسَبِّحة للربّ؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

9 - ماهو دور القديسة مريم كمُسَبِّحة للربّ؟

قدَّمت لنا القدّيسة مريم ابنة داود المرتّل نموذجاً رائعاً للتسبيح بوحى الروح القدس الذى حلّ عليها، خلال تجسّد الكلمة الإلهى فى أحشائها (لو 1: 46 - 55):

أ. نطقت القدّيسة تسبحتها بعد التجسّد، فهى ليست قطع أدبيّة رائعة فحسب، لكنّها هى تهليل أعماقها بمن حلّ فيها. هكذا يليق أن تحمل التسابيح هذا الروح، فتكشف عن سكنى السيّد المسيح فى كنيسته، كما فى نفس واضع التسبحة الكنسيّة، وفى نفس من يُرَتّل بها.

ب. نطقت بها بعد عبورها جبال يهوذا وبلوغها بيت زكريّا لخدمة نسيبتها العجوز! فالتسبحة ترتبط بروح الخدمة العمليّة. فإن كنّا بالتسبيح نشارك السمائيّين عملهم السماوى، فإنّهم ليسوا بالكائنات الخاملة، لكنّهم دائموا العمل حسبما يناسب طبيعتهم.

ج. بدأت التسبيح بتمجيد الله مُخَلِّصها، ففى كل تسابيحنا حتى فى تطويب القدّيسة مريم والقدّيسين عيوننا لا تُفارِق الصليب لنُمَجِّد ذاك الذى أعلن عظمته بحُبِّه الإلهي الفائق العملي.

د. حملت تسبحتها روح الرجاء والفرح، "جميع الأجيال تُطَوِّبني". فالتسبحة ذبيحة مُقَدَّمة لله خلال الرجاء فى عمل نعمته التى تُحوِّل ترابنا إلى سماء، وترفعنا من الفساد إلى عدم الفساد. فلا يحمل المرتّل وجهين، إذ يتناغم لسانه المرنّم مع قلبه المتهلّل. يحوّل التسبيح النفس إلى سماء ثانية. فالقديس يوحنّا كاسيان تساءل إن كان الرهبان المرتّلون ملائكة نزلت إلى الأرض أم بشر صعدوا إلى السماء. تساءل ليس لأنّه سمع صوت التسبيح لا ينقطع من شمال مصر إلى جنوبها فحسب، لكنّه تلامس مع قلوبهم التى تحوَّلت إلى السماء، لأن ملكوت الله داخلها.

ﮪ. تُعَبِّر تسبحتها عن رفعها فوق الآلام، إذ ترنَّمت: "صنع قوّة بذراعه، شتَّت المستكبرين" (لو 1: 51). فلا عجب أن نرى الرسولين بولس وسيلا لا ينشغلان بجراحاتهما وهما فى السجن الداخلى، بل ترنَّما فاهتزَّت السماء وتحرّكت لتهزّ أساسات السجن، وتحل القيود وتفتح الأبواب، تبعث ملاكاً مندوباً عنها. يا لقوّة التسبحة العجيبة التى تحرّك السماء والأرض لحساب المرتّل، لأنّه يُقَدِّم "ذبيحة التسبيح" موضع سرور الله!

يقول الأب أوغريس: [صَلِّ فى سلام ونقاء، رتل بفهم ولذة، بذلك تكون كنسرٍ صغيرٍ يُحَلِّق فى أعلى السماء. ترتيل المزامير يُسَكِّن الشهوات ويكبح نبضات آلام الجسد، والصلاة تدفع العقل لأن يكون حكيماً وسليماً فى أفعاله... ترتيل المزامير هو صورة لتَنَوُّع الحكمة الإلهية... إن لم تكن قد أخَذْتَ عطية الله أو ترتيل المزامير اطْلُب بحرارة وإلحاح فستأخذ[443].].

ويقول القديس جيروم: [كن كالجندى واجعل الليلة موسيقية... ترنم بالروح وترنم بالفهم أيضاً. اجعل ترنيمتك من وضع المرتل.].


[443] - الفيلوكاليا عن الصلاة ص 25 – 26.

[444] - الاقتباسات من مزامير داود النبى وغيره من المسبحين الذين سلكوا بروحه.