9- ما هى الأعياد السيدية الكبرى؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

9 - ما هى الأعياد السيدية الكبرى؟

يمكن التمييز بين الأعياد السيدية حسب دورها فى الخلاص الذى قدَّمه السيد المسيح. أما الأعياد السيدية الكبرى فهى:

أ. عيد البشارة (29 برمهات). كرَّر الإنجيلى كلمة "عذراء" وكأنه أراد تأكيد عذراويَّتها ليعلن أن السيِّد المسيح ليس من زرع بشر. هذا ما أعلنه حزقيال النبى (حز 44: 2 - 3). سمعت القدّيسة مريم الملاك يقول لها: "الرب معكِ"، وكان لهذا التعبير مفهومه الخاص بالنسبة لها، فقد ذاقت معيّة الله على مستوى فريد، إذ حملت كلمة الله فى أحشائها، وقدَّمت له من جسدها ودمها! يقول القدّيس يوحنا الذهبى الفم: [إن كان ابن الله قد صار ابناً لداود، فلا تشك يا ابن آدم أنك تصير ابناً لله. إن كان الله قد نزل أعماقاً كهذه، فإنه لم يفعل هذا باطلاً، إنما ليرفعنا للأعالى! وُلِد بالجسد، لكى تولد أنت ثانية حسب الروح. وُلد من امرأة، لكى تصير أنت ابناً لله[454].].

ب. عيد الميلاد (29 كيهك). كان مولود المذود مجهولاً من البشر لكنه يتحرَّك لخدمة البشرية:

1. أرسل ملاكاً على هيئة كوكبٍ إلى جماعةٍ من المجوس، يقول القدِّيس مار يعقوب السروجى: [صاروا كارزين له وهم سائرون فى الطريق، يُبَشِّرون بأن ملكاً للعالم كلّه قد أشرق. انبسطت كرازتهم لأميال فى الطريق، وكسروا قلوب الملوك الذين جازوا فى تخومهم، حثَّهم الحق ليكونوا له كارزين.

2. فتح أبواب السماء وأرسل فرقة تسبيح تبشر رعاة لا معروفين.

3. ذهب إلى مصر يلتقى بمصريين لا معروفين ليقيم منهم شعبه المبارك.

4. بعث موكب أطفال بيت لحم اللا معروفين، ليبشروا الذين فى الجحيم بقرب مجيئه إليهم، ليحررهم من ظلمته وقيوده.

ج. عيد الغطاس (11 طوبة). مع دخول السيد المسيح نهر الأردن يشعر كل مؤمن أنه يدخل إلى ذات الأردن حين يغطس فى جرن المعمودية ثلاث مرات بسم الثالوث القدوس: الآب والابن والروح القدس. يتمتَّع بالتبني فيصير حقاً طفلاً جديداً مولوداً بالروح ونامياً ليتمتَّع بكمال حقوقه كابن لله إلى النضوج يصير له حق الشركة فى المجد مع الابن الوحيد الجنس يسوع المسيح.

يرى المؤمن أبواب السماء مفتوحة، ويسمع صوت أبيه السماوى الذى يُعلِن إنه قد صار ابناً محبوباً موضوع سروره، لأنه صار عضواً فى جسد المسيح. يلتهب قلب المؤمن مشتاقاً أن يلقي بالعالم كله تحت قدميه، منشغلاً بحضن الآب.

د. أحد الشعانين. تطلَّع السيد المسيح إلى موكب أحد الشعانين أنه موكب المجد خلال الصليب، فقد أتت الساعة ليتمجَّد ابن الإنسان (يو 12: 23)، بتقديم نفسه حمل الفصح عن العالم كله، ليَعْبُرَ بالمؤمنين من عبودية إبليس إلى السماء. وتطلَّع إليه رجال العهد القديم وهم فى الجحيم، ليروا تحقيق الرموز والنبوات، وقد حان الوقت ليأتى مَنْ يَخرُجُ بهم إلى الفردوس، حاملاً إياهم غنائم سماوية. وتطلَّع التلاميذ إلى الموكِب، ولم يفهموا شيئاً! دخلوا فى حالة ارتباكٍ شديدٍ! وتطلَّع رؤساء الكهنة والفريسيون إلى الموكِب أنه دمار تام لمراكزهم ومصالحهم الشخصية. وتطلَّعت الجموع إلى الموكِب أنه دخول إلى عصرٍ جديد، حيث جاء مَنْ يُخَلِّصهم من الاستعمار، ويهبهم مجداً زمنياً! وتطلَّع السمائيون إلى الموكِب وهم يدهشون أمام تواضع كلمة الله المتجسد، وهو ملك السماء والأرض، يجلس على جحش، ويزفه بشر ضعفاء؛ ماذا وراء تواضعه هذا وحبّه للبشر؟!

ﮪ. أحد القيامة. حَوَّلت قيامة السيد المسيح صلبه وموته من تاريخٍ مؤلمٍ إلى عيدٍ غيَّر تاريخ البشرية ومفاهيمها وتطلعاتها. ينتهى طقس الجمعة العظيمة الذى يسوده نغمة الحزن الباعث تعزيات إلهية ليبدأ طقس "سبت الفرح"، وهو امتداد طبيعى للجمعة العظيمة. فإننا إذ نذكر موت السيد المسيح ودفنه نراه ينزل إلى الجحيم ليلتقى مع كل الذين ماتوا على الرجاء. كم كانت فرحة آدم وحواء، وابراهيم صاحب العهد وسارة، ويعقوب وبنيه، وداود النبى وغيره من الأنبياء. فقد انكشفت أمامهم بالأكثر نبواتهم، ورأوا ذاك الذى يدعى "مشتهى الأمم". يرونه قادماً ليُحَطِّم بصليبه متاريس الهاوية، ويحملهم كغنائم مقدسة على كتفيه ويدخل بهم فى الأبواب الدهرية المرتفعة!

حَطَّم السيد المسيح بقيامته سلطان الموت، وحَرَّرنا من عبودية الخوف منه. يقول القديس أثناسيوس الرسولى: [قد تحرَّر العالم بدم المُخَلِّص، وبالموت داس الموت، ممهداً طريق الأمجاد السماوية بغير عقبات أو حواجز لهؤلاء الذين ينمون.].

و. عيد الصعود. أمام مشهد الصعود الذى لا يفارق عينيّ المؤمن الحقيقى، يليق بنا أن ندعو نفوسنا كى تسرع وتحمل قيثارة الروح، فتتحوَّل حياة المؤمن كلها، تحت كل الظروف، إلى ممارسة العزف الموسيقى الروحى بلا انقطاع. يعيش المؤمنون هنا كفتاة مخطوبة تتغنى بعظمة عريسها، فتشترك النفس مع الجسد وكل الطاقات لتمارس الفرح السماوى على انتظار يوم عُرْسِها الأبدى.

انطلق آدم الثانى "الرب من السماء" (1كو 15: 47)، ليُقَدِّم الجوهرة المفقودة للآب. الآن لا نعود نسمع مع آدم الأول: "لأنك تراب وإلى تراب تعود" (تك 3: 19). إنما إذ نستتر فى آدم الثانى نسمع كما يقول العلامة أوريجينوس: "أنت سماء وإلى سماءٍ تعود".

ز. أحد العنصرة. كثيراً ما يقارن بعض الآباء والمفسرين بين بلبلة الألسن (تك 11: 1 - 9) التى حدثت بعد الطوفان فى أيام نوح، وبين تمتع التلاميذ والرسل بعطية الألسن المتنوعة. اجتمع البابليون وخطَّطوا لبناء برج، وكان غايتهم التحدِّي ضد الله نفسه. وأما التلاميذ ومن معهم فى علية صهيون، فكانوا فى ضعفٍ يترقَّبون تحقيق الوعد الإلهى، لكى ينالوا قوة من الأعالى. فيكرزون ببشارة الخلاص، ويردّون البشرية من كل الأمم والشعوب والألسنة إلى الله فى حبٍ وتواضعٍ وتسليمٍ لمشيئة الله المقدسة. يقول القديس مار يعقوب السروجى: [وزَّع الله اللغات بين البشر، وهذه اللغات نفسها هى التى وهبها للرسل تلاميذه. بدون تعليم ولا ممارسة، بالروح نطق التلاميذ بكل اللغات. أُرسِل هذا الغِنَى إلى التلاميذ ليتكلموا بألسنة جديدة دون أن يتعلموها.].


[454] In Matt. hom 2: 2.

8- ما هى الدورة الكنسية السنوية؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

8 - ما هى الدورة الكنسية السنوية؟

هذه الدورة فى حقيقتها تكاد تضم كل أيام السنة، فنحتفل بالأعياد السيدية الكبرى والصغرى وأعياد الثيؤطوكوس وأعياد القديسين وأعياد تكريس الكنائس والأصوام، وفى هذا كله نُرَدِّد فى أعماقنا ما سجَّله القديس أثناسيوس فى إحدى رسائله الفصحية: المسيح فصحنا (1كو 5: 7)، هو عيدنا.

7- ما هى الدورة الكنسية الشهرية؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

7 - ما هى الدورة الكنسية الشهرية؟

ننعم بتقديس كل الشهور باحتفالنا شهرياً بتذكار القديسة مريم والدة الإله الثيؤطوكوس كل 21 من الشهر القبطى فنشتهى دوماً أن فنتطلع إلى القديسة مريم كنموذج حى للمؤمنين، والعضو الأول فى كنيسة السيد المسيح، ونسلك كحاملين السيد المسيح الذى يقيم ملكوته فى أعماقنا.

وأيضاً فى 29 من الشهر القبطى نذكر البشارة والميلاد وقيامة السيد المسيح (ما عدا شهرى طوبة وأمشير)! وكأن المؤمن يذوب حباً خلال اتحاده بالمخلّص مع كل ساعةٍ وكل يومٍ وكل أسبوعٍ وكل شهرٍ!

كما نحتفل بتذكار رئيس جند الربِّ رئيس الملائكة ميخائيل، كل يوم 12 فى الشهر القبطى، فيشعر المؤمن أنه جندى صالح لربنا يسوع (2تى 2: 3) وقد انضم إلى صفوف القوات السمائية. هذه هى سعادة المؤمن وفرحه الدائم على المستوى اليومى والأسبوعى والشهرى كما السنوى.

6- ما هى الدورة الكنسية الأسبوعية؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

6 - ما هى الدورة الكنسية الأسبوعية؟

فى يوم الأحد يُمارِس المؤمن الحياة المقامة فى المسيح يسوع، فيتقدَّس الأسبوع كله.

وتُكَرِّس الكنيسة يومى الأربعاء والجمعة للصوم تذكاراً لخيانة يهوذا وللصلب. وكأنها تدعو أبناءها إلى عدم التخوَّف من المقاومين والخونة، بل وحتى من الصالبين والمُضطهِدين لنا، بل بفرحٍ نحسب أننا نُصلَب مع ربِّ المجد يسوع مُخَلِّصنا. ويُحسب صوم يومى الأربعاء والجمعة إعداداً للإحتفال بعيد القيامة الأسبوعى (فى يوم الأحد).

5- ما هى الدورة الكنسية اليومية؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

5 - ما هى الدورة الكنسية اليومية؟

أكَّد القدِّيس باسيليوس الكبير أهميَّة صلوات السواعى (الأجبية) لنمونا الروحى وتمتعنا بفرح الروح، وكشف عن أهميَّتها، قائلاً: [ينبغى على الذين اختاروا أن يعيشوا حياتهم ساهرين لمجد الله ومسيحه ألاَّ يسقطوا أو يهملوا إحدى هذه الصلوات.] يكشف لنا سفر أعمال الرسل عن ممارسة الكنيسة الأولى لصلوات السواعى: الساعة الثالثة (أع 2: 1، 5)، والساعة السادسة: (أع 10: 9)، والساعة التاسعة (أع 2: 1)، وصلاة نصف الليل (أع 16: 25). صلوات الساعات يمكن أن يُصلِّيها الإنسان أينما وُجد العمل دون أن يشعر به أحد.

أ. صلاة باكر (الفجر): يتذكَّر المؤمن قيامة السيد المسيح، فيشعر ببهجتها مع كل صباحٍ، إذ يتمتَّع بالحياة الجديدة المُقامة، الغالبة للموت. فلا يرتبك بأى قلقٍ أو تخوُّف من أحداثٍ تبدو كأنها تتم مصادفة، إنما يدرك أن كل ما يمر به هو بإرادة الله أو بسماحٍ منه كضابط الكل، محب البشر!

ب. الساعة الثالثة: نذكر حلول روح الله القدوس على الكنيسة فى يوم البنطقستي، فنسأله أن يعمل فى حياتنا: "قلباً نقياً أخلق فيّ يا الله، وروحاً مستقيماً جدده فى أحشائى" (مز 51).

ج. الساعة السادسة: يذكر المؤمن صلب رب المجد لأجل خلاصه. وإذ يحاربنا شيطان الظهيرة (حيث الخمول والضجر) نصلِّي لكى ننجو منه (مز 90).

د. الساعة التاسعة: نتذكَّر قبول اللص اليمين وموت السيد المسيح بالجسد. وهى تسليم رسولى، حيث صعد الرسولان بطرس ويوحنا إلى الهيكل يصلِّيان فى وقت الساعة التاسعة (أع 3: 1).

ﮪ. الساعة الحادية عشر (الغروب): نتذكَّر إنزال جسد المسيح؛ كما نشكر الله على انقضاء النهار فى رعايته ومن أجل عطاياه وما صنعه معنا وفينا من صلاحٍ مع اعترافنا بعجزنا.

و. الساعة الثانية عشر (النوم أو بدء الليل): نتذكَّر دفن جسد المسيح؛ كما نذكر رقادنا ورحيلنا من العالم، ونُصَلِّى لكى تكون لنا راحة أثناء نومنا بغير انزعاج أو خيالات تثير الخوف.

ز. صلاة نصف الليل: تسلَّمناها من القدِّيسين بولس وسيلا (أع 16: 5). يقول المرتّل: "فى نصف الليل نهضت لأشكرك على أحكام عدلك" (مز 119: 62). نذكر مجيء السيد المسيح العريس السماوى على السحاب. فكما نفتتح اليوم ببهجة القيامة، نختمه فى نصف الليل ببهجة اللقاء مع العريس السماوى. هكذا يتحوَّل كل يومٍ إلى عيدٍ مُفرِحٍ، حاسباً الرب هو عيده الدائم.

4- ما هى دورات التقويم الكنسي القبطي Coptic Church Calendar Cycle؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

4 - ما هى دورات التقويم الكنسي القبطي Coptic Church Calendar Cycle؟

يحوى التقويم الكنسى دورات مُفرحة مختلفة: على المستوى اليومى والأسبوعى والشهرى والسنوى.

3- ما هى الفائدة من التقويم الكنسي السنوى؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

3 - ما هى الفائدة من التقويم الكنسي السنوى؟

يوجد خط يلزم ألا ننحرف عنه يميناً أو يساراً. لقد أعلن مُخَلِّص العالم بكل وضوحٍ: "أنا هو الطريق والحق والحياة" (يو 14: 6)، وقد سبق فحذَّر شعبه فى العهد القديم ألاَّ ينحرفوا عن الطريق يميناً أو يساراً (تث 5: 32). ففى كل احتفالٍ بمناسبة كنسية، إن لم يلتهب قلب المؤمن بالحُبِّ لله ولإخوته، والاشتياق إلى الحياة السماوية، لا يُحسَب احتفاله كنسياً إنجيلياً روحياً مقبولاً لدى الله!.

2- ما هو العامل المشترك فى كل التقويم الكنسي؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

2 - ما هو العامل المشترك فى كل التقويم الكنسي؟

أولاً: التسبيح. مع كل مناسبة توجد تسابيح وألحان متنوعة، ترفع القلب لنختبر إنجيل المسيح، فنتمتَّع بحياة الفرح السماوى، ونكتشف الفكر اللاهوتى الخاص بالمناسبة بما فيه بنيان النفس ونمو صورة الله فى إنساننا الداخلى بالروح القدس.

ثانياً: التمتع بالتجديد المستمر. تُدعَى الحياة فى المسيح يسوع خليقة جديدة على صورة الخالق كقول الرسول: "لبستم الجديد الذى يتجدَّد للمعرفة حسب صورة خالقه" (كو 3: 10). كما يُقَال عن السماء: "هوذا الكل قد صار جديداً" (2كو 5: 17؛ راجع رؤ 21: 5). غاية التقويم الكنسى تجديد القلب اليومى بعمل الروح القدس النارى، يشعر المؤمن فى كل يوم كما لأول مَرَّة يقف فى السماء يُسَبِّح الله، ويتعرَّف على أسراره الإلهية!

ثالثاً: إدراك أن أيامنا هى أيام الرب[453]. فى تعليق العلامة أوريجينوس على العبارة الكتابية: "وعَبَدَ (خدم) الشعب الرب كل أيام يشوع" (قض 2: 7) يدعونا أنا نفحص أيامنا هل هى أيام يشوع أو أيام الربِّ يسوع، أم هى أيام إبليس أو أيام محبة العالم. إذ يتمتَّع المؤمن الحقيقى بعمل الثالوث القدوس تتحوَّل كل أيامه، بل كل نسمات حياته للرب فى كل المناسبات هى أيام الرب، فكم بالأكثر يوم الأحد كيوم الربِّ وأيضاً أيام الأعياد؟! بهذا نختبر قول الرسول: "ولكن لا يخفِ عليكم هذا الشيء الواحد أيها الأحباء أن يوماً واحداً عند الرب كألف سنة" (2بط 3: 8). يقول العلامة أوريجينوس: [يجب إدراك أنه يليق بكل واحدٍ منا البرهنة هل هو فى أيام الخير أم فى أيام الشر؟ وهل يقتني "أيام يشوع" التى هى أيام البرِّ، أم يقتنى أيام الشر. لأننا إن أدركنا: "النور الحقيقى الذى يُنير كل إنسانٍ آتياً إلى العالم" (يو 1: 9)، وسلَّمنا أنفسنا إليه كى نستنير، وإذا أشرق "شمس البرّ" (ملا 4: 2) فينا، وأنار عالم أنفسنا، فسنقتنى "أيام يشوع"، أى أيام يسوع المسيح، أيام الخلاص.].

أما سمات أيام الرب، خاصة فى الاحتفال بالأعياد والمناسبات الكنسية، فهى:

أ. التمتَّع برؤية الجالس على العرش. تنفتح بصيرتنا على الدوام للتمتَّع برؤية السماوى، والشركة مع الطغمات السماوية فى التسبيح. لتكن أيامنا أيام الرب، فتنطلق أعماقنا كما إلى السماء.

ب. تَتَّسِم أيامنا بكثرة السلام العظيم. وأما أيام الشر فتُحَطِّم السلام. الرب هو ملك السلام (عب 7: 2). متى صارت أيامنا أيام الرب، يملأ أعماقنا بسلامه حتى فى وسط الضيقات. يقول العلامة أوريجينوس: [هل تريدون من النبى معرفة من يقتنون "كثرة السلام"؟ اسمعوا كيف يقول فى المزامير: "فليكن سلام عظيم للذين يُحِبُّون اسمك، وليس لهم شك" (مز 118: 165 سبعينية).].

ج. تَتَّسِم أيامنا بالنور الدائم العظيم، أما أيام الشر فنورها مُخادِع. يُمَيِّز أوريجينوس بين النور الحقيقى والنور المُخادِع بالآتى:

1 - يرفع النور الحقيقى القلب إلى السماوى، فيشتهى الحياة السماوية، أما النور المُخادِع، فيربط الإنسان بالأرضيات الزائلة من غِنَى ومجد وكرامة، ويحسب هذه الأمور أبدية.

2 - ليس من شركة بين المسيح والشيطان، فيأخذ المؤمن قراراً إما أيامه للرب أو لعدو الخير.

3 - من كانت أيامه أيام الرب لا تكمن سعادته فى الملذَّات الزمنية، فيحسبها نوراً ساطعاً.

4 - من كانت أيامه أيام الرب، يتمتَّع بالنور الإلهى الحق، لا النور الذى يُقدم الباطل.

5 - الصلاة أو الالتقاء مع ربِّ المجد يسوع هو الطريق للتمتُّع بالنور الحقيقى.

د. ترتبط أيام الرب بكلمته وحكمته أو الوصية الإلهية: ما يشغل قلب الرسل والمرشدين هو أن نختبر بالنعمة الإلهية عذوبة الوصية وفاعليتها، حيث نَقبَل النور الإلهى، فنستنير ونتذوَّق أيام الرب.

ﮪ. أيام الرب تُطيل أيام الشيوخ: يتحدث أوريجينوس عن الجنين يوحنا المعمدان، الذى لم يكن قد وُلِد بعد حين قامت القديسة مريم بزيارة بيته، فقام بعمل كرازي فائق، وهو بعد جنين فى الشهر السادس من الحبل به، فيُحسَب أكبر من رؤساء الكهنة والكهنة الذين لم يبالوا باللقاء مع الطفل يسوع! أيام الجنين يوحنا فى عينى الله، أطول من السنوات التى عاشها هؤلاء القادة الذين لم يتمموا رسالتهم ككارزين بالحق الإلهى. أيام القديسين تُدعَى طويلة، لأنها أيام حب ثمينة، كل نسمة من نسمات حياتهم لا يمكن تقديرها. أما الأشرار الذين تبرد محبتهم، فأيامهم قصيرة وتافهة وزائلة! عن هؤلاء قيل: "أيها الأحباء إن يوماً واحداً عند الرب كألف سنة، وألف سنة كيومٍ واحدٍ" (2بط 3: 8).

و. من كانت أيامه أيام الرب يَعرف يوم الخلاص بالصليب. كل أعمال الله عظيمة وفائقة، لكن سرّ عظمتها ارتباطها بيوم الفداء أو بالصليب!


[453] - عظات العلامة أوريجينوس على سفر القضاة: العظة الأولى، 1. ترجمة الشماس بيشوى بشرى فايز.

1- ما هو الهدف من التقويم الكنسي؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

1 - ما هو الهدف من التقويم الكنسي؟

أولاً: إن كانت الحياة مملوءة بالضيقات والتجارب، فرسالة التقويم الكنسي أن يختبر المؤمن ما قاله إرميا النبى فى وسط مراثيه: "لأن مراحمه لا تزول، هى جديدة فى كل صباح... نصيبى هو الربُّ قالت نفسى". (مرا 3: 22 - 24) مع كل صباحٍ يشعر المؤمن أن روح الله القدوس قائدنا ومُعَلِّمنا (يو 14: 26) يحملنا بجناحى الحُبِّ والحنو، ويدخل بنا إلى مسيحنا الطريق والحق والحياة (يو 14: 6) لنختبر كل يومٍ الحياة المُتجدِّدة فيه (2كو 4: 16). هذا هو ما يشغل الكنيسة فى كل مناسبة كنسية أن تملأ أعماقنا بالفرح الداخلى، سواء كانت احتفالاً بعيدٍ سيديٍ خاص بعمل الله مع البشرية، أو عيد لكائنٍ سماويٍ أو لطغمةٍ سماويةٍ أو لقديسٍ ما أو لصومٍ مُعيَّنٍ. إنها تدعونا للتمتُّع بعمل الله القدوس لنتذوَّق الحياة السماوية، فنتغنَّى مع الرسول: "أجلسنا معه فى السماويات" (أف 2: 6).

ثانياً: كل المناسبات الكنسية فى جوهرها لقاء مع الثالوث القدوس لنُمارِس بنوتنا للآب السماوى (رو 8: 15)، وحقوقنا كأعضاء فى جسد المسيح (1كو 6: 15)، وتقديسنا كهيكل لروح الله القدوس (1كو 3: 16). يدعونا التقويم الكنسى مع بداية كل سنةٍ كنسيةٍ حتى نهايتها ألاَّ نتوقَّف عن التمتُّع بخبرة مُتجدِّدة للشركة مع الثالوث القدوس مُحِب كل البشر!

ثالثاً: فى كل المناسبات يُرَكِّز القديس مار يعقوب السروجى وسط آلامه اليومية على جبل الجلجثه بكونه "عُرْس الجلجثة"، حيث يُصلَب مع العريس السماوى ويقوم معه كل يومٍ، ويختبر أن الربِّ ينبوع السلام الداخلى والفرح السماوى! هذا هو دور التقويم الكنسى.

هذا ما يدعونا أن نقف مع كل صباحٍ لننعم بما يُقَدِّمه لنا الربُّ نفسه من خيرات سماوية، وذلك من خلال الخبرة العملية التى عاشها آباء الكنيسة الأولى القديسون حتى الذين أُلقوا فى أتون النار! ولا يزال يعيشها المؤمنون الحقيقيون وستعيشها الكنيسة إلى يوم مجيء الرب فى اليوم الأخير.

7- هل الألحان الكنسية مُجَرَّد تراث نحتفظ به؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

7 - هل الألحان الكنسية مُجَرَّد تراث نحتفظ به؟

غاية الألحان ليس السباق الذى يدَّعيه البعض ممن يظنون أنه يُحافِظ على تراث الكنيسة بطريقة حرفية جافة، غالباً ما تكون بلا روح وبلا هدف، وهذا ما يُحزننا عندما يشعر الشخص أنه حارس وفيّ للألحان، متجاهلاً الغاية الحقيقية وهى خلاص إن أمكن كل البشرية.

يليق بنا – خاصة فى الليتورجيات – مراعاة تحقيق غاية الألحان والتسبيح:

أ. رأينا أن الله فى حُبِّه للإنسان، خلقه موسيقاراً متهللاً، يُشارِك السمائيين فرحهم به، وتسابيحهم له. يمارس على الأرض الحياة السماوية التى تعرف الفرح الدائم. يُرَنّم المرتل، قائلاً: "ابتهجوا أيها الصديقون بالرب، للمستقيمين ينبغى التسبيح. اعترفوا للرب بقيثارة، وبكينارة ذات عشرة أوتار رتلوا له. سبحوا له تسبيحاً جديداً؛ ورتلوا له حسناً بتهليلٍ" (مز 33: 1 - 3).

ب. لا تقف الألحان عند عذوبة الصوت أو حفظ الإيقاع الموسيقى، إنما بالأكثر صدور فيض روحى حقيقى جذَّاب نحو التمتُّع بالسماويات. لهذا يؤكد الرسول بولس أنه يلزمنا أن نُسَبِّح بالروح وبالذهن أيضاً (1كو 14: 15)، فلا ننطق بكلماتٍ غير مفهومة! يقول القديس يوحنا كاسيان: [لم يهتم (الرهبان المصريون) بكمية الآيات (التى تُرنَّم فى الصلاة) بل بضبط الفكر، هادفين نحو "أُرَنِّم بالروح، وأُرِّنم بالفهم". هكذا يعتبرون أن التسبيح بعشرة آيات بفهمٍ وفكرٍ أفضل من سكب مزمور كامل بذهن مُشوَّش. هذا يحدث أحياناً بسبب سرعة المتكلم حين يفكر فى المزامير الباقية التى تُرَنَّم وعددها، ولا يهتم بأن يكون المعنى واضحاً لسامعيه، فيسرع لكى ينهى الخدمة[449].].

ج. لاحظ القديس يوحنا كاسيان أن فى زيارته للأديرة المصرية الاهتمام بعدم الإطالة فى الألحان فى اللقاءات الكنسية حتى فى الأديرة، وذلك من أجل الحديثين فى الرهبنة.

د. التركيز فى كل الألحان على عمل الله الخلاصى، حتى فى تماجيد السمائيين والقديسين وكل التذكارات الخاصة بالكنيسة الجامعة، فتُبتلَع كل عواطفنا ومشاعرنا فى الحب الإلهى الأبدى!

ﮪ. تَشَبُهاً بالسمائيين، يليق بالمؤمن ألاَّ ينفرد وحده أو مع قلة من الجماعة المقدسة بلحنٍ ما.

و. يجب فرز المدائح الروحية اللاهوتية (مثل الثيؤطوكيات) من المدائح الهزيلة (المواويل).

ز. التسبيح والصلاة بروح الحُبِّ الوقور والمُمتزِج بالمخافة الربانية.

ح. يلزم أن يكون الشمامسة خدام للكلمة للربط بين التسبيح وكلمة الله.

ط. أَكَّد مار يعقوب السروجى أنه يليق بالمؤمن أن يُسَبِّح الله بكل كيانه: بجسمه ونفسه وروحه وعقله، فيصير أشبه بقيثارة ذات أوتارٍ متنوعةٍ يعزف عليها روح الله القدوس سيمفونية حب سماوية فكل حياتنا حتى النفس الأخير! وكما يقول المرتل: "أغني للرب فى حياتى، أرنم لإلهى ما دمت موجوداً." (مز 104: 33).

يقول مار يعقوب السروجى:

[يارب لن أَتوقَّف عن تسبيحك، حتى بعد وفاتى.

من يحيا لك وبك لا يموت، ولا يقوَ صمت الموت على إسكاته.

البشر مخلوقون ليُسَبِّحوا كثيراً، ولعلهم يذكرون التسبيح كل يوم بفيضٍ!...

فم الإنسان مُتقن، كأنما لتسبيح الرب، ومن يتوقَّف عن التسبيح يصير ناكراً (للجميل).

ولهذا لك الفم لتُسَبِّح به وتشكر به وتهلل به وتبارك به[450].].

[يا ابن الله ليكن لك فمي مبخرة الألحان، وبدل البخور اقبل التسبيح من الضعيف...

لتكن ميامر إيمانك ذبيحة سلامية، فاقبلها فى بيت المغفرة كالقربان (مز 51: 18 - 21).

ليكرمك لسانى بالتراتيل بدل الذبائح، وليُذبح لك كل شكرٍ بكل الألحان[451].].

[أنت فاتح الأفواه المُغلَقة لتتكلم، مَن يقدر أن يفتح فمه بدونك؟ مرةً حتى الأتان تكلَّمت (عد 22: 22 - 30)، ليعرف كل أحدٍ بأنه يسهل عليك أن تعطى النطق حتى للبهيمة[452].].


[449] Institutes, 11.

[450] - ميمر 96 على قطع رأس يوحنا المعمدان (راجع الأب بول بيجان ترجمة دكتور سوني بهنام).

[451] - الميمر 20 على سمعان الصفا عندما قال له ربنا: اذهب خلفى يا شيطان.

[452] - الميمر 10 على الصلاة التى علَّمها ربنا لتلاميذه: أبانا الذى فى السماء (راجع نص بول بيجان ترجمة الدكتور بهنام سونى).