هذا الفصل هو جزء من كتاب: الاستشهاد فى المسيحية – الانبا يؤانس الغربية .
جدول المحتويات
- لمسة وفاء لمثلث الرحمات السراج المنير والبستان المثمر نيافة الأنبا يوأنس
- تصدير
- مقدم الطبعة الثانية
- من هو المسيحى؟
- مفهوم جديد للألم
- اضطهاد اليهَوُدية للَمَسيحَة
- الباب الأول: اضطهاد اليهودية للمسيحيين
- الباب الثانى: روما الإمبراطورية الوثنية
- الباب الثالث: مع الشهداء الأبطال
- الباب الرابع: مع الكنيسة الساهرة
الباب الرابع: مع الكنيسة الساهرة
رعاية الكنيسة للمعترفين والشهداء.
كتابات الحث على الاستشهاد.
دفاعات المدافعين المسيحيين.
الجاحدون.
المعترفون.
نهاية المضطهدين.
مكانة الشهداء فى الكنيسة.
ماذا عملت الكنيسة فى محنة الإضطهاد؟
عرضنا فى الباب السابق لبطولة الشهداء المسيحيين وروحانيتهم من كل ناحية، الامر الذى قدم أحسن شهادة للمسيحية كديانة... لكن هؤلاء الشهداء لم يكونوا وحدهم فى المعركة... كانت وراءهم كنيسة حية ساهرة، قامت بواجبها خير قيام... ولولا ذلك لانهارت الجبهة المسيحية أمام بطش الدولة وكراهيتها، حينما كان يحصد يوميا العشرات والمئات وأحيانا الآلاف من أبنائها...
ماذا فعلت الكنيسة فى تلك الفترة؟
هذا هو السؤال الذى نناقشه فى هذا الباب من الكتاب... وفى اجابة سريعة نقول:
1 - لقد اهتمت الكنيسة بتجديد النفوس وشحنها روحيا، عن طريق الحث بالتعليم.
2 - واهتمت ببناء النفوس فى الايمان الاقدس. وقد تم ذلك فى الاجتماعات السرية للعبادة، التى كانت تعقد فى سكون الليل... وعلى الرغم من أنها كانت عرضة للمفاجأت والمباغتة فى أية لحظة، بواسطة السلطات الحكومية – وهذا ما كان يتكرر حدوثه[263] – فقد حرص المسيحيون على حضور هذه الاجتماعات – وأرواحهم على أكفهم – لخدمة الكلمة والاسرار المقدسة... وقد تضمنت هذه الاجتماعات قراءات الأسفار المقدسة، وتقديم الصدقات، والصلاة، والتعليم، والوعظ، واقامة القداس الالهى لتقديس الافخارستيا[264].
3 - رعاية المعترفين والشهداء من جميع الوجوه.
4 - اهتمت الكنيسة باثبات صحة موقفها أمام العالم، وايضاح ماهية المسيحية، ودفعت عن نفسها الاتهامات، التى حاول اعداؤها المغرضون تشويهها بها. وهذا هو ما قام به فريق من المسيحيين عرفوا باسم المدافعين Apologists.
5 - اهتمامها بوضع من ضعفوا، وجحدوا الايمان ابان الاضطهادات العنيفة، وأبدوا رغبة فى العودة الى حضن الكنيسة ثانية.
وسنتناول بالشرح فى الفصول القادمة النقاط الثلاث الاخيرة (3، 4، 5)، وهو ما يدخل فى نطاق بحثنا فى هذا الكتاب، وبعدها نعرض لوضع المعترفين فى الكنيسة، ثم نشير للنهاية السيئة، التى انتهى اليها أعداء المسيحية، وأخيرا نختتم بحثنا بالحديث عن مكانة الشهداء فى الكنيسة...
رعَايةَ الكنيسَة للمعترفين والشهداء
عملت الكنيسة ما بوسعها ازاء من قدموا حياتهم ثمناً للايمان الاقدس، ونالوا من العذابات ما يجل عن الوصف. فاهتمت بالمعترفين والشهداء وهم فى السجون تحت المحاكمة... وأظهرت رعايتها لهم روحيا ونفسيا، كما اهتمت بسد احتياجاتهم المادية... لقد كان كل غرض الكنيسة أن تخفف من آلام الاسر، وآلام الاضطهاد... ولقد نجحت الكنيسة فى ذلك، وكان نجاحها أكثرمما يتوقع فى أمثال الظروف والمحن التى مرت بها[265].
الرعاية النفسية:
ونقصد بها تشجيع الكنيسة للمعترفين فى وقت محنتهم، ورفع معنوياتهم. وقد تم ذلك عن طريق زيارات الخدام وأفتقاداتهم للمحبوسين، وبواسطة رسائل التشجيع التى كانت ترسلها اليهم الكنيسة.
(أ) بالزيارات:
لقد سمح الحكام الوثنيون لاقارب المعترفين المسجونين وأصدقائهم بزيارتهم فى سجونهم، ظنا منهم أن مقاومة هؤلاء المعترفين تضعف ازاء توسلات ذويهم والحاحهم، تحت تأثير العاطفة. أضف الى هذا أن حفظة السجن فى تلك العهود، كانوا غالبا جماعة من المرتشين، وكان من السهل شراء محاباتهم وتغاضيهم بالرشوة..
وقد سهلت هذه الناحية على الكنيسة – خداما وافرادا – مهمة رعاية المعترفين فى سجونهم.. وطبعا لا يخفى علينا أثر الزيارات فى رفع معنوية الانسان المحبوس، حتى أن رب المجد يعتبر هذا العمل، الذى نعمله مع أحد الناس، كأننا قد قمنا بهنحوه شخصيا:
«كنت محبوسا فأتيتم الى» (مت 25: 36)).
..
ويصف لنا القديس كبريانوس أسقف قرطاجنة الشهيد كيف أن أعدادا كبيرة من أصدقاء المحبوسين، كانوا يحيطون بهم، حتى أنهم فى غمرة حماسهم نسوا أبسط مبادئ الحذر من مضطهديهم... وكانت هذه التجمعات تنشئ عزاء كبير للمحبوسين، تحت أبهاء السجون المظلمة[266].
(ب) بالرسائل:
وكانت الكنيسة تواصل افتقادها للمعترفين المحبوسين عن طريق رسائل التشجيع والتعزية..
كتب كبريانوس الى بعض الكهنة المسجونين من أجل المسيح يقول:
«... وكأننا نحن محبوسون معكم، لأننا بالقلب معكم، نشعر مثلكم، بما أنتم مدينون به من الشرف لجودة تعالى. والمحبة التى تجمعنا تجعلنا نفتخر بافتخاركم. ولا شئ يقطع المحبة متى كانت روحية. فان محبتى لكم، تحملنى الى حيث يحبسكم اعترافكم»[267].
وفى رسالة أخرى يقول لبعض المعترفين المسجونين، مشيرا الى قيودهم الحديدية: «ان هذه ليست سلاسل، انها حلى للزينة. أيتها الاقدام المقيدة التى للطوباويين، التى تقطع الطريق الى الفردوس! »[268].
ويقول أيضاً موجها كلامه الى كنيسة قرطاجنة: «فى أوقات الاضطهاد، تغلق الارض أمامنا، لكن السماء تفتح. ضد المسيح يهدد، لكن المسيح يعين. الموت يغلبنا، لكن الخلود يتبعنا. العالم يتنحى عنا، والفردوس يقبلنا. تنتهى هذه الحياة القصيرة، لتبدأ الحياة الابدية. يا له من شرف، يا له من سلام، يا له من فرح، أن نرحل هكذا فى مجد وسط الاضطهاد والضيق، ونغمض أعيننا عن العالم والبشر، لنفتحها فى وجه الله ومسيحه. يا لها من رحلة قصيرة! »[269].
الرعاية المادية:
فى تلك الازمنة الصعبة، التى تعرض فيها المسيحيون لضغط الدولة ومصادرتها لممتلكاتهم وفصلها أياهم من وظائفهم، كما تعرضوا للدهماء والسوقة وهياجهم وحوادث نهبهم لبيوتهم.. كان لابد للكنيسة أن تعمل عملا، ترعى هؤلاء الذين يذودون عن الايمان، وتسد كل احتياجاتهم المادية. وقد أوفت الكنيسة هذه الناحية، عن طريق حثها الاخوة المؤمنين على الاسهام فى احتياجات المعترفين والشهداء، ثم بطريقة مباشرة عن طريق مساعدتها لهم على يد خدامها...
(أ) بواسطة الاخوة المؤمنين:
كانت الكنيسة تحث أبناءها على مساعدة المعترفين فى حبسهم بكل أنواع المساعدات... ومعاملة المؤمنين المسيحيين لاخوتهم المحبوسين، مصورة تصويرا بديعا، فيما كتبه لو كيان Lucian عن حياة برجرنوس Peregrinus (فصل 12) فبعد أن شرح كيف أعتنق هذا الشخص المسيحية فى فلسطين، استطرد قائلا « وأخيرا قبض عليه بتهمة المسيحية وألقى فى السجن».
ولما زج به فى السجن لم يترك المسيحيون وسيلة لاطلاق سراحه ثانية. ولما تبينوا استحالة هذا الامر، قاموا بكافة الخدمات التى يحتاجها بكل شغف. وكان يتجمع عند باب السجن منذ الصباح الباكر، نساء عجائز، وبعض الارامل، وأطفال صغار أيتام ينتظرون. أما الشخصيات البارزة منهم، فكانوا يستطيعون، حتى النوم داخل السجن، مع المعترفين المسجونين عن طريق رشوة السجانين. وهكذا كانت الوجبات الطيبة تحمل الى داخل السجن، وتقرأ الكتب المقدسة... بل ان بعض مدن مقاطعة أسيا – التى جاء منها بعض المسيحيين لزيارته – أظهروا استعدادا لمساعدته أمام القضاء، وبذل ما فى وسعهم لراحته... أخيرا أفرج عنه حاكم سوريا[270].
(ب) بواسطة خدام الكنيسة:
كانت الكنيسة تجمع مبالغ ضخمة لصالح المعترفين والشهداء المضطهدين ويقول كبريانوس فى رسالة له: «بالنسبة للعون الذى يقدم لأولئك الذين زجوا فى السجن بعد أن اعترفوا باسم الرب، آمر الا يهمل فى أى شئ. لأن كل المبلغ المشار اليه وزع على الكهنة لهذا الغرض»[271].
وكدليل على رعاية الكنيسة المادية للمعترفين، ما أصدره كبريانوس من تعليمات بخصوص المعترف كلرينوس Celerinus، وكان قارئاً (أغنسطسا) فى الكنيسة، اذ أمر أن يصرف له مرتب قسيس[272].
وهناك رسالة للقديس كبريانوس أسقف قرطاجنة دونها من مخبئه سنة 250 حيث كان مختفيا أبان اضطهاد ديسيوس – توضح لنا دور الكنيسة بالنسبة لرعاية المعترفين والشهداء ماديا:
«من كبريانوس الى أخوته الكهنة والشمامسة.. سلام.
أيها الاخوة الاعزاء..
اذكرنى أنى نبهتكم برسائل خاصة، وكررت التنبيه، أن تهتموا كل الاهتمام بالمسجونين، وقد اعترفوا بالرب اعترافاً شريفاً. وها أنذا أعود الى ما سبق، خوفا من أن تنقص عنايتكم بمن لا ينقصهم المجد. ولو كان وضعى يسمح لى بهذا الاهتمام، لما تأخرت عن القيام به عن طيب خاطر. لأن المحبة تحتم علينا هذه الخدمة نحو أخوة بواسل. لكنى أعتمد على عزيمتكم، بأن تنوبوا عنى فى هذه المهمة. أعملوا كل ما ينبغى عمله نحو من أعزهم الله، بمثل هذه الفضائل من الايمان والقوة.. ثم انى طالما قلت لكم فى رسائلى، انه يجب الا ينقص اهتمامكم بالفقراء، ولا تضعف غيرتكم نحوهم. هؤلاء الفقراء الذين لم يغادروا معسكر المسيح، بل ظلوا ثابتين معنا فى الايمان والجهاد. ولتكن عنايتنا بهم، وحبنا لهم فوق صبرهم على الفقر، وفوق احتمالهم للاضطهاد، فانهم فى اخلاصهم للرب صاروا مثلا فى الايمان لجميع الفقراء.. »[273].
ويؤكد القديس كبريانوس هذه المعانى فى رسالة اخرى الى اكليروس ايبارشيته فيقول:
«إنى اعتمد على محبتكم وتقواكم – ويكفينى ما بى من محن – وأسألكم، أنتم الذين لا خطر على وجودكم حيث أنتم، أن تنوبوا عنى فى السهر على ما يطلبه الدين من خدامه. اهتموا بالفقراء دائماً بقدر امكانكم، إن كانوا على الأقل متمسكين بالايمان ولم يهجروا معسكر المسيح».
« وعليكم أن تخففوا بغيرتكم بؤسهم، حتى لا تقدر الحاجة أن تنال من شقائهم، ما لم يقدر الاضطهاد أن يناله من ايمانهم. وليكن عندكم عناية خاصة بمعترفينا الأمجاد فأنا عارف أن كثيرين منهم ترعاهم محبة اخوتهم. ولكن ان كان بينهم محتاجون الى المال، أو الى الملابس، فأعطوهم ما يلزمهم من ذلك... »[274].
الرعاية الروحية:
(أ) لأشخاصهم:
كانت الكنيسة تسهر على روحياتهم هؤلاء المعترفين الذين تحت المحاكمة. ويبدو أن الافراط فى تقدير الناس لموقفهم البطولى، وتكريمهم وتمجيدهم، جعل الكنيسة تنبههم الى الاحتراس من هذا المديح، وتحذرهم من السقوط روحيا... فكتب القديس كبريانوس الى كهنة وشمامسة ايبارشيته يقول:
« وليكن عندك عناية خاصة بمعترفينا الأمجاد... ليعلموا فى الوقت نفسه بواسطتكم ما يطلبه منهم نظام الكنيسة فى أمانتها على وصايا الكتاب. فعليهم أن يكونوا متواضعين، ودعاء، وهادئين، لكى يحافظوا على شرف اسمهم «معترفين». لقد كانت كلمتهم مجيدة، فليكن سلوكهم الآن كذلك. يجب أن يصيروا أهلا لنعمة الله. وهكذا ينالون الإكليل السماوى. وعلى كل، فالطريق أمامهم لم ينته. ويقول الكتاب «لا نمدحنّ أحداً قبل موته». ويقول فى موضع آخر «كن أمينا الى الموت فسأعطيك أكليل الحياة» أما الرب فإنه يصرح قائلاً: من يصبر الى المنتهى يخلص. فليتشبهوا بالرب فإنه قرب آلامه لم يملأه كبرياء بل تواضعا وحينئذ غسل أرجل تلاميذه وفسر عمله بقوله: إذ كنت أنا الرب والمعلم أغسل أقدامكم. فعليكم أنتم أن يغسل بعضكم أقدام بعض. أعطيتكم مثلا حتى تعاملوا الغير كما عاملتكم. وليقتدوا بالرسول بولس، كيف ظل بعد السجن مراراً، وبعد الجلد والوحوش وديعا متواضعا فى كل حال. حتى بعد تذوق السماء الثالثة والفردوس، فإنه لم يستكبر: لم نأكل خبز أحد مجانا، بل نعمل ليلاً ونهاراً، ونكد ونتعب كيلا نثقل على أحد منكم. فأسألكم أن تبلغوا هذه التعليمات الى أخوتى. وبما أن من يتضع يرتفع، فحينئذ يجب الحذر من فخاخ العدو. فإنه يتحدى من غلبه، ويكون أشد هولا وشراسة، وهو مغلوب، حتى يثأر من غالبة. عسى الرب يقدّرونى على رؤية معترفينا فألقى فى نفوسهم، بإرشاد خلاصى، مبادئ صالحة. إنى أتألم حقا حينما أسمع بسلوك بعضهم. إذ يسعون بلا حياء الى العار. فيقضون الوقت فى اللهو والمشاجرة. أيكونون أعضاء المسيح، وقد اعترفوا بالمسيح. ويفقدوا كرامتهم بأعمالهم الحقيرة؟ إن فى مسلك العدد القليل الفاسد منهم ما يشوه مجد العدد الكبير من المعترفين الأفاضل... إن المعترف الحقيقى هو من لا تستحى الكنيسة به بل تفتخر به»[275].
(ب) الصلاة لأجلهم:
وعلى نحو ما فعلت الكنيسة الاولى، حينما كان بطرس الرسول مطروحاً فى السجن، اذ كانت ترفع صلاة بلجاجة الى الله لأجله (أع 12)... هكذا أيضاً الكنيسة فى زمان الاضطهاد، كانت تصير منها صلوات لأجل المعترفين والشهداء..
وما زالت أوشية المرضى التى تصليها الكنيسة فى رفع البخور – وهى من القداس الكيرلسى أقدم قداساتنا – تحوى طلبات من أجل المعترفين فى ضيقاتهم «... الذين فى السجون أو المطابق، أو الذين فى النفى أو السبى أو المقبوض عليهم فى عبودية مرة، يا رب اعتقهم جميعهم وارحمهم. لأنك انت الذى تحل المربوطين وتقيم الساقطين. رجاء من ليس له رجاء، ومعين من ليس له معين. عزاء صغيرى القلوب، ميناء الذين فى العاصف. كل الأنفس المتضايقة والمقبوض عليها. أعطها يا رب رحمة، أعطها نياحاً، أعطها برودة، أعطها نعمة، أعطها معونة، أعطها خلاصا، أعطها غفران خطاياها وآثامها... ».
وفى الطلبة فى القداس الكيرسى أيضاً يقول الكاهن: «حل المربوطين خلص الذين فى الشدائد». وفى صلاة تحليل الكهنة التى تعقب صلاة نصف الليل، يذكرهم الكاهن بقوله: «اذكر يا رب... الذين فى المطايق والسجون والذين فى السبى والنفى... ردهم».
(ج) الحفاظ على تراثهم وذخائرهم:
ونقصد بتراث الشهداء، تدوين سيرهم، والعذابات التى احتملوها، والمحاكمات التى حوكموا بها، والرؤى التى أعلنت لهم... وقد اهتمت الكنيسة اهتماماً بالغا بحفظ هذا التراث، الذى ظل الى يومنا هذا، كنزا للبركة والتقوية والتعزية والمعونة[276].. واستغلت الكنيسة فرصة سماح الحكام لأقارب وأصدقاء المعترفين المحبوسين فى السجون بزيارتهم، فكان خدامها يدونون كل كلمات الشهداء وآلامهم التى يحتملونها والرؤى التى تعلن لهم، وهكذا وصل هذا التراث الينا[277].
أما ذخائر الشهداء، فكانت تعنى الكنيسة بجمعها والحفاظ عليها كبركة عظيمة. ويقول القديس كبريانوس الى الاكليروس فى ايبارشيته « ويبقى أن تعنوا بأجساد من فارقوا هذه الحياة، وانتهوا الى نهاية مجيدة فى السجون أو ماتوا بدون تعذيب... هذا وسجلوا انتقال هؤلاء الأخوة (وفاتهم) حتى نستطيع أن نختفى بهم بين الشهداء، يوم احتفالنا بتذكارهم»[278].
وكانت الكنائس ترسل الى بعضها رسائل حاوية لاخبار الشهداء، كما فعلت كنيسة ازمير بخصوص استشهاد بوليكاربوس، وعلى نحو ما فعلت كنائس ليون وفينا، فى رسالة الى كنائس آسيا الصغرى، تصف فيها الاضطهاد الذى حل بهم سنة 177 على عهد مرقس أوريليوس، ومن استشهدوا فيه[279].
الحث على الاستشهاد
الى جانب اهتمام الكنيسة – شعبا وخداما – بالمعترفين والشهداء، من النواحى المادية والنفسية والروحية، فقد عملت الكنيسة على تعبئة مشاعر المؤمنين، وحفز عواطفهم ومحبتهم وأشواقهم نحو الله، عن طريق ما أصدره بعض قادتها ومعلميها من كتابات للحث على الاستشهاد... ومن يطالع هذه الكتابات يلمس الحماس المتأجج، والروحانية المثالية، والمجد الذى ينتظر الشهداء.
ولعل أبرز الآباء والمعلمين الذين طرقوا هذا الموضوع وكانوا يعيشون وسط نيران الاضطهادات هم:
العلامة أوريجينوس، والعلامة ترتليانوس، والقديس الشهيد كبريانوس.
(1) العلامة أوريجينوس:
فيلسوف وعلامة مصرى، ولد بالاسكندرية من أسرة مسيحية حوالى سنة 185م. اهتم والده بتربيته تربية مسيحية خالصة، وعلمه الكتاب المقدس، ثم تابع الدراسة على يد اكليمنضس الاسكندرى.. استشهد والده سنة 202 بان الاضطهاد الذى أثاره سبتميوس ساويرس. وكان موقف اوريجينوس الابن عجيبا. فقد كان يشجع والده على الثبات، وهو نفسه اشتهى أن يقدم نفسه للجلادين. وقد اضطرت أمه أن تخبئ ملابسه يوما كاملا حتى تعوقه عن الخروج للاستشهاد.
حل محل أستاذه أكليمنضس فى ادارة المدرسة اللاهوتية، وكان سنة وقتذاك سبعة عشر عاما. لكنه كان على معرفة وعلم كبيرين. كان دائماً حارا بالروح، باشر ممارسات نسكية صارمة، وبدأ ينادى بها. عكف على دراسة الفلسفة كلازمة من لوازم عصره. قام برحلات كثيرة خارج مصر.
قبض عليه سنة 250 فى زمان الاضطهاد الذى أثاره ديسيوس، والقى فى السجن ونالته عذابات شديدة، لكنه لم يستشهد، بل أفرج عنه، وتوفى فى مدينة صور سنة 253 وله من العمر 69 عاما.. كان عقله من أخصب العقول التى شهدتها الكنيسة المسيحية، وخلف للكنيسة انتاجا رائعاً. لكن ما يهمنا الآن فى بحثنا عن الاستشهاد هو كتابه «الحث على الاستشهاد».
كتب أوريجينوس كتابه «الحث على الاستشهاد» سنة 235. وقد أفرغ فيه خلاصة حماسه وأشواقه وخبرته، شابا وشيخا – وأرسله الى صديقيه الحميمين امبروسيوس وبروتوكتيتس Protoctetus كاهن قيصرية، اللذين كانا قد قبض عليهما، وطرحا فى السجن بسبب الاضطهاد، الذى أثاره الامبراطور مكسيمينوس... والكتاب فى خمسين فصلا، يمكن وضعها تحت سبعة أقسام:
القسم الاول (1 - 5) |
، |
مقدمة فى الحث على الاستشهاد. وتأمل فى الآيات الواردة فى سفر أشعياء (28: 9 - 11). |
|---|---|---|
القسم الثانى (6 - 10) |
، |
يتضمن تحذيراً شديدا من عبادة الاصنام والارتداد. |
القسم الثالث (11 - 21) |
، |
ويتضمن حثا للمثابرة على حمل الصليب مع المسيح (الشهادة لله – اتباع المسيح – جزاء الشهيد – وعودنا مع الله – مشهد أمام الجميع) |
القسم الرابع (22 - 27) |
، |
يقدم أمثلة للاستشهاد فى قصة اليعازار والسبعة أخوة، الواردة فى سفر المكابيين الثانى. |
القسم الخامس (28 - 44) |
، |
يتحدث فيه عن وجوب الاستشهاد، طبيعته وأنواعه (كأس الخلاص – لتعبر عنى هذه الكأس – معمودية الدم – المفاضلة بين الاستشهاد وعبادة الاصنام – المرتدون سينكرهم الابن) |
القسم السادس (45، 46) |
، |
يتحدث عن السمة الاجرامية للاصنام (عبادة الشياطين – أهمية الاسماء). |
القسم السابع (47 - 50) |
، |
ويتضمن حثا أخيرا على الثبات فى زمن الشدة. |
ونقتطف بعض عبارات قليلة مما ورد فى هذا الكتاب:
† أود خلال التجربة الحاضرة أن تذكرا المجازاة العظيمة المعدة فى السماء للمضطهدين والمعيرين لأجل البر.. افرحا وابتهجا وتللا، كما فعل الرسل حينما حسبوا أهلا أن يهانوا لأجل اسمه. واذا حدث أن شعرت نفسا كما ببعض الحزن، فدعا روح المسيح الذى فينا يقول لتلك النفس.. لماذا أنت حزينة يا نفسى ولماذا تزعجيننى. ترجى الله لانى بعد أحمده[280].
† جمهرة كبيرة مجتمعة لمشاهدتكما حينما تجاهدان، وتدعيان للاستشهاد... ان آلافا تحتشد لمشاهدة نزال يشترك فيه بعض من ذوى الشهرة البارزة. حينما تدخلان المعركة يمكن أن تقولا مع بولس: صرنا منظرا للعالم للملائكة والناس: اذن، فالعالم كله، الملائكة جميعا عن اليمين واليسار. الناس طراً الذين هم الى جوار الله، والآخرين، الجميع سيسمعوننا ونحن نقاتل من أجل المسيحية. فإما أن الملائكة تبتهج والانهار تصفق بالايدى، والجبال ترنم معاً، وكل شجر الحقل تصفق باغصانها، وأما لا سمح الله تحدق قوات العالم السفلى فى جريمتنا وتشمت[281].
† «لنقاتل حتى ما نؤدى شهادتنا كاملة، ليس فقط علانية، بل فى الخفاء أيضاً، حتى ما نستطيع أن نقول مع الرسول: لأن مجدنا هو هذا، شهادة ضميرنا أننا فى قداسة واخلاص الله... تصرفنا فى العالم (2كو 1: 12) ولنضف الى كلمات الرسول، قول النبى: لأنه هو يعارف خفيات القلب (مز 44: 21). وهذا حق خاصة ونحن نساق الى الموت، ونقول لله ما يقوله. الشهداء وحدهم له: لأننا من أجلك نمات اليوم كله. قد حسبنا مثل غنم للذبح (مز 44: 22). واذا كانت حكمة الجسد ستجعلنا نهاب القضاة، الذين يهددوننا بالموت، فلنقل لهم كلمات الأمثل: «يا أبنى اكرم الرب تصير قويا. لا ترهب انسانا سواه»[(*)].
2 - العلامة ترتليانوس:
يعتبر ترتليانوس أب علم اللاهوت فى الكنيسة اللاتينية من حيث فضله على تقدم المصطلحات اللاهوتية، ومن أعلام المسيحية القدماء نعرف القليل عن حياته مما تضمنته كتبه، وما ذكره عنه القديس ايرونيموس فى كتابه «مشاهير الرجال».
ولد حوالى منتصف القرن الثانى المسيحى فى قرطاجنة، حيث كان والده يشغل منصب قائد فرقة رومانية تحت امرة حاكم افريقيا. تثقف ثقافة هيلينية لاتينية متحررة. وتظهر كتاباته معرفة كبيرة بالتاريخ والفلسفة والشعر والادب القديم والمصطلحات القضائية وكل فنون المحاماة. ويبدو أنه أشتغل بالسياسة والمحاماة أما فى قرطاجنة أو فى روما.
عاش وثنيا حتى سن الثلاثين أو الاربعين ثم اعتنق المسيحية وان كنا نجهل الظروف التى صاحبت هذه الخطوة، لكن ذلك تم عن اقتناع عميق. ومنذ ذلك الوقت دافع عن المسيحية بلا أدنى خوف ضد هجمات الوثنيين واليهود والهراطقة. وبين سنتى 199 - 203 أعتنق هرطقة المونتانيين[283] Montanism ولا نعرف تاريخ وفاته على وجه الدقة، لكنها كانت بعد سنة 220. ويتضح جليا من مؤلفاته احتقاره للديانة الوثنية، وللثقافة الوثنية، وحماسه الشديد للمسيحية.
كتب كتبا كثيرة، لكن ما يهمنا فى هذا الصدد، هى كتبه فى الحث على الاستشهاد، وكتبه الدفاعية. ويكاد يكون أهم ما كتبه فى الحث على الاستشهاد مقالة قصيرة عامة من ستة فصول معنونة «الى الشهداء Ad Martyras» كتبها بين سنتى 197 / 198. وهى مقالة مملوءة حماسا وتشجيعا ليقاوم الانسان عواطفة[284]. ونعرض لمقتطفات منها، يقول:
«لا تجعلوا انفصالكم عن العالم يخيفكم. فلو أمعنا النظر فى أن العالم هو فى الواقع السجن الحقيقى، فسنعرف انكم لم تدخلوا سجنا، بل بالاولى خرجتم من سجن!... لذا احسبوا – أيها المباركين – انكم انتقلتم من سجن الى مكان آمن. وإن كان مفعماً ظلاماً، لكنكم انتم أنفسكم نور. فيه قيود، لكن الله قد حرركم. تعبقه الروائح الكريهة، لكن انتم رائحة زكية. تنتظرون المحاكمة كل يوم، لكنكم ستدينون القضاة أنفسهم. هناك الحزن، لكن لمن يشتاق الى مباهج الدنيا. المسيحى خارج السجن قد رفض العالم، لكنه فى السجن، قد رفض السجن أيضاً. لا يهم أين تكونون فى العالم، أنتم الذين لستم فى العالم.. »[285].
«بالنسبة للمسيحى، فان السجن يقدم له نفس الخدمة التى تقدمها البرية للنبى. لقد قضى ربنا نفسه وقتا كبيرا فى الوحدة، حتى ما يكون أكثر حرية فى الصلاة، وحتى ما يتحرر من العالم. ولقد كان فى خلوة جبلية أيضاً حينما تجلى بمجده لتلاميذه. هل لنا أن نسقط من حسابنا كلمة سجن! وندعوه مكان خلوة؟ ولو أن الجسم مغلق عليه، والجسد محبوس، لكن كل شئ مفتوح أمام الروح. اذن، بالروح تجول خارجا. بالروح تمشى، غير واضح أمامك الممرات ذات الظل أو ذات الأعمدة، بل الطريق المؤدى الى الله. وبقدر ما تكون خطواتك فى الروح دائماً، بقدر ما تكون حرا من القيود حينما يكون العقل محلقاً فى السماويات، لا تشعر الساق بالسلسلة التى تقيدها فالعقل يطوق الانسان كله، ويحمله الى حيثما يريد. حيث كنزك هناك يكون قلبكز فليكن قلبنا فى الموضع، حيث نود أن يكون كنزنا... »[286].
«أنتم على وشك خوض معركة الشرف، وفيها الله الحى هو رقيبكم، والروح القدس مدّربكم، والجزاء اكليل أبدى ملائكى، وحق المواطنة فى السماء، ومجد دائم. لذلك فان سيدكم يسوع المسيح، الذى مسحكم بروحه، وقادكم الى مسرح العذاب، قد رأى من الخبر – قبل يوم القتال – أن ينقلكم من حالة – هى فى ذاتها مرضية، معاملاً إياكم بصورة أقسى حتى ما تصبح قوتكم أكبر... ».
3 - القديس كبريانوس الشهيد:
ولد وثنيا حوالى سنة 200 أو قبل ذلك، من أسرة شريفة ثرية تثقف ثقافة عالية حسب مقتضيات العصر والوضع الاجتماعى. ويبدو أنه عاش منغمسا فى الرذيلة شأن معظم شباب عصره، لكنه اهتدى الى المسيح، وآمن على يد كاهن يدعى كيكيليوس Caecilius، وانضم الى صفوف الموعوظين. ثم باع أملاكه ووزعها على الفقراء، مستبقيا القليل منها لسد احتياجاته. نذر العفة، ونال نعمة العماد سنة 245 أو سنة 246... ثم سيم أسقفاً على قرطاجنة بناء على رغبة شعبها سنة 249. وأخيرا بعد جهاد حافل فى تلك الفترة الصعبة بسبب الاضطهادات، نال اكليل الشهادة فى 14 سبتمبر سنة 258.
بدأ كبريانوس اسقفيته مع الاضطهاد المروع، الذى أثاره الامبراطور ديسيوس (249 – 251) على الكنيسة المسيحية. أختبأ بعض الوقت حتى زال الاضطهاد، ويبدو أنه فعل ذلك باعلان الهى. فلا عجب اذن أن حوت كثير من رسائل التى أرسلها من مخبئه تشديداً للمعترفين فى السجون والمناجم، واظهار لمجد الاستشهاد وتوصية للخدام والاكليروس بالعناية بالمعترفين والشهداء، ماديا ونفسيا وروحيا.
وبين كتاباتته مقالة معنوية «حث على الاستشهاد» موجهة الى فرتاناتس Fortunatus من ثلاثة عشر فصلا. ومقالة أخرى عن «مجد الاستشهاد» منسوبة اليه، لكن صحة هذه النسبة تحتاج الى اثبات والآن نعرض لبعض أقواله:
«نحن الذين – بسلطان من الرب – منحنا المؤمنين العماد الأول، علينا أن ن عد كلا منهم للعماد الثانى، بحثهم وتعليمهم. ان هذا العماد أعظم فى النعمة، وأسمى فى القوة، وأرفع فى الشرف إن الملائكة فى هذا العماد يعمدون، والله ومسيحه يبتهجان، ولا أحد بعد هذا العماد، يسقط فى خطية. هذا العماد يكمل نمونا فى الايمان، ويغرسنا فى الله بعد أن نخرج من العالم... بمعمودية الماء ننال مغفرة الخطايا، وبمعمودية الدم نظفر بأكليل الفضائل»[287].
«فى سفر الخروج كان الشعب اليهودى – كمثال سابق لنا – مع الله وليّهم والمنتقم لهم، خلصوا من عبودية فرعون ومصر القاسية جداً، أى من الشيطان والعالم. وإذ كانوا بلا ايمان وغير شاكرين لله، تقمقموا على موسى، ناظرين الى متاعب الصحراء وشغلهم، غير فاهمين الفوائد المقدسة للحرية والخلاص. ففكروا فى العودة الى عبودية مصر. بينما كان يجب عليهم أن تزداد ثقتهم فى الله، الذى أنقذ شعبه من الشيطان والعالم ويقدر أن يحميهم أيضاً. قالوا لموسى «ماذا صنعت بنا حتى أخرجتنا من مصر... لأنه خير لنا أن نخدم المصريين من أن نموت فى البرية. فقال موسى لهم. لا تخافوا. قفوا وانظروا خلاص الرب الذى يصنعه لكم اليوم... الرب يقاتل عنكم وأنتم تصمتون» (خر 14: 11 - 14)).
والرب فى انجيله، يحذرنا من ذلك، ويعلمنا ألا نعود ثانية للشيطان وللعالم الذى رفضناه، وحيثما ننجو يقول.
«ليس أحد يضع يده على المحراث وينظر الى الوراء يصلح لملكوت الله (لو 9: 62). وأيضاً « والذى فى الحل لا يرجع الى الوراء – اذكروا امرأة لوط» (لو 17: 31).
، 32) ( * ).
«يجب أن تعلموا – فى ايمان ويقين – ان يوم الشدة قد حل يهددنا بالموت، وتقترب نهاية العالم وزمان المسيح الدجال. لذلك يجب أن نقف جميعا على أهبة الاستعداد للمعركة، غير واضعين أمامنا سوى مجد الحياة الأبدية، واكليل اعترافنا بالرب، غير مهتمين بالأمور المقبلة، لأنها ستنتهى كما انتهى ما سبقها. إننا على أبواب حرب أقسى واشد. وعلى جنود المسيح أن يعّوا ذواتهم لها بإيمان حىّ وشجاعة قوية، واضعين فى اعتبارهم أنهم يشربون يوميا كأس دم المسيح، حتى بذلك يمكنهم أن يسفكوا دماءهم لأجله. إن كل ما نبتغيه هو أن نوجد مع المسيح، وأن نقتدى بما علمنا إياه، وما صنعه، حسبما يقول يوحنا الرسول: من قال أنه ثابت فى المسيح ينبغى أنه كما سلك ذاك هكذا يسلك هو أيضاً (1يو 2: 6) وفضلا عن ذلك، فإن الرسول بولس يعلمنا قائلاً: اننا أولاد الله. فإن كنا أولادا فإننا ورثة أيضاً. ورثة الله ووارثون مع المسيح إن كنا نتألم معه لكى نتمجد أيضاً معه (رو 8: 16، 17) »[(*)].
دفاعات المدافعين المسيحيين
تعرضت المسيحية لهجمات القوى الوحشية المادية، وايضا لهجمات الفلاسفة... للسيف والقلم. وقد أجابت على الاولى بثبات أتباعها البطولى، الذين وضعوا حياتهم ذودا عنها. فصانوا حيويتها الدائمة. أما تحديات الفلاسفة الوثنيين المتعجرفين الذين يمثلون حكمة العالم القديم المنتفخة، فقد فندتها، وأبكمتها، بل وهدمتها وهاجمتها، بالكتابات الفذة ا لتى دبجتها يراع الفلاسفة المسيحيين فى دفاعهم عنها...
لقد اتجهت كتابات الدفاع عن المسيحية فى القرن الثانى نحو اليهودية الغيور، والفيلسوف اليونانى، والسياسى الرومانى. وكان المسيحيون من البدء «مستعدين لمجاوبة كل من يسألهم عن سبب الرجاء الذى فيهم»... وكان لابد للمسيحيين أن يضيفوا الى شهادتهم العملية البسيطة، دفاعا نظريا، يدفعون به عن أنفسهم أشر الاتهامات الباطلة..
وتتلخص هذه الاتهامات فى الآتى:
كانت المسيحية ديانة حديثة. ومن جهة قدمها، لا تقارن بديانات الآلهة الوثنية، والشعوب الاخرى[289].. كانت ديانة غريبة، مختلفة تماما فى نوعها عن الديانات الاخرى.. بلا معابد أو تماثيل، أو مذابح تقدم عليها ذبائح دموية[290]، أو على الأقل أى شئ مما يرى من هذا القبيل[291]. وهى ديانة سرية[292]، تعقد اجتماعاتها مساء، ولا يسمح بحضورها الا لاعضائها الذين نالوا سر العماد[293]. كانت ديانة تنتشر كل يوم بين كل الطبقات وخاصة بين النساء، والجهلاء، والمجرمين[294]...
كانت المسيحية هى الديانة التى وجهت ضدها اخطر الاتهامات: فقد اتهم المسيحيون بالفساد الشنيع[295]، وبالكفر[296]، وبالخيانة للامبراطور والدولة[297]، وبأنهم مواطنون غير منتجين[298].
كان من الضرورى أن تفند هذه الاتهامات، وتزال هذه العوائق الاولية حتى ينجح المسيحيون فى مهمتهم. فقبل أن يقبل الوثنيون الى المسيحية ويؤمنوا بالمسيح، يجب أن يقتنعوا أن المسيحيين، ليسوا فاسدين أو كفرة أو خونة...
ولذا فقد ظهرت طبقة من المسيحيين عرفوا باسم المدافعين أو المحتجين Apologists، أى المدافعين عن الايمان، كانت مهمتهم تبرئة المسيحية مما نسب اليها ظلماً وخطأ، وتقديم مفاهيم سليمة عنها لغير المؤمنين...
قال هؤلاء المدافعون للوثنيين «اضربوا. ان كان يجب ان تضربوا، لكن اسمعونا أولا. لا تبيدونا عن وجه الارض حتى تعرفوا القليل عنا»[299] «لا تكونوا غير عادلين حتى تحكموا علينا، دون أن تسمعوننا[300].. أنتم تنزلون بنا العقاب، لمجرد كوننا مسيحيين، لكن يقينا، انه لا يوجد شئ فى مجرد الاسم[301].. لديكم أفكار ملتبسة، أننا أناس أشرار، لكنكم مخطئون، فحياتنا طاهرة، نعبد الله، ونحن أوفياء للامبراطور..
مثل هذا كان عمل المدافعين. لم تكن مهمتهم تعليم الحق، لكن اعداد السبيل للتعليم، هم لا يبرهنون على صحة المسيحية كديانة الهية من الكتب المقدسة لكنهم يثبتوا أنها ليست غير معقولة على الاطلاق أو ضارة. هم يزيلون أحجار العثرات، وثيرون حب الاستطلاع.. لذلك فقلما يقتبسون من الاسفار المقدسة، لكنهم يستشهدون بها دواما. يتكلمون عن قدمها وأنها سابقة لجميع الكتب الاخرى، ويشيرون الى صحتها وخلوها من أى خطأ، بالمقابلة مع أساطير الآلهة الوثنية.. يصفون اتفاقها وبساطتها بمقابلتها بأقوال الفلاسفة الصعبة المتعارضة. يؤكدون اتمام النبوات – التى لا يرقى الشك الى قدمها – فى حياة المسيح، وقيام ديانته... لقد كتبت الدفاعات لمصالحة الاعداء، ولذلك فقد جاءت الحجج حسبما سمحت الظروف[302].
والآن نعرض للمدافعين الذين دافعوا بقلمهم عن المسيحية، ثم لدفاعهم، ونعرض بعد ذلك لقيمة هذا الدفاع.
أولاً: المدافعون:
بدأت كتابات الدفاع تظهر فى عهد الامبراطور هدريان (117 – 138). ومعظم كتابات الدفاع الاولى، من أمثال كتابات كوادراتوس، وارستيديز الاثينيين، وكتابات ميليتو Melito أسقف سادرس المتأخرة، وكلوديوس أبو لليناريس Claudius Apollinaris وملتياديز Miltiades، إما أنها فقدت تماما. أو تبقى منها بعض عبارات مبعثرة فيما كتبه يوسابيوس القيصرى فى تاريخه. وان كان بعض كتابات ميليتو وارستيديز الهامة عثر عليها مؤخراً.
يأتى بعد ذلك الدفاع القيم الذى قدمه يوستينوس الشهيد حوالى سنة 147 أو قبل ذلك بقليل، ومازال فى أيدينا كاملاً. بعده جاء تلميذه تاتيان Tatian، واثيناغوراس، وثاوفيلس الانطاكى، وهرمياس فى النصف الاخير من القرن الثانى، وهيبوليتس Hippolytus، واكليمنضس الاسكندرى وأوريجينوس العظيم، فى النصف الاول من القرن الثالث.
كان هؤلاء جميعاً من الفلاسفة، وكتبوا دفاعاتهم باللغة اليونانية اما أشهر المدافعين الذين كتبوا باللاتينية فهم: ترتليانوس الذى قدم دفاعه بين سنتى 197، 198، ومينوكيوس فيلكس Minucius Felix ثم أرنوبيوس Arnobius ولكتانتيوس Lactantuis وهو آخر المدافعين. وقد عاش بعد زمان الاضطهاد، وصار معلما لكريسبس Crispus ابن قسطنطين، أول أمبراطور مسيحى. وكان هؤلاء جميعاً أفريقيين بحكم موطنهم، اشتغلوا بالمحاماة أو بتدريس البلاغة[303].
وعلى أية الحالات، فان جميع المدافعين استخدموا نفس البراهيم والحجج تقريبا، وجميعهم أظهروا الفضائل المسيحية فى مواجهة قوية لرذائل الوثنية وقبائحها. وجميعهم اطنبوا فى الكلام عن بطولة الشهداء[304].
بعض المدافعين قدموا دفاعهم للاباطرة أو حكام الاقاليم كما فعل كودراتس وارستيديز، حينما توجها بدفاعهما الى هدريان. ويوستينوس الشهيد الى أنطونينوس بيوس. واثيناغوراس، وميليتو، وابولليناريس، الى مرس أوريليوس. وترتليانوس الى الحكام الافريقيين. وبعضها وجهت الى أشخاص خصوصيين، أو لجمهور الشعب عامة.
هكذا كتب ثاوفيلس الانطاكى ثلاث رسائل الى أوتوليكس Autolycus الوثنى. ووجه تاتيان كلامه الى اليونانيين، وترتليانوس وأرنوبيوس كتابا الى الامم. وغالبا ما كانت تظهر هذه الدفاعات، فى وقت ضجة شعبية، لازالة جميع الادعاءات التى يروجها الوثنيون، لشن الاضطهاد ضد المسيحيين. لكن هناك كتاب واحد كتبه أوريجينوس، رد به على فيلسوف وثنى يدعى كلسوس Celsus، كان قد كتب كتابا هاجم فيه المسيحية[305].
ثانيا: دفاع المدافعين:
1 - ضد اليهودية:
بالنسبة لهذا الامر، لنا مصدران رئيسيان:
حوار يوستينوس الشهيد الفيلسوف مع تريفو Trypho اليهودى، الذى تم فى مدينة أفسس. وما كتبه ترتليانوس العلامة ضد اليهود والمعنون Adversus Judoeos وهناك تأليف آخر من النصف الاول من القرن الثانى من عمل أرسطو من بلا Aristo of Pella. معنون «حوار جاسون وبابسكوس عن المسيح Jason, Papiscus. والكتابات الاولان مازالا بين أيدينا، أما الثالث فظل معروفاً حتى القرن السابع[306]. وكان يهدم أظهار اتمام النبوات القديمة فى المسيح. وينتهى هذا الحوار باقتناع بابسكوس اليهودى، وعماده على يد جاسون. ومؤلف الكتاب يهودى متنصر من بلا، وهى المدينة التى لجأ اليها مسيحيو أورشليم قبل خرابها.
2 - ضد الوثنية:
نستطيع أن نجمل الاتهامات التى وجهها الوثنيون ضد المسيحيين، فى ثلاثة اتهامات رئيسية من حيث النوع[307]:
(أ) اتهام أخلاقى – ادعوا فيه أن المسيحيين يحيون حياة فاسدة فاجرة.
(ب) اتهام دينى – فقد قالوا أن المسيحيين كفرة بلا دين، أو يدينون بدين فاسد. وبسببهم تحل الكوارث نتيجة غضب الآلهة، وهم أعداؤها.
(ﺟ) اتهام سياسى – ادعوا فيه انهم خونة للامبراطور، وأعداء للصالح العام، وأنهم يؤلفون جماعة سرية.
والاتهامات الاول والثانى، أثاره كراهية عامة الناس، وكانا سببا فى قيام اضطرابات وهياج شعبى.. أما الاتهام الثالث فكان هو أساس الاتهام الرسمى حينما كانوا يقدمون للمحاكمات.
والآن نعرض لهذه الاتهامات الثلاث، وملخص بردود المدافعين المسيحيين بشأنها:
(أ) الاتهام الاخلاقى:
ويبدو أنه كان الاتهام البارز. ولا شك أن أساسه الغيرة التى تولدت عن الشك، الذى كان ينظر به الى اجتماعات المسيحيين السرية، التى كانت تعقد ليلا. فقد جاء فى خطاب بلينى الاصغر حاكم مقاطعة بيثينية بآسيا الصغرى الى الامبراطور تراجان سنة 112، أن المسيحيين كانوا يجتمعون معا قبل انبلاج الفجر ليقدموا العبادة للمسيح. وبينما الظلام باق، كان الزوج الوثنى يبحث عن زوجته – التى آمنت بالمسيح – فلا يجدها الى جواره، فكان يساوره الشك الغامض[308]. وقياسا على ما كان يحدث فى الطقوس الوثنية، فقد ظنوا ان الاجتماعات السرية المسيحية، اجتماعات غير مقدسة. سرعان ما سرى الشك كنتيجة للتصرفات الغامضة.
وبخصوص حفل التثبيت فى الجماعة، قيل انها جريمة شنيعة[309]. وثار غلط شديد بخصوص مائدة العشاء المسيحية المتواضعة[310] أشاعوا أن المتنصر حديثا، كان يتسبب فى طعن طفل بسكين حتى الموت. وبعد ذلك ينقض عليه الجميع بسرعة وشراهة، ويمزقونه إرباً إرباً ويلتهمونه. وتستمر اللذة فى التزايد. وعند اعطاء اشارة تطفا الانوار، وينغمس الجميع فى شهوة بلا تمييز. ويذكر لنا أوريجينوس أن اليهود هم أصحاب هذه الاتهامات ومروجوها[311].
وعلى أية الحالات، فمن السهل الوصول الى أساس هذه الشائعات لقد سمع الوثنيون عن مائدة الافخارستيا – جسد المسيح الذى يؤكل، ودمه الذى يشرب. وسمعوا أيضاً عن ولائم المحبة. فبالنسبة للاولى كانوا عاجزين عن ادراكها روحياً. وبالنسبة للثانية، لم يكن لها سوى معنى واحد، بالنسبة لتخيل دنس. فالحب والشهوة الجسدية بالنسبة للوثنى فى ذلك الوقت. كانا هما المفهومين المسيطرين على فكره.
وكانت الاحتفالات الدينية الوثنية، والفساد الشنيع، ترتبط ارتباطا وثيقا بخبراته. وكانت الطهارة أمرا نادرا لدرجة الشك فى امكان وجودها. وكان ضبط الغريزة الجنسية – حسب فكره – ليس سوى رداء يخفى الفساد المستتر. ومن هنا فقد شوه الوثنى ولائم المحبة المسيحية، وأعتبرها تهتكا متطرفاً. وحسب الاعتداء بجسد المسيح ودمه، قتل طفل والتهامه[312].
ويؤكد ترتليانوس – فيما يختص بهذه الاتهامات – ان الوثنيين كاذبون فى شائعتهم.. فقد ظلت الاجتماعات المسيحية محتفظة بسريتها تماما. يقول: «يضيق علينا الاعداء كل يوم، ويخونوننا كل يوم، وكثيرا ما نفاجأ فى اجتماعاتنا. ومع ذلك هل رأى أحد طفلا يولول؟ أو اكتشف أحد أى أثر للدنس فى زوجته؟ أين الانسان الذى بعد أن اكتشف مثل هذه الفظاعة تستر عليها؟ أم انه بينما كان يساق المتهم أمام القاضى، ارتشى ليلوذ بالصمت[313]. وكحقيقة نقول أن السلطات – من وقت لاخر – بذلت قصارى جهدها لتجمع أدلة، لكنها فشلت. ويقول يوستينوس الشهيد، ان بعض الاماء أرغمن تحت التعذيب أن يعترفن بهذه الاتهامات كأمور واقعية تحدث[314]. وقد استقصى بلينى الاصغر عن حقيقة المجتمع المسيحى بكل دقة. فلم تثره، بل على العكس كانت فى نظره «خرافة غير معقولة ومتطرفة». كان المسيحيون - فى نظره – يسيطر عليهم افتتان، وهم ممتلئون من «عناد نابذ للطاعة ولا يلين»... كانت هذه الاوصاف هى أسوأ ما قاله بلينى.
لقد بحث واستقصى، ولم يجد أى سند لاتهام بالجريمة. استجوب المرتدين – وكانوا بطبيعة الحال – على استعداد تام، من أجل نجاتهم، أن يجدفوا على اسم المسيح، ومع ذلك لم يجرأوا أن يلطخوا سمعة المسيحيين الطيبة، ولم تذهب شهادتهم الى أبعد من الآتى: أن المسيحيين يجتمعون معاً قبل طلوع الفجر للصلاة للمسيح، وليرتبطوا جميعاً معاً بواسطة سر مقدس، ليمتنعوا عن كل الشرور، وليأكلوا معا أكلة غير ضارة[315].
لقد وقعت شماستان فى يد بلينى الاصغر، وأمر بتعذيبهما، ومع ذلك لم يتمكن من انتزاع أى أقوال تتفق وغرضه. والنتيجة ا لتى وصل اليها بلينى، هى أن المسيحيين يعتقدون فى خرافات، وأنهم عنيدون، وغير مستعدين لاطاعة القانون، لكنهم ليسوا مجرمين... ونستطيع أن نلخص خطاب بلينى الى تراجان فى الكلمة الآتية: لا أجد وسيلة ضد هؤلاء الناس، الا اذا كان ذلك فيما يختص بشريعة إلههم.
حدثت تحريات بلينى فى أوائل القرن الثانى فى مقاطعة بيثينية بآسيا الصغرى. وبعدها بنحو ونصف قرن أو يزيد، حد ث اضطهاد شديد فى بلاد الغال (فرنسا الحالية)، وأنتشرت تقارير عن رذائل المسيحيين بين عامة الناس، فثاروا عليهم كالمجانين، وقد أرسلت كنائس فينا وليون الى كنائس آسيا وفريجيا، وصفا لحوادث الاستشهاد دونه لنا يوسابيوس فى تاريخه.. جاء فيه أن التعذيب الشديد فدع بعض الاماء الوثنيات أني تهمن سادتهم زورا بأكل لحوم البشر والفسق بالمحارم[316].
واحداهن تدعى ببلياس Biblias – كانت قد انكرت الايمان أولاً، ثم استعادت قوتها تحت الآلام، بصلوات الشهداء المجاهدين – وقفت فى وجه المجدفين قائلة: «كيف يستطيع هؤلاء أن يأكلوا الاطفال، وهم يحرمون أن يذوقوا حتى دماء الحيوانات غير العاقلة»...
وأتاللوس Atallos الذى من برغامس، عندما وضعوه على الكرسى الحديدى واشعلوا النار تحته، وتصاعد الدخان من جسده المشوى قال للشعب «ان هذا الذى تفعلونه أنتم هو التهام للبشر، أما نحن فاننا لا نأكل البشر، ولا نرتكب أى شئ آخر[317].
وقد أشار المدافعون المسيحيون الى أمثال هذه المشاهد البطولية، وتساءلوا عما اذا كان من الممكن أن «أناسا يموتون كما ترونهم يفعلون، يعيشون على نحو ما تقولون أنهم يفعلون»[318].
والحق أن ميتات المسيحيين كانت شهادة تثبت طهارة الحياة المسيحية. فحياة التساهل مع النفس ليست اعداد الموت شهيد، لكن أولئك الذين كانوا دائماً يصلبون الجسد مع الاهواء والشهوات، بناء على طريقة روحية، هم الذين يحتمل – فى ساعة التجربة – أن يحتملوا فى شجاعة، أكثر الآلام رعبا.
لقد رأى أحد المدافعين – وهو يوستينوس الشهيد – وكان ما يزال وثنيا، فى شجاعة المسيحيين واستعدادهم لتحمل العذاب والموت، دليلا قويا على خلو حياتهم من الشر والخلاعة والدنس[319].
وقال اثيناغوراس ان اخلاق المسيحيين العالية تدرأ عنهم مثل هذا الاتهام الظالم لأن المسيحيين يعتقدون فى الله أنه ريب على أفكارهم وحركات قلوبهم، وانهم سيدانون على كل فكر شرير، وهم يصونون ذواتهم عن النظرة الشريرة، فكم بالاولى يعفون عن الافعال الدنسة؟! كما أن شريعتهم تقيدهم باعتبار الاقرباء كنفوسهم، فمن ثم يطالبون بأن يصونوا طهارة جسوم أخواتهم فى المسيح. ثم هم يزدرون بشهوات الحياة الحاضرة.
والبعض منهم يحيون حياة طهر كامل، اذ نذروا أنفسهم لله، واختاروا البتولية، واتجهوا الى الله بالكلية. وبعضهم الآخر وان تزوج فبقصد انجاب البنين فقط، ويبغضون الزيجات الثانية، ويعتبرونها نوعا من الزنى المتستر، أى أنهم يقنعون بالزيجة الواحدة. فليس عند المسيحيين اختلاط أوديبى. وهو فى الحقيقة يصدق على الوثنيين، وآلهة الوثنيين لا على المسيحيين. وكأنهم فى اتهامهم المسيحيين أيدوا صدق المثل القائل «العاهرة تعير العفيفة»[320].
والمدافعون المسيحيون – وهم بصدد دفع هذه الاتهامات – بالاضافة الى الحالة التى واجه بها المسيحيون الموت، استشهدوا بحياة المسيحيين.
يقول أوريجينوس فى فاتحة كتابه الاولى ضد كلسوس «لما أحضروا شاهد زور، ليشهد على مخلصنا المبارك – يسوع الذى بلا خطية – كان محتفظاً بسلامه – ولما أتهم لم يجب، اذا كان مقتنعاً تماما أن حياته وسلوكه بين اليهود كانا هما أبلغ احتجاج يمكن أن يقدم لصالحه... ومازال حتى الآن يحتفظ بنفس الصمت. ولا يقدم اجابة أخرى سوى الحياة الطاهرة التى يحياها أتباعه المخلصون، فهم أكثر مدافعيه نجاحا وبهجة. ولهم صوت عال، به يسكتون ضجة أكثر أعدائهم حماسا وتعصبا[321].
كما أشار المدافعون الى التغير الذى أحدثته المسيحية فى حياة الكثيرين يقول يوستينوس الشهيد «هم (الوثنيون) يحسبوننا مجانين، لاننا نعبد هذا المسيح الذى صلب فى عهد بيلاطس البنطى، كاله مع الآب. لكنهم لو عرفوا سر الصليب، لما قالوا ذلك. لكنهم يمكنهم أن يعرفوه عن طريق ثماره. فنحن الذين عشنا قبلا فى الفجور، نتعلم الآن العفة. نحن الذين استخدمنا السحر، كرسنا ذواتنا للخير – الاله المتأنس –، نحن الذين أحببنا المال والمقتنيات أكثر من اى شئ آخر، نقدم ما نملك عن رضى للخير العام، ونعطى كل محتاج. نحن الذين حاربنا وقتلنا بعضنا بعضا، نصلى الآن لأجل أعدائنا. أولئك الذين يضطهدوننا عن كراهية، نحاول برفق أن نهدئهم، على رجاء أن يشتركوا فى نفس البركات التى نتمتع بها[322].
وعن هذا قال ترتليانوس أيضاً «ان الاسم المكروه (مسيحى) يطلق على الشخصية التى أصلحت»[323].. ويستطرد قائلاً، «لقد ابغض الوثنيون المسيحية، أكثر مما أحبوا الصلاح!.. انك لن تجد مسيحيا فى السجون الا بسبب اسمه. واذا وجد لأى سبب آخر فهو لم يعد مسيحياً»[324].
ويمضى ترتليانوس وهو يشرح كيف ان المسيحيين أبرياء من أية جريمة: فضيلتهم مؤسسة على ديانتهم، مفهومهم للفضيلة تعلموه من معلمهم الالهى، شريعتهم الاخلاقية تعلموها من شفاه الهية. ويتوقعون أن يحاكموا أمام قاض الهى. وعقيدتهم فى العذاب الابدى أنه جزاء الخطية، وأن الحياة الأبدية مجازاة عن الصلاح. وفضلاً عن ذلك، فالوصايا التى وضعت عليهم متسعة جداً حتى أنها تشمل كلمات الشفاه وأفكار القلب...
يقول أرنوبيوس «لماذا تستحق كتبنا أن تلقى فى النار، وأن تمنع اجتماعاتنا بعنف؟ فى هذه الاجتماعات ترفع صلوات للاله الواحد، ونسأل السلام والغفران لكل من له سلطان: للجنود، للملوك، للاصداء.. للاعداء، لاجل الاحباء والذين اعتقوا من رباطات الجسد. كل ما يقال فى هذه الاجتماعات يتجه الى جعل الناس خيرين لطفاء، متواضعين، فضلاء، أطهار، أسخياء فى معاملاتهم المادية»[325].
ومن الانصاف القول أن هذا الاتهام لم يصدقه الوثنيون النابهون فى أى وقت من الاوقات. فقد استطاع يوستينوس الشهيد فى حواره مع تريفو اليهودى أن ينتزع منه اعترافاً بعدم صحة أمثال هذه الاتهامات[326]... ولم يصدقها كل من تراجان ومرقس أوريليوس، كما يتضح ذلك من منشوراتهما التى أصدراها بعد ا لاستقصاء[327]. لكن عامة الشعب اعتقدوا فى صحتها دون شك، بناء على الشائعات الكثيرة. ومن المحتمل جداً أن اعتقادهم هذا تقوى بواسطة السلطات كأشياء تخدم أغراضهم. لكن الحكام الرومان عرفوا حقاً، وتصرفوا وفقا لمعلوماتهم.
فقد عرفوا مثلاً أن هناك شيئاً أكثر رعباً للمرأة المسيحية من الموت نفسه. هو الدعارة[328]. ففى الاضطهاد الذى أثاره ديوكلتيانوس، كانوا يحكمون على العذارى بأن يودعن بيوت الدعارة، وذلك لأن المضطهدين عرفوا أن وصمة العار للطهارة والعفة المسيحية لهى أكثر رعبا لهن من أية عقوبة أو ميتة...
(ب) الاتهام الدينى:
قيل عن المسيحيين أنهم أما كفرة وبلا اله على الاطلا، وأما أنهم يعبدون أشياء شاذة. وهنا أيضاً نجد أن تخيل الوثنيين كان هو دليلهم الاساسى.
تهمة الالحاد والكفر:
راجت شائعة مؤداها أن المسيحيين عبدوا رأس حمار. وبناء على ما ذكره ترتليانوس، فقد كان المؤرخ الوثنى تاسيتوس – الذى كان ينظر الى المسيحية باحتقار – هو مصدر هذه الشائعة[(*)]. فقد قال إن اليهود فى خروجهم من مصر، انقذوا من الهلاك عطشا بواسطة حمير وحشية، وأنهم – تعبيرا عن شكرهم – قدسوا رأس ذلك الحيوان ليكون إلههم. وكنتيجة للصلة بين اليهودية والمسيحية، فقد افترض الوثنيون أن المسيحيين عبدوا رأس الحمار أيضاً!! وآخرون قالوا بل أنهم يعبدون الشمس، وربما كان مرجع ذلك الى سببين: فيوم الاحد Sunday، كان يوم عبادة المسيحيين الاساسى، كما أنهم كانوا يتجهون نحو الشرق فى صلواتهم[330].
آخرون ظنوا أنهم يعبدون الصليب. ومن المحتمل أن يكون ذلك راجعاً الى أن المسيحيين كانوا يرسمون علامة الصليب على ذواتهم[331].
وقد خلط الامبراطور هدريان بينهم وبين عبدة الاله المصرى سيرابيس، لكن بالنسبة لهذا الامبراطور، فقد كان يعتقد أن جميع الديانات الغريبة عن المعبودات الرومانية القديمة سواء.
ويقول يوستينوس الشهيد فى دفاعه عن هذا الاتهام «حقاً أننا ملاحدة (فى نظر الوثنيين)!.. فإما أن نقر بذلك، وإما أن نعترف بآلهتكم التى ليست سوى شياطين. إننا نشترك فى هذا الإلحاد المجيد مع سقراط الذى راح ضحية مثلنا بسبب الحق السامى المأخوذ من الكلمة التى نشرها فى اليونان. أما بالنسبة لنا، فقد قبلنا الحق من الكلمة نفسه (المسيح) الذى ليس صورة منظورة. ولذا فنحن معتبرون ملاحدة.. نحن كذلك بالنسبة لآلهتكم. لكننا لسنا كذلك بالنسبة لاله الحق، أب البركة والحكمة والفضائل جميعاً. الكلى القداسة نحن نعبده، ونكرمه بالكلام والعمل. ونرغب فى أن نعلن جهاراً كل الحق الذى أقتبلناه».
وفى دفع هذا الاتهام قال اثيناغوراس «ان المسيحيين يعبدون الها يختلف فى صفاته عن آلهة الوثنيين. فهو روح سرمدى (أزلى أبدى) بسيط، متميز عن المادة. وهو الخالق الواجب الوجود المسيطر على الكون. فهو اذن واحد وليس غيره اله. والمسيحيون مؤمنون بالله وليسوا ملحدين، وانما هم يعفون عن ضحاياكم الدموية. لأن الههم لا يطلب غير ضحية القلب، والطهر، وحسن السلوك[332].
وأحياناً كان المدافعون المسيحيون – فى ردودهم على هذه الاتهامات – يجيبون بسخرية. فيقول ترتليانوس «أيها الوثنيون، انكم ظرفاء حينما تعترضون على ما نعبد! فحتى لو صحّ كل ما تقولونه عنا، لكنا – على الرغم من ذلك – أفضل منكم – لماذا تعترضون على عبادتنا رأس حمار؟ إن لديكم آلهة برؤوس كلاب، وأسود، وقرون الوعل، والكباش، وأحقاء الماعز، وأرجل الحيات، وأجنحة ناتئة من الظهر أو القدم! تقولون إننا نقدس الحمير، لكن يجب أن تعترفون انكم تعبدون جميع أنواع الماشية! تقولون إننا نعبد الشمس، وكثيرون منكم يعبدون الأجرام السماوية والسحب. تقولون إننا نعبد الصليب، وأنتم بلا شك تعبدون أعلامكم الحربية»[(*)].
ويحتمل أن تكون تهمة الكفر أكثر رواجاً بين عامة الناس. فتهمة كفر المسيحيين كان لها ما يؤيدها فى نظر الوثنيين. فقد كانت أماكن عبادة المسيحيين خالية من متطلبات العبادة التى اعتادوا رؤيتها فى معابد كافة الديانات... وعلى هذا الاساس قال الفيلسوف الوثنى كلسوس: «فطالما أن المسيحيين ليس لهم معبد، فبالتالى ليس لهم آلهة»[334].
كان المدافعون جدّ حريصين على تبرئة المسيحيين من تهمتى الإلحاد والكفر، وإظهار أنهم وإن كانوا لا يعبدون آلهة الوثنيين، لكنهم يخدمون الله الحىّ ويعبدونه. فيتساءل أرنوبيوس «هل فى عبادة الله، كالكائن الأعلى، رب كل الموجودات والممجد فوق الجميع، والالتجاء اليه بخضوع فى الصلاة أثناء ضيقاتنا، والتمسك به بكل مشاعرنا، ومحبته، والتطلع إليه بايمان، هل فى هذا خطأ؟... هل مثل هذه الديانة لعينة وغير مقدسة، مملوءة الحاداً ودنساً وتدّنس بخرافاتها الجديدة الشعائر القديمة؟! [(*)].
كوارث الطبيعة:
كان من الممكن أن يمر كل شئ فى هدوء نسبى، طالما كانت أحوال الوثنيين متيسرة. لكن المخاوف الخرافية كانت تفزعهم فى زمن الكوارث[336] – كما حدث فى القرن الثانى – وتبعا لذلك كانت الصيحات تتردد بأن الآلهة غاضبة لان معابدها أهملت، بسبب المسيحيين، فكانوا هما الضحايا.
فى تلك الفترات كانت تقام الاحتفالات الدينية العامة، وتقرب التقدمات لاجل هطول الامطار، ويسيرون فى المواكب الدينية، حفاة الاقدام.. وبطبيعة الحال كان المسيحيون لا يشاركون فى أمثال هذه الاحتفالات. ويروى لنا ترتليانوس، أن الوثنيين اعتقدوا أن المسيحيين هم السبب فى جميع الكوارث العامة كالزلازل والفيضانات والقحط والمجاعات والاوبئة... وفاخر القيصر مكسيمينوس بأن الاضطهاد الذى أثاره على المسيحيين، أعاد الى العالم الخير والسلام والصحة التى افتقدها زمانا طويلاً[337].
كان هذا الاعتقاد سائدا ومسيطرا على العقلية الرومانية، فاهتم كثير من المدافعين بدحض هذه الفرية واظهار أنه لا أساس لها. وقد أشار أرنوبيوس الى أن هذه الكوارث العامة كانت تحدث قبل ظهور المسيحيين بزمان طويل[338] يقول «انها ثلاثمائة سنة منذ أن بدأنا نحن المسيحيين فى الظهور. كم من حروب توالت، وكم من محاصيل خابت؟ ثم ألم يحدث فى أيامنا سلام غامر على الارض؟ على عكس ذلك، لقد كانت هناك دائماً أوفر محاصيل القمح، ومواسم الرخاء. وأحرزت الدولة انتصارات لا حصر لها. واتسعت رقعة الامبراطورية، وامتدت حدودها. انه من الانصاف أن تنسبوا نجاحكم لنا، كم تحاولوا ذلك فى كوارثكم. وفضلا عن ذلك، فهل من المناسب أن تنسبوا الغضب والحقد للآلهة الخالدة؟ أتوجد هذه الانفعالات فى عقول الآلهة؟
ثم، اذا كنا نحن الذين نكدرها، فهل تحتاج الآلهة الى محاماتكم العنيفة عنها، لتنتقموا للاهانات الموجهة اليها؟ كان فى امكانها أن تبيدنا وتمحوها عن وجه الأرض، بالحرارة والبرد، بالعواصف والأمراض. لماذا لا تظهر قوتها ان كانت غاضبة حقاً؟ والى جانب ذلك، اذا كنا نحن وحدنا نكدرها، فلم لا يحل الانتقام بنا وحدنا؟ »[339].
ودفاعا عن هذا الافتراء يبين ترتليانوس أن كوارث كثيرة حلت بالعالم قبل مجئ المسيح. لقد تلاشت جزر بفعل الزلازل، وأبيد العالم بطوفان، وأحرقت مدن سدوم وعمورة. وفلسينى وبومبى vulsinii pompii بالنار، وهزم الرومان فى كاناى Cannae، وحوصر معبد الكبيتول Capitol.
كل ذلك حدث قبل أن يذكر اسم مسيحى بزمان طويل... وكحقيقة فان المسيحيين يخففون من الكوارث التى تأتى على الارض. فبينما يتوسل الوثنيون فى زمان الكوارث والفزع طالبين من الآلهة النجاة بتقريب القرابين، والمواكب الدينية، فان المسيحيين بالصوم والصلاة والامتناع عن الشر والمتع العادية، يفتحون السماء بلجاجاتهم. انهم يمسون قلب الله، وهو يترأف لكن جوبتر Jupiter هو الذى يخطئ بالكرامة[340]!
(ﺟ) الاتهام السياسى:
وهو أهمها، وأخطرها جميعاً.. فقد قيل أن المسيحيين يؤلفون جماعة سرية، ويتبعون ديانة جديدة محرمة، وهم غير أوفياء للامبراطور وغير نافعين للدولة...
تأليف جماعة سرية:
فمن جهة الجماعات السرية، كان حماس الرومان ضدها كبير جداً. كانت هناك سرية تحوط المسيحيين وديانتهم. وفضلاً عن ذلك، فقد كانت هناك أمور كثيرة تثير الشك...
كان المسيحيون جماعة من الناس من كل الشعوب، تنمو وتنتشر كل يوم... كانوا مرتبطين برباط معين لغرض غير معروف. وكان هذا الغرض كبير الاهمية، حتى أن كل ما يعتبره الآخرون ذا أهمية، كانوا هم يهملونه.. كانوا يزدرون بكرامات العالم ومباهة على السواء... وكانت تشيع شائعات غامضة عن مملكة يؤسسونها. وهذا وحده كان كافيا لاشعال نار الحماس فى عقل أى حاكم رومانى... ومن وقت لاخر كانت تظهر ومضات من أغراضهم، وهى ليست سوى قلب ديانة الدولة.. اذن فالمسيحيون تبعوا جماعة سرية من أخطر الجماعات..
المسيحية ديانة جديدة محرمة:
لكن ليس هذا هو كل شئ... فالمسيحية كانت ديانة محرمة، وديانة جديدة أيضاً... ولاول وهلة، قد يظن أن اضافة ديانة جديدة الى الديانات القائمة، ليس شيئاً خطيرا، أو على جانب من الاهمية... لكن لم يكن الامر هكذا بالنسبة للمسيحية من حيث طبيعة رسالتها. كان التقاء الوثنية والمسيحية على صعيد واحد، أمرا مستحيلا.. كان كلاهما خصما للآخر. ود أوضحنا هذا الامر ايضاحاً كافيا فيما سبق[341].
كانت المسيحية فى صميمها، ديانة تبشيرية تسعى نحو الآخرين. وكان عمل خدامها أن يذهبوا الى الطرق العامة والسياجات ويلزموا الناس بالدخول (لوقا 14: 23)... وهكذا أوقفت المسيحية نفسها موقف السخرية بسبب دعوتها لجميع الشعوب فى آسيا وأوربا وأفرييا، من اليونان والبرابرة والساكنين فى أقصى الارض، وضمهم اليها تحت شريعة واحدة[342].
لقد تدخلت المسيحية فى عبادة الآلهة القومية، بل وأكثر من هذا، أنكرت عبادة الامبراطور، التى قصد بها الرومان، توحيد العالم برباط دينى واحد.. ومن ثم أصبحت المسيحية، التى تدعو الى ديانة مسكونية، تشكل خطرا بالغا ومنافسا. وسرعان ما تصدت الدولة الرومانية للمسيحيين الذين عكروا صفوا سلاها. فالمسيحيون لم يتركوا الآخرين وشأنهم، ولذلك لم يتركوا وشأنهم[343].
كانت حداثة المسيحية كديانة تؤلف بندا هاما فى بنود الاتهامات الموجهة الى المسيحيين. يدعوها لوكيان Lucian فى سخرية «هذه الديانة الجديدة» ويتساءل ديوجونيتس Diognetus «لماذا اتى هذا النوع الجديد من الممارسات الى العالم متأخراً؟ »[344] وكان التعبير المألوف الذى يواجه به المسيحيون «معتقدكم ظهر الى الوجود حديثاً»[345] وكان هدف آخر الاضطهادات العامة (ديوكلتيانوس)، أن يعيد التشريعات الدينية، والانظمة القديمة، وعبادة الاسلاف... وجاء فى منشور ديوكلتيانوس القاضى باضطهاد المسيحين «يجب الاتبطل ديانة جديدة، الديانة القديمة»... ويقول الفيلسوف الوثنى كلسوس «كبرى الجرائم، هى أن يهدم ما وضعه أسلافنا، وما كان له الاولوية فى الدولة... انه عمل من أعمال العقوق، أن نتخلص من التشريعات الموضوعة منذ البدء فى الاماكن المختلفة»[346].
لم يكن من الصعب الرد على الاعتراض المؤسس على حداثة المسيحية كديانة... لقد جاوب المدافعون المسيحيون عن هذا الاتهام بالقول، أن ظهور المسيحية كان يحتاج الى اعداد تاريخى، به يتدرب الجنس البشرى تقويا لاقتبال المسيح. وفى ذلك يقول هيبوليتس Hippolytus فى كتابه «ضد اليهود»: «الروح هى عين العقل وبها نميز الامور الروحية. فاذا كان لك الروح فستفهم الامور السماوية، لان كل شئ يفهم نظيره»[347].
وكثيراً ما قيل أن المسيحية كانت فى علم الله وحكمته منذ الأزل. وكان لها نذيرون خاصة بين اليهود الاتقياء، الذين أنبأوا عنها بغير قصد، وذلك قبل مجئ المسيح بزمان طويل. وبالرجوع الى ما سجله موسى النبى، وثبوت قدمه عن كل الكتابات الوثنية، استطاع المدافعون أن يرجعوا المسيحية، حتى الى ما قبل الطوفان، بل الى جنة عدن...
وقد أكد كل من يوستينوس الشهيد وتلميذه تاتيان، أن موسى أقدم بكثير من فلاسفة اليونان وشعرائها ومشرعيها. ويظهر أثيناغوراس أن نفس أسماء الآلهة الوثنية حديثة، وتماثيلهم من صنع الامس. ويدعو كليمنض الاسكندرى الفلاسفة اليونانين الوثنيين لصوصا وسالبين لانهم سرقوا بعضا من الحق الذى تكلم عنه أنبياء اليهود، وشوهوه. ويوجه ترتليانوس ومينكيوس فيلكس وغيرهما الى هؤلاء الفلاسفة، تهمة سرقة تأليف غيرهم[348].
أما أرنوبيوس، فيعالج الموضوع من وجهة نظر أخرى. فهو يشير الى التحسينات فى العلم والفن والحضارة. ويتساءل هل فى هذا شئ ردئ لانها جديدة؟ [349]. ويلاحظ أن الرومان كانوا باستمرار يغيرون عوائدهم وطرق معيشتهم.. وفيما يختص بقدم الديانة الوثنية، فانها مسألة نسبية وفى ذلك يقول أرنوبيوس «أن معتقدنا الذى نتمسك به جديد، وسيصبح يوما ما قديما. ومعتقدكم الآن قديم، ولكنه حين ظهوره كان جديدا، ولم يسمع به. وصحة الديانة لا تقرر بناء على عمرها، بل على طبيعتها. اننا نعترف أن ديانتنا لم يكن لها وجود منذ أربعمائة سنة، ولكن منذ ألفى سنة أيضاً، لم يكن لآلهتكم وجود»[350].
تهمة عدم الولاء للامبراطور:
ترددت هذه الصيحة منذ وقت مبكر... لقد حرك اليهود فى مدينة تسالونيكى الدهماء، وادعوا كذباً على المسيحيين أمام الحكام، بأنهم «يعملون ضد أحكام يصر، قائلين انه يوجد ملك آخر هو يسوع»... هذا هو الادعاء الذى أزعج الحكام (أع 17: 7، 8)، وأثاره ثائرة الدولة. ولكن ما أن اكتشفت الدولة، أن مملكة المسيحيين سمائية روحية، حتى كفت عن شغل نفسها بهذا الامر[351].
لقد اعتبر المسيحيون غير موالين للأمبراطور، لانهم رفضوا أن يقدموا له احترام العبادة، وأن يقسموا بقدرته وذكائه، ويحتفلوا بالايام الاحتفالية الخاصة به... لقد رفضوا أن يجعلوا منه الها، فاعتبروا خونة.
ويدافع الشهيد يوستينوس ضد هذا الاتهام، ويشرح مبادئ الكنيسة الحكيمة وعلاقتها بالسلطات القائمة. وبعد أن اقتبس كلمات السيد المسيح بخصوص العطاء الجزية لقيصر، قال «أننا نعبد الله وحده. لكن ليس ما يمنع أن نطيعكم بسرور، ونعترف بكم كملوكنا وحكامنا، ونطلب لاجلكم، أن تضاف الحكمة الى السلطة الجليلة التى تتقدلونها، حتى ما تحسنوا استخدامها».
ويخبرنا المدافعون، بأن المسيحيين كانوا على اتم استعداد لتقديم كل الاكرام اللائق بالبشر للامبراطور، وان يصلوا لاجله، ويخدمونه، ويكرمونه كما يليق برعايا أتقياء أوفياء. وأوضحوا أنه لا وجود للمسيحيين بين المتآمرين، لان ديانتهم تمنعهم من أن يريدوا الشر لى أحد، سواء بالعمل أو الكلام أو الفكر، وقالوا أن المسيحيين لهم اهتمام خاص بنجاح الامبراطورية الرومانية، لانهم يعتقدون أنه بسقوطها سيعم الاضطراب العالم[352].
اتهام المسيحيين بعدم نفعهم للدولة:
ويبدو أن هذا الاتهام، هو أكثر الاتهامات، الذى كان له ما يؤيده فى نظر الرومانى الوثنى[353]... ويتضح ذلك من استعراض الآتى:
كان المسيحى فى ذلك الوقت المبكر، يحيا حياة روحية تقوية خالصة بتأثير الشحنات الروحية الكبيرة، التى كان يشحن بها... مترسما خطوات السيد المسيح وأقواله رسله فى الانجيل المقدس... يملأه احساس قوى أنه ليس من العالم، وأنه يجب ألا يحب العالم، ولا شئ مما فيه... لقد كان للمسيحية تأثيرات قوية على حياته الخاصة، وعلى اتجاهاته فى الحياة، كان لا يشغله سوى التطلع الى رجاء المواعيد العتيدة. أما على الارض فليس له رجاء فى أى شئ... وضع أمامه حياة السيد المسيح المتجسد، وتطلع فى نفس الوقت الى مجيئه الثانى فى وقة ومجد عظيمين... بل كان يتوع دائما رب هذا المجئ... وهكذا تعلقت آماله بعالم آخر غير منظور...
من هنا كان عزوفه عن العالم بكل مباهجه، لا يرتاح اليها، ولا يشارك فيها باقى مواطنيه من الوثنيين.. هكذا نبتت هذه الفكرة، وراجت هذه الشائعة، أن المسيحيين مواطنون غير نافعين للدولة...
لكن المدافعين المسيحيين يشيرون الى هذا الاتهام، وينكرون صحته يقول ترتليانوس «كيف يحدث فى العالم كله، أن تكون هذه حالة أناس يحيون فيما بينكم. يأكلون نفس الطعام، ويرتدون نفس الثياب. لهم نفس العادات، ويرزحون تحت نفس ضرورات الوجود؟... نحن متغربون معكم فى العالم، غير تاركين الساحات Forum، ولا المجازر (السلخانات)، ولا محلات البيع المتنقلة، ولا المصانع، ولا الفنادق، ولا الاسواق الاسبوعية، ولا أى مكان آخر للتجارة، نحن نبيع معكم، ونتجند فى جيوشكم، ونفلح الارض معكم... »[354].
ومن ناحية أخرى، يذكر ترتليانوس ان المسيحيين كان لهم احتفالاتهم الدينية الخاصة القيمة.. ينفقون كثيرا فى الاحسان، ولا يتأخرون فى سداد ما عليهم... لا يجاورون العصر فى التنعم والرذيلة. وهذا لا يضير الدولة فى شئ، ولا يكبدها أية خسارة.
وقد قوى هذه المشاعر لدى الوثنيين امتناع بعض المسيحيين عن العمل فى بعض الاعمال والوظائف، لما كان فيها من أمور، وممارسات، وطقوس وثنية تتعب ضميرهم المسيحى وتعرضهم لخطر الموت كمسيحيين... ومن أمثلة ذلك: الاشتغال بصناعة التماثيل المعبودة، ومستلزمات الهياكل الوثنية من تقدمات وضحايا، والاشتغال بالتجارة لما يصاحبها عادة من مشاكل التعامل المالى والغش والخداع، ومشاكل التقاضى، وأيضاً الاشتغال بالجندية – وكانت مهنة للتكسب والارتزاق – لما يصاحبها من طقوس وثنية ضرورية... وقد عرضنا قبلا لهذه الامور بالتفصيل[355]...
على أى حال، فقد كانت هذه حالات فردية، ومع ذلك، فقد استغلها عامة الناس فى ترويج شائعات ضد المسيحيين. فالعلامة أوريجينوس يقول «ليس يحارب للملك أفضل منا (المسيحيين). اننا نؤلف جيشا خاصا له، جيش تقوى، بتقديم صلواتنا لله»[356].
وليس أدل على أن هذه حالات فردية، نتيجة بعض الشطط فى أفكار واتجاهات وتصرفات البعض، من وقول القديس كليمنضس الاسكندرى مدير المدرسة اللاهوتية بالاسكندرية، وأحد المدافعين المسيحين «اشتغل بالزراعة أن كنت مزارعاً. لكن فيما تفلح حقولك أعرف الله. واركب البحر يا من كرست ذاتك للملاحة، وأسأل المرشد السماوى. وأنت يا من ارتبطت بالخدمة العسكرية، هل تعلمت أصول الجندية؟ اصغ للقائد فى كل ما يأمرك به من صواب»[357].
نتائج دفاع المدافعين:
بالنسبة للنتائج التى حققتها هذه الدفاعات.. من جهة أثرها فى ايقاف الاضطهاد أو تخفيف حدثه – فأننا نجد صعوبة فى الوصول الى ذلك، نظرا لقلة المصادر التى تعيننا على تكوين هذا الرأى. ولذا لا نستطيع أن نجزم بشئ. وان كان قد قيل أن الامبراطور انطونيوس بيوس، أوقف الاضطهاد بعد قراءة دفاع يوستينوس.. لكنه قول مشكوك فيه[358].
لكن، لكتابات الدفاع نتائج أخرى:
(1) فهى تمدنا بصورة واقعية وعجيبة، عن الحياة المسيحية، والمجتمع المسيحى فى أجيال المسيحية الاولى، وتقنعنا بالعمل العظيم الذى قام به أولئك الذين وثقوا فى المسيح من كل قلوبهم.
(2) تعطينا هذه الدفاعات صورة دقيقة واضحة للعبادات الوثنية، وللجهالة التى غشيت العالم، والظلمة الجسيمة التى عملت الشعوب، قبل ان يأتى النور الحقيقى الى العالم (ربنا يسوع المسيح)... ثم هى تصور لنا النور والظلام يتصارعان وشيئا فشيئا ينتصر النور، ويزداد قوة وضياء، وتعوزنا شهادة أولئك الذين – بعيون مستنيرة – رأوا الظلمة قبل الفجر، ليخبروننا كم كان ذلك الظلام دامسا! انه أمر يدعو الى الخجل الشديد، أن يتناول الانسان بالحديث الاعمال التى كان يعملها الوثنيون – ليس سرا، بل علانية وجهرا – ليس فقط فى العابهم ومعارضهم، بل فى أعيادهم الدينية المقدسة، وفى معابد آلهتهم.
(3) لدفاعات أولئك المدافعين قيمة كبيرة – ليس فقط من جهة دفع الاتهامات التى حاول أعداء المسيحية أن يلصقوها بها، بل أيضاً السرد والعرض الممتعان اللذان قدموا بهما المسيحية الى الوثنيين واليهود... فلم يتركوا شاردة ولا واردة الا فصحوها وردوا عليها فىقوة عجيبة واقناع مذهل... ومن حيث أرادوا أن يدفعوا عن المسيحية اتهامات أعدائها، قدموها فى صورة رائعة، خلابة، وكطعام شهى، يصلح لجميع الفئات والثقافات والعقليات والطبقات.
(4) ودفاعات المدافعين المسيحيين تحمل الينا فى طياتها رسالة تعزية وتشجيع نحن الذين انتهت الينا أواخر الدهور.. فان كانت الامبراطورية الرومانية، بكل قوتها، وبكافة الاساليب التى استخدمتها، فشلت فى ابادة الكنيسة المسيحية وهى بعد فى مهدها وطفولتها، فانه ليست هناك قوة على الارض، تستطيع أن تبيدها وهى فى طور اكتمالها ورجولتها.. وهكذا تثبت لنا عمليا صدق كلمات رب الكنيسة «ان أبواب الجحيم لن تقوى عليها»...
الجاحدون
عرضنا فيما سبق لنماذج من بطولات الشهداء من مختلف الطبقات والفئات والاجناس والأعمار. وقلنا أن الاستشهاد كان شهوة فى تلك العصور المبكرة وقدم أعدادا لا تحصى من الشهداء والمعترفين... لكن الى جانب هؤلاء وجدت فئة من المسيحيين ضعيفة الايمان، فاترة الحب، قليلة الشجاعة والاحتمال.. هؤلاء جحدوا الايمان فى زمن الاضطهاد، ولذا سموا الجاحدين Lapsis.
ويبدو أن كثيرا من هؤلاء الجاحدين كانوا مسيحيين اسما، ومن المنضمين حديثا الى الايمان، نتيجة فورة فى العقل والقلب، دون أن يحدث لهم تغيير كامل فى طبيعتهم وحياتهم الداخلية، ولذا وجدوا غير قادرين على احتمال الاضطهاد. وعلى أية الحالات فقد كان الارتداد هو التجربة الكبيرة التى يخشى منها على الكنيسة المضطهدة[359]. كما أنه أوجد مشكلات فى الكنيسة، تطلب حلها سنوات عديدة.
بعد حالات الجحد:
لم تعرف حالة جحد الايمان – بالصورة الجماعية المخيفة – فى الاضطهادات المبكرة، لكنها عرفت على وجه الخصوص، فى اضطهادات سبتميوس ساويرس (193 – 216) وديسيوس (249 – 251)، وديوكلتيانوس وأعوانه (303 – 311). ففى هذه الاضطهادات المروعة كان ضغط الاضطهاد شديد عنيفا، قاسيا من ناحية، ومن ناحية أخرى يبدو أن المسيحيين كانوا غير مستعدين ايمانيا وروحانيا لسفك دمائهم وتحمل العذابات مقابل ايمانهم.
لذا التجأ البعض الى رشوة الجند أو متميهم ليتغاضوا عنهم، والبعض الآخر كان يقدم نوعا من الأتاوة المستمرة حتى يأمنوا الاضطهاد[(*)]. والبعض لجأ الى استحضار شهادات صورية مزيفة من الحكام بما يثبت أنهم قربوا للآلهة. والبعض حصل على شهادات مستعملة... وهذا النوع الاخير (حاملو الشهادات) لم يحسبوا مع المرتدين[(**)]. لم يكن هدف ديسيوس من تشديد الوطأة فى اصطهاده، القضاء على المسيحيين بل ارتدادهم عن ايمانهم. وحدث فى هذا الاضطهاد أن بعض المسيحيين اندفعوا بصورة مخجلة ومعهم أطفالهم ليضحوا للآلهة. وقد كشف لنا كبريانوس اسقف قرطاجنة الشهيد الذى كان معاصرا لهذا الاضطهاد – فى رسائل المتعددة وفى مقالته التى عنوانها «الى الجاحدين de Lapsis» - المسالك المحزنة التى سلكها المسيحيون وبينهم بعض الاكليروس وقد اعتبر جاحدا للايمان من قرب أو بخر للآلهة، أو استحضر شهادة مزورة أو سلم الكتب المقدسة لتحرق[362].
صور محزنة لضعف الايمان:
كثير من هؤلاء المسيحيين بالاسم، لم يصلوا الى السجن، ولم يثبتوا حتى يقبض عليهم ويستجوبوا. وفى ذلك يقول كبريانوس «كثيرون منا هُزموا قبل المعركة، حتى أنهم لم يُظهروا تضحية تحت القهر والارغام. لقد أسرعوا بإرادتهم الى ساحة القضاء، كما لو كانوا ينفذون رغبة مكبوتة. وكانوا يشاهدون وهم يستعطفون الحكام أن يقبلوا ارتدادهم، حتى لو كان الوقت ليلا تقريباً[363]... والبعض الآخر كانوا يستطيعون احتمال السجن أياما. والبعض ثبتوا حتى يوم محاكمتهم، لكن العذاب الأليم أكمل هزيمتهم. لقد وافقوا على التضحية للآلهة، أو أن يحلفوا – بذكاء الامبراطور – وهى صورة للجحد كانت مستعملة دائماً. والأمر المحزن أن كثيرا من الجاحدين كانوا هم البادئين فى جحد ايمانهم، ولم ينتظروا حدوث أى ضغط عنيف عليهم لينكروا ايمانهم ولوحظ أن أغلبية المرتدين كانوا من ذوى المراكز والثروة والوظائف العالية، مظهرين بذلك – حسب تعبير كبريانوس البليغ «أنهم لم يكونوا مالكين لما لهم من خيرات زمنية، بل هى التى كانت تمتلكهم».
وفى بعض الاحيان كانت تحدث بعض حالات الجحد الظاهرى، كزوجة جرها زوجها بالقوة الى مذبح الآلهة، وتمم الطقس الوثنى وهو ممسك بيدها قسراً، وضاغط عليهما بيديه. وطبعا كان هذا عمل لا ارادى. ولذا لم تعتبره الكنيسة حالة من حالات جحد الايمان.
نتيجة اليمة محزنة:
والعجيب أن الجموع التى أدخلت الرعب فى قلب هؤلاء الجبناء، هم أنفسهم الذين هزأوا بهم بعد أن راوا جبنهم! وهكذا فشل الجحد فى تأدية غرضه، لأن الجاحدين ظلوا دائماً موضع اشتباه وعدم ثقة. وبعضهم قد ساروا من الضحايا تبعا لهوى الدهماء، كما حدث مع شهداء ليون بغاليا[364]. وهكذا فان كثيرين من الجاحدين احتملوا موت الشهادة، بعد أن رفضوا اكليل الشهادة.
ويخبرنا البابا ديونيسيوس الاسكندرى، كيف وقف الجاحدون فى رعدة وخوف أثناء التضحية للآلهة الوثنية، كما لو كانوا هم أنفسهم الضحايا، وليسوا مقدميها[365]...
ويصف لنا كبريانوس بأسلوبه البليغ، ما قاساه الجاحدون من كرب ورعب فى تلك الساعة المشئومة، فيقول «حينما كانوا (الجاحدون) يأتون الى المعبد بارادتهم. وحينما اقتربوا بكامل حريتهم لاتمام الشر الفظيع، كانت تتعثر خطواتهم، ويظلم بصرهم، ويرتجّف قلبهم، وتتداعى أذرعتهم، وتضعف حواسهم، ويلتصق لسانهم بفمهم، ويتلعثمون فى الكلام. أيمكن أن يقف خادم الله هناك، ويتكلم ويجحد المسيح، بعد أن يكون قد جحد الشيطان والعالم؟!... أيها الانسان البائس! لماذا احضرت معك تقدمة لتقدمها؟ لماذا تقرب ضحية؟ لقد جئت أنت بنفسك الى المذبح تقدمة وضحية. وهناك ضحيت بخلاصك، ورجائك... هناك أحرقت إيمانك فى تلك النيران الشيطانية»[366].
وبعد أن تتم المأساة، كان هؤلاء الجاحدون فى يأسهم، يشاهدون فى صورة تمزق قلوب الناظرين اليهم، وتثير عواطفهم. لقد انتحر بعضهم مثل يهوذا بعد أن خان سيده. وروى لنا كبريانوس قصة أمرأة جاحدة، مزقت لسانها بأسنانها الذى أنكر الرب يسوع، وهى على وشك الموت[367]...
موقف الكنيسة من الجاحدين:
بعد كل اضطهاد كانت الكنيسة تحصى فى فرح أبطالها الذين استشهدوا فى ساحة المعركة... وتحصى فى حزن المفقودين الذين ضعفوا وأنكروا الايمان. وهؤلاء الآخرون كانت تذرف عليهم الدموع السخينة، بمرارة.. ويقول كبريانوس – فى عبارات مؤثرة – بعد أن انقضى اضطهاد ديسيوس. الذى راحة ضحيته كثيرون «لا نستطيع أن نعبر بالكلمات – لكن بالدموع فقط – عن الحزن الذى نشعر به، بسبب الجرح الذى أصاب جسد المسيح – الذى هو الكنيسة – بسبب سقوط البعض المميت. من يستطيع أن يكون فاقد الحسن، قاصى القلب، ناسيا لمحبة الاخوة، حتى ينظر بعين جافة غير دامعة الى هذا الخراب المدمر المرعب؟! »[368].
وكان يحدث بعد كل اضطهاد، أن بعض المسيحيين ممن ضعفوا وجحدوا ايمانهم ساعة الشدة، كانوا يرجعوا فى جماعات، ويقفون أمام الكنيسة قارعين بابها... أما طريقة قبولها ثانية فى شركة الكنيسة، فقد أثارت سؤالا حساسا فى نظام الكنيسة...
ومن بين مخلفات عصر الاضطهاد، ليس لدينا ما هو أثبت من رسائل القديس كبريانوس الشهيد أسقف قرطاجنة، والبابا الاسكندرى بطرس خاتم الشهداء فى معالجة هذا الموقف.
لقد نظرت الكنيسة نظرة حانية الى هؤلاء الجاحدين، لكن كان لا يمكن أن تسمح لهم – دون قيد أو شرط – أن يمارسوا حقوق الشركة المسيحية فى الكنيسة، والتقدم الى الاسرار المقدسة، دون تقديم توبة عن الانكار العلنى للايمان... والآن نستعرض موقف بعض الكنائس تجاه الجاحدين...
(أولا) فى كنيسة قرطاجنة:
المقالة المعنونة «الى الجاحدين de Lasis» كتبها القديس كبريانوس سنة 251 عقب انتهاء اضطهاد ديسيوس مباشرة، وعودته لمباشرة مهامه الرعوية، بعد أن ظل فترة مختبئاً... وهذا المقال دعوة للجاحدين أن يعودوا الى الكنيسة بالتوبة.
على أن شروط العودة لم يكن من السهل البت فيها. فقد ظهر اشكال سببته التوصيات التى كان يعطيها المعترفون والشهداء للتائبين، يرجون فيها الاساقفة أن يقصروا مدة التوبة[369].
وقد بدأ ظهور هذا الاتجاه فى كنيسة افريقيا عقب انتهاء اضطهاد سبتميوس ساويرس[(*)]. وما لبث أن ازداد عقب انتهاء اضطهاد ديسيوس، بل وأسئ استخدامه. فلم يُكتف بأن تعطى رسائل التوصية لأى انسان بلا تميز، لكنها كانت تعطى على اسم الشهداء الذين انتقلوا قبلا[(**)]. وبصيغة تتضمن أيضاً أصدقاء الطالب[(***)].
اما حاملو رسائل التوصية هذه، فقد طلبوا أن يسمح لهم بتناول الأسرار المقدسة فى الحال. وقد زاد من خطورة الأمر استسلام بعض الأساقفة لهذه المطالب تحت ضغط الناس وهياجهم[373]...
وقد مر موضوع الجاحدين فى ثلاث مراحل، على النحو الآتى:
(1) أثناء اضطهاد ديسيوس:
كانت وجهة نظر كبريانوس فى تلك الفترة – وكان مختبئاً من وجه الاضطهاد – أن يراعى الآتى:
(أ) يسمح بالتناول فورا للجاحدين ممن يحملون رسائل توصية من المعترفين، ويكونون فى حالة مرضية خطيرة، تهدد بالموت.
(ب) ينتظر باقى الجاحدين حتى يعود الهدوء، ويفحص الموضوع بصفة عامة بواسطة مجمع كنسى يضم الأساقفة والكهنة والعلمانيين. وبعد ذلك تمنحهم الكنيسة سلامها وشركتها، على ضوء ما يتقرر.
وهدد كبريانوس الكهنة بالقطع، ان هم سمحوا للجاحدين بالتقرب الى المائدة المقدسة، فى غير الحدود السابقة، وقد أبلغ قرار كبريانوس الى الاكليروس الرومانى وللمعترفين فى روما. ووافقت عليه كنيسة روما[374].
وحدث ان بعض الكهنة لم يطيعوا أسقفهم – وهو بعيد فى مخبئه – فعفوا عن الجاحدين دون أن يرجعوا الى الاسقف أو يطلبوا منهم توبة صادقة، فأرسل اليهم كبريانوس الرسالة التالية:
«من كبريانوس الى اخوته الكهنة والشمامسة... سلام.
لقد صبرت طويلا أيها الاخوة الاعزاء، حاسباً أن صبرى وسكوتى أنفع للسلام.. لكن ازاء جرأة البعض الصارخة التى تحمل على تدنيس شرف الشهداء وتعكير تواضع المعترفين، وهدوء المؤمنين، فلا يليق بى أن أسكت أطول مما سككت، والا أضررت بالشعب وبنفسى...
اى خوف لا يعترينا من اهانة الله! ونحن نرى بعض الكهنة قد نسوا الانجيل ونسوا مركزهم فى الكنيسة. لا يفتكرون فى دينونة الرب العتيدة، ولا فى سلطة الأسقف الحاضرة. يدّعون جميع السلطات، ويحتقرون رئيسهم احتقارا شائناً – الأمر الذى لم يحدث لأسلافنا.. وياليت تكبرهم لا يدعو الى حرمان اخوتنا من الخلاص! أما اهانة أسقفيتنا فإنى استطيع احتمالها ونسيانها، وهذا ما دأبت عليه دائماً لكن لا مكان للنسيان متى وجد بينكم من يحملون جماعة الأخوة على الضلال. إنهم يضرون الجاحدين بقبولهم دون أن يفكروا فيما يلزم أن يردوا لهم من الصحة. على أن هؤلاء الذين حملهم الاضطهاد على السقوط والجحود، يعلمون مدى خطئهم. وقد بينه الرب الديان بقوله: من يعترف بى قدام الناس أعترف به قدام أبى الذى فى السموات. ومن ينكرنى قدام الناس أنكره أنا (مت 10: 32، 33). ويقول أيضاً: جميع الخطايا والتجاديف تغفر لبنى البشر. أما من يجدف على الروح القدس فلا مغفرة له الى الأبد، بل هو مستوجب دينونة أبدية (مرقس 3: 28، 29).
وقال الرسول الطوباوى أيضاً: لا يمكنكم أن تشربوا كأس الرب وكأس الشياطين. ولا أن تشتركوا فى مائدة الرب ومائدة شياطين (1كو 10: 21). فمن يحّول أخوتنا عن هذه الأحكام يغشهم، بعد أن كان فى وسعهم، لو تابوا توبة صحيحة، أن يرضوا بصلواتهم وأعمالهم إلها هو أب رؤوف رحيم. وها هم أولاء يتسكعون فى الضلال، وينحدرون الى أسفل الدركات، بعد أن كانوا قادرين على النهوض. فبينما فى حالة الذنوب الأخف، يمارس الخاطة التوبة مدة مناسبة بحسب القوانين، يعترفون بعدها اعترافاً عاماً، وبعد وضع يد الأسقف والاكليروس يصبح لهم حق شركة الكنيسة، نرى الآن أنه بينما الاضطهاد لا يزال قائما والسلام بعيدا عن الكنيسة، يُسمح للجاحدين بحق الشركة، وتُقدم الذبيحة بإسمهم، قبل أن يمارسوا أعمال التوبة أو يعترفوا بخطئهم، وقبل أن يضع الأسقف والاكليروس أيديهم عليهم تُعطى لهم الأفخارستيا، على الرغم مما هو مكتوب: من يأكل الخبز ويشرب كأس الرب وهو غير مستحق يخطئ الى جسد الرب ودمه (1كو 11: 27). ومهما يكن فإن هؤلاء الجاحدين ليسوا مذنبيين، لأنهم لا يعرفون جيدا أصول الأسفار المقدسة. أما المذنبون فهم أولئك الذين على الرغم مما عندهم من المعرفة والسلطة لا يعلمونها للأخوة. ولو أن الجاحدين علمهم رؤساؤهم لحافظوا بخوف الله على أوامره»[375].
(2) عقب انتهاء اضطهاد ديسيوس:
وفى ربيع سنة 251، حالما رجع كبريانوس الى مقر كرسيه بقرطاجنة بعد زوال الاضطهاد، جمع مجمعاً من أساقفة كرسيه، وناقش موضوع الجاحدين. أما قرارات هذا المجمع[376] فكانت كالآتى:
(أ) يقبل فوراً فى شركة الكنيسة، من قدموا للهيئات الحكومية، شهادات مزورة تثبت أنهم ضحوا للأوثان.
(ب) يقبل فى شركة الكنيسة أيضاً، من ضحوا للأوثان مرة، لكنهم عادوا – حينما قدموا للمحاكمة ثانية واحتملوا النفى ومصادرة ممتلكاتهم.
(ﺟ) يقبل فى شركة الكنيسة من اعترفوا أولا بالمسيح، ثم عادوا – وأنكروه تحت وطأة التعذيب، ومضى ثلاث سنوات على ممارستهم أفعال التوبة.
(د) يقبل فى شركة الكنيشة، المرضى المشرفون على الموت.
(ﻫ) أما بالنسبة لباقى من جحدوا الايمان، وأبدوا رغبة فى العودة الى حضن الكنيسة فتطال مدة توبتهم، والكنيسة تعترف بحقهم فيما بعد فى شركتها.
وقد قبلت كنيسة روما أيضاً هذه القرارات، بعد التئام مجمع كنسى، مصادقته عليها[377].
(3) قبيل اضطهاد فالريان:
استمرت الأوضاع على هذا النحو لمدة عام حين أعلنت لكبريانوس رؤيا تنبئه بتجدد الاضطهاد فأرسل الى كرنيليوس اسقف روما يخبره فيه بذلك، وبأن مجمعا قد عقد فى قرطاجنة، وقرر قبول جميع الجاحدين الراغبين فى شركة الكنيسة[378]. لكن هذا القرار قوبل بالاستياء من بعض المتشددين، وأعلنوا أنفصالهم عن الكنيسة... وقيل أن كبريانوس رفض بعد ذلك قبول الجاحدين تحت أى شروط، واستثنى من ذلك من كان مشرفا على الموت فقط.
(ثانيا) فى كنيسة الأسكندرية:
فى سنة 307م. بينما الاضطهاد المروع الذى بدأه ديوكلتيانوس وأكمله أعوانه، كان ما يزال على أشده، رأى البابا بطرس الاسكندرى (خاتم الشهداء)، أن الامر يتطلب وضع قوانين يقبل على هديها، الجاحدون الراغبون فى العودة الى حضن الكنيسة، بعد أن تقدم بعضهم وطلبوا اليه بدموع أن يحلّهم ويقبلهم فى شركة الكنيسة. وقد ضمّن منشوره الرعوى لعيد القيامة، هذه القوانين التى ظلت مرعية فى جميع الكنائس الارثوذكسية فى العالم الى ما بعد الانشقاق. وللأسف لم نعثر على هذه القوانين الاصلية التى قيل أن البابا بطرس أيدّها بالشواهد والأدلة الكتابية... وفيما يلى ملخص لقواني البابا بطرس[379]، وفيها نلمس جُماع الحكمة الروحانية، والمحبة الأبوية، والمعرفة اللاهوتية:
1 - جميع الذين سقطوا فى بدء الاضطهاد لشدة ما قاسوه من العذاب المريع، وصاروا من النائحين لمدة ثلاث سنوات، يقبلون فى شركة الكنيسة لأنهم حملوا فى أجسادهم سمات الرب يسوع. غير أن يتعين عليهم أن يطيلوا صومهم أربعين يوما أخرى بعنف حتى يتعلموا كيف يقولون للمجرب كما قال الرب: اذهب عنى يا شيطان. للرب الهك تسجد واياه وحده تعبد.
2 - جميع الذين عثروا فى ايمانهم، ولم ينلهم غير السجن فقط دون أن يعذبوا عذابا شديدا، لكن ضعفت نفوسهم من هول السجن ورائحته الكريهة، على الرغم مما قدمه لهم الاخوة من مساعدات سخية، وقاموا بأعمال التوبة ثلاث سنوات، مطالبون بالمداومة فى توبتهم سنة كاملة اخرى، يظهرون فيها التوبة الحقيقية، قبل أن يقبلوا فى شركة الكنيسة. وذلك لكى يعلموا كيف يتوقوا للخلاص من قبضة الخطية.
3 - كل الذين ارتدوا عن الايمان لمجرد الخوف والوهم فقط، ولم يذوقوا عذابا، مطالبون بالمداومة على التوبة أربع سنوات. فان قدموا خلالها أثماراً تليق بالتوبة، ينظر فى أمر قبولهم فى شركة الكنيسة.
4 - جميع الذين جحدوا الايمان، ولم يعودوا طالبين التوبة، والانضمام الى الكنيسة، فلا يوجد قانون لهم، بل إن الكنيسة تبكى عليهم وترثى لحالهم.
5 - الذين لجأوا الى الحيلة هربا من العذاب، ولم يشتركوا فى جحد الايمان، ولم يبخروا للأوثان، بل أرسلوا وثنيا ليقوم بهذا العمل بدلا منهم، لا يحصون بين الجاحدين، لكن عليهم أن يقدموا أثمار توبتهم فى مدة ستة شهور، لأنهم تحايلوا على اخفاء الحقيقة، دون أن يجهروا باخفائها.
6 - العبيد الذين أجبرهم سادتهم على التبخير للأصنام عوضا عنهم، ثم جحدوا الايمان، ينبغى أن يبرهنوا على توبتهم سنة كاملة.
7 - أما السادة الذين كانوا السبب فى سقوطهم فتعرض عليهم أعمال توبة لمدة ثلاث سنوات لأنهم مرائين، ولأنهم أجبروا عبيدهم للتقريب للأصنام لينجوا برقابهم على حساب رقاب اخوتهم فى المسيح.
8 - جميع الذين عثروا ثم عادوا فأصلحوا خطأهم فى الحال، بأن اعترفوا بمسيحيتهم، واحتملوا التعذيب، يجب قبولهم فى شركة الكنيسة بدون فحص أو قصاص، وذلك لأن الصديق يسقط سبع مرات وينهض ثانية.
9 - جميع الذين قدموا أنفسهم للأخطار طواعية واختيارا، وهيجوا الحكام عليهم، دون أن ينتظروا القاء القبض عليهم، أو ينتظروا حتى يروا ما يحل بهم، لا يعاقبون بل يكتفى بلومهم وتذكيرهم، ان المسيح ورسله لم يعملوا هكذا، ولم يلقوا بأنفسهم فى الهلاك.
10 - أما الذين سقطوا هذه السقطة من بين الاكليروس وأرادوا العودة فلا يقبلوا ثانية فى وظائفهم الكهنوتية، بل يقبلون كعلمانيين فى الكنيسة.
11 - مسموح أن يصلى لأجل الجاحدين الذين ماتوا قبل اعلان توبتهم، ان كان جحدهم قد نتج عما قاسوه من عذابات مرة طويلة. ونحن نشترك مع ذويهم فى الصلاة، طالما كانوا هم يتوبون عما اقترفوه بحرارة وتذلل.
12 - الذين أخفوا حيثياتهم وأشخاصهم لأجل تشجيع الآخرين وتقوية ايمانهم فى أوقات الاضطهاد، قد أتوا عملا حسنا ولا لوم عليهم.
13 - جميع الذين افتدوا أنفسهم بالمال، دفعوه فداء عنهم فلا يلاموا.
14 - لا لوم على الذين نجوا بهربهم من الاضطهاد.
15 - جميع الذين احتملوا العذابات، وبعد أن أفقدهم العذاب النطق والحركة، زجت أيديهم قسراً فى النار ليقربوا تقدمات نجسة، يدرجوا فى القداس ضمن المعترفين، ماداموا قد أتوا أفعالهم بغير أرادتهم واذا كانوا من الاكليروس يعادون الى وظائفهم كما كانوا.
(ثالثا) فى كنائس سوريا وآسيا الصغرى:
بعد أن انتهى الاضطهاد العام الكبير المعروف باسم اضطهاد ديوكلتيانوس بموت الامبراطور مكسيمينوس منتحرا سنة 313، واصدار قسنطنطين لمرسوم التسامح الدينى، عقد فى مدينة انكيرا Ancyra، عاصمة اقليم غلاطية بآسيا الصغرى سنة 314م، مجمع للنظر فى موضوع الجاحدين. ولم يزد عدد من حضره من الأساقفة عن اثنى عشر أسقفا، لكنهم كانوا يمثلون كل أقاليم وبلاد سوريا وآسيا الصغرى. ولذلك وان كان عدد من حضروه قليلا، لكن كان لقراراته وزن كبير خصوصا وأنه أول مجمع عقد عقب انتهاء الاضطهاد العام، وعالج موضوع قبول الجاحدين فى الكنيسة والتأديبات الكنسية التى توقع عليهم، وكان هو موضوع الساعة. وقد وضع مجمع انكيرا خمسة وعشرين قانونا، منها عشرة قوانين خاصة بالجاحدين، وقبولهم فى شركة الكنيسة، ووضعهم فيها، بعد أن وضعت تأديبات كنسية متفاوتة على كل حالة[380].
المعترفون
المعترفون فى الاصطلاح الكنسى، هم المسيحيون الذين جاهدوا فى سبيل الايمان فى أزمنة الاضطهاد، وذاقوا ألوانا من العذاب، لا تقل عن عذابات الشهداء، وأحيانا كانت تفوقها، لكن الله لم يسمح أن يسفكوا دمهم من أجله، فى الوقت الذى كانوا هم على أتم استعداد لذلك.
ولك ما عرضنا له فى حديثنا عن الشهداء، ينطبق على المعترفين. ولذا نعرض فقط لأمثلة منهم:
(أولا) معترفون لأجل الايمان المسيحى:
عينة جماعية:
من الامثلة التى ضمنها يوسابيوس المؤرخ تاريخه عن سنة 308، المعترفون الذين كانوا يعذبون بالعمل فى محجر بروفيرى بطيبة (الاقصر). أرسل القيصر مكسيمينوس من بينهمن سبعة وتسعين رجلا مع النساء والأطفال، للعمل فى مناجم النحاس التى كانت فى منطقة فينو[381] بشرقى الاردن. وفى فلسطين أمر الوالى فرمليانوس، أن يتم تعجيزهم بحرق عضلات مفصل القدم الأيسر، وقلع العين اليمنى، وكى قاع العين بقضيب حديدى محمى. ثم ارسالهم للعمل القاسى فى المناجم[382].
وفى اواخر سنة 309 تجمع عدد كبير من المعترفين فى مناجم النحاس فى فينو، وفى جرأة بنوا أماكن لعبادتهم، فى المنطقة التى كانوا فيها، وكان بينهم بعض الاساقفة والكهنة المصريين.
وازاء هذه الجرأة أبلغ الوالى الامبراطور عنهم، ونفى بعضهم الى قبرص، والبعض الى لبنان، وشتت البعض الآخر فى انحاء مختلفة من فلسطين، وأمرهم بالعمل فى أعمال مختلفة[383].
يوحنا المصرى:
ويسجل يوسابيوس فى اعجاب، خبراً عن شخص يدعى يوحنا، وهو احد المعترفين المصريين الذى أثار اعجابه لدرجة كبيرة. أما موضع اعجاب يوسابيوس فكان قوة احتماله، وقوة ذاكرته فى حفظ الاسفار المقدسة. فضلا عن العذابات التى احتملها ومنها: فقد بصره، كى قدمه بالنار حتى تلفت، وطرحه فى النار. ونستمع الآن الى يوسابيوس، وهو يصفه:
«لقد فاق يوحنا أبناء عصرنا فى قوة الذاكرة. نقش أسفار كاملة من الكتاب المقدس – لا فى الواح حجرية كما يقول الرسول المبارك، ولا على رق حيوانات، ولا على ورق يبليه السوس والزمن، بل فى ألواح قلب لحمية، فى نفس نقية شفافة، وفى بصيرة القلب الطاهرة، حتى بذلك يمكنه أن يستعيد أية فقرة من الكتاب، سواء من الناموس، أو الانبياء أو الاسفار التاريخية أو الاناجيل، أو كتابات الرسل، فى أى وقت أراد، كما من كنز ملئ بالكلمات، واعترف بأننى قد ذهلت عندما رأيت الرجل لاول مرة. اذ كان واقفا، وسط جماعة كبيرة يردد بعض فقرات من الكتاب المقدس. وعندما سمعت صوته فقط خيل الى أنه كان يقرأ (من كتاب) حسب العادة المتبعة فى الاجتماعات. ولكن لما اقتربت منه وأدركت ما كان يفعل، وشاهدت جميع الباقين وقوفا حوله بأعين سليمة، بينما كان هو لا يستخدم سوى عينى قلبه، ومع ذلك فكان يتكلم طبيعيا كنبى، ويفوق جدا سليمى الاجساد. كان من المستحيل أن لا أمجد الله، وأدهش كل الدهشة... لانه بجسمه المشوه أظهر سمو وعظمة القوة التى كانت بداخله... »[] ( * ).
انبا بفنوتيوس[385] الاسقف:
تتلمذ فى شبابه للانبا أنطونيوس، أب الرهبان فى الصحراء، وعرف عنه التقوى، والنسك، والحكمة، وطول الروح، وسعة الاطلاع فى الاسفار المقدسة، حتى وصفه أخوته النساك بأنه «الهيكل الحى للحكمة الالهية»، سيم أسقفاً على طيبة (الاقصر)، فتفانى فى خدمة كنيسته، وتعليم رعيته وفى مدة الاضطهاد الذى اثير على الكنيسة تحت حكم جالريوس ومكسيمينوس دازا، قبض عليه واعترف اعترافا قويا بالمسيح، فسجن وعذب كثيرا. وأخيرا قلعت عينه اليمنى، وكوى تجويفها، وكذا كويت جفونه بالحديد المحمى، بترت ساه اليسرى كما كويت أعصابه وعضلات جسمه.. وبعد كل هذه الآلام أرسل على رأس مجموعة كبيرة من المعترفين للعمل فى مناجم النحاس بفلسطين، حيث ظل هناك لمدة أربع سنوات، حتى أفرج عنه بعد نهاية الاضطهاد سنة 311.
عاد الى شعبه وايبارشيته، واستأنف نشاطه الرعوى، وكان احد الاساقفة المرموقين الذين حضروا المجمع المسكونى الاول فى نيقية سنة 325. وكان موضع احترام الجميع، لا سيما الامبراطور قسطنطين، الذى كان يستدعيه مرارا الى قصره – مدة انعقاد المجمع – ويحتضنه فى رقة، ويقبل فى احترام زائد عينه التى احتمل فيها التعذيب.
اصف بشجاعته وثباته، ووقف الى جانب البابا اثناسيوس، يؤازره فى صراعه مع الاريوسية. فحضر معه المؤامرة التى حاكها الاريوسيين ضده فى مجمع صور سنة 335. كما قيل انه كان أحد الآباء الارثوذكسيين، الذين حضروا مجمع سرديكا سنة 347.
وقد أعطى موهبة اخراج الشياطين وشفاء المرضى، فكان يفتح أعين العميان ويشفى المفلوجين.. أخيرا رقد فى الرب، ولم يعرف تاريخ انتقاله.
القدس ابانوب المعترف[386]:
كان راهبا ناسكا فى أحد أديرة الصعيد. تحمل عذابات كثيرة على يد أريانوس والى انصنا، ابان اضطهاد ديوكليتانوس ثم نفاه الى الخمس مدن الغربية، فأقام هناك محبوسا لمدة سبع سنين حتى زال الاضطهاد. وقد أفرج عنه ضمن المعترفين الذين قضى الامبراطور قنسطنطين باخراجهم من السجون وعاد الى ديره وواصل حياته النسكية.
(ثانيا) معترفون لاجل العقيدة القويمة:
(1) بسبب الهرطقة الاريوسية:
فى عهد الملك الاريوسى قنسطنس (337 – 361). شمل اضطهاد الاريوسيين للارثوذكسيين القطر المصرى كله. ويقول القديس اثناسيوس الرسولى – الذى روى لنا هذا الفصل من التاريخ – انه من المستحيل ان توصف العذابات التى احتملها. الاساقفة والكهنة فى سبيل العقيدة القويمة، الذين من فرط ما صب عليهم من عذاب، تغيرت ملامح هيئتهم...
لقد أنذر الاريوسيون جميع الاساقفة الارثوذكسيين بالانسحاب من ايبارشياتهم، وترك كراسيهم للاريوسيين. ولما لم يذعنوا من أجل الحفاظ على العقيدة القويمة، قيدوهم بالسلاسل ونفوهم.
وهكذا نفى الاسقف آمون الى الواحه الخارجة، والاساقفة مويس Muis وبسينوسيريس Psenosiris، ونيلامون Nilammon وبلينيس Plenes، ومرقس، وأثينودورس Athenodorus نفوا الى واحة آمون (سيوة)، وكان محكوما عليهم بالموت حرقا... أما دراكنتيوس، فكان نصيبه النفى الى صحراء القلزم (قرب السويس)، وفيلون الى بابيلون، وأدلفيوس Adelphlus الى الواحة الخارجة. ونفى الى أسوان الاساقفة القدامى الشيوخ أمونيوس، وأغاثوس وأغاثوديمون Agathodemon، وأبوللونيوس، ويولوجيوس، وبفنتيوس، وأبوللون، وجايوس، وفلافيوس، وديسقوروس، وهيراكليدس Heraclides، وبسان Psain، ومعهم القسوس هيراكس Hierax، وديسقوروس، ثم ما لبثوا أن شردوا من قفر الى قفر واشتغل كثير منهم فى المحاجر، والبعض ذبحوا بلا شفقة ولا كرامة...
وليست هذه هى كل أسماء الاسقف والقسوس الذين عذبوا، أو استشهدوا. فان قائمة الاسماء التى دونها البابا اثناسيوس فقدت لسوء الحظ. وقد ذكر فى موضع آخر، أسماء تسعين من الكهنة العظام، طردوا عن كراسيهم.
أما اساقفة الخمس مدن الغربية، فكان نصيبهم النفى الى الواحة الخارجة. على عكس أساقفة الصعيد الذين نفوا الى واحة سيوة... وقد أوصى البابا اثناسيوس أن يكرم هؤلاء جميعا كشهداء أمجاد[387].
(2) بسبب هرطقة الطبيعتين:
البابا ديسقوروس:
وهو البطريرك الخامس والعشرون من بطاركة الكرسى الاسكندرى. وتلقبه الكنيسة بطل الارثوذكسية العظيم. كان شيخا وقورا، جمع بين الروحانية، والعمق الدراسى اللاهوتى، والشجاعة المسيحية، والرغبة فى التضحية حتى بالنفس من أجل الايمان. حدث بعد وفاة الملك ثيئودسيوس الصغير – الذى تلقبه الكنيسة بالملك الارثوذكسى (408 – 450)، واعتلاء عرش المملكة الملك مركيان وزوجته الملكة بولشريا – فى ذلك الوقت الذى احتدم فيه الجدل حول طبيعة السيد المسيح، أن المؤامرات كانت تدبر ضد كنيسة الاسكندرية وأساقفتها العظام، بسعى لاون أسقف روما لدى الملك مركيان وزوجته.
عقد الملك مركيان مجمعا فى قصره بالقسطنطينية من أجل موضوع الساعة – وهو طبيعة السيد المسيح – دعا اليه كثيرا من الاساقفة، كان معظمهم من النساطرة. وكان البابا ديسقوروس ضمن المدعوين، واندهش لكثرة عدد الاساقفة المجتمعين بلا سبب. وهو لا يدرى أن هناك مؤامرة مبيتة ضده، لكنه لم يرهب الموقف. ولما تساءل عن السبب فى عقد المجمع. أجابه أحد الاساقفة بأن الملك يهدف الى توضيح الايمان. فقال البابا ديسقورس فى جرأة «ان الايمان لهو فى غاية الكمال ولا يعوزه شئ من الايضاح، وهو مقرر ومثبت من الآباء أمثال اثناسيوس، وكيرلس وغيرهما... ولما حاول البعض أن يستميلوه، أن يوافق على طومس لاون أسقف روما، الذى يثبت الطبيعتين بعد الاتحاد فى شخص المسيح له المجد، قال «ان اعتقاد البيعة ينبغى الا يزاد عليه أو ينقص منه. فالمسيح واحد بالطبع، والجوهر، والعقل، والمشيئة، كما كرز الآباء». ثم أخذ يشرح لهم المعتقد السليم...
وحدث أن أحد الاساقفة المجتمعين فى قصر الملك، أخذ يوجه الكلام الى البابا ديسقوروس، طالبا اليه أن يذعن لرغبة الملك ولا يخالفه، كى يبقى فى منصبه. فما كان من ديسقوروس الا أن قال له «ان الملك لا يلزمه البحث فى هذه الامور الدقيقة، بل ينبغى عليه أن ينشغل بأمور مملكته وتدبيرها، ويدع الكهنة يبحثون موضوع الايمان المستقيم، فانهم يعرفون الكتب. وخير له أن لا يميل مع الهوى، ولا يتبع غير الحق».
دهش الجميع من جرأته. وهنا قالت الملكة «يا ديسقورس، لقد كان فى زمان والدتى أفدوكسيا، انسان عنيد مثلك (تقصد يوحنا الذهبى فمه)، وأنت تعلم أنه لم ير من جراء مخالفتها خيرا. وأنا أرى أن حالك سيكون مثله». فأجابها بكل شجاعة « وانت تعرفين ما جرى لوالدتك نتيجة اضطهادها لهذا القديس. وكيف ابتلاها اليه بالمرض الشديد، الذى لم تجد له دواء، ولا علاجا حتى مضت الى قبره وبكت عليه واستغفرت الرب فعوفيت. وهأنذا بين يديك، فافعلى ما تريدين، وستربحين ما ربحته أمك... ».
كانت نتيجة هذه الاجابة الصريحة، أن تهجمت هذه الشريرة، ومدت يدها وصفعته صفعة شديدة، اقتلعت ضرسين من أضراسه نظرا لشيخوخته. وما لبث أن انهال عليه بعض رجال القصر وأوسعوه ضربا. وامعانا فى الاستهزاء به، نتفوا شعر لحيته... أماهو فبقى صامتا محتملا وهو يقول «من أجلك نمات كل النهار» ثم جمع الاب الضرسين، مع شعر لحيته، وأرسلهما الى شعبه بالاسكندرية، مع رسالة قال فيها «هذه ثمرة جهادى لاجل الايمان اعلموا أنه قد نالتنى آلام كثيرة فى سبيل المحافظة على ايمان آبائى القديسين».
وفى مجمع خلقيدونية، الذى انعقد سنة 451 بأمر الملك، استخدم الضغط والارهاب ضد الاسقفة، واتبعت سبل المؤامرات الدنيئة، فكانت النتيجة أن صدر حكم المجمع على البابا ديسقوروس غيابيا بالقطع من الكهنوت واسقاط درجة الاسقفية عنه، وذلك بعد أن كتب هو حرما لكل من يتعدى حدود الايمان المستقيم.
وقد صادق الملك على قرار المجمع، وأصدر أمره بنفى البابا ديسقوروس الى جزيرة غاغرا بآسيا الصغرى. وبقى فى منفاه خمس سنين، صرفها فى هداية الضالين وشفاء المرضى. وانتقل الى عالم المجد سنة 457.
الانبا صموئيل المعترف[388]:
ولد فى أوائل القرن السابع المسيحى بوعد الهى لوالده الذى كان كاهنا... أظهر منذ صباه ميلا نحو حياة الرهبنة، فقصد برية شيهيت، وتتلمذ على يد راهب قديس يدعى أغاثوس. وبعد أن أقام عنده ثلاث سنوات تنيح الشيخ، فانفرد وازداد جهاده، فقدموه قسا على كنيسة القديس مقاريوس بالاسقيط.
ولما ورد الى البرية طومس[389] لاون، وقرئ على مسامع الشيوخ، غار هذا القديس غيرة للرب، وأمسك بالطومس ومزقه، ولعن كل من يغير الايمان المستقيم.
غضب لذلك الرسول – حامل الطومس وهو من رجال الحكومة – وأمر بضربه، فضربوه كثيرا، حتى أصابوا احدى عينيه، فقلعت. ثم طردوه من الدير، فمضى وسكن بيرية القلمون كارشاد ملاك له، وهى البرية الكائنة جنوبى اقليم الفيوم. وهناك ابتنى ديرا. ثم نمى خبره الى المقوقس – والى مصر من قبل الدولة الرومانية – فقبض عليه. وبعد أن ضربه ضربا مبرحا، طرده من الدير.
وقد سباه قوم من البربر[390]، وحاول سيده أن يستميله الى عبادته الوثنية فرفض. فأراد أن يخضعه بطريقة غير مباشرة، عن طريق اخضاعه للشهوة الجسدية. كلفه برعاية الايل فى البرية وربط احدى رجليه مع رجل جارية، لعل فى هذا ما يجعله يسقط، وبالتالى يضعف. لكنه كان يزداد جهادا، وشجاعة، ازاء هذه التجربة.
مرض ابن سيده مرض الموت، فشفاه القديس بالصلاة. فأراد السيد أن يكافئه، ففك سبيه، بناء على طلبه. عاد الى ديره واستأنف نشاطه، واجتمع حوله تلاميذ كثيرون. أخيرا بعد جهاد حسن رقد فى الرب.
تكريم الكنيسة لهم:
للمعترفين منزلة خاصة فى الكنيسة. فهى تذكرهم عقب الشهداء مباشرة فى تسابيحها وفى مجمع القديسين فى القداس الالهى حيث تقول:
«لان هذا يا رب هو أمر أبنك الوحيد لجنس أن نشترك فى تذكار قديسيك. تفضل يا رب أن تذكر جميع القديسين الذين أرضوك منذ البدء. آباءنا الاطهار رؤساء الآباء والانبياء والرسل والمبشرين والانجيليين والشهداء والمعترفين وكل أرواح الصديقين الذين تكملوا فى الايمان... ».
وتقديم سيرهم العطرة لابنائها فى السنكسار ليقتدوا بها.
وفى الكنيسة الاولى كانت تكتب أسماؤهم فى قوائم مع اسماء الشهداء والبطاركة والاساقفة والقديسين، وتحفظ فى لوح معدنى من ضلفتين يشبه الكتاب. وتسمى هذه الألواح Diptychs. وكانت تذكر الاسماء المكتوبة فى هذه القوائم، عقب المجمع فى القداس الالهى، عندما يقول الشماس «القارئون» فليقولوا أسماء آبائنا القديسين البطاركة الذين رقدوا... »[391].
وليس أدل على تكريم الكنيسة لهم، من عبارات المديح التى امتلأت بها رسائل كبريانوس أسقف قرطاجنة للمعترفين المسجونين. وكمثل، نورد بعض عبارات من رسالة القديس كبريانوس الشهيد أسقف قرطاجنة عن المعترفين يقول:
«شجاعتهم ليست أقل من شجاعة الشهداء القديسين، ولا هم دونهم شرفا. لقد قاسوا كل ما كانوا عازمين ومستعدين أن يقاسوه... ومن قدم آلامه وموته تحت نظر الله، فقد احتمل كل ما أراد من عذاب، ولم ينقصه إلا الضرب – لكنه لم يعوزه الفوز والظفر. لقد بلغوا الى الموت ثابتين، غير مهزومين فى الايمان. ومتى صح عزم الارادة، وتم الاعتراف بالايمان، والحبس فى السجن، والقيود فى اليدين، فقد تم مجد الاستشهاد... [392].
وفى رسالة أخرى للقديس كبريانوس، عو سيامة أوريليوس المعترف أغنسطسا، يقول[393] «من كبريانوس الى الكهنة والشمامسة، وكل الشعب... سلام.
«أيها الاخوة الاعزاء، قد أعتدنا أن نشاوركم قبل سيامات الاكليروس، ونفحص معكم عن سلوك كل واحد وأهليته. ولكن متى سبق أن اختار الله أحدا، فلا حاجة بعدئذ للشهادات البشرية. وان اخانا «أوريليوس» قد اعترف مرتين بالمسيح وصار أهلا لأعلى الدرجات الكهنوتية... مثله يجب أن يُقيمّ لا بعمره بل بما يستحقه. وقد تراءى لنا أن نرقية الى درجة أغنسطس (قارئ). اذ لا شئ أليق بصوت «اعترف» بالله اعترافا مجيدا، من أن يجهر بكلمة الله. وبعد أن بلغ حتى الاستشهاد، شهادة للمسيح، صار من العدل أن يتلو الانجيل الذى يلد الشهداء، وأن يقف على المنبر بعد أن وقف أمام المحاكم... ».
نهاية المضطهدين
قال الرسول بولس «جميع اضطهاداتكم والضيقات التى تحتلمونها بينة على قضاء الله العادل، انكم تؤهلون لملكوت الله، الذى لاجله تتألمون أيضاً. اذ هو عادل عند الله أن الذين يضايقونكم يجازيهم ضيقا. واياكم الذين تتضايقون راحة معنا عند استعلان الرب يسوع من السماء مع ملائكة قوته»[394] ولقد تمت هذه الكلمات حرفيا.. فالشهداء والمعترفون، ذهبوا الى المجد الذى كان ينتظرهم، أما الذين تصدوا لاضطهاد المسيحيين، فقد حل عليهم الضيق، وانهوا حياتهم نهاية سيئة...
كانت هذه نتيجة طبيعية... فالحرب لم تكن بين الوثنيين والمسيحيين، بل بين الشيطان والله. ولم يكن الوثنيون الا آلات فى يد الشيطان، استخدمها لتثبيت سلطانه فى العالم، أما المسيحيون فكانوا آلات بر فى يمين الله لمجد اسمه.
كان شاول الطرسوسى (بولس الرسول) يضطهد المسيحيين، وحينما التقى بالرب عند مشارف دمشق، كانت كلمات الرب يسوع اليه «شاول، شاول، لماذا تضطهدنى؟ » ولما استوضحه عن شخصيته أجابه.
«أنا يسوع الذى أنت تضطهده» (أع 9: 4).
، 5). فلم يكن الاضطهاد موجها الى المسيحيين من أجل أشخاصهم، بل الى الرب ذاته، الذى آمنوا به، وأخلصوا له الحب، وحفظوا له العهد...
كان لابد لله أن يظهر قوته... انه درس لكل الاجيال... فالله ضابط الكل يتأنى لكن لا ينسى، ويمهل لكنه لا يهمل، ويسلم ولكن ليس الى الانقضاء..
كان أمر مثيرا للالتفات بقدر ما كان مثيرا للدهشة ولتمجيد اسم الله... ان جميع الذين قاموا على المسيحية بقصد ملاشاتها، واضطهدوا اتباعها وعذبوها وقتلوهم، انتهوا الى نهايات سيئة، وماتوا شر ميتة. حتى أن لكتانتيوس Lactantius المدافع المسيحى – الذى كان وثنيا وتنصر كتب كتاباً، بعد أنتهاء عهد ديوكلتيانوس، وزوال الاضطهاد أسماه De Mortibus Perecutorum «موت المضطهدين»، أراد به أن يبرهن على صحة الديانة المسيحية من زاوية خاصة، وهى أن أولئك الاباطرة الذين اضطهدوا المسيحيين، وعذبوهم وقتلوا منهم. كانوا هدفا لاظهار الغضب الالهى.
ونحن حينما نعتمد على رواية لكتانتيوس فى هذا الجزء، لا نعتمد على رواية انسان مسيحى مغرض، انما نعتمد على انسان، لشهادته وزن كبير، من حيث كونه شاهد عيان، بالاضافة الى ثقافته العالية، فقد عاش وسط الاضطهادات وشاهد نهايتها. كان استاذا للبلاغة، واشتهر بتنوع معارفه، وعذب تعبيره، ورقة أسلوبه، حتى دعى من المعاصرين «شيشرون المسيحى» وحاز شهرة واسعة حتى أن الامبراطور ديوكلتيانوس نفسه، دعاه ليقيم فى نيقوميدية مقر حكمه، ويفتتح مدرسة هناك... وبعد ان انقضى زمان الاضطهاد، عهد اليه الملك قنسطنطين تعليم ابنه كريسبس Crispus... ومع كل ذلك، فقد اعتمدنا أيضاً على روايات مؤرخين وثنيين، كما سنشير الى ذلك فى موضعه.
جاء فى صدر كتاب لكتانتيوس:
«لقد استمع الرب للتوسلات التى رفعتها الى حضرته طوال النهار، أيها العزيز دوناتس Donatus، وأيضاً توسلات باقى اخوتنا، الذين باعتراف مجيد، نالوا اكليلا أبديا، مكافأة عن ايمانهم. انظر! لقد باد جميع الاعداء، وعاد الهدوء ثانية الى انحاء الامبراطورية الرومانية. والكنيسة التى اضطهدت قبلا، نهضت ثانية. وهيكل الله الذى خرب بأيدى الاشرار، بنى بمجد أكثر من ذى قبل... والآن، لقد أقام الله – سامع الدعاء – بمعونته الالهية خدامه المنطرحين والمتضايقين. أقامهم من الحضيض، ووضع نهاية لكل مكايد الاشرار، وكفكف دموع النائحين. أما الذين جدفوا على اللاهوت، فقد طرحهم الى أسفل. والذين هدموا الهيكل المقدس، سقطوا سقوطا شنيعا. والذين عذبوا الابرار، ماتوا وسط الضربات الالهية، بعذابات يستحقونها. فالله قد تأنى «فى عقابهم حتى – بالنموذجات العظيمة والعجيبة – يعلم نسلهم، أنه وحده هو الله. وأنه بالنقمة المناسبة، ينفذ قضاءه على المستكبرين الكافرين المضطهدين»[395].
ثم أخذ بعد ذلك، يستعرض نهاية كل امبراطور من الاباطرة الذين أذاقوا المسيحيين ألوانا من العسف والعذاب. نقتطف منها بعض الامثلة:
● نيرون:
أول من اضطهد خدام الله من الاباطرة الرومان... صلب بطرس وذبح بولس، وفتك بمئات المسيحيين، بعد أن عذبهم بطرق بشعة. هذا لم ينج من العقاب الالهى لقد حرم من السلطة وهو فى عنفوان شبابه، واختفى فجأة وهو فى سن الثانية والثلاثين (انتحر)... ولم يعثر له على جثة أو قبر! [396].
● دومتيان:
قتل فى قصره بعد أن وقع فى قبضة اعدائه. ولم يقتصر الامر على ذلك بل لقد محى اسمه، على الرغم من أنه شيد صروحا ضخمة، وأعاد بناء الكابيتول وخلف آثارا كثيرة تدل على عظمته. لقد قرر مجلس الشيوخ الرومانى محو اسمه، حتى لا يبقى له ذكر لتكريمه. كما أصدر عدة مراسيم للتشهير به حتى بعد قتله[397].
● ديسيوس:
كان كوحش مفترس، وارتكب فظائع كثيرة، وكأنه أقيم أمبراطورا لينتقم من كنيسة الله. لكنه فى احدى حملاته ضد المتبربرين، سقط فى أيديهم، وذبح هو وابنه وعدد كبير من جيشه. ولم ينل، حتى شرف الاحتفال بموته ودفنه بالطقوس الجنائزية المعتادة، بل أن جسده نشهته الوحوش. والطيور الجارحة[398].
● فالريان:
اسره الفرس أعداؤه، وأمضى بقية حياته كعبد. وقيل أن سابور ملك الفرس الذى أسره، عندما كان يريد أن يركب عربته، أو يمتطى صهوة جواده، كان يأمر باحضاره لينحنى حتى ما يضع قدمه على ظهره ليركب... وكثيرا ما كان يحضره أمامه ويسخر منه. ولم يظهر فى الدولة الرومانية من ينتقم لأسره ومذلته، وأنهى حياته أسيرا. وبعد هذه الحياة المخجلة، أمر سابور فسلخوا جلده. وبعد نزع جلده عن لحمه صبغ باللون الاحمر القرمزى ووضع فى معبد آلهة الفرس تذكار للنصر العظيم الذى أحرزته فارس، على روما[399].
● أورليان:
ذبح ومات قبل أن تصل منشوراته ومراسيمه التى تقضى بقتل المسيحين وتعذيبهم الى الاقاليم النائية بأطراف الامبراطورية... لقد ذبحه أصدقاؤه المقربون فى أقليم ترافيا[400].
● ديوكلتيانوس:
انتهى الى نهاية محزنة. فقد اعتزل الحكم تحت وطأة المرض واللوثة التى أصابته فى عقله. وحطمت تماثيله، وأزيلت صوره. وعاش ليرى بعينيه احتقارا لم يشهده أحد من الاباطرة السابقين... وتحت وطأة الغيظ وامراض الجسدية التى حلت به صمم على الموت. كان لا يقدر أن يأكل أو يرتاح، وكان يتأوه، وينوح ويبكى دائما. فقد بصره وأصيب بالجنون. وأخيرا فى موجة يأس وجنون معا، انهى حياته سنة 313، فى نفس السنة التى أصدر فيها قنسطنطين مرسوم التسامح الدينى للمسيحيين[401].
● مكسيميانوس:
شريك ديوكلتيانوس فى الامبراطورية، وحاكم القسم الغربى منها، شنق نفسه ومات منتحرا سنة 310[402].
● جالريوس:
هو زوج فالريا ابنة ديوكلتيانوس، ومعاونه فى حكم الشرق. مرض مرضا خطيرا كريها، أواخر سنة 310. فقد ضرب بالقروح البشعة فى أجزاء جسمه السرية سرعان ما انتشرت فى كل جسمه. وبعدها أخذ الدود يأكل جسمه... وكانت تنبعث منه رائحة نتنة جداً، ما كان أحد يستطيع الاقتراب منه بسببها. وازاء هذا المرض الخطر المؤلم، الذى جعله يواجه الموت، التجأ الى اله المسيحيين. وأصدر مرسوم تسامح للمسيحيين – وان كانت عباراته تنم عن كبريائه – لكنه يطلب فيه من المسيحيين أن «يتضرعوا لالههم من أجل سلامتنا». ومات فى مايو سنة 311[403].
● مكسيمينوس دازا:
اذاق المسيحيين أشر وأفظع أنواع العذاب فى الشرق، وخاصة فى مصر وسوريا... اندحر بجيوشه أمام ليكينيوس سنة 313. ويذكر يوسابيوس المؤرخ المعاصر، أن جيشه أبيد وتنحى عنه كل حرسه، وتركوه وحيدا، وهربوا لحياتهم. أما هو فنزع ملابسه الملكية، وأختلط بالناس فى جبن، وأختبأ فى الحقول والقرى... وعاد الى بلاده يغطيه الخزى. وفى ثورة جنونية قتل كثير من كهنة الاوثان، الذين أوحوا اليه بدخول الحرب.
وفى ذلك الوقت أصدر قنسطنطين وليكينيوس مرسوم التسامح من ميلان، فأصدر هو من نيقوميدية مرسوم تسامح للمسيحيين على غرار مرسوم ميلان، وان كان أقل منه، من جهة الحرية التى منحها للمسيحيين. لكنه سرعان ما تعاطى سما للانتحار. ونظرا لقوة جسده، فلم يقض عليه السم مباشرة بل مرض فظهرت عليه أعراض تشبه الطاعون، وامتدت به الايام حتى تزداد آلامه – ومن شدة الآلام التى حلت به كانت تنتابه نوبات يفقد فيها عقله، فكان يلتهم تراب الارض بشراهة.
وفى أحد النوبات صدم بعنف حائطا بجبهته، فجحظت عيناه، وفقد بصره. وبعد أن فقد بصره تخيل ذات مرة أنه رأى الله يحيط به خدامه بثياب بيضاء جالسين يحاكمونه. وتخيل أنه موضوع على آلة تعذيب، وأخذ يصيح انه برئ. أخيرا أعترف بجريمته وناح، وتضرع الى المسيح أن يرحمه. وهكذا خلال هذا النحيب، الذى كان وكأنه صادر عن انسان يحترق حيا، لفظ أنفاسه المذنبة، فى أبشع صورة للموت سنة 314[404].
● يوليانوس الجاحد[405] (331 – 363):
نشأ مسيحيا وتلقى ثقافته فى أثينا ببلاد اليونان، وكان زميلا للقديسين باسيليوس الكبير وغريغوريوس النيزينزى، فى مدة دراسته فى أثينا، وكان يدرس معها الكتاب المقدس لكن ما لبث – بعد أن صار امبراطورا – أن اشتعل فيه الحماس للوثنية، فجحد المسيحية، واضطهد اتباعها، وشرع يحتضن اليهود، وحاول اعادة بناء هيكلهم باورشليم، لكى يثبت عدم صدق كلام المسيح النبوى الخاص بالهيكل، انه لا يترك منه حجر على حجر الا وينقض. لكن الله الذى سبق وأنبأ، تمم قوله، فكانت تخرج كرات نارية من الارض وتحرق العمال الذين كانوا يحفرون الاساسات. وهكذا توقف العمل وفشل هذا البائس فى محاولته.
كان يوليانوس امبراطورا مغرورا متفلسفا، أراد أن يتشبه بالاسكندر المقدونى الاكبر، فى توسيع رقعة مملكته. فقام بحمله على بلاد فارس لاخضاعها. لكنه أصيب برمح من يد لم يعرف مصدرها، استقر فى جنبه الايمن، فسقط والدماء تنزف منه. وسمع وهو يصرخ ويقول «لقد انتصرت أيها الجليلى»[406]... وهكذا مات ودفنت معه آماله ببعث الوثنية ثانية، ولم يكمل الثانية والثلاثين من عمره.
أمثلة عن الولاة:
هذا عن الاباطرة. أما عن الولاة والحكام المحليين فنجد أنهم تعرضوا أيضاً لنفس المصير. ومن أمثلتهم:
● فيجيليوس ساتورنس Vigellius Saturnus، حاكم شمالى افريقيا فى زمان الامبراطور كومودس بن مرقس أوريليوس (180 – 192). يقول عنه ترتليانوس أنه دفع ثمن تعذيبه للمسيحيين غالباً، اذ فقد بصره[407].
● وأوربانوس حاكم فلسطين، الذى أذاق الشهداء والمعترفين فى فلسطين ألوانا من العذاب فى عهد مكسيمينوس دازا، انقلب عليه مكسيمينوس، وقتله[408].
● وكذل فرمليانوس الذى خلف أوربانوس، وكان أكثر منه شراسة قتل بحد السيف[409].
مكانة الشهداء فى الكنيسة[(*)]
« ولما فتح الختم الخامس رأيت تحت المذبح نفوس الذين قتلوا من أجل كلمة الله ومن أجل الشهادة التى كانت عندهم... فأعطوا كل واحد ثيابا بيضاء، وقيل لهم أن يستريحوا زمانا يسيرا»[411].
للشهداء مكانة متميزة فى السماء، فى الكنيسة المنتصرة.. اذ هم تحت المذبح، وأعطوا ثيابا بيضا. اننا لا نعجب من ذلك، فليس أعظم من أن يسفك الانسان دمه لاجل من يحبه «ليس حب أعظم من هذا».. أو بحسب تعبير يوحنا فى رؤياه « ولم يحبوا حياتهم حتى الموت[412]. لا عجب اذن، ان رأينا الكنيسة المجاهدة تكرمهم، وتضعهم فى منزلة خاصة فى صلواتها، وتقدس أضرحتهم، وذخائرهم، وتطلب شفاعتهم..
والكنيسة حينما تفعل ذلك انما تفعله احياء لتذكار وفاء هذا الجيش الضخم النبيل من الشهداء، الذين لم يضنوا بدمائهم وأرواحهم فى سبيل حفظ الايمان الحى، الذى انحدر الينا عائما على بحر من دمائهم. وهى تفعل ذلك أيضاً اعترافا بالشركة غير المنفصمة بين الكنيسة المجاهدة والمنتصرة. وعلى رجاء قيامة الاجساد، قدمت الكنيسة للشهداء، ولذخائرهم، احتراما يستحقونه. وهكذا تعبر كنيسة سميرنا (أزمير) عن تقديرها وحبها للشهداء فى خطابها سنة 155 الذى تروى فيه استشهاد بوليكاربوس أسقفها «لا يمكننا أن نترك المسيح الذى تألم عن خلاص العالم كله، ولا أن نعبد غيره. اياه وحده نعبد كابن الله. اما الشهداء فنحبهم حسبما يستحقون، من أجل حبهم الفائق لملكهم وسيدهم. كما نود أيضاً أن نكون رفاقهم»[413].
تضع الكنيسة الشهداء فى مرتبة سابقة لجميع القديسين على اختلاف رتبهم... هم يتقدمون البطاركة والنساك، ولا يتقدمهم سوى العذراء الطاهرة والدة الاله، والطغمات السمائية، ورؤساء الآباء، والانبياء[414]. وتذكر الكنيسة أسماءهم فى مواضع عديدة من خدماتها، تطوبهم، وتطلب شفاعتهم وبركتهم:
فى الصلوات والتسابيح:
- تذكرهم الكنيسة فى الابصلمودية (السنوى والكيهكى)، وكذا فى الذكصولوجيات والابصاليات الخاصة بهم وفى الدفنار.
- يذكرهم الآباء الكهنة فى تحليل الكهنة عقب صلاة نصف الليل «بشفاعة ذات الشفاعات، معدن الطهر والجود والبركات، سيدتنا كلنا وفخر جنسنا، العذارء البتول الذكية مارت مريم.. وكافة الملائكة والانبياء والرسل والشهداء والقديسين والسواح والعباد والنساك والمجاهدين.. ».
- ونذكرهم فى ذكصولوجية باكر عقب صلاة مزامير باكر قبل رفع البخور، وفى أرباع الناقوس، فى رفع بخور عشية وباكر...
- وتذكرهم الكنيسة فى البركة الختامية لصلوات رفع البخور والقداس الالهى التى يمنحها الآباء الكهنة للشعب.
- وتذكرهم الكنيسة فى القداس الالهى فى بعض الالحان المستديمة (الهيتينيات)، واحيانا فى مرد الابركسيس، وفى مجمع الآباء القديسين، وفى الحان المناسبات.
- وتقدم الكنيسة سيرهم للقدرة والبركة فى السنكسار الذى يتلى على المؤمنين فى كل قداس.
ذخائر الشهداء، واضرحتهم، واحياء تذكاراتهم:
فى المفهوم الروحى الكنسى يعتبر يوم موت الشهيد هو يوم ميلاده السماوى. وكتعبير عن هذا المفهوم يقول القديس اغسطينوس انه اذا كان يوم خروج الطفل من أحشاء أمه المظلمة، يحتفل به كعيد لميلاده، فبالاولى يعتبر عيدا يوم ينحل الانسان من رباطات الجسد المظلمة، وينطلق من هذا العالم الى المجد الاسنى.
وكانت الكنيسة منذ الاجيال الاولى تحتفل بتذكار استشهاد الشهيد سنويا – وكان ذلك يحدث غالبا فى كهف أو سرداب – بالصلاة، وقراءة سيرة جهاده، وآلامه وظفره، وتقدم القرابين ويحتفل بالعشاء السرى[415].
وقد درجت الكنيسة على جمع وتدوين سير الشهداء. ولكبريانوس أسقف قرطاجنة الشهيد رسالة أرسلها الى الكهنة والشمامسة، بينما كان مختفيا، يحثهم فيها على ذلك[416]. كما حرصت الكنيسة على الاحتفاظ باجساد الشهداء أو فى القليل بقاياهم. وبعد انتهاء زمان الاضطهاد أقيمت أضرحة خاصة دفنت فيها، او اقيمت كنائس على أسمائهم، ووضعت هذه الاجساد أو الذخائر (البقايا) تحت المذبح[417].
ولكن حدث فى بعض الاضطهادات، أن المضطهدين – لعلمهم بحرص المسيحيين على اقتناء هذه الذخائر والاجساد، فضلا عن أنها كانت مصدرا لبث روح الشجاعة فيهم – كانوا يلقونها فى البحار والانهار، أو يتركونها فى العراء خارج المدن تنهشها الكلاب والوحوش الضارية والطيور الجارحة. وقد تميز الاضطهاد الكبير الاخير (ديوكلتيانوس وأعوانه)، بمثل هذه الاجراءات.
كان المسيحيون الاوائل ينظرون الى أجساد الشهداء وذخائرهم ككنوز ثمينة... هكذا أكرمت كنيسة انطاكية بقايا أغناطيوس أسقفها الشهيد، الذى أحرق فى روما. واعتبرت كنيسة سميرنا عظام لوليكاربوس انها أثمن من الذهب والماس. وجمع أبناء كبريانوس أسقف قرطاجنة وأصدقاؤه، دمه فى مناديل وشيدوا هيكلا فوق قبره[418].
يقول القديس يوحنا الذهبى فمه «لنسجد أمام بقايا الشهداء، ونحتضن توابيتهم، فتوابيت الشهداء يمكن أن تكسب الانسان قوة كبيرة». ويؤكد أن عظام الشهداء تطرد الامراض وتبعد الموت.. وحيث تدفن عظام الشهداء، تهرب الشياطين كما من نار وعذاب لا يطاق[419].
وقد تبارت الكنائس المختلفة والاديرة فى الاحتفاظ بأجساد الشهداء وذخائرهم. وكان المسيحيون يسارعون اليها طلبا لبركتها، ومعونة أصحابها، حتى أن القديس باسيليوس الكبير يصفهم بأنهم – بعد موتهم – يصبحون صيادين للناس، يجذبون ربوات منهم الى قبورهم[420].
ومازالت كثير من الكنائس والاديرة القديمة فى العالم – خاصة فى مصر – تحتفظ بالكثير من ذخائر هؤلاء الشهداء الابرار. وكانت تفعل ذلك لغرضين، أولهما ايمانها بينبوع البركة الكائن فيها وكانت تحدث معجزات كثيرة من هذه الاجساد والذخائر، وثانيهما لتعلن انها على ايمان هؤلاء الشهداء الابطال.
وكمثل نقول أن أجساد الاربعين شهيدا التى احرقت بعد استشهادهم فى سبسطية بأرمينيا سنة 320 على عهد ليكينيوس، حفظت بكل عناية وحرص، ووزعت على المدن المختلفة، حيث اقيمت على اسمهم كنائس كثيرة. وقد حصلت أم القديس باسيليوس وأخته ماكرينا، على جزء منها، وبنيت على اسمهم كنيسة فى المكان الذى اتخذاه منسكا لهما قرب قرية أنيسى Annesi فى البنطس[421].
التشفع بالشهداء:
وهذه عقيدة ايمانية انجيلية، تمسكت بها ومارستها الكنيسة الجامعة منذ البداية، ايمانا منها بالصلة القائمة فعلا بين أعضاء جسد المسيح السرى الواحد، بين الذين ما زالوا يجاهدون على الارض، والذين انطلقوا ظافرين الى السماء، وقد تأيد كل ذلك بتعليم آباء الكنيسة القديسين ومعلميها، عن فعالية صلوات الشهداء أمام عرش النعمة، وبما أعلن للشهداء من رؤى قبيل استشهادهم[422].
ففى زمان الاستشهاد، وبينما كانت اعداد الشهداء كثيرة ودائمة، كان ينظر اليهم على أنهم سفراء من الكنيسة المجاهدة على الارض الى سيدها فى السماء. وكان اخوتهم يسألونهم أن يتذكروهم ليذكروهم حينما يمثلون أمام المسيح[423].
يقول القديس باسيليوس الكبير فى حديثه عن الشهيد ماماس – وهو راعى غنم استشهد فى قيصرية كبادوكية سنة 274 - «تذكروا الشهيد، كل الذين شاهدوه فى أحلام، والذين استقروا فى هذا المكان واتخذوا منه معينا فى الصلوات، وكل من عاونهم فى عملهم حينما توسلوا باسمه. كل الذين ردهم الى بيوتهم من سفر، والذين أقامهم من مرض. وكل من شفى أطفالهم، وانقذهم من موت محقق.. اجمعوا الحقائق كلها معا، وانظموا له مديحا.. وليوزع كل واحد ما لديه من معلومات عن الشهيد على من يجهل سيرته»[424].
ويقول القديس غريغوريوس الثيؤلوغوس (النيزينزى) عن كبريانوس الشهيد «ان تراب كبريانوس مع الايمان، يمكن أن يفعل كل شئ. ويعلم ذلك كل من خبر هذا الامر».
والقديس غريغوريوس أسقف نيصص فى كلامه عن الشهيد تاوضروس المشرقى – وكان جسده مدفونا فى نفس الكنيسة يقول «لقد ذهب الى الله.. وهو ما زال يخرج الشياطين.. يطلب عنا من الله الاشياء النافعة لنا. لقد جعل من هذا المكان، قاعة للاستشفاء من أمراض متنوعة»[425].
والقديس باسيليوس الكبير يتكلم عن شهداء سبسطية الاربعين، فيقول – موها كلامه لشعبه - «أنتم دائما تبحثون عن واحد يصلى عنكم، هوذا أربعون. اذا اجتمع أثنان أو ثلاثة باسم الرب، هناك يكون الرب حاضرا. وان كان هناك أربعون، فمن يشك فى حضوره؟! هؤلاء هم الذين يحرسون بلادنا كخط دفاع»[426].
ويقول القديس اغسطينوس «نحن لا نصلى عن الشهداء، فهم قد أكملوا حبهم للرب أكثر من أى انسان. نحن نسألهم أن يذكروننا»[427].
بعض مراجع الكتاب
مطبوعات:
1 - الكتاب المقدس.
2 - الصادق الامين فى أخبار القديسين (القاهرة 1912).
3 - السنكسار الجامع لاخبار الانبياء والرسل والشهداء والقديسين (القاهرة 1935).
4 - أوسابيوس القيصرى: تاريخ الكنيسة – ترجمة القمص مرقس داود (القاهرة 1960).
5 - موسهيم: تاريخ الكنيسة المسيحة القديمة والحديثة (بيروت 1875).
6 - الاسقف ايسيذوروس: الخريدة النفسة فى تاريخ الكنيسة (القاهرة 1923).
7 - منسى القمص: تاريخ الكنيسة القبطية (القاهرة 1924).
8 - ايريس المصرى: قصة الكنيسة القبطية الجزء الاول (القاهرة 1952).
9 - أنبا اغريغوريوس: مذكرات فى الفلسفة المسيحية لطلبة الكلية الاكليريكية.
10 - مكسيموس مظلوم: الكنز الثمين فى أخبار القديسين – ثلاثة أجزاء (بيروت 1866).
11 - بطرس فرماج اليسوعى: مروج الاخبار فى تراجم الابرار (بيروت 1880).
12 - محمد رمزى: القاموس الجغرافى للبلاد المصرية – أربعة أجزاء (القاهرة 1953 – 1960).
(13, 14) Justin Martyr: The first and second Apologles.
: Dialogue with Trypho.
(15, 16) Origen: Exhortation to Martyrdom.
: Contra Celsum.
(17 – 21) Tertullian: Ad Martyras.
: Apologeticus.
: De fuge in Persecutione.
: Ad Scapulam.
: De Idolatoria.
(22) Lactantius: De Mortibus Persecutorum.
(23) Sèvère d’Antioche: Les Homiliae Catredrales – (Patrologia Orientalis).
(24) Le Synaxaire Arabe Jacobite par Renè Basset (Patrologia Orientalis).
(25) Smith and Cheetham: A Dictionary of Christian Antiquities, 2. Volumes (London 1875).
(26) Smith and Wace: Dictionary of Christian Antiquities, 2 Volumes (London 1887).
(27) The Oxford Dictionary of the Christian Church (Oxford 1958).
(28) The Writing of the Nicene and Post Nicene Fathers, Series 2, Vol. 14 (Michlgan 1956).
(29) Henry Bettenson: Documents of the Christian Church (Oxford 1944).
(30) Fustel de Coulanges: La Cite Antique, Etude sur le Culte, le droit, des institutions de la Grece et de Rome (Paris 1864).
(31) E. de Pressense: The Early Years of Christianity, Vol. 2, (London 1879).
(32) Schaff: History of the Christian Church, fifth edition, (Michigan 1955).
(33) Butcher: The Story of the Church of Egypt, Vol. 1, (London 1897).
(34) Watson: Defenders of the Faith (London 1899).
(35) A. J. Mason: The Historic Martyrs of the Primitive Church (London 1905).
(36) Paul Cheneau d’Orleans: Les Saints d’Egypte, Tomes 1, 2 Jerusalem 1923).
مخطوطات:
37 - سيرة الشهيد أبالى بن يسطس ابن الملك نوماريوس – مخطوطة 270 ميامر بدير السريان.
38 - سيرة الشهيد مار بقطر بن رومانوس – مخطوطة 259 ميامر بديرالسريان.
39 - سيرة الشهيد تادرس الاسفهسلار – مخطوطة 421 ميامر بدير السريان.
40 - سيرة الشهيد تاوضروس المشرقى – مخطوطة 265 ميامر بدير السريان.
41 - سيرة الشهيد يوليوس الاقفهصى – مخطوطة 266 ميامر بدير السريان.
42 - سيرة الشهيد يعقوب المقطع – مخطوطة 265 ميامر بدير السريان.
43 - 48 ميامر نشرها الاستاذ سليم المنقبادى:
† سيرة الشهيدين ديسقورس وسكلابيوس أخيه – مخطوطة 95 – 474 ميامر بالمتحف القبطى.
† سيرة الشهيد مار يوحنا الهرقلى – مخطوطة 208 – 83 طقس بالمتحف القبطى.
† سيرة الشهيد بفام الأوسيمى – مخطوطه 103 – 480 تاريخ بالمتحف القبطى.
† سيرة الشهيد أبا قسطور القس، عن مخطوطة محفوظة بكنيسته بجهة بردنوها.
† سيرة الشهيد أبا كلوج القس – مخطوطة 16 تاريخ بكنيسة العذراء الاثرية بزويلة.
† سيرة الشهيدين أبا بجول الجندى وأبا بجول القس، عن مخطوطة بكنيسة القديس أبا بجول بجهة تلا محافظة المنيا.
49 - الشهداء الحميريون العرب فى الوثائق السريانية – نشر وتحقيق مار اغناطيوس يعقوب الثالث بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للسريان الارثوذكس (1966).
[263] - Tert: Apol. Ch. 7.
[264] - Justin Martyr. Apol, 1: 65 - 67; Tert.: Apol. ch. 39.
[265] - De Prssense: The Early Years of Christianity. Vol. 2, ch. 2.
[266] - Cyp. Ep. 5: 2.
[267] - Cyp. Ep. 37.
[268] - Cyp. Ep. 86.
[269] - Cyp: De Exhort. Martyr, 13.
[270] - Dictionary of Christian Antiquitles, Vol. 2, p. 1126.
[271] - Cyp. Ep. 5: 2.
[272] - Cyp. Ep. 39.
[273] - Cyp. , Ep. 12.
[274] - Cyp. Ep. 14.
[275] - Cyp. Ep. 14.
[276] - De Pressense: The Early Years of Christianity. Vol. 2 ch. 2.
[277] - Cyp. Ep. 5: 2.
[278] - Cyp. Ep. 12.
[279] - Martyrium Polycarpi (Documents of the Christian Church. pp. 12 - 16;يوسابيوس 5: 1.
[280] - مز 43: 5.Origen: Exhortation to Martyrdom 4.
[281] - مز 98: 8 مع أش 55: 12.Origen: Exhortation to Martyrdom. 18.
[(*)] Exhortativn to Mortyrdam 21.
[283] - نسبة الى مونتانوس الذى ادعى أنه البارقليط الموعود به فى الانجيل.
[284] - Dictionary of Christian Biography Vol. 4, pp. 822.
[285] - Tertullianus: Ad Martyras, ch. 2, 3.
[286] - Tertullianus: Ad Martyras, ch. 2, 3.
[287] - Cyprian: Exhortation to Martyrdom, ch. 4.
[(*)] - Epist. To the People of Thibaris ch. 1.
[289] - Epist, Ad Dlognetum, ch. 1; Arnobius, Gentes, 2. 67, 69.
[290] - Origen: Contra Celsum, 7: 61.
[291] - Minucius Felix; Octavius, ch. 8, 9.
[292] - Minucius Felix; Octavius, ch. 8, 9.
[293] - Justin Martyr. Apol. 1: 65, 66.
[294] - Origen: Contra Celsum 44: 3,49; Justin: Dialogue. Ch. 117.
[295] - Tert. Apol. ch. 39: 7 Minucius Felix: Octavius, ch. 9.
[296] - Athenagoras, Plea, ch. 3, 4.
[297] - Tert. Apol, ch. 35. 39.
[298] - Tert. Apol, ch. 42.
[299] - Tert. Apol, ch. 1: 3.
[300] - Justin Martyr. Apol. 2, ch. 2, 3.
[301] - Athenagoras, Plea, ch. 1, 2.
[302] - Watson: Defenders of the Faith, ch. 3.
[303] - Schaff, Vol. 2, pp. 104 - 107.
[304] - De Pressense, Vol. 2, p. 526.
[305] - Watson: Defenders of the Faith, ch. 3.
[306] - كان معروفاً لكلسوس الفيلسوف الوثنى، وأشار اليه باحتقار. كما أشار اليه أيضاً أوريجينوس، وقال عنه انه نافع للقارئ العادى دون العلماء.
[307] - Watson: Defenders of the Faith, ch. 4.
[308] - Tertullianus: Ad Uxorem 2: 4.
[309] - Minucius Felix; Octavius, ch. 9.
[310] - Tert. Apol. ch. 39.
[311] - Origen: Contra Celsum 27: 6, Justin Martyr: Dialogue. Ch. 17.
[312] - Watson: Defenders of the Faith, ch. 4.
[313] - Tert. Apol. ch. 7.
[314] - Justin. Apol. 2, ch. 12.
[315] - Documents of the Christian Church, pp. 3 - 5; Watson: Defenders of the Faith, ch. 4.
[317] - يوسابيوس 5: 1.
[318] - Tert. Apol. ch. 50; Justin: Apol. , 2: 12.
[319] - Justin: Apol. , 2: 12, 13.
[320] - اثيناغوراس: الدفاع.
[321] - Origen: Contra Celsum. 1: 19; Justin: Apol. , 4: 1, 2: 2.
[322] - Justin. Apol. 1: 13.
[323] - Tert. Apol. ch. 3.
[324] - Tert. Apol. ch. 44.
[325] - Arnobius; Adversus Gentes, 4. 36.
[326] - Justin: Dialogue. ch. 10.
[327] - يوسابيوس 3: 33، 5: 1.
[328] - Tert. Apol. ch. 50.
[(*)] - Tert. Apol. ch. 16.
[330] - Tert. Apol. ch. 16.
[331] - Tert: De Corona; 3.
[332] - اثيناغوراس: كتاب الدفاع.
[(*)] - Tert. Apol. ch. 16.
[334] - Origen: Contra Celsum, 62: 7.
[(*)] - Arnobius 1: 25.
[336] - Arnobius; Adv. Gentes, 1: 24.
[337] - Tert. Apol. cc 25, 40; Minucius Felix; Octavius, ch. 7.
[338] - يوسابيوس 9: 7.
[339] - Arnobius; Adv. Gentes, 1: 14.
[340] - Tert. Apol. 40.
[341] - انظر الفصل الخاص بأسباب اضطهاد الدولة الرومانية للمسيحية.
[342] - Origen: Contra Celsum. 8: 72.
[343] - Watson: Defenders of the Faith, ch. 4.
[344] - Ad Dlognetus, ch. 1.
[345] - Theoph: Ad Aut. , 4: 3.
[346] - Origen: Contra Celsum, 5: 25.
[347] - De Pressense, Vol, 2, p. 588.
[348] - De Pressense, Vol, 2, p. 588.
[349] - Arnobius; Adv. Gentes, 2: 66, 67.
[350] - Ibid,: 71. 72,.
[351] - يوسابيوس 3: 20.
[352] - Tert. Apol. ch. 32.انظر أيضاً (رو 13: 1، 3 + تى 3: 1 + 1بط 2: 13، 17 + 1تى 2: 2.. الخ).
[353] - Origen: Contra Celsum, 55: 8 - 68.
[354] - Tert. Apol. ch. 42.
[355] - أنظر فصل: المسيحى فى الدولة فى عصور الاضطهاد.
[356] - Origen: Contra Celsum 73: 8.
[357] - Watson: Defenders of the faith, p. (Clement Alex. , Cohort. , Ch. 10).
[358] - يوسابيوس 4: 12، 13.
[359] - De Pressense, Vol. 2. pp. 90, 91.
[(*)] - Tertullianus; De Fuge in parsec. Ch. 13.
[(**)] - Cyp. Epist. 3: 30.
[362] - Tert. ; De Fuge in parsec. Ch. 13.
[363] - Cyp. de Lapsis 8.
[364] - يوسابيوس 5: 1.
[365] - يوسابيوس 6: 4.
[366] - Cyp. de Lapsis 8.
[367] - Cyp. de Lapsis 24.
[368] - Cyp. de Lapsis 4.
[369] - Dictionary of Christian Antiquities. Vol. 2. P. 931.
[(*)] - Tert.:: Ad Martyras, ch. 1.
[(**)] - Cyp.: Ep. 27: 1,2.
[(***)] – Cyp Ep. 15: 3.
[373] - Cyp.: Ep. , 3: 27.
[374] - Dictionary of Christian Antiquities, Vol. 2, p. 931.
[375] - Cyp. , Ep. 9.
[376] - Dictionary of Christian Antiquities, Vol. 2, p. 931.
[377] - Dictionary of Christian Antiquities, Vol. 2, p. 931.
[378] - Dictionary of Christian Antiquities, Vol. 2, p. 931.
[379] - The writing of the Nicene and Post - Nicene Fathers, Series 2, Vol. 14, p. 601.Mason: The Historic Martyrs of the Primitive Church.، منسى يوحنا: تاريخ الكنيسة القبطية ص 136، 137.، ايريس المصرى: قصة الكنيسة القبطية ج1 ص 128، 129. عن:Guettee; Histoire de l’Eglise Tome 2,pp. 284 - 286.
[380] - The Nicene and Post - Nicene Fathers, Seies 2, Vol. 14, pp. 62 - 75.
[381] - فينو كانت منطقة غنية بمناجم النحاس. وهى المذكورة فى العهد القديم باسم فونون (أنظر سفر العدد 33: 42 - 44). وتعرف الآن باسم خربة فنان.
[382] - يوسابيوس: شهداء فلسطين 8.
[383] - يوسابيوس: شهداء فلسطين 13.
[] - يوسابيوس: شهداء فلسطين 13.
[385] - Les Saints d’Egypt, Tome 2, pp. 322 - 324.
[386] - سنكسار 23 بؤونة.
[387] - أثناسيوس الرسولى: رسائل الى المتوحدين.Les Saints d’Egypt, Tome 2, pp. 97 - 99.وللأسف لا نعرف أماكن ايبارشيات هؤلاء الاساقفة على وجه التحديد.
[388] - سنكسار 8 كيهيك.
[389] - رسالة لاون أسقف روما (440 – 461)، التى ضمنها تعاليما فاسدة بخصوص طبيعة السيد المسيح، وقد رفضتها كنيستنا، وحرمت كل من يقول او يؤمن بها، وذلك فى مجمع خلقيدونية سنة 451، من فم البابا ديسقوروس، بطريرك الاسكندرية 25.
[390] - البربر ليسوا شعباً معينا أو جنسا خاصا. لكن كلمة بربر مرادفة لكلمة همجى.
[391] - Dictionary of Christian Antiquities, Vol. 1. pp. 560 - 563.
[392] - Cyp.: Ep. , 12.
[393] - Cyp.: Ep. , 32.
[394] - 2تس 1: 4 - 7.
[395] - Lactantlus: De Mortibus Persecutorum, ch. 1.
[396] - Lactantlus: ch. 2.
[397] - Lactantlus: ch. 3.
[398] - Lactantlus: ch. 4.
[399] - Lactantlus: ch. 5.
[400] - Lactantlus: ch. 6.
[401] - Lactantlus: ch. 42.
[402] - يوسابيوس 8: 13.
[403] - يوسابيوس 8: 16 – ومصدر هذه الرواية ليس المؤرخون المسيحيون وحدهم، بل المؤرخون الوثنيون أيضاً. أنظر:Dictionary of Christian Biography Vol 2. P. 594.
[404] - يوسابيوس 9: 10.
[405] - Dictionary of Christian Biography Vol 3. pp. 484 - 516.
[406] - يقصد السيد المسيح.
[407] - Mason: The Historic Martyrs of the Primitive Church.
[408] - يوسابيوس: شهداء فلسطين 7: 7.
[409] - يوسابيوس: شهداء فلسطين 11: 31.
[(*)] – فى هذا البحث، نعالج الموضوع تاريخيا فى القرنين الثانى والثالث، وليس فى دائرة بحثنا أن نثبته عقيديا.
[411] - رؤ 6: 9، 11.
[412] - رؤ 12: 11.
[413] - Schaff, Vol. 2, p. 82.
[414] - الرسل يسبقون الشهداء، لكن الرسل جميعا ماتوا شهداء، باستثناء يوحنا الحبيب، الذى يعتبر هو الآخر شهيدا، لاحتماله آلام الشهادة بوضعه فى خلقين زيت مغلى، ونفيه الى جزيرة بطمس التى راى فيها رؤياه.
[415] - Schaff, Vol. 2, pp. 82, 83.
[416] - Cyp. Ep, 12.
[417] - استندت الكنيسة فى هذا التصرف الى ما ورد فى رؤ 6: 9 - 11.
[418] - Schaff, Vol. 2, pp. 83, 84.
[419] - Dictionary of Christian Antiquities, Vol. 2. P. 1129.
[420] - Ibid, Vol. 2, p. 1129.
[421] - Dictionary of Christian Antiquities, Vol. 2, p. 557.
[422] - Schaff, Vol. 2, p. 83.
[423] - يوسابيوس: شهداء فلسطين 7.
[424] - Dictionary of Christian Antiquities, Vol. 2, p. 1129.
[425] - Dictionary of Christian Antiquities, Vol. 2, p. 1129.
[426] - Ibid, Vol. 2, p. 1130.
[427] - Ibid, Vol. 2, p. 1129.
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.
- لمسة وفاء لمثلث الرحمات السراج المنير والبستان المثمر نيافة الأنبا يوأنس
- تصدير
- مقدم الطبعة الثانية
- من هو المسيحى؟
- مفهوم جديد للألم
- اضطهاد اليهَوُدية للَمَسيحَة
- الباب الأول: اضطهاد اليهودية للمسيحيين
- الباب الثانى: روما الإمبراطورية الوثنية
- الباب الثالث: مع الشهداء الأبطال
- الباب الرابع: مع الكنيسة الساهرة