الباب الأول: اضطهاد اليهودية للمسيحيين

الباب الأول: اضطهاد اليهودية للمسيحيين

الشهداء الحميريُون العَربُ

فى القسم الأول من هذا الكتاب عرضنا لاضطهاد اليهودية للمسيحية ويكاد يكون ما عرضنا له قاصرا على ما دونه القديس لوقا فى سفر أعمال الرسل بالاضافة الى ما جاء برسائل القديس بولس الرسول من اشارات مقتضبة. لكن بعد أن أهدانا غبطة مار اغناطيوس يعقوب الثالث كتابه القديم «الشهداء الحميريين العرب» وهو نشر وتحقيق لبعض المخطوطات والوثائق باللغة السريانية – رأينا أن ضيفه الى الكتاب اتماماً للفائدة...

وحمير أو بلاد الحميرين هى المعروفة حالياً ببلاد اليمن، وتقع فى جنوبى شبه الجزيرة العربية. عرفت بعدة أسماء. دعيت بلاد «سبأ» كما دلت على ذلك الآثار المكتشفة بها. ودعيت بلاد الهند (الهند) كما يذكر ذلك المؤرخ الكنسى يوسابيوس القيصرى. كما دعيت باسم بلاد (الحبشة) أما السبب فى هذه التسميات فترجع الى لون بشرة سكانها التى تميل الى السواد. من أشهر مدنها: سبأ، ومأرب، وطفار، ونجران، وحضرموت، وذى ريدان. وقد لقب ملوك الحميريين بملوك سبأ.

المسيحية فى بلاد حمير (اليمن)

دخلت المسيحية تلك البلاد فى بداية ظهورها. فقد ذكر بعض آباء ومعلمى السريان، أن الخصى الذى عمده فيلبس المبشر (أع 8)، كان وزيرا لكنداكة ملكة الحبشة. والمقصود ملكة سبأ. وهكذا فان ذلك الوزير كان حميريا لا حبشياً. ويقول بعض المؤرخين – ومنهم يوسابيوس القيصرى – أن القديس برثولماوس الرسول كان أول من بشر بها وببلاد الحجاز، وعمد كثيرين من سكانها خاصة من اليهود، وترك لهم نسخة من أنجيل متى، وجدها عندهم بنتينوس مدير مدرسة الاسكندرية اللاهوتية حينما زار تلك البلاد فى القرن الثانى الميلادى. وقد انتشرت المسيحية فى تلك البلاد، ولا سيما فى نجران وظفار ومآرب وحضرموت. بل أصبحت مركز إيبارشية فى أوائل القرن السادس. وكان الحميريون المسيحيون على العقيدة الارثوذكسية.

اضطهاد المسيحيين الحميريين (اليمنيين):

اثار هذا الاضطهاد سنة 523م مسروق أو ذونواس الذى اعتنق الديانة اليهودية وارتقى الى منصب الملك وفتك ببضعة آلاف من المسيحيين الآمنين. أما أسلوبه فى تعذيب المسيحيين فيذكره الطبرى المؤرخ المسلم بقوله «خد لهم الاخدود، وحرق بالنار، وقتل بالسيف، ومثل بهم كل مثلة» هذه العبارة المقتضبة، ذكرت مفصلة فى المخطوطات السريانية.

شهداء نجران:

لما تملك ذونواس اليهودى كتب لرؤساء القبائل المسيحيين فى حضرموت وسبأ وحزيه وتيمنه ونجران وغيرها من البلاد الخاضعة لسلطانه أن يحضروا لمدينة دياريدن، وتوجه هو لمدينة ظفار ريثما يجتمعون.

ثم حارب الاحباش (الارثوذكسيين) الذين كانوا فى ظفار واذ رأى انه لن يستطيع هزيمتهم فكر فى خداعهم بأن أرسل لهم كاهنا يهوديا واثنين من المسيحيين اسما. وحملهم رسائل الامان للاحباش انه سيأمنهم على أرواحهم ان سلموا له مدينة ظفار دون حرب واعداص اياهم بارسالهم احياء الى ملك الحبشة. واذ خدعوا بوعده خرجوا اليه، وكان عددهم 300 رجلاً، مع رئيس كهنة الاحباش أبابوت. رحب بهم الملك اليهودى وفرقهم على عضمائه ليقتل كل منهم الحبشى الذى فى حوزته وأجهز على الجميع فى تلك الليلة.

وفى الصباح أرسل رجالا لحرق الاحباش الباقين المعتصمين بكنيسة ظفار. فأحرق الكنيسة ومن فيها وكان بها 200 رجلاً من الاكليروس والعلمانيين. وبعد أن تم له ذلك أعلن الاضطهاد العام على مسيحى اليمن.

أوفد رسلاً مع كهنة اليهود الى جميع البلاد الخاضعة لسلطانه لقتل المسيحيين أينما وجدوا الا اذا انكروا المسيح وتهودوا. كما أمر أن يحرق مع بيته كل من يخفى مسيحيا فضلاً عن مصادرة أمواله.

وكان باكورة من استشهدوا فى حضرموت القس ايليا وأمه وأخوها، والقس توما الذى كان قد بتر ذراعه الايسر بسبب اعترافه بالمسيح.

وأرسل الملك ثلاثة من كبار قواده على رأس كتيبة من الجنود لمحاربة أهل نجران المسيحيين فبارزوهم النجرانيون وطردوهم بقوة السيد المسيح. ثم عاد فجرد حملة أخرى فتعرضت ثانية للهزيمة. ثم قاد الملك بنفسه جيشاً قوامه 120.000 من الجند وحاصر مدينة نجران أياماً كثيرة ولما عجز عن فتحها بالحرب أوفد اليهم كهنة اليهود الذين من طبرية حاملين توراة موسى وكتاب الايمان مختوماً بخاتم الملك اليهودى فحلفوا لهم بالتوراه ولوحى موسى وتابوت العهد واله ابراهيم واسحق واسرائيل بأنه لن ينالهم اذى اذا سلموا المدينة طوعاً وخرجوا اليه.

فوثق النجرانيون بهذه الوعود وخرج اليه ثلثمائة شخص من الاشراف فرحب بهم فى بشاشة وتودد واكد انه سينفذ وعده ولن يضطهد احد بسبب مسيحيته وتناولوا الطعام أمامه، وأمرهم أن يخرجوا اليه فى اليوم التالى ألف شخص. فلما فعلوا فرقهم على قواده خمسين خمسين وامر كل منهم بأن يحتف بالاشخاص الذين يصلون اليه حتى اذا انتهوا من طعامهم اوثقوهم من ايديهم وارجلهم وجردوهم من سلاحهم. واذ اطمئن لتنفيذ خطته ارسل الجنود اليهود للمدينة للقبض على جميع المسيحيين الذين فى المدينة ليريهم عظام الشهداء ال 1300 الذين نكل بهم ومن بينهم عظام مار بولس أول اسقف لمدينة نجران الذى سامه مار فلكسينوس اسقف منبج.

وكان بولس هذا قد استشهد على أيدى يهود طبريه رجما بالحجارة فى ظفار عاصمة بلاد اليمن فقد أدخل اليهود عظام الشهداء للكنيسة وكوموها فى الوسط ثم ادخلوا القسوس والشمامسة والايبذياقونيين والاناغنوسطسيين والنذراء والنذيرات والشبان والشابات وملأوا الكنيسة عن آخرها حتى بلغ عددهم الفين ثم جاءوا بالحطب ووضعوه حول الكنيسة واضرموا فيه النار فاحرقت الكنيسة ومن فيها.

استشهاد نساء نجران:

أما النساء لما شاهدن احتراق الكنيسة والكهنة سارعن قائلات هيا بنا لنتمتع برائحة الكهنة فكن يدخلن النار ويحترقن أما الشمامسة اليشبع أخت مار بولس الاسقف الشهيد التى كان بعض المسيحيين قد أخفوها قسرا اذ علمت باحتراق الكنيسة والكهنة وعظام أخيها بالنار سارعت الى الكنيسة تنادى بصوت عال «ها اننى معك يا أخى أمضى الى المسيح» واندفعت الى فناء الكنيسة فاذ رآها اليهود ظنوا انها لم تحتمل النار فخرجت الى خارج الكنيسة أما هى فأجابت كلا لم اخرج من الداخل بل جئت لأدخل واحترق مع عظام أخى ورفاقه الكهنة، فانى اشتهى أن احترق مع عظام أخى الاسقف فى الكنيسة التى حرقت فيها وكات فى السابعة والاربعين من عمرها.

فقبض عليها اليهود وجاءوا بحبال رفيعة وعكفوا رأسها وركبتيها كالجمل ولفوا عليها الحبال ووضعوا تحتها أوتادا خشبية وفتلوها بشدة حتى انغرزت الحبال فى جسمها وعملوا شبه اكليل من الطين ووضعوه على رأسها مستهزئين قائلين «اقبلى اكليلك يا شماسة ابن النجارين» ثم عملوا الطين شبه قصعة وغلوا زيتاً وسكبوه على رأسها ولما احترق رأسها كله قال لها اليهود «قد يكو بارداً أنغليه ثانية. أما القديسة فاذا تعذر علهيا الكلام من فرط الالم أومأت اليهم وقالت أريد المزيد ثم اخذوها الى خارج المدن وعروها من ثيابها وربطوا حبالاً برجليها وجاءوا بجمل من الابل الصعاب واخذوها الى البرية حيث ربطوا الحبال بالجمل وعلقوا به اجراسا خشبية لتدق فيثور الجمل ثم تركوا الجمل فى البرية فخطفها بحدة وعلى هذه الصورة استشهدت الطوباوية اليشبع الشماسة.

وقد روى الوافدين من نجران أن ثلاثة شبان من عشيرتها تدلوا من سور المدينة فى الليل وترسموا خطى الابل وساروا حتى التاسعة من النهار فوجدوا الطوباوية عند جزع شجرة قديم اتفق أن علقت به الحبال المربوطة برجليها فتوقف الجمل بعد أن التفت الحبال حول عنقه وخنق وهكذا استطاعوا ان يدخلوا جسدها من المبذل (الذى يخرج منه ماء المدينة فى الشتاء) وأخذوا كتانا نقياً وبخوراً وحنوطاً ووضعوها فى حفرته ووضعوا عليها علامة.

الشهيدة تهنه:

هذه اذ سمعت باحتراق الكنيسة أمسكت ابنتها أمه وهى نذيره وذهبنا للكنيسة للاستشهاد واذ رأتهما أمتها حزية سألتها الى أين أنت ذاهبة يا سيدتى فاذ علمت قصدها صاحبتها ودخلن الثلاثة الى الكنيسة فاحترقوا بالنار.

وقد تم احتراق الكنيسة وعظام الشهداء والاسقف مار بولس والكهنة وجميع الشعب فى 15 تشرين الثانى اليوم الذى استشهدت فيه الشماسة اليشبع ورفيقاتها.

استشهاد رئيس قبائل نجران (الحارث بن كعب):

وبعد احتراق الكنيسة أحضر الملك الاعيان والاشراف الذين وقفوا أمامه مكبلين فسألهم لماذا تمردتم ولم تسلموا المدينة واتكلتم على ذلك الساحر المضل ابن الفجور (المسيح له المجد) وعلى هذا الشيخ الحارث ابن كعب الذى صار لكم رئيسا.

ثم قام الملك فنزع ثياب الحارث وأوقفه عرياناً أمام شعبه وقال له الا تخجل من شيخوختك وانت الآن فى خزى عريك اجابه قائلاً: أنا لا أخجل بعرى جسمى لان المسيح الذى اعبده يعلم اننى خير منك باطناً وظاهراً لم يحمل ظهرى أثر للسيف أو الرمح مثله انما ذاك فى صدرى وقد انتصرت بقوة المسيح فى حروب كثيرة وقتلت فى الحرب اخا الجالس عن يمينك وهو ابن عمك.

فقال له الملك: انى اشير عليك ان تكفر بالمسيح والصليب رحمة بشيخوختك والامت اشر ميتة.

اجاب الحارث: تذكر ايمانك باله ابراهيم واسحق واسرائيل وبتوراتك واللوحين وتابوت العهد.

قال الملك: دع هذه جانباً واكفر بالمسيح والصليب.

أجاب الحارث: انى متألم اكثر من جميع المسيحيين رفاقى لانى قلت لهم ولم يسمعوا لى فقد كنت متأهباً لمنازلتك فى الحرب من أجل شعب المسيح فأما قتلتنى أو قتلتك وكنت واثقاً بالمسيح بانى أظفر بك بيد أن رفاقى منعونى فنويت أن اخذ بنى عشيرتى وعبيدى وحدهم وأخرج لمنازلتك فأوصد المسيحيون رفاقى أبواب المدينة ولم يسمحوا لى بالخروج فقلت لهم ان يحتفظوا بالمدينة والا يفتحوا لك الابواب وكنت واثقاً بالمسيح بأن المدينة لن تفتح. ولما أرسلت اليهم كلمة القسم نصحتهم الا يصدقوك.

ولم يسمع رفاقى لى، والآن تعرض على فى شيخوختى أن اكفر بالمسيح. أتريد بعد هذه السن أن أعيش غريباً عن المسيح. أرى انك لم تتكلم كملك ولم تفعل كملك لان الملك لا يكذب، لقد رأيت ملوكا كثيرين ولكننى لم أر ملوكا يكذبون. أما أنا فلى سلطان على نفسى، وبسلطانى هذا لا أكذب أمام المسيح، حاشا لى أن أنكر المسيح الاله الذى آمنت به منذ صباى واعتمدت باسمه بل اسجد لصليبه، وأموت من أجله. حقاً انى مغتبط اذ اهلنى المسيح فى شيخوختى أن أموت من أجله، الآن علمت أنه يحبنى، اذ عشت طويلا فى العالم بنعمته، وقد أكثر لى المسيح فى هذا العالم بنين وأحفادا وعشيرة وبقوته انتصرت فى حروب كثيرة وفى هذا أيضاً سأنتصر بقوة الصليب... الآن علمت حقا انى لن أموت الى الأبد... ثم التفت للمؤمنين الواقفين ورائه وقال أسمعتم فصرخ الشعب وقالوا لقد سمعنا فقال لهم أحق هو قالوا انه حق وعاد يكلمهم أبينكم من يخاف السيف ويكفر بالمسيح اذن فلينفصل من بيننا فصرخ الشعب: حاشا لنا أن نكفر بالمسيح، تشجع ولا تتألم بهذا، أننا جميعا مثلك بل معك نموت من أجل المسيح.

ثم نادى أيها المسيحيون واليهود اسمعوا:

«اذا كفر أحد بالمسيح وعاش مع هذا اليهودى سواء كانت زوجتى أم أحد من ابنائى أو بناتى أم من جنسى وعشيرتى فالكفر به أولى وليست لى شركة معه، ليكن كل ما أملكه للكنيسة التى ستبنى بعدنا فى هذه المدينة واذا عاشت زوجتى أو أحد أبنائى وبناتى بأية وسيلة كانت ولم يكفروا بالمسيح فليكن كل ما أملكه لهم. ولتخصص للكنيسة ثلاث قرى من ملكى تختارها الكنيسة نفسها.

ولما قال الشيخ هذا أمام الشعب التفت الى الملك اليهودى وقال:

حاشا لنا أن نكفر بالمسيح ربنا والهنا.

لا مانع من جهتنا أن نموت من أجل المسيح.

كفرا بكل من يكفر بالمسيح.

كفرا بكل من لا يعترف بأن المسيح هو الاله ابن الاله.

كفرا بكل من لا يعترف بصليب المسيح.

كفرا بك وبكل من يذعن لك ولليهود رفاقك.

ها أننا واقفون أمامك فأفعل بنا مهما شئت أن تفعل.

ها انى اسم نفس وجميع رفاقى كعادتنا بسمة الصليب الحية،.

باسم الآب والابن والروح القدس.

فصرخوا جميعهم آمين فآمين، ثم رسموا على أنفسهم علامة الصليب وقالوا:

«تشجع يا أبانا ولا تجزع ها ان ابراهيم رئيس الآباء ينتظرك وايانا معك» فلما رأى الملك أنه لا سبيل لكفرهم بالمسيح أمر أن يساقوا الى الوادى حيث تحز رؤوسهم وتلقى اسلاؤهم، وفى الوادى بسطوا أيديهم للسماء وصلوا قائلين:

«أيها المسيح الهنا هلم الى معونتنا وقونا وتقبل نفوسنا، ليطب لك دم عبيدك الذى يسفك من اجلك، أهلنا لمشاهدتك، ها اننا قد اعترفنا بك كما علمتنا فاعترف بنا أنت أيضاً أمام أبيك حسب وعدك. وابن هذه الكنيسة التى احرقها اليوم هذا اليهودى.

وبعدما عانقوا بعضهم بسط الشيخ الحارث بن كعب يده وصرخ:

«سلام المسيح الذى أعطى الى اللص فى الصليب ليكن معنا أيها الاخوة».

وجثا الشيخ على ركبتيه وقد أمسك به رفاقه يسندون يديه كموسى فى قمة الجبل فضربه القاتل وحز رأسه وهكذا استشهدوا جميعاً.

استشهد طفل فى الثالثة من عمره:

وكانت أمه خارجة للاستشهاد وكانت ممسكة بيده فلما عاين الطفل الملك جالسا لابسا ثيابا ملكية ترك أمه وجرى فقبل ركبتى الملك واخذ يهش له فقال الملك للطفل: ماذا تريد؟

الطفل

:

أريد أن أموت مع أمى اذ قالت: هلم نمضى ونموت من أجل المسيح لان ملك اليهود أمر أن يموت كل من لا ينكر المسيح.

الملك

:

ومن أين تعرف المسيح؟

الطفل

:

أنا وأمى نراه كل يوم فى الكنيسة واذا جئت الى الكنيسة فساريك اياه.

الملك

:

اتحبنى أم تحب امك؟

الطفل

:

انى احب المسيح أكثر منك لانه خير منك.

الملك

:

ابق عندى فأعطيك جوز لوزا وتينا ومهما طلبت.

الطفل

:

لا والمسيح لا آكل جوز اليهود ولا أمى تأكله

الملك

:

لماذا؟

الطفل

:

لان جوز اليهود هو نجس.

الملك

:

أنا خير لك من المسيح.

الطفل

:

لا وحياة سيدنا لن أكفر بالمسيح ماذا تكون انت؟

الملك

:

أنا أكفر بالمسيح.

الطفل

:

أنت اذن يهودى دعنى أمضى الى أمى قبل أن تموت وتتركنى فيأتى اليهود ويأخذونى دعنى أمضى والا ضربتك وقلت لامى انك كفرت بالمسيح فتضربك هى الاخرى.

الملك

:

ولما اتيت وقبلت ركبتى؟

الطفل

:

لانى ظننت انك الملك المسيحى الذى رأيته فى الكنيسة فلو عرفت انك يهودى لما أتيت اليك.

الملك

:

ابق عندى وستكون لى ابنا.

الطفل

:

لا.. والمسيح لا ابق عندك لان رائحتك كريهة وأن رائحة أمى لاذكى من رائحتك.

فقال الملك للواقفين: تأملوا هذا الاصل الردئ، كيف يتكلم منذ طفولته تبصروا كيف استطاع ذلك الساحر المضل أن يضل حتى الاطفال، فقال احد الوزراء للطفل:

الوزير

:

تعال معى فآخذك الى الملكة فتصير لك أما.

الطفل

:

تبالك.. وحياة سيدنا المسيح ان أمى خير لى من الملكة، لانها تأخذنى الى الكنيسة، أما الملكة فلا تأخذنى الى الكنيسة. ولما رأى الصبى ان الملك لا يدعه، عضه على فخذه وقال له اتركنى ايها اليهودى الشرير، اتركنى لأذهب الى امى أتركنى فها ان أمى تموت وأريد أن أموت معها.

فأخذه الملك وسلمه الى أحد الوزراء قائلاً له: احتفظ به ومتى بلغ أشده فاذا كفر بالمسيح عاش والا مات فحمله خادم ذلك الوزير وهو يبكى وبرفس برجليه وينادى أمه قائلاً:

سيدتى سيدتى هوذا اليهود يأخذوننى، هلمى وخذينى لارافقك الى الكنيسة. وكانت أمه تتطلع اليه فنادته قائلة:

اذهب يا ابنى اننى استودعك المسيح، لا تبك، سآتى اليك، اذهب وانتظرنى فى الكنيسة عند المسيح حتى آتى.

وعندما قالت هذا قبض عليها يهودى بيدها وأدارها والقى بها بين النساء ثم ضربها بكعب الرمح بين ثدييها فسقطت على الارض وماتت.

استشهاد نساء نجران:

ثم قال الملك للنساء:

الملك: لقد عاينتن ان ازواجكن قد قتلوا جميعاً لانهم رفضوا انكار المسيح وجدفوا قائلين ان المسيح اله وابن ادوناى فاشفقن على أنفسكن وبنينكن وبناتكن واكفرن بالمسيح والصليب فتصبحن يهوديات والا متن موتاً.

النساء: ان المسيح هو الاله وابن الرحمن به نؤمن وله نسجد ومن أجله نموت حاشا لنا أن نكفر به أو نعيش بعد أزواجنا لكننا نظيرهم ومعهم نموت من أجل المسيح.

فأمر الملك أن يأخذوهن الى الوادى ليقتلن هناك، فكن يركعن ويزحمن بعضهن بعضاً وكل منهن تريد أن تموت أولاً، أما الملك المنافق فكان يسخر منهن، وهكذا تكللن جميعاً بالسيف يوم الاربعاء 16 من تشرين الثانى سنة 523م.

استشهاد الاماء:

وبعد استشهاد كل النساء بقيت الاماء، حاول الملك أن يردهن عن عبادة المسيح وحدث بينهم الحوار الاتى:

الملك: لقد رأيتن ان اسيادكن وسيداتكن وانسبائكن قد ماتوا شر ميته لانهم أبوا الكفر بالمسيح والصليب فاشفقن أنتن الآن على أنفسكن واسمعن لى فتصبحن شريفات وأزوجكن من رجال أشراف.

الاماء: حاشا لنا أن نكفر بالمسيح وبالصليب وحاشا لنا أن نبقى فى الحياة بعد أسيادنا ورفاقنا أننا لنموتن معهم ومثلهم من أجل المسيح وحاشا لنا أن نزعن لكلامك.

فلما رأى الملك ذلك امر أن يذهبوا بهن الى الوادى وهناك يقتلن فتكللن جميعاً بالسيف.

استشهاد مانحة أمة الشريف الحارث بن كعب:

كانت مانحة شريرة فى حياتها منبوذة من الجميع وكانت جريئة بحيث خافها أسيادها انفسهم بسبب شرها، ولما سمعت عن هذه المذبحة هرولت الى الشارع وانزرت كالرجال وصاحت:

أيها الرجال والنساء المسيحيين «انه لوقت أن توفوا فيه للمسيح ما أنتم مديونين به له، فاخرجوا وموتوا من أجل المسيح كما مات هو من أجلكم، فمن لا يخرج اليوم الى المسيح فليس هو له ومن لا يستجيب اليوم للمسيح فلن يستجاب له غدا فغداً يغلق الباب ولن تدخلوا إليه، انى اعلم أنكم تبغضوننى لا والمسيح لن أكون لكم عدوة منذ اليوم تطلعوا الى وأنظروا فانه ليس حولى شر ولا خلفى» وظلت هكذا حتى مثلت أمام الملك.

فلما رآها اليهود الذين كانوا يعرفونها قالوا للملك هوذا شيطان المسيحيين.

مانحة: لك أقول أيها اليهودى الذابح للمسيحيين قم واذبحنى أنا أيضاً لانى مسيحية؟ اننى أمة الحارث بن كعب الذى قتلته قبل يوم لا تظن انك قد غلبت سيدى بل سيدى هو الذى غلبك. اجل.. انك غلبت لانك كذبت أما سيدى فقد غلب اذ لم يكذب ويكفر بالمسيح. انى أقول لك لو شاء سيدى لمعسك كالذباب.

فأمر الملك بأن يعروها من ثيابها، فقالت للملك:

أنك فعلت هذا لخزيك ولخزى اليهود رفاقك، أما أنا فلا استحى اذ كنت قد أتيت هذا الامر مرات عديدة من تلقاء نفسى لاننى امرأة كما خلقنى الله أما انت اذ تعرضت للحرب مع الاحباش استنجدت بجحشون التاجر الذى انبرى يحلف بدلا منك بالانجيل المقدس انك مسيحى وبهذه الوسيلة نجيت أيها اليهودى من الموت، هكذا عيرت هذه الامة الملك وأمر الملك فجاءوا بثور وحمار ثم ربطوا برجليها حبالا وربطوا الرجل الواحد بالثور والاخرى بالحمار ثم تناول اليهود عصيا وأخذوا يضربون الثور والحمار معا وطافوا بها شوارع المدينة ثلاثا حتى اسلمت روحها بالشهادة من أجل المسيح، ثم جاءوا بها مقابل باب المدينة الشمالى تجاه قصر سيدها الحارث حيث كانت شجرة ضخمة علقوها بها منكسة الرأس حتى المساء وكان اليهود يرشقونها بالحجارة والسهام، وفى المساء أنزلوها عن الشجرة وسحلوها ثم طرحوها فى الوادى.

استشهاد الشريفة روهوم بنت أزمع:

وبعد ثلاثة ايام من مقتل الشريفات والاماء أى يوم الاحد أرسل الملك الى روهوم بنت أزمع زوجة الشريف الحارث بن كعب يقول لها اذا كفرت بالمسيح عشت والا مت فلما سمعت كلماته نزلت الى الشارع صارخة قائلة «اسمعن أيتها النساء النجزانيات المسيحيات رفيقاتى وغيرهن من اليهوديات والوثنيات انكن تعلمن اننى مسيحية وتعرفن جنسى وعشيرتى ومن أنا وأن لى ذهبا وفضة وعبيدا واماء وغلات ولا يعوزنى شئ والآن وقد قتل بعلى من أجل المسيح فاذا شئت أن أصير لرجل لا يعسر على ايجاد رجل وانه عندى اليوم أربعين الف دينار فى خزينتى ما عدا خزينة زوجى وحلى وجواهر وحجارة كريمة رآها بعض منكن فى بيتى، وانتن تعرفن انه ليس للمرأة ايام فرح مثل يوم زفافها ومنذ ذلك الحين تلازمها الضيقات والآلام فحين تلد أولادا تلدهم بالبكاء وحين تحرم من ولادة أولاد تكون فى ضيق وحزن وكذلك حين تدفن أولادها أما أنا فمنذ اليوم سأبقى فى فرح أيام عرسى الاول وهوذا بناتى الثلاث قد زينتهن للمسيح بدلا من زواجهن فانظرن الى انكن ترين وجهى مرتين اى فى زفافى الاول وفى هذا الثانى ايضا فقد دخلت مرفوعة الجبين. أمام جميعكن الى خطيبى الاول والآن ايضاً أذهب مرفوعة الجبين الى المسيح ربى والهى واله بناتى. وها أنا أذهب للمسيح ربى دون أن ادنس بكفر اليهود.

وليكن جمالى وذهبى وفضتى وعبيدى – وامائى وكل مالى شهودا بانى لم أفضل محبتها على الكفر بالمسيح، وحاشا لى أن أكفر بالمسيح الهى الذى آمنت به واعتمدت وعمدت بناتى باسمه وأنا أسجد لصليبه ومن أجله أموت انا وبناتى مثلما مات هو من أجلنا ها انى أترك ذهب الارض للارض...

وليكن دم اخوتى واخواتى الذين قتلوا من أجل المسيح سورا لهذه المدينة. اذا ثبتت مع المسيح ربى. صلين من اجلى. ثم خرجت من المدينة ووقفت أمام الملك وهى تمسك بنتاها بيديها ثم صاحت روهوم للملك: اننى وبناتى مسيحيات ومن أجل المسيح نموت فاقطع رؤوسنا.

الملك: قولى فقط أن المسيح هو انسان وابصقى فى الصليب وامضى الى بيتك النت وبناتك.

أما حفيدة الطوباوية روهوم وكانت فى التاسعة من عمرها اذ سمعت هذا الكلام ملأت فاها بصاقاً وتفلت على الملك وقالت للملك: يعلم المسيح أن جدتى أشرف من أمك وعشيرتى أنبل من عشيرتك الا فليسد فوك أيها اليهودى القاتل ربه.

ثم أمر الملك فألقوا جدتها على الارض ولتخويف جميع المسيحيين ذبحت عليها هذه الفتاة فسال دمها فى فم جدتها ثم ذبحت ابنة الطوباوية واسمها آمهوسال دمها أيضاً فى فم أمها ثم أقامت الملك من على الارض وسألها.

كيف تذوقت دم ابنتيك أجابت أنى تذوقت كقربان طاهر لا عيب فيه فأمر فحز رأسها فى الحال وقد نالت اكليل الشهادة وابنتها وابنة ابنها يوم الاحد 20 تشرين الثانى.

استشهاد عربى:

وفى يوم الأحد 20 تشرين الثانى 423م حفر اليهود حفره فى الارض ووضعوا فيها رجلا اسمه عربى بن دويل من عشيرة دو ولما أبى أن ينكر المسيح طمروه بالتراب حتى صدره وأخذ اليهود يرشقونه بالسهام فى كل الاتجاهات حتى ملأوا صدره ووجهه وظهره. وهو يعلن تمسكه بالمسيح الى أن أسلم الروح.

استشهاد ثلاث نساء نجرانيات:

وفى يوم الاثنين 21 تشرين الثانى 523م استشهدت حبصه ابنة حيان ابن حيان الكبير الذى نشر المسيحية فى بلاد نجران ومن أمر هذه الطوباوية انها اذ علمت بما حدث للنساء النجرانيات بواسطة اليهود الصالبين من أجل اعلانهن الايمان بالمسيح. حزنت جدا اذ أنها لم تكن معهن وتضرعت الى ربنا يسوع المسيح ان يجعلها أهلا لتكون واحدة من هؤلاء الذين أحبوه واستشهدوا من أجل اسمه. وفى اليوم التالى لشهادة النساء النجرانيات قامت الطوباوية حبصه وأخذت صليبها النحاس الصغير وخاطته فوق مفرقها (رداء للرأس عند الاعرابيات) ونزلت الى الشارع وأخذت تصيح أنها مسيحية. ثم تبعتها امرأتان شريفتان عجوز وشابة اسم كل منهما حيه كما اجتمع حولهن كثيرون من أهل نجران رجالا ونساء.

فتطلعت اليهن حبصه ورأت جارا لها كان يهوديا فنادته قائلة: «أيها اليهودى الصالب، انتم تكفرون بالمسيح وتقولون انه ليس الها لكنى آمنت بسيدى يسوع المسيح ربا والها وارجو ان تبلغ مسروق ملكك الصالب ربه».

واذ بلغ الملك ما قالته استدعاها واذ سألها عن ايمانها أجابته «أنا ابنة الشريف حيان الذى نشر المسيحية فى بلادنا» فقال لها الملك وهل أنت مسيحية مثل أبيك. ام انك تتعقلين وتكفرين بالمسيح وتتهودى مثلنا.

اجابت الطوباوية لنا وطيد الأمل فى عدل يسوع المسيح ربنا والهنا انه سيقضى على سلطانك عاجلا ويذل كبريائك ويستأصل مجامعكم من بلادنا وتبنى فيها كنائس مقدسة فتزدهر المسيحية ويعلو الصليب.

فتميز الملك اليهودى غي وأمر فالقو صليبا امامه ووضعوا الى جانبه اناء ملئ بالدم وقال لها اجحدى المسيح وابصقى فى هذا الصليب وخذى من هذا الدم وقولى: ان المسيح انسان مات مثل جميع الناس، وتهودى مثلنا فأزوجك رجلا شريفا واسامحك عن كل ما نطقت به.

قالت حبصه: ليستد فمك يا من جدف على خالقه لا يكون لك وارث ليشتم خالقه، أيها الصالب ربه. هل تظن بأعمالك هذه أنك تستطيع أن تفنى المسيحية فى بلادنا. اسمع انى أعلن أن المسيح ليس انساناً لكن هل الاله المتأنس أنى أسجد له وأشكره من أجل كل احساناته لى انى أؤمن أنه الله خالق كل البرية وانى احتمى بصليبه وأعلم انى لا أهتم بعذاب، فهات ما عندك ونظرت الى رفيقتيها فأمنا على كلامها.

فأمر مشروق الملك اليهودى أن تربط سيقانهن بأفخاذهن وربطت أجسادهن بالحبال حتى سمع صوت عظامهن التى كانت تتخلع. ثم رفعوا الصليب الذى كان على رأس حبصه وقال لها الملك اليهودى الاثيم:

هل ظننت أن هذا الصليب سيخلصك من يدى ولطمهن على وجوههن بكل عنف وشدة وصاروا يضربون على افواههن حتى تعذر عليهن الكلام. واذ لم تستطع العجوز أن تقاوم طويلا سقطت ميتة.

ثم اتى بالشريفتين حبصه وحيه وجلدهن على ظهورهن ثم أتوا بجملين ربطوا كل منهما بحبل وأطلقوهما فى البرية فسار الجملان نحو اثنتى عشر ميلا وقد انقطعت الحبال وظلت الاجساد ملقاه فى البرية بعد أن فارقتا الحياة.

ولم يكتف مسروق عدو الحق بهذا فقد صمم ألا يترك فى نجران امرأة مسيحية الا وقتلها فأمر قائده ذايزن أن يدخل نجران ويجمعهن اليه وتمكن من جمع نحو مائة واثنين وعشرين سيدة استشهدن جميعا بعد اعترافهن بالسيد المسيح.

تعداد شهداء هذا الاضطهاد:

ذكر الطبرى المؤرخ الاسلامى نقلا عن ابن اسحق أن ذانواس قتل من أهل حمير وقبائل اليمن المسيحيين ما يقرب من عشرين الفا ولكن الوثائق السريانية التى سجلت هذا الاضطهاد تقول ان عدد الشهداء بلغ 4000 نفس من الاكليروس والعلمانيون والشبان والشابات والرجال والنساء والاطفال وهؤلاء الشهداء هم الذين عناهم القرآن بأنهم أصحاب الاخدود وجاء ذكرهم فى سورة البروج وقد سماهم مؤمنين وقد نم مار يوحنا بسلطون رئيس دير قنسرين (600م) نظم نشيدا كنسيا «فى الشهداء الحميريين القديسيين الذين استشهدوا فى نجران جنوب بلاد العرب حيث كان مسروق اليهودى ملك العرب يضطهد مسيحيى تلك البلاد ويضيق عليهم ليكفروا بالمسيح وفيما يلى النشيد الكنسى الذى كتبه:

«ليقل مخلصوا الرب انك عظيم وصانع العجائب من يقدر أن يصف عجائبك أيها المسيح الاله فها ان بلد الحميرين اذ اتقدت بمخافتك تطلع فاقتدى بايمان القبدوقيين لان سبسطية فى جهاد واحد فى بحيرة الماء أثناء البرد القارس كملت بالشهادة أربعين شخصاً، ونجران اقتدت بها وفاقتها خمسة أضعاف وأنجبت لنا أكثر من مئتى مجاهد تشرفوا فى الاستشهاد كان أولهم المعلم الحارث فبصلواتهم امنع يا رب الشكوك والعثرات من الكنيسة وادحض جميع الهرطقات وثبتنا فى الايمان بلك واحصنا بين مختاريك ونجنا يا ربنا يا لطيفا بالعباد».

وهذا نذر يسير مما نقله الاشراف المؤمنون القادمون من نجران اما هذه فقد كتبت لتسبيح الثالوث الاقدس والى تشجيع المؤمنين وتثبيتهم ابان الشدة فقد صار البرابره قريبون للمسيح وزهدوا فى ذهبهم وفضتهم وكل مالهم واذ رأينا النساء يسارعن للاستشهاد بشجاعة منقطعة النظير من أجل المسيح فبالاحرى يجب علينا أن نترك مقتنياتنا متطلعين للأبدية لان الاشياء التى ترى وقتية أما التى لا ترى فأبدية لتنقل الى بلاد المؤمنين الارثوذكسيين.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

›

الباب الثانى: روما الإمبراطورية الوثنية

‹

اضطهاد اليهَوُدية للَمَسيحَة

المحتويات
المحتويات