هذا الفصل هو جزء من كتاب: الاستشهاد فى المسيحية – الانبا يؤانس الغربية .
جدول المحتويات
- لمسة وفاء لمثلث الرحمات السراج المنير والبستان المثمر نيافة الأنبا يوأنس
- تصدير
- مقدم الطبعة الثانية
- من هو المسيحى؟
- مفهوم جديد للألم
- اضطهاد اليهَوُدية للَمَسيحَة
- الباب الأول: اضطهاد اليهودية للمسيحيين
- الباب الثانى: روما الإمبراطورية الوثنية
- الباب الثالث: مع الشهداء الأبطال
- الباب الرابع: مع الكنيسة الساهرة
الباب الثانى: روما الإمبراطورية الوثنية
أثر الديانة الوثنية على العقلية الرومانية.
اليهودية فى روما.
وصول المسيحية الى روما.
أسباب اضطهاد الدولة للمسيحيين.
المسيحى فى الدولة فى عصور الاضطهاد.
حلقات الاضطهاد العشرة.
مراسيم التسامح الدينى.
تمهيد
دخلت المسيحية الناشئة مع الوثنية العجوز العاتية فى صراع طويل مرير قرابة ثلاثة قرون من الزمان. ونعنى بالوثنية هنا الامبراطورية الرومانية التى كانت أكبر دولة منظمة واكبر قوة عسكرية وقتئذ، وشملت ممتلكاتها الشاسعة معظم العالم القديم المعروف.
كانت الوثنية هى العدو الاكبر الذى تصدى للمسيحية، وقاومها مقاومة المستميت، وحاربها حرب الابادة، حرب الحياة أو الموت. ولا يسجل التاريخ صداما أقوى وأطول وأكثر وحشية من ذلك الصراع الذى احتدم بين روما الامبراطورية الوثنية بآلهتها وأباطرتها وجحافلها، وبين المسيحية التى ظهرت على مسرح العالم بلا سند من قوة زمنية، وبلا سلاح حربى، اللهم الا ترس الايمان، ودرع البر، وخوذة الخلاص، وسيف الروح... (أف 6).
كانت المعركة تبدو غير متكافئة... معركة السيف مع الصليب، والقوة المادية مع المثاليات الادبية الروحية... ويستتر خلف هذه المعارك المنظورة، قوات العالم غير المنظور – الله فى ناحية وسلطان الظلمة وجنوده فى ناحية أخرى... كانت معركة حياة أو موت لأى من الطرفين... كان التراخى أمرا يستحيل تحقيقه... وكان لابد لطرف أن يخضع للطرف الآخر وهكذا ظلت هذه الحرب قائمة حتى أوائل القرن الرابع المسيحى حين اندحرت الوثنية – ممثلة فى الدولة الرومانية - نهائيا، وارتفع الصليب.
لقد بدأت سلسلة هذ الحروب فى روما ذاتها تحت قيادة نيرون، وانتهت عند قنطرة ملفيا، على بعد ميل واحد من روما، على يد قسطنطين. كان القصد من تلك السلسلة الطويلة من الحروب. ابادة المسيحية وملاشاتها، لكنها - على العكس – كانت سببا فى تنقيتها واظهار فضائلها، ونماذج من بطولة أتباعها، الأمر الذى أدى الى انتشارها أكثر، بدخول كثيرين من الوثنيين فى الايمان المسيحى. وقد عبر عن ذلك العلامة ترتليانوس – وهو الذى عاصر الاضطهادات دون ان يرى نهايتها – بقوله «دماء الشهداء بذار الكنيسة».
أثر الديانة الوثنية على العقلية الرومانية
لا يمكن فهم موضوع تحدى الامبراطورية الرومانية الوثنية الضاربة فى القدم، للديانة المسيحية الناشئة ابان ظهورها وفى طور طفولتها، ما لم نفهم نفسية الانسان الرومانى من جهة الدين والالهة التى كان يتعبد لها وأثرها فى حياته.
ان موضوع الاستشهاد فى المسيحية على يد الدولة الوثنية يبدو غريباً. وغالباً ما تصور سير الشهداء أن سبب استشهادهم هو رفضهم السجود لتمثال الامبراطور أو الاشتراك فى فى التبخير للآلهة... الخ. لكن هذه الاشارة وحدها غير كافية لفهم هذه القضية، اذ أنها تقدم لنا صور ساذجة لتصرفات دولة عظيمة وأباطرة عظام!! وخير ما يعيننا على فهمها كما قلنا – هو الوقوف على التأثيرات النفسية للديانة الوثنية على الانسان الرومانى القديم. هذا هو رأى العلامة فوستيل دى كولانج فى كتابه «المدينة العتيقة» دراسة لعبادة الاغريق والرومان وشرعهم وأنظمتهم[10]. وهو يعتبر حجة فى هذا الموضوع – يقول:
«تأمل أنظمة الأقدمين دون أن تفكر فى معتقداتهم تجدها غامضة، شاذة غريبة، لا تفسر... ولكن بوضع المعتقدات قبالة هذه الانظمة وهذه القوانين فسرعان ما تصبح الوقائع أكثر جلاء، ويعرض تفسيرها من تلقاء نفسه». [11] والآن نعرض لأثر الدين على الرومان فى مختلف نواحى حياتهم:
فى الحياة الخاصة:
كان الدين هو كل شئ فى حياة الانسان القديم، كما كان هو المحرك الأول والاخير له فى حياته وكل تصرفاته. يقول: Fustel de Coulanges «كان الدين يتدخل فى كل علاقة وحركة فى حياة الانسان الوثنى وأسرته وحياته العامة. حينما يولد الانسان، وحينما يتزو، وحينما يموت، يجب عليه أن يستعطف الآلهة ويسترضيهم لئلا يؤذونه، أو فى القليل لا يسببون له حزنا. فى زوايا الشوارع، وعند أبواب البيوت، فى الصالات، وحجرات النوم، بل وفى كل مكان كانت العين تصطدم بصور الآلهة الوثنية. ويتبع ذلك الاحتفالات وما فيها من تقدمات دينية للآلهة... »[12].
فى الحياة العامة:
«... لم يكن هناك عمل واحد من أعمال الحياة العامة لا يدخلون الآلهة فيه. وحيث أنه كانت تتسلط على الانسان فكرة أن الآلهة طورا تكون حماة ممتازة، وطوراً أعداء الداء، فانه لم يكن يجرؤ اطلاقاً على اتيان عمل ما دون أن يكون واثقا من أنهم (الآلهة) راضون عنه».
فى حياة الزارع:
«كان كل عمل فى حياة الزارع مصحوباً بالقرابين. وكانوا يقومون بالأعمال وهم يرتلون الاناشيد المقدسة. ففى روما كان الكهنة يعينون كل عام اليوم الذى يجب أن يبدأ فيه قطف العنب، واليوم الذى يستطيعون فيه أن يشربوا الخمر الجديدة. كانت الديانة تنظم كل شئ والديانة هى التى تأمر بتشذيب الكروم»[13]...
جلسات مجلس الشيوخ:
«لم يكن الشعب يجتمع فى المجامع الا فى الايام التى تسمح له الديانة فيها بذلك... وفى روما كان لابد قبل دخول جلسة مجلس الشيوخ من تأكيد المستخيرين أن الآلهة راضية. وكان المجمع يبدأ بصلاة يتلوها المستخير ويكررها القنصل بعده... وفى روما كان المكان الذى يجتمع فيه مجلس الشيوخ هو أحد المعابد دائماً. واذا عقدت جلسة فى مكان آخر غير مقدس فان القرارات التى تتخذ يلحقها البطلان. اذ أن الآلهة لم يكونوا حاضرين فيها. وقبل كل مداولة يقدم الرئيس قربانا ويتلو دعاء. وكان فى القاعة مذبح يريق عليه كل شيخ السكائب عند دخوله ويدعو للآلهة... »[14].
فى القضاء
« وكانوا لا يجلسون فى المدينة، فى روما كما فى أثينا، الا فى الايام التى تبين الديانة أنها من أيام القبول... »[15].
فى الحرب:
« وكان للديانة من السيطرة فى الحرب بقدر ما كان لها فى السليم على الاقل، وكانت فى البلدان الايطالية فرق من الكهنة تسمى «فسيالس feciales» ترأس جميع الاحتفالات المقدسة الناتجة عن العلاقات الدولية وكان الفسيالس feciales يعلن الحرب وهو يتلو صيغة مقدسة بعد أن يكون قد غطى رأسه بقناع من الصوف، طبقاً للشعائر، واستشهد بالاله.. وفى نفس الوقت يقدم القنصل قربانا وهو مرتد الملابس الكهنوتية. ويفتح فى احتفال معبد أقدم معبود فى ايطاليا واكثرهم تبجيلا: معبد جانوس. وقبل القيام بحمله يجتمع الجيش ويتلو القائد أدعيته ويقدم قربانا... وكان الجيش أثناء المعركة يمثل صورة للمدينة، وكانت ديانتها تلاحقه... يحملون معهم تماثيل معبوداتهم. وكان كل جيش يحمل معه موقدا ويغذى ناره المقدسة ليل نهار. وكان يرافق الجيش الرومانى الكهنة والمستخيرون... وكانوا يقدمون قربانا بعد كل انتصار. وذلك هو الاصل فى موكب النصر المعروف جيدا لدى الرومان. وهذه العادة هى نتيجة الرأى الذى كان ينسب النصر لآلهة المدينة... »[16].
فى كل شئ:
وهكذا كانت الديانة تتدخل فى كل الأعمال، فى زمن السلم وفى زمن الحرب كانت حاضرة على الدوام، محيطة بالانسان. فكان كل شئ تحت سيطرة ديانة المدينة. الروح، والجسد، الحياة الخاصة، والحياة العامة، الأكلات، والاعياد، والمجامع، والمحاكم، والقتال. كانت تنظم كل أعمال الانسان، وتتصرف فى جميع لحظات حياته، وتعين كل عاداته. كانت تحكم الكائن البشرى بسلطان مطلق بلغ من أمره أنه لم يبق أى شئ خارجا عنها. [17].
وحسنا قال المؤرخ الكبير شاف Schaff «كانت العبادة الوثنية تتداخل فى كل مرافق الدولة الرومانية، كخيوط النسيج الواحد المغزولة معا. بل لقد جعلت من الدين أداة لسياستها»[18].
وهكذا نفهم السر فى مقاومة الدولة الرومانية الوثنية – من أباطرة وحكام وشعب وكهنة – للمسيحية والمسيحيين. لم تكن المسألة أذن مسألة رفض المسيحيين السجود للآلهة أو التقريب لها... الخ. لكن المسألة كانت أعمق من ذلك بكثير. فقد كان الرومان يعتقدون أن أمنهم ورفاهيتهم، وحياتهم، وكل شئ متعلق بالهتهم، وأن هؤلاء المسيحيين انما هم أعداء للآلهة... لذلك فحينما كانت تحل الكوارث والنكبات فى الدولة – سواء فى الحروب والمعارك أو بسبب الكوارث الطبيعية كفيضانات الانهار أو الزلازل والبراكين أو الاوبئة والمجاعات أو القحط والجدب بسبب قلة الأمطار – كانت ترتفع اصوات جميع الوثنيين على السواء: هذا بسبب أعداء الآلهة... وأن الآلهة غير راضية عن الدولة لتركها هؤلاء المسيحيين وشانهم.
اليهودية فى روما
من الملائم أن نعرف شيئاً عن المسيحية والانسان المسيحى فى روما باعتبارها قلب تلك الدولة الجبارة، بل ومركز العالم القديم كله، ومنها نبع سيل الاضطهاد الذى منى به جميع المسيحيين فى أنحاء الامبراطورية. وحيث أن أولى المشكلات التى واجهت المسيحية فى روما فى بادئ الأمر هى اعتبارها شيعة يهودية، حاق بها كل ما حاق باليهودية، لذا يحسن أن نعرف شيئاً عن موقف روما من اليهود.
على الرغم من أن اليهودية كانت ديانة مسموح بها فى الامبراطورية الرومانية كاحدى الديانات القديمة[19]، لكنها كانت موضع دهشة وسخرية معاصريها من النقاد والمؤرخين، بما لها من عادات وأنظمة وطقوس خاصة كالختان وحفظ السبت، والامتناع عن أكل لحم الخنزير ولحم الذبائح المضحى بها للآلهة الوثنية. فما كان مقدساً للوثنيين كان نجسا لليهود. وفوق ذلك فقد كانوا معتبرين كأعداء للجنس البشرى.
لكن ذلك لم يمنع اليهود من أن يكون لهم أصدقاء من بين الرومان، يقدرون اجتهادهم ومثابرتهم وايمانهم فى الههم، الامر الذى كان له تأثير عميق على بعض المفكرين وخاصة النساء. لذا لا نعجب ان علمنا أنه كان يوجد عدد لا بأس به من الرومان المتهودين فى روما. ويشهد يوسيفوس المؤرخ اليهودى من القرن الاول المسيحى، أن بعض الرومان امتنعوا عن كل عمل يوم السبت، وصاموا وصلوا ودرسوا الشريعة الموسوية، وأرسلوا تقدمات الى الهيكل فى أورشليم. حتى أن الفيلسوف الوثنى سينكا Seneca فى القرن الاول المسيحى، وكان يمقت اليهود، قال عنهم فى حسرة «لقد قدم هذا الشعب المقهور تشريعات لقاهريهم».
فعلى الرغم من أن غالبيتهم كانوا أحفاد عبيد وأسرى القياصرة بومبى pompey وكاسيوس Cassius، وأنطونيوس، فقد جمع كثير منهم ثروات طائلة عن طريق الاشتغال بالتجارة، والشئون المصرفية، أو الطب، أو التنجيم.
هذا، وقد طرد اليهود مرتين من روما تحت حكم طيبريوس وكلوديوس. ويؤيد ذلك كاتب سفر أعمال الرسل (أع 18: 2). لكنهم سرعان ما عادوا اليها. ولما وصل بولس اليها دعا وجوه اليهود الى اجتماع لكى يظهر لهم نواياه الطيبة ويبشرهم بالانجيل. لكنهم جادلوه بتحفظ ومكر، وأظهروا أنهم لا يعرفون شيئاً عن المسيحية سوى أنها مذهب يقاوم فى كل مكان. وكانت سياستهم أن يتجاهلوها بقدر امكانهم. ومع ذلك حضر عدد كبير لسماع بولس فى يوم محدد، وآمن البعض، لكن الغالبية لم تؤمن[20] (أع 28: 17 - 29).
وصول المسيحية الى روما
لا نعرف على وجه التحديد متى دخلت المسيحية روما. ليس ما يمنع أن تكون بشرى الخلاص قد وصلت اليها عقب مولد الكنيسة فى يوم الخمسين مباشرة عن طريق الذين شهدوه وكان بينهم رومانيون مستوطنون يهود ودخلاء (أع 2: 10). وبولس الرسول يحيى بين الاخوة الذين فى روما بعض أنسبائه الذين تنصروا قبله – أى قبل سنة 36 أو 37م – (أنظر رو 16: 7). وكثير من أسماء الاخوة الرومان الذين بعث اليهم بولس تحياته فى (رو 16)، وجدت مدونة بين أسماء الرجال الذين أعتقلتهم الأمبراطورية ليفيا Livia فى مقبرة اليهود على طريق أبى Appian Way بروما. هذا، ولا يستبعد – فى وسط الحماس البالغ للمسيحية فى فجر ظهورها – أن يكون قد حضر روما – عاصمة الامم وقتئذ – مسيحيون من فلسطين وسوريا وآسيا الصغرى وبلاد اليونان لاسباب مختلفة، أما كزائرين أو مستوطنين. وهؤلاء حملوا اليها بشرى الخلاص قبل وصول بولس الرسول.
أول أثر تاريخى للمسيحية فى روما – فى غير الكتب المقدسة – نجده فى كلمة عابرة دونها المؤرخ الوثنى سيوتونيوس Suetonius. قال ان الامبراطور كلوديوس – حوالى سنة 52م – طرد اليهود من روما بسبب ميلهم للتمرد على السلطة الحاكمة وفتنتهم بتحريض CHRESTUS. [21] ولقد أشار القديس لوقا كاتب سفر الأعمال الى هذا الحادث (أع 18: 2). ومن المحتمل جداً أن تكون هذه الفتنة سببها المجادلات بخصوص شخص المسيح بين اليهود والمسيحيين، الذين كانوا ينظر اليهم كشيعة يهودية مستحدثة. [22].
يضاف الى ذلك أن التبشير بالمسيح كملك اسرائيل الحقيقى، لابد وانه أثار فتنة كبيرة بين اليهود. بل أن بعض اليهود الماكرين اتخذوا من ذلك مادة للوشاية والشكاية لدى السلطات الحاكمة ضد المسيحيين (أنظر أع 17: 7، 8). وكان الحكام الوثنيون – لجهلهم بالامر – يستنتجون أن المسيح مدع سياسى. ومطالب بعرش أرضى، فى الوقت الذى رفض فيه اليهود مسيا الحقيقى وتطلعوا الى آخر حسب تصورهم، يحررهم سياسيا من الاستعمار الرومانى، ويعيد دولة داود الدينية فى أورشليم. وقد حدا ذلك بالامبراطورية دومتيان (81 – 96) أن يرغب فى ابادة ذرية داود الاحياء. فأرسل وأحضر من فلسطين الى روما اثنين من أقارب الرب يسوع بالجسد، وهما حفيد يهوذا المدعو «أخا الرب»، لكن ما أن اطلع على فقرهما وبساطتهما، وسمع منهما عن معنى ملك المسيح، وأنه ليس ملكا أرضياً عالميا، بل سماويا حتى أخلى سبيلهما[23].
ومن بين الذين طردوا من روما بسبب منشور كلوديوس، أكيلا وبريسكلا صديقا بولس ومضيفاه، اللذان يحتمل أن يكونا قد تنصرا قبل لقائهما مع بولس فى كورنثوس (اع 18: 2، رو 16: 3).
لكن سرعان ما عاد الى روما اليهود، وكذلك اليهود المتنصرون تحيط بهم سحب من الشبهات، والى هذه الحقيقة يشير المؤرخ الوثنى المعاصر تاسيتوس Tacitus فيقول أن الخرافة المسيحية التى أخمدت لزمان (يقصد بواسطة مرسوم كلوديوس)، عادت الى الظهور ثانية تحت حكم نيرون (54 – 68م).
فى أوائل حكم نيرون، كان المسيحيون فى روما يؤلفون جماعة معروفة فى كل العالم المسيحى، لهم عدد لا بأس به من المعلمين وأماكن متعددة لاجتماعاتهم[24] وشهد القديس بولس بذلك حينما قال عنهم فى رسالته اليهم ان ايمانهم ينادى به فى كل العالم، وأن طاعتهم ذاعت الى الجميع[25].
من أجل هذا، ولما لمدينة روما من أهمية فى العالم وقتئذ، أنفذ اليها بولس رسالة من كورنثوس تعتبر أهم رسالة عقيدية له، وذلك تمهيدا لزيارته. وليس أدل على ذلك من أن بولس فى رحلته الى روما سنة 61م، وجد مسيحيين فى بوطيولى، الذين طلبوا اليه أن يمكث عندهم سبعة أيام. وعلى بعد ثلاثين او أربعين ميلا من روما عند فورن أبيوس والثلاثة الحوانيت، استقبله أخوة رومانيون كانوا فى لهفة أن يروا كاتب الرسالة العجيبة. [26].
أسباب اضطهاد الدولة للمسيحيين
تمهيد
يمكن القول تجاوزا أن السياسة التى كانت تتبعها الدولة ازاء الديانات الاخرى هى التسامح الى حد ما.. كانت سياسة ضابطة لكنها ليست مانعة، كانت حرية الفكر لا يتعرض لها رقيب. وكانت الدولة تسمح للشعوب المغلوبة بالتعبد وفق ديانتها الخاصة، طالما لا تتدخل فى مصالح الدولة، ولا تتعارض معها. لكن علينا أن نعرف أن مجلس الشيوخ الرومانى وبعض الاباطرة، قد سمحوا بذلك، ليس احتراما لحرية العبادة، بل السياسة هى التى أملت عليهم ذلك. كانت الدولة تمنع الاشخاص الذين يدينون بديانتها من الانضمام الى ديانات أخرى غير دياناتها. ولذلك فقد صدرت قوانين مشددة قاسية من وقت لآخر ضد اعتناق اليهودية[27].
وكانت اليهود يتمتعون بحماية خاصة منذ عهد يوليوس قيصر... وطالما كانت المسيحية معتبرة فى نظر الرومان أنها شيعة يهودية، فقد نالت نصيبها من الكراهية والاحتقار، لكنها منحت الحماية القانونية لتلك الديانة القديمة. ولا شك أن هذا كان تدبيراً لهياً، اذ استطاعت أن تجد طريقها الى المدن الرئيسية فى الامبراطورية قبل أن تنشكف حقيقتها. فمثلا استطاع بولس أن يحمل الايمان المسيحى الى أطراف الامبراطورية بحكم كونه مواطنا رومانيا والوالى الرومانى فى كورنثوس رفض أن يتدخل فى نشاطه التبشيرى، على أساس أن المسألة داخلية وتتعلق باليهود ولا تختص بمحكمته (أع 18: 12 - 16).
وقد نظر الرومان الوثنيون – سياسة وكتاب – حتى حكم تراجان (98 – 117) الى المسيحية كخرافة دنيئة لا تستحق أن يلتفت اليها. لكن انتشارها السريع جعل من غير الممكن تجاهلها. وبمجرد أن عرف أنها ديانة جديدة تسعى للانتشار فى العالم اعتبرت ديانة محرمة وغير مصرح بها. وأصبح التعبير المستمر الذى يوجه للمسيحى حسب رواية ترتليانوس «لاحق لك فى الوجود». [28].
ويجب ألا تأخذنا الدهشة لهذا الموقف، لان الدولة الرومانية على الرغم من تسامحها، كانت مرتبطة ارتباطا وثيقا بالعباده الوثنية، كما أوضحنا قبلا. كان الامبراطور هو الكاهن الاعظم Pontilex Moxinus، كما كان يعبد أيضاً. وقد وضع شيشرون Ciciro خطيب الرومان الأشهر ومشرعهم، مبدأ فى التشريع الرومانى، بأن لا يسمح لأحد أن يعبد آلهة غريبة، ما لم يعترف بها بقانون عام[29]. فاذا كان هذا هو رأى شخص مثقف مثل شيشرون، فان هذا يوضح لنا أهمية الديانة الوثنية فى نظر الدولة الرومانية.
اذن لقد كانت هناك عقبات، لا يمكن معها أن تتسامح الدولة مع المسيحية نجملها فيما يلى:
1 - المسيحية أتت بمفاهيم دينية جديدة عما درج عليه العالم القديم:
جاءت المسيحية بمفاهيم دينية جديدة عما الفه الناس فى العالم القديم. فبدلا من أن تكون الديانة مجرد مجموعة من العبادات يكررونها دون أن يروا فيها أى معنى، وسلسلة من الصيغ غير المفهومة فى غالب الاحوال لتقادم لغتها، أصبحت الديانة مجموعة تعاليم مفهومة وموضوعا عظيماً معروضاً للإيمان. لم تعد ديانة خارجية، بل استقرت على الاخص فى فكر الانسان. لم تعد مادة، بل أصبحت روحاً.
لقد غيرت المسيحية طبيعة العبادة وشكلها. لم يعد الانسان يعطى الاله المأكل والمشرب، ولم تعد الصلاة صيغة لعزيمة سحرية، بل أصبحت عملا من أعمال الايمان، والتماسا بتواضع. أصبحت للروح صلة أخرى بالمعبود: حلت محبة الله محل الخوف من المعبود... هذه كلها مفاهيم خارجة عما ألفه الناس ودرجوا عليه فى جميع العبادات الوثنية.
ولم يعد هناك أجانب أو غرباء بالنسبة لاله المسيحيين. لم يعد الاجنبى يدنس المعبد أو ينجس القربان لمجرد حضوره. بل صار اله المسيحيين وهو الها وأبا لكل من يؤمن. لم يعد الكهنوت وراثيا، لان الديانة لم تعد ملكا موروثا، لم تعد العبادة سرا محفوظا، ولم تعد الشعائر والصلوات والتعاليم مخبأة. بل على العكس، أصبح هناك تعليم دينى لم يكن يلقن فحسب بل كان يعرض للجميع، وأكثر من هذا كانت المسيحية تبحث حتى عن أقل الناس اعتبارا.. عن المزدرى وغير الموجود.
وفيما يختص بالشعوب، لم تعد الديانة الجديدة تأمر بالبغضاء. لم تعد تفرض على المواطن أن يبغض الاجنبى، بل على العكس جعلت من جوهرها أن تعلمه أن عليه نحو الاجنبى ونحو العدو واجبات من العطف. وهكذا خفضت المسيحية الحواجز بين الشعوب والاجناس... لم يعد الدين الجديد يفرق بين اليونانى واليهودى، البربرى والسكيثى، العبد والحر، بل علمت الشعوب أنهم انحدروا جميعا من أب واحد وأنه.
«فى كل أمة الذى يتقيه ويصنع البر مقبول عنده» (أع 10: 35)).
2 - المسيحية جاءت كديانة مسكونية:
كانت المعبودات الوثنية معبودات محلية... كان لكل بلد ولكل اقليم معبوده أو معبوداته. وحتى الديانة اليهودية كانت ديانة قومية مقفلة تختص بشعب واحد... ولم تعرف اليهودية نظام التبشير وضم أعضاء جدد لها فى القرن السابق للميلاد.. لكن المسيحية ظهرت – ليست كديانة قومية لاقليم معين أو لجنس خاص، بل كديانة عالمية – للعالم أجمع، للخليقة كلها، قال الرب يسوع.
«اذهبوا الى العالم أجمع واكرزوا بالانجيل للخليقة كلها» (مر 16: 15)).
وبعبارة أخرى فان المسيحية دعت العالم كله أن يتبع الها واحدا هو المسيح ليحكمه حسب ارادته. وبدأ المسيح كالمؤسس لامبراطورية روحية مسكونية، فى فترة كانت فيها الامبراطورية الرومانية فى أقوى فتراتها. فكانت المسيحية بذلك منافساً لا يحتمل للدولة. وهذا ما أثبته التاريخ، فقد أظهر عهد قسطنطين أن التسامح المطلق مع المسيحية، هو الضربة القاضية على ديانة الدولة الوثنية.
3 - المسيحية نادت أنها الديانة الوحيدة الحقة:
نادت المسيحية أنها الديانة الوحيدة الحقة، وجذبت الى الايمان بها من كل جنس وشعب وطبقة وسن... جذبت من اليونان والرومان أعدادا أكبر بما لا يقاس مما استطاعت اليهودية أن تجذبها. ورفضت أن توافق على أى وضع للديانة الوثنية، أو أن تتحالف معها...
4 - المسيحية علمت بفصل الدين عن الدولة:
فما يختص بحكومة الدولة، يمكن القول بأن المسيحية قد بدلتها تبديلا جوهريا. فى العصور القديمة لم تكن الديانة والدولة الا شيئاً واحدا. كان كل شعب يعبد الهه، وكان كل اله يحكم شعبه. كانت للديانة الامرة على الدولة، تعين لها رؤساءها بطريقة القرعة والاستخارات. وكانت الدولة تتدخل بدورها فى نطاق الضمير، وتعاقب كل من خرج على الشعائر، وعلى العبادة.
وبدلا من ذلك علم يسوع المسيح أن سلطانه ليس من هذا العالم، لقد فصل الديانة عن الحكومة. وحيث أن الديانة لم تعد أرضية، فانها لم تعد تختلط بأمور الارض أكثر من الحد الادنى الذى كانت تستطيعه. لقد وضع الرب يسوع المبدأ المعروف «اعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله». وتلك هى أول مرة يميز فيها بين الله والدولة بهذا الوضوح. كان قيصر فى تلك الفترة لا يزال هو الحبر الاعظم Pontifex Maximus، أى رئيس الدولة، والاداة الرئيسية للديانة الرومانية. كان هو حارس العقائد ومفسرها. كانت فى يديه العبادة والعقيدة. وكان شخصه ذاتا مقدسا والهيا، وكانت تقدم له عبادات خاصة.
لقد علمت المسيحية أن الديانة لم تعد هى الدولة، وأن طاعة قيصر لم تعد هى بذاتها طاعة الله. بل أكثر من هذا علمت أنه ينبغى ان يطاع الله أكثر من الناس (أع 5: 21). وفى هذا اصطدام بمبادئ الدولة. وهكذا فان رعايا الدولة المسيحيين رفضوا أن يقدموا طاعة فى الامور التى تتعارض وتعاليم دينهم.
لقد خرج من متناول الدولة نصف الانسان كاملاً. اذ أن المسيحية قد بشرت بأن الانسان لم يعد يتبع المجتمع إلا بجزء منه. ولم يعد ملكاً له الا بجسمه وبمصالحه المادية. وأنه اذا كان رعية لطاغية فعليه الخضوع، وأن كان مواطناً لجمهورية فعليه أن يعطى حياته من أجلها، لكنه حر فيما يختص بروحه وليس ملكا لغير الله[30].
5 - الحماس الشديد للروحانية بالمقارنة مع النشاط الاجتماعى:
رفض المسيحيون أن يشتركوا فى احتفالات وثنية أو عبادة عامة. وكان عدم حماسهم للسياسة وعدم تقديرهم لكل الشئون المدنية والزمنية، بالمقارنة بالاهتمامات الروحية والابدية، والتصاقهم الشديد بعضهم ببعض، واجتماعاتهم المغلقة المستمرة، أثارت حولهم شبهات عدواتهم للقياصرة والشعب الرومانى، وتآمرهم ضد الدولة. وتلك جريمة لا تغتفر.
والواقع أنه فى ظل المسيحية تبدلت الاحساسات والآخلاق كما تبدلت السياسة. لم يعد الواجب الأسمى فى اعطاء الانسان وقته وقواه وحياته للدولة. لم تعد السياسة والحب هى كل شئ للانسان. لم تعد جميع الفضائل محصورة فى الوطنية. لقد شعر الانسان أن عليه التزامات أخرى غير الحياة والموت من أجل الدولة والوطن. فقد ميزت المسيحية بين الفضائل الخاصة والفضائل العامة. خفضت هذه الاخيرة فرفضت الاولى. وضعت الله والذات البشرية فوق الوطن، والغريب فوق المواطن[31].
6 - اتهام المسيحيين بالالحاد وفساد الخلق:
ومن ناحية أخرى فان الشعب الرومانى بأفكاره عن تعدد الآلهة، كره الذين يؤمنون باله واحد، واعتبرهم ملحدين وأعداء للآلهة، ووثقوا فى شائعات الافتراء عن كل الرجاسات حتى الزنا بالمحارم وأكل لحوم البشر التى قيل أن المسيحيين يرتكبونها فى اجتماعاتهم وأعيادهم. واعتبروا الكوارث العامة المتوالية فى ذلك العصر (الزلازل، البراكين، فيضانات الانهار، الاعاصير، القحط، المجاعات والأوبئة... الخ)، كقصاص عادل نتيجة غضب الآلهة لتهاون الرومان فى عبادتها. وقد تميز القرنان الثانى والثالث الميلاديان، بحدوث كوارث طبيعة مستمرة ومتلاحقة فى أنحاء الدولة.
7 - المنتفعون:
كانت الاضطهادات ضد المسيحيين، فى بعض الاحيان والاماكن، يثيرها بعض المنتفعين من كهنة الأوثان والمشعوذين، والصناع والتجار، وغيرهم ممن كانوا يستفيدون من عبادة الأصنام. ومن أمثلة ذلك ديمتريوس الصائغ فى أفسس (أع 19: 24 - 29)، وموالى الجارية التى كان بها روح عرافة فى فيلبى (أع 16: 16 - 24). هؤلاء جميعاً هيجوا الجماهير ضد الديانة الجديدة لتدخلها فيما يمس أرزاقهم... ويتضح ذلك من تقرير كتبه بلينى الصغير Pliny حاكم ولاية بيثينية سنة 100م الى الامبراطور تراجان، أوضح فيه أن الاقبال على التقدمات والقرابين التى تقدم للآلهة قد قل نتيجة ازدياد عدد المسيحيين.
8 - الفلاسفة الوثنيون:
كان معظم فلاسفة العالم وقتذاك ضد المسيحية... كان فلاسفة ذلك الوقت غالباً رجالا بلا دين. كانوا أحكم من أن يعتقدوا فى الآلهة الوثنية القديمة ولكن فى نفس الوقت لم تكن لديهم الحكمة الكافية أن يتعرفوا على الاله الحقيقى. وهكذا وقف المسيحيون ضد فلسفة ذلك العصر وعقله بالاضافة الى قوة القانون...
هكذا تحالفت جميع القوى ضد المسيح وأتباعه، ووقفوا ضد الكنيسة وتمت كلمة النبى «لماذا ارتجت الأمم وفكرت الشعوب فى الباطل.. قام ملوك الأرض وتآمر الرؤساء معا على الرب وعلى مسيحه... » فماذا كانت النتيجة؟ «الساكن فى السموات يضحك. الرب يستهزئ بهم، حينئذ يتكلم عليهم بغضبه ويرجفهم بغيظه. أما أنا فقد مسحت ملكى على صهيون جبل قدسى... » نعم لقد أكمل الرب وعده «اسألنى فأعطيك الامم ميراثا لك. وأقاصى الأرض ملكاً لك» (مز 2).
المسيحى فى الدولة فى عصور الإضطهاد
1 - خطورة وضعه:
كان وضع الانسان المسيحى فى الدولة الرومانية سواء كان حرا أم عبدا محفوفاً بالخطر دائماً. كان من الصعب عليه مهما كان حذرا أن يفلت من أعدائه. فنفس اتجاهاته وحذره وكانت تجلب عليه الاضطهاد. كان امتناعه عن بعض مماسات الحياة الوثنية كفيلا بكشف أمره. وهكذا كان يقف ضد نفسه كل ساعة!!.
والعلامة ترتليانوس – الذى عاش وسط تلك الاضطهادات – فى مقال له عن عبادة الأصنام، يقدم تصويرا أمينا لكل المصاعب التى تقابل عابد الاله الحقيقى وسط المجتمع الرومانى. انه يشرح لنا كيف كانت حياة المسيحى كلها تكتنفها الوثنية من كل ناحية. وكيف كان لزاما على الانسان المؤمن أن يحطم الفخ الحديدى فى كل مرة اذا سلك باستقامة مع الهه.
اذن فقد كانت كل خطوة محفوفة بالمخاطر، كل عمل ينطوى على اعتراف بشجاعة، كل تحول عن العبادات الوثنية كان يسترعى الانتباه ويثير الكراهية بالنسبة للانسان المسيحى سواء كان حرا أم عبدا...
2 - حياته اليومية تكشفه وتعرضه للخطر:
كانت الحياة اليومية نفسها تكشف المسيحى وتعلن عنه حتى لو كان غير مندمج فى المجتمع. ومن أمثلتها الممارسات الوثنية السابقة لايمانه وتوقفه عنها، كالأعياد الوثنية العديدة وامتناعه عن مشاركة مواطنيه فيها. فقد كان من عادة الوثنيين، أن يدعو بعضهم بعضاً للتقدمات للآلهة. وكان الوثنى المتنصر تصله باستمرار مثل هذه الدعوات، لكنه كان مضطرا أن يرفضها بحسب ضميره المسيحى... وهنا يقول ترتليانوس «هل يجوز للمؤمن أن يشترك مع الوثنيين أنفسهم فى أمور من هذا النوع، سواء فى الملبس أو المأكل، أو فى أى مظهر آخر من مظاهر فرحهم؟ ان عبارة فرحاً مع الفرحين وبكاء مع الباكين[32]. قالها الرسول عن الاخوة حينما كان يحثهم على الاتحاد فى الرأى. أما عن أمثال هذه الامور فقد قال: ليست شركة للنور مع الظلمة[33]، بين الحياة والموت، والا فنحن نبطل المكتوب: العالم يفرح ولكن انتم تحزنون[34]. فاذا فرحنا مع العالم، فهناك ما يدعو للخوف أننا نحزن معه أيضاً. ولكن حينما يفرح العالم، فلنحزن نحن، وحينما يحزن العالم فيما بعد، سنفرح نحن».
ولم تقف الخطورة عند حد رفض المسيحى مشاركة أصدقائه القدامى مع الوثنيين فى تقدماتهم.. بل ان مجرد الكلام العادى المتبادل بين الناس، كان مدموغا بالصيغ والأقسام الوثنية المتعلقة بالآلهة.
كان على المسيحى أن يظهر انفصاله عمن حوله فى كل الظروف حتى فى مجال الأحاديث العادية... وكان هذا من غير شك تحديا مستمرا واثارة للوثنيين... ومن هنا نشأت الأخطار المتلاحقة. وكان سيف الموت مسلطا دائماً على رقاب المسيحيين[35].
3 - مشكلات الزواج المختلط:
ولم تكن العلاقات العائلية بمنأى عن الخطر. فالمرأة المسيحية كانت تحتمل الكثير من زواجها، اذا كان ما يزال وثنيا. اذ كيف يمكنها أن تؤدى واجباتها الدينية؟ كيف يمكنها الذهاب فى العشية الى اجتماع العبادة دون اثارة شبهات؟ كيف يمكنها ان تظهر كرم الضيافة الى الغرباء من الاخوة فى الايمان؟ كيف تزور الشهداء فى سجونهم؟ أضف الى هذا أن الزوجة المسيحية كانت تواقة أن تسمو بالرابطة الزوجية وتطهرها بعد أن انحط الزواج بواسطة المنكرات التى كان الوثنيون يأتونها. كانت طهارتها تضايق زوجها الوثنى وتهينه. واذا أرادت الهرب من الفضيحة، فعليها أن تستعد للموت.
ويروى لنا يوستينوس الشهيد فى دفاعه الأول، حادثة حدثت فى أيامه. تكشف لنا كل آلام وأخطار الزواج المختلط[36]. فى ذلك الوقت. امرأة كانت قبل زواجها وثنية، وأرادت بعد ايمانها أن تترك كل عار حياتها السابقة، فحاولت استمالة زوجها الى ما أرادته، لكن الحاحها المستمر لم يفلح. ولما لم تعد تحتمل المعيشة فى هذه العلاقة الدنسة، صممت – بعد أن أقتنعت بعدم جدوى التغيير – أن تنفصل عنه. واذ أرد الانتقام منها، أبلغ عنها أنها مسيحية فزج بها فى السجن[37].
4 - أمتناعه عن بعض الحرف:
كان على المسيحى الا يشتغل بكل فروع الحرف التى لها صلة بعبادة الأصنام مثل صناعة التماثيل الوثنية، وبيع الضحايا والقرابين التى تقدم فى المعابد الوثنية... هذا، وكانت هذه الصناعات هى التى تدر وقتئذ، أرباحاً أوفر من حرف الأخرى... لم يكن هناك أى تردد فى الامر. المهنة التى تتنافى مع المبادئ المسيحية كانت تترك فى الحال. وتركها المفاجئ كان يعرض صاحبها للمحاكمة العامة[38].
5 - خطورة المناصب العامة:
واذا كانت الحياة الخاصة لها أخطارها، فمما لا شك فيه أن الحياة العامة كانت أكثر خطرا. كان ضربا من المستحيل بالنسبة للمسيحى، أن يشغل منصبا عاما، كأن يكون حاكماً أو ضابطا فى الجيش. كان عليه فى مثل هذه الوظائف أن يقسم أقساما وثنية معينة، وأن يقدم بخورا لصورة الامبراطور.
هذا، فضلا عن الطقوس الدينية الكثيرة التى كانوا يمارسونها فى حالة الحرب – قبل بدئها، وأثناء المعارك فى ساحة القتال استجلابا لرضى الآلهة، وفى احتفالات النصر شكرا لمؤازرتها. وفى أثناء الحرب كانت الحياة المشتركة داخل الخيام تشكل مصاعب وخطورة بالنسبة للجندى المسيحى. كان بتصرفاته يجذب كل الأنظار اليه، الامر الذى ليس له معنى آخر سوى الموت. وعبثا كانت أمانته وشجاعته كجندى تشفع له وتنجيه من هذه الأخطار.
وقد أورد يوسابيوس فى تاريخه قصة مارينوس الضابط الذى استشهد فى قيصرية. اذ لما دعى للترقية الى رتبة قائد مائة، تقدم زميل له وطعن فى ترقيته لأنه مسيحى. ولما سئل مارينوس عن ذلك اعترف بكل شجاعة. أعطاه القاضى ثلاث ساعات للتفكير. خرج من ساحة المحكمة وأخذه أسقف المدينة الى الكنيسة وخيره بين السيف والأنجيل. وبدون أى تردد مد مارينوس يده وأخذ الانجيل. فقال له الأسقف، اثبت اذن. وأمام القاضى أظهر غيرة شديدة نحو الايمان، فكان نصيبه الموت[39].
6 - المسيحى وعبادة الامبراطور:
أما عن العبادات التى تقدم للامبراطور، فلم يكن للمسيحى أن يشترك فيها بأى حال من الأحوال. قال ترتليانوس «اعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله - هذه هى وصية الانجيل. ماذا يحق لقيصر بناء على ذلك؟ هذه الكلمات قيلت عن مال الجزية. حينئذ سأل سيدنا أن يقدموا له قطعة من العملة، وسأل عن الصورة التى عليها. ولما أجابوه أن الصورة لقيصر، أردف، أعط أذن ما لقيصر لقيصر وما لله لله. وبعبارة أخرى، ان صورة قيصر هى فوق العملة المالية. لذلك من حقه أن يطالب بالمال. وصورة الله هى فى الانسان والله له على ذويه حق مساو. اعطوا اذن مالكم لقيصر وأنفسكم لله. لأنه لو كان كل شئ لقيصر فماذا سيتبقى لله؟! »[40].
كان القيصر الرومانى يطالب كل واحد من رعاياه، أن يخضع له خضوعا تاما بالفعل والارادة. وأية مقاومة كانت تعتبر عصياناً. ومجرد مناقشة موضوع الوهة الامبراطور وقداسة ذاته، كانت أسوا انواع الكفر. وقصة استشهاد القديس اكاتيوس Acatius تقدم لنا صورة واضحة لمنظر طالما تكرر كثيرا فى وقت الاستشهاد. لقد سأله الحاكم الذى حوكم أمامه هذا الشهيد قائلاً «هل تحب أمراءنا كانسان تعيش بموجب القانون الرومانى؟ » أجاب الشهيد «من ذا الذى يحب الامبراطور بصورة أفضل من المسيحيين؟! اننا نصلى عنه دائماً أن يتمتع بحياة مديدة، وحكم عادل، وسلام فى عهده، وان توفق جيوشه، وأن يوفق فى العالم» قال الحاكم «هذا حسن. ولكن اليس من الأفضل أن تظهر طاعتك للامبراطور وتضحى له معنا اكراما له؟ » أجاب الشهيد «انى اصلى لالهى لأجل الامبراطور. أما تقديم القرابين اكراما له فيجب ألا أقدمها أو أطالب بها. اذ كيف تعطى الكرامات الالهية للانسان؟ » كانت القرابين أقل ما يلزم، والقوانين الرومانية التى استند اليها الحاكم، حتمت على كل الرعية تقديم هذا الولاء[41].
7 - المسيحية أبشع الجرائم:
كانت المسيحية فى نظر الدولة والحكام هى الجريمة الكبرى التى لا يعفى عنها... فى نوفمبر سنة 306 جاء القيصر مكسيمينوس الى قيصرية ليحتفل بعيد ميلاده، ورأى أن يقدم للناس جديدا. ولم يكن ذلك الجديد سوى القاء اثنين من المجرمين للوحوش الجائعة. كان أحدهما مسيحى يدعى أغابيوس (من فريجيا وقبض عليه فى غزه). أما الثانى فكان عبدا قد قتل سيده. وما كادا يقدمان للامبراطور، حتى سارع الى العفو عن المجرم وأطلقه، فامتلأ الملعب بأصوات الهتاف والاستحسان!! أما أغابيوس فبعد أن سار حول المدرج وسط سخرية النظارة، وسئل ما اذا كان يتخلى عن مسيحيته فيتمتع بحريته غير أنه رفض مناديا الجمع بأعلى صوته بأنه يقدم لغير جريمة سوى ايمانه بالاله الواحد العظيم، ولذا فهو يموت مبتهجاً. ثم ألقى لأنثى دب كبيرة مزقته لكنها لم تقض عليه، فألقى فى اليم فى اليوم التالى[42].
8 - المسيحى والدهماء:
نستطيع القول انه فى جميع الاضطهادات التى حلت بالمسيحيين كان للدهماء دور قيادى. وكثيرا ما كانوا هم البادئين باضطهاد المسيحيين وليس الحكام. كانوا يصدرون أوامر استبدادية، ويحصلون على ما يريدون من الحكام، أما لضعفهم، وأما لأن ذلك كان يشبع شهوة الانتقام من المسيحيين ولذا لا نتجاوز الحقيقة أن قلنا أن حكم الامبراطور الرومانى كان هو حكم المستبدين والدهماء.
كان الدهماء فى بعض الأحيان يسيطرون على الموقف، فيمنعون المسيحيين من استخدام الأسواق والحمامات العامة، بل كانوا يحرمون عليهم الظهور فى أى مكان. كما حدث بالنسبة للمسيحيين فى ليون وفينا فى زمان اضطهاد مرقس أوريليوس. [43] وكانوا أحيانا يقتحمون بيوت المسيحيين ويسطون عليها ويسلبونها فيأخذون نفائسها ويحطمون أو يحرقوا أثاثاتها غير الثمينة، كما حدث فى اضطهاد ديسيوس بالاسكندرية فى زمان الباب.
ا ديونيسيوس الاسكندرى[44].
وكثيرا ما كانوا يتعقبونهم الى ساحات القضاء، ويتدخلون فى سير التحقيق. وكانوا بمثابة الهيئة التنفيذية الوحيدة والعليا لادانة المسيحيين. كان لا يهدأ لهم بال حتى تصدر أحكام الموت ضدهم... وحتى بعد الموت كانوا يظهرون تشفيا فى بقايا أجسادهم.
جاء فى قصة استشهاد بوليكربوس أسقف أزمير «ما كاد القاضى يجلس على كرسية حتى ضجت قاعة القضاء بصياح الغضب من الغوغاء وضد البرئ.. وحدث أكثر من مرة أن الدهماء كانوا يرددون عبارة، ويصادق عليها الحاكم... وبعد ذلك رفع الحاضرون أصواتهم باتفاق واحد يطالبون بحرق بوليكربوس حيا. وصدر الحكم بنفس الرغبة، ونفذ بمنتهى السرعة. وللحال شرعت الجماهير فى جمع أخشاب وحطب من الحوانيت والحمامات الى الموضع المعين»... [45].
وفى قصة شهداء ليون وفينا نقرأ عن تدخل الدهماء فى تعذيب وقتل هؤلاء المسيحيين، فى كل مراحل تعذيبهم واستشهادهم. وحتى بعد موتهم، أحرقوا جثثهم وألقوا رمادها فى نهر الرون، حتى يمحوا بذلك أى أثر لهم على الأرض[46].
.حلقات الاضطهاد العشر
اعتاد المؤرخون والكتاب المسيحيون منذ القرن الخامس الميلادى، تقدير الاضطهادات الأولى التى شنتها الوثنية على الكنيسة المسيحية، بعشرة اضطهادات كبيرة تحت حكم الاباطرة:
(1) نيرون |
(2) دومتيان |
(3) تراجان |
|---|---|---|
(4) مرقس أوريليوس |
(5) سبتميوس ساويرس |
(6) مكسيموس |
(7) ديسيوس |
(8) فالريان |
(9) أوريليان |
(10) ديوكلتيانوس (دقلديانوس) |
لكن هذا التقسيم اصطلح عليه، وليس معناه أن الاضطهادات حدثت عشر مرات فقط.. فانها لم تتوقف أبداً. ما تكاد تتوقف فى جهة، حتى تندلع نيرانها من جديد فى جهة أخرى. وحتى أكثر الفترات هدوءاً كان لها شهداؤها.
لقد حاول البعض أن يربط بين ضربات مصر العشر، وهذه الاضطهادات العشرة، باعتبار الأولى رمزا للثانية. وهم فى محاولتهم فسروا العشرة قرون التى للوحش، الوارد ذكرها فى سفر الرؤيا، الذى صنع حرباً مع الخروف، على أنها هذه الحلقات العشر من الاضطهاد.. ذلك الوحش الذى صنع حربا مع الخروف. وكانت تجلس عليه امرأة سكرى من دم القديسين ومن دم شهداء يسوع[47].
والآن نستعرض فى عجالة ما حل بالكنيسة، فى عهد هؤلاء الأباطرة مع التركيز على الاضطهاد الأول والأضطهاد الاخير.
نيرون وحرق رومه واضطهاده للمسيحية
شخصية نيرون:
يعتبر الاضطهاد الذى أثارة نيرون على المسيحيين أول الاضطهادات الامبراطورية، الذى يرتبط به استشهاد عمودين عظيمين من أعمدة الكنيسة، هما الرسولان بطرس وبولس حسب التقليد الكنسى.
يبدأ هذا الاضطهاد سنة 64م، وفى السنة العاشرة لحكم ذلك الطاغية بأمره وتحريضه. وهو نفس الامبراطور الذى تظلم لديه بولس الرسول – كمواطن رومانى – من المحاكمة اليهودية وقال «الى قيصر أنا رافع دعواى»[48]. على أن هذا الاضطهاد لم يكن اضطهادا دينيا خالصاً، كالاضطهادات التى أثارها الأباطرة الذين أتوا بعد نيرون، لكنه بدأ ضمن كارثة عامة أتهم. بها المسيحيون الأبرياء...
كانت السنوات الخمس الأولى من حكم نيرون (54 – 59)، فترة مجيدة بفضل القيادة الحكيمة لمعلمه سينكا Seneca. لكن الفترة الباقية من حكمه حتى سنة 68 كانت شنيعة. اننا نقرأ عن حياته بمشاعر تمتزج فيها السخرية من جنونه، والفزع من شره! كان العالم بالنسبة له رواية هزلية، ومأساة يقوم هو فيها بدور الممثل الأول. كان ذا شهوة جنونية لتهليل الجماهير. كان يضرب على القيثارة، وينشد أغانيه وقت العشاء، ويقود بنفسه عرباته فى السيرك. كان يظهر فوق المسرح كممثل، وكان يرغم رجالا من ذوى المراتب العالية فى الدولة، أن يمثلوا فى تمثيليات الدراما، أو فى أقذر واقبح تمثيليات الخرافات والأساطير الاغريقية وأكثرها فحشاء.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل ان المآسى الواقعية أعقبت المآسى التمثيلية.
فأخذت جرائمه تتراكم الواحدة فوق الأخرى، حتى أصبح مضرب الأمثال فى الشر. قتل أخاه بريتانيكوس Britannicus، وأمه أجربينا Agrippina وزوجته أوكتافيا Octavia وبوبايا Poppaea، وأستاذه ومعلمه سينكا، وعديدا من الشخصيات الرومانية البارزة. وأخيرا ختم هذه المأساة الطويلة بانتحاره وهو فى سن الثانية والثلاثين من عمره. وبموته أنقرضت أسرة يوليوس قيصر، وعدت الامبراطورية مغنما للقادة العسكريين أو المغامرين الناجحين...
ومن ثم، فقد قتل جمهرة المسيحيين الأبرياء بيد هذا الشيطان المتأنس نوع من الرياضة الممتعة بالنسبة له. أما بالنسبة للتاريخ فقد كان حريق روما هو المشهد الجهنمى الذى لم يشهد له مثيلا!! [49].
حريق روما:
بدأ الحريق ليلا، فى ليه 18 / 19 يوليه سنة 64، فى الأكشاك الخشبية فى الطرف الجنوبى الشرقى للسيرك الكبير، قرب تل بلاتين Palatine Hill. وسرعان ما امتدت السنة النيران بواسطة الريح، وظلت تلتهم كل ما يصادفها فى طريقها لمدة ستة أيام وسبع ليال. وذلك بعد أن فشل الجنود ورجال الاطفاء فى أخمادها أو حصرها... ثم ما لبثت أن اندلعت ثانية فى جزء ثان من المدينة قرب ساحة مارس Mars. وفى خلال ثلاثة أيام أخرى دمرت قسمين آخرين من المدينة...
كانت الكارثة فادحة ولا تقدر، اذ لم يسلم من الحريق المدمر سوى أربعة أقسام من الأربعة عشر قسما، التى كانت تنقسم اليها المدينة العظيمة وأتى الحريق على كثير من الآثار والابنية والمعابد التى ترجع الى عصور الملكية والجمهورية والامبراطورية. وتحولت اثمن آثار الفن الاغريقى – التى ظلت تجمع لعدة قرون من الزمان – الى تراب ورماد. كما التهمت السنة النيران كثيرا من الناس والبهائم... وهكذا تحولت المدينة الأولى فى العالم الى جبانة عظيمة تضم مليونا من النائحين ينوحون الخسارات التى لا تعوض[50]...
من هو الفاعل؟
أما أسباب هذا الحريق الجبار، فلم يعط التاريخ فيها حكما قاطعاً. لكن كل الشائعات التى ترددت والشهادات وكتابات المؤرخين القدامى تشير بأصبعها إلى نيرون على أنه الفاعل، وانه أراد أن يستمتع بمنظر طروادة أخرى تحترق، ويشبع طموحه وجنونه فى اعادة بناء روما على نسق أفخم ويدعوها نيروبوليس Neropolis أى مدينة نيرون. وحينما اندلعت السنة النيران كان هو على شاطئ البحر فى أنتيوم Antium مسقط رأسه. ولم يعد الا بعد أن امتدت النيران الى قصره الخاص.
وحتى يبعد الشبهة عن نفسه فى جريمة الحريق، وفى الوقت نفسه يستمتع بقسوة شيطانية جديدة، ألصق التهمة بالمسيحيين المنبوذين، الذين أضحوا فى تلك الآونة – خاصة بعد خدمة بولس الناجحة فى روما – مميزين عن اليهود. كان المسيحيون بلا ريب يحتقرون الآلهة الرومانية، واتهموا زورا بارتكاب جرائم سرية.
كانت الشرطة والناس – تحت سيطرة الفزع الناشئ من الكارثة المروعة – على استعداد لأن يصدقوا أشر الافتراءات. ومن ثم طالبوا بالضحايا. وماذا كان يمكن أن ننتظره من الجموع الجاهلة، اذا كان بعض الرومان المثقفين من أمثال تاسيتوس وسيوتونيوس وبلينى وصموا المسيحية بالعار. كخرافة مفسدة دنيئة. لقد نظروا اليها على انها أشر من اليهودية. ويقول تاسيتوس المؤرخ المعاصر – بعد أن ذكر خبر القبض على بعض المسيحيين، واعترافهم بايمانهم - « ولم يستذنبوا كثيرا بتهمة الحريق، بقدر استذنابهم بتهمة كراهية الجنس البشرى»[51].
وموضوع اتهام المسيحيين الأبرياء بحرق روما، يعيد الى أذهاننا حادثا مماثلا حدث فى روما أيضاً، لكن قبل حريقها بسنين طويلة. واتهم فيه قوم أبرياء، ليس لثبوت التهمة ضدهم، بل لمجرد اعتبارهم أعداء، على نحو ما فعل بالمسيحيين...
كان معبد فستا بروما أن يحترق يوما، باندلاع نار شبت فى المنازل المجاورة، فروعت روما اذ شعرت أن مستقبلهما فى خطر. فلما انقضى الخطر حث مجلس الشيوخ، القنصل على البحث عن مدبرى الحريق. وسرعان ما اتهم القنصل بعض أهالى كابوا Capoue الذين كانوا وقتئذ فى روما، لا لأنه كان لديه أى دليل على ادانتهم، بل لانه قدر التقدير الآتى «هدد حريق معبدنا، وليس من الممكن أن توقد هذا الحريق الذى كاد يؤدى الى تحطيم عظمتنا ووقف مصائرنا، الايد أشد أعدائنا قسوة. وحيث انه ليس لنا أعداء الد من أهالى كابوا – تلك المدينة التى هى فى الوقت الحاضر حليفة هانيبال عدونا الأول، والتى تتطلع الى أن تكون فى مكاننا عاصمة لايطاليا – اذن فهؤلاء الناس هم الذين أرادوا أن يقضوا على معبد فستا»[52]... ويبدو أن هذه هى الطريقة التى ألفها ودرج عليها حكام روما!!
مشاهد الوحشية فى تعذيب المسيحيين:
ترتب على تهمة الحريق – مؤيدة بتهمة كراهية الجنس البشرى – بدء كرنفال من الدماء لم تشهد له روما الوثنية مثيلا. حتى أن البعض قالوا أن ما حدث كان اجابة قوات الجحيم لحركة التبشير المثمرة، التى قام بها الرسولان بولس وبطرس، والتى زعزعت أعماق الوثنية فى أهم معاقلها.
حكم بالموت على اعداد ضخمة من المسيحيين بأبشع الوسائل. صلب بعضهم امعانا فى السخرية بعقوبة المسيح. ولف البعض الآخر فى جلود الحيوانات الضارية، والقوا للكلاب المسعورة فى مسرح الألعاب الرياضية. وبلغت المأساة الشيطانية ذروتها ليلا، فى الحدائق الامبراطورية، عندما أشعلت النار فى المسيحيين والمسيحيات، بعد أن دهنوا بالقار أو الزيت أو الراتنج (صمغ الصنوبر)، وسمروا فى أعمدة الصنوبر، يضيئون كالمشاعل لتسلية الجماهير بينما شوهد نيرون فى ثياب غريبة الشكل مرسوم عليها جواد سباق متباهيا بفنه فى عربته[53].
كان حرق الانسان حيا هى عقوبة من يحرق عمدا. لكن قسوة ووحشية هذا الامبراطور المعتوه، أملت عليه أن يجعلهم وسيلة للانارة! على أن ما أنزله نيرون من ضروب الوحشية بالمسيحيين لم تكن – من الناحية الرسمية الشكلية - عقابا على ديانتهم، بل على التكتل الجماعى فى احراق روما عمدا!!!
ان ما أوردناه عن هذا الموضوع استقيناه من شهادة تاسيتوس أكبر المؤرخين الوثنيين المعاصرين الذى رسم صورة كاملة لدقائق حريق روما، وكان له من العمر وقتئذ ثمان سنوات، وكتب تاريخه بعد ذلك بخمسين سنة. يضاف الى شهادة تاسيتوس، ما سجله المؤرخ سيوتونيوس، الذى كتب تاريخه حوالى سنة 120م. وما كتبه كتاب مسيحيون من أمثال القديس اكليمنضس الرومانى فى أواخر القرن الأول الميلادى، والعلامة ترتليانوس فى القرن الثانى[54]...
أهمية اضطهاد نيرون ونتائجه:
كان هذا العمل بمثابة تعبئة لشعور جماهير الوثنيين ضد المسيحيين. كان هو الشرارة الأولى التى اضرمت نيران سلسلة حروب طويلة ضد الديانة الجديدة. ومن هو ما ذاقه المسيحيون على يدى هذا الطاغية، اعتقدوا أنه سيظهر ثانية كالمسيح الدجال الذى اشار اليه العهد الجديد.
تمتع نيرون بنوع من الشعبية بين السوقة والدهماء... هؤلاء الدهماء اعجبوا بشبابه وجماله الجسدى وشروره، التى ربما حسبوها نوع من البطولة كالتى ذخرت بها الأساطير القديمة. ومن هنا فقد راجت شائعة بين الوثنيين عقب انتحاره، مؤداها انه لم يمت، لكنه هرب الى البارثين Parthians، وأنه سيعود الى روما على رأس جيش كبير ويبيدها. وقام بالفعل ثلاثة مدعين كل منهم يحمل اسم هذا الطاغية، واستغلوا هذا الاعتقاد السائد، ووجدوا من ينضم اليهم، وكان ذلك فى حكم الأباطرة أوتوا، وتيطس، ودومتيان. ومما يؤثر عن دومتيان أنه كان يرتعد هلعا من اسم نيرون!!
أما بين المسيحيين، فقد اخذت شائعة المجئ الثانى لنيرون صورة مغايرة ويذكر لكنانتيوس Lactantius فى كتابه «موت المضطهدين» عبارة قالتها سبله الحكيمة مؤداها أنه كما أن نيرون كان هو أول المضطهدين، فسيكون أيضاً هو الأخير، ويسبق مجئ المسيح الدجال.
ويذكر أغسطينوس فى كتابه «مدينة الله» أنه فى زمانه كان ما يزال هناك رأيان سادئين بخصوص نيرون. أحدهما رأى المسيحيين، ومؤداه أن نيرون سيبعث من الموت كضد للمسيح، والآخر رأى الوثنيين وخلاصته أن نيرون لم يمت لكنه مخفى. وسيحيا الى أن يكشف ويعود الى مملكته... وقد رفض أغسطينوس، بطبيعة الحال، الرأيين. ولعل مصدر الرأى الذى شاع بين المسيحيين هو التفسير الخاطئ الخاص بما جاء فى (رؤ 17: 8) عن الوحش «الوحش الذى رأيت، كان وليس الآن وهو عتيد أن يصعد من الهاوية ويمضى الى الهلاك، وسيتعجب الساكنون على الأرض... حينما يرون الوحش انه كان وليس الآن مع انه كائن»، بالمقابلة مع ما ورد فى (رؤ 13: 3) « ورأيت واحدا من رؤوسه (الوحش) كأنه مذبوح للموت وجرحه المميت قد شفى، وتعجبت كل الأرض وراء الوحش»...
لكن نسى هؤلاء أن هذه الأقوال قيلت عن الوحش – وان صح هذا التفسير – فهى ترمز الى الامبراطورية الرومانية، بينما ترمز الرؤوس التى لذلك الوحش الى الأباطرة[55].
وكان فى مقدمة من استشهدوا فى الاضطهاد الذى أثار هذا الطاغية، الرسولان بطرس وبولس. صلب الأول منكس الرأس، وقطعت هامة الثانى كنواطن رومانى[56].
مِن نيرون إلى ديوكلتيانوس
(2) دومتيان[57] Domitian (81 – 96)
طاغية مرتاب متكبر، كان يدعو ذاته «ربا والها». اعتبر اعتناق المسيحية جريمة ضد الدولة. حكم على كثير من المسيحيين بالموت، ومن بينهم أقرب أقربائه، القنصل فلافيوس كليمنس Flavius Clemens كما نفى البعض الآخر، وصادر ممتلكاتهم كما حدث مع دومتيلا Domitilla زوجة كليمنس.
ويذكر التقليد الكنسى ويؤكده القديسان ايريناوس من الجيل الثانى وايرونيموس والمؤرخ الكنسى يوسابيوس من الجيل الرابع أن هذا الامبراطور أثار اضطهادا على كنائس آسيا الصغرى، الأمر الذى أشير اليه فى سفر الرؤيا فى الكلام الموجه الى ملاك كنيسة سميرنا «أنا أعرف أعمالك وضيقتك وفقرك... لا تخف البتة مما أنت عتيد أن تتألم به. هوذا ابليس مزمع أن يلقى بعضا منكم فى السجن لكى تجربوا ويكون لكم ضيق عشرة أيام[58]، وفى الكلام الموجه الى ملاك كنيسة برغامس «انا عارف أعمالك وأين تسكن حيث كرسى الشيطان وأنت متمسك باسمى ولم تنكر ايمانى حتى فى الأيام التى فيها كان أنتيباس شهيدى الأمين الذى قتل عندكم حيث الشيطان يسكن»[59].
ويؤكد التقليد الكنسى، والقديسان ايريناوس وايرونيموس والمؤرخ يوسابيوس، ان دومتيان هو الذى أمر بالقاء القديس يوحنا الانجيلى فى خلقين زيت مغلى فى روما، ثم عاد ونفاه الى جزيرة بطمس. كما استشهد ابان عهده انسيموس وديونيسيوس الاريوباغى وكثيرون غيرهم.
(3) تراجان[60] Trajan (98 – 117)
ترجع أهمية تراجان بالنسبة لموضوعنا الى أنه:
(1) أول امبراطور يعلن أن المسيحية ديانة محرمة.
(2) أحيا التشريعات الصارمة ضد جميع الهيئات والجماعات السرية. وقد اعتبرت اجتماعات المسيحيين الدينية من هذا النوع.
وقد ظلت الدولة تسير فى تعاملها مع رعاياها المسيحيين، على هدى هذه القوانين التى استنها تراجان لأكثر من قرن من الزمان.
وتظهر روحه العدائية تجاه المسيحيين من رسالة له ردا على رسالة أرسلها له بلينى Pliny حاكم بيثينية بآسيا الصغرى بين سنتى (109 – 111) [61] كان بلينى هذا يرى المسيحية خرافة دنيئة متطرفة، وبالجهد يتحدث عن اقبال الجماهير عليها. لقد أرسل للامبراطور تراجان يخبره بأن هذه الخرافة تزداد انتشارا باستمرار – ليس فقط فى مدن بآسيا الصغرى بل حتى فى قراها أيضاص. وأنه أصبح لها سلطان على الناس من كل سن ومركز وجنس. حتى أن المعابد الوثنية هجرت، وكسدت تجارة الاشياء التى تقدم قرابين وتقدمات للآلهة. ولكى يضع حدا لهذا الانتشار المضطرد، حكم على كثيرين من المسيحيين بالموت، وأرسل بعضاً آخر ممن كانوا يتمتعون بحقوق المواطنة الرومانية الى المحكمة الامبراطورية بروما. لكنه سأل الامبراطور مزيدا من التعليمات بخصوص طريقة معاملة المسيحيين وهل يراعى كبر السن، أم يعتبر مجرد حمل اسم «مسيحى» جريمة.
وقد أجاب تراجان على هذه الاستفسارات برسالة جاء فيها «لقد سلكت يا صديقى الطريق السوى فيما يختص بالمسيحيين، اذ لا يمكن وضع قاعدة عامة تطبق على كل الحالات فى هذا الصدد. لا ينبغى فى طلبهم، لكن اذا اشتكى عليهم، ووجدوا مذنبين، فلابد من معاقبتهم. ومع ذلك، فاذا أنكر أحد أنه مسيحى، وبرهن على ذلك عمليا بالتضحية لآلهتنا، فليصفح عنه بناء على توبته... ».
وبناء على قرار الدولة هذا، تعرض المسيحيون لاضطهادات عنيفة. وقد أصاب سوريا وفلسطين ومصر على وجه الخصوص الكثير منها. فلقد وجه اليهود المتعصبون اتهاما لسمعان أسقف أورشليم، وحكم عليه بالموت صلبا سنة 107، وهو فى سن المائة والعشرين. وفى نفس هذه السنة تقريبا حكم على القديس أغناطيوس أسقف أنطاكية بالموت، وأرسل الى روما، وألقى للوحوش الضاربة فى الكلوسيوم[62].
(4) مرقس اوريليوس[63]Marcus Aurelius (161 – 180)
كان هذا الامبراطور كفيلسوف على عرش، اذا كان مثقفاً ثقافة عالية. لكن هذه الثقافه العالية لم تستطع أن تحوله عن كراهيته للمسيحية والمسيحيين، اذ كان ينظر الى المسيحية كخرافة سخيفة متعصبة. وعلى الرغم من أن المدافعين المسيحيين من أمثال ميليتون وملتياوس واثيناغوراس، اغرقوه بسيل من دفاعاتهم عن المسيحيين المضطهدين، وعن المسيحية ذاتها، محاولين أن يردوا الاتهامات والافتراءات التى حاول أعداؤها أن يلصقوها بها. نقول أنه على الرغم من كل ذلك، فانه لم يعط أذنا صاغية لدفاعهم، بل يبدو أنه لم يكلف نفسه مشقة. قراءتها، أو حتى مجرد النظر اليه.
آمن بالفلسفة الرواقية، وكان هو نفسه فيلسوفاً، لكن فلسفته كانت مغايرة لفلسفة المسيحية. وعلى الرغم من أن الفلسفة الرواقية علمت الناس تحمل الالم والموت دون خوف، لكنه كان يأخذ على المسيحيين الهدوء الذى يلقون به الموت، ويفرق بينه وبين الشجاعة الحقة التى تعلم بها الفلسفة الرواقية. فهو يرى أن تلك شجاعة معقولة كريمة، أما شجاعة المسيحيين فهى شجاعة متكلفة تمثيلية!
أضف الى هذا اعتباره العقيدة المسيحية الخاصة بخلود النفس، بما يترتب عليها من نتائج أدبية، أمرا يهدد رفاهية الدولة. فأصدر مرسوماً يهدد فيه بالنفى كل من يحاول تعليم الناس الخوف من الله. وكان هذا القانون موجها دون شك الى المسيحيين.
كان عهده حقبة عاصفة عنيفة فى تاريخ الكنيسة. ويرجع السبب فى ذلك إلى أن الكثير من أقاليم الامبراطورية تعرضت فى تلك الفترة الى عدد من كوارث الطبيعة: فيضان مدمر لنهر التيبر، زلزال، ووباء الطاعون الذى انتشر من أثيوبيا الى غاليا (فرنسا الحالية)...
وكانت النتيجة أن اتحدث الحكومة مع الشعب ضد المسيحيين أعداء الآلهة، الذين بسببهم حدثت تلك الكوارث، وشنوا اضطهادات دامية ضدهم حتى أن الفيلسوف الوثنى كلسوس Celsus – الذى هاجم المسيحية بعنف فى كتاب فنده ورد عليه فيما بعد الفيلسوف المسيحى أوريجينوس – أعلن فرحه بهذا الاضطهاد، لأن الشيطان (المسيحيين) أبعد عن البر والبحر..! وعلى أية الحالات فان كل هذه الاحداث انما تشير الى أن الديانة الجديدة الصاعدة كانت تحوز اهتماما متزايدا ومستمرا فى كل انحاء الامبراطورية.
وتحت حكم هذا الامبراطور – وفى سنة 177 تعرضت كنائس ليون وفينا بجنوبى فرنسا لتجربة شديدة. لقد أجبر العبيد الوثنيون على اتهام سادتهم المسيحيين بارتكاب رذائل قبيحة، كانت محرمة فى الدولة بموجب قوانين. وكان القصد من ذلك برير العذابات الاليمة التى استهدف لها المسيحيون. لكن أولئك المسيحيين أظهروا ايمانا عجيبا وثباتا مذهلا.
ونذكر من مشاهير ضحايا هذا الاضطهاد الذى حد فى غاليا (فرنسا)، الاسقف بوثينوس Pothinus، وكان شيخا فى سن التسعين، والعذراء بلندينا Blandina التى وهى أمة (عبدة)، أظهرت قوة احتمال تفوق قدرة البشر. وأخيرا القيت لوحش ضار أفترسها، والصبرى بونتيكوس Ponticus، الذى احتمل قساوة ووحشية، ولم يتجاوز عمره خمس عشرة سنة... أما جثث الضحايا التى ملأت الطرقات فقد أحرقها الدهماء وذروا رمادها فى نهر الرون، حتى لا تتنجس الارض من بقايا أعداء الآلهة.
ومن أشهر من استشهدوا تحت حكم هذا الامبراطور، الفيلسوف والمدافع المسيحى يوستينوس الذى استشهد فى روما بين سنتى 165 و166، وسنعود للكلام عنه.
(5) سبتميوس ساويرس[64] Septimius Severus (193 – 211)
لم يكن نظير سلفه مرقس أوريليوس يضمر مقتا للمسيحيين لاسباب فكرية، بل كان بلاطه يضم بعض المسيحيين، ومنهم طبيبه الخاص بروكولس Proculus تزوج من جوليا دومنا Julia Domna ابنة كبير كهنة أفسس الوثنى، فكان ذلك سببا فى عرض الديانات الشرقية على الامبراطور بصورة أكبر... لكن على الرغم من كل ذلك فقد أثيرت اضطهادات اقليمية كثيرة فى أواخر القرن الثانى. وقد أشار الى ذلك اكليمنضس الاسكندرى بقوله «كثير من الشهداء يحرقون يوميا أو يعدمون على مشهد منا».
فى سنة 202 اصدر مرسوماً يقضى بمنع المسيحيين من تبشير غيرهم، وضم متنصرين جدد. وبسبب هذا المرسوم، حلت أشد الاضطهادات بالمؤمنين فى مصر وشمالى أفريقيا. حيث قدمت لنا كنائس تلك الاقاليم، أينع زهورها على مذبح الاستشهاد.
نذكر ممن استشهدوا فى الاسكندرية ليونيدس والد العلامة أوريجينوس وبوطامينا العذراء العفيفة، وباسيليوس الجندى. ثم بربيتوا وفيليسيتاس (سعدى)، اللتان استشهدتا فى قرطاجنة بشمالى أفريقيا. ومما يلفت النظر أن عدد غير قليل من شهداء هذا العهد كانوا من بين الموعوظين أو المعمدين حديثا. ولعل لتلك الظاهرة علاقة بمرسوم ساويرس. الذى قضى بمنع التبشير.
(6) مكسيمينوس التراقى[65] Maximinus The Tharacian (235 – 238)
اضطهد المسيحيين منذ بادئ عهده. وقيل كتعليل، انه فعل ذلك لا لشئ سوى معارضته لسياسة سلفه اسكندر ساويرس (222 – 235)، الذى قيل انه كان متسامحا مع المسيحيين، حتى انه وضع صورة المسيح فى قصره مع صور الآلهة الوثنية المحببة، وكبار الاباطرة الرومان، واتخذ لنفسه شعارا، كلمات المسيح «كما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا أنتم أيضاً بهم» نقشها على حوائط قصره والتماثيل العامة...
وفى اضطهاده للمسيحيين، مكن الشعب من أظهار غضبه نحو أعداء الآلهة. وقد ساعد على ذلك، حدوث بعض الزلازل. اتخذ اجراء عنيفاً ضد رجال الدين المسيحى. لكن لا يمكن الجزم هل كانت أو امره تقضى بقتلهم جميعا، أم أن القتل كان قاصرا على الاساقفة وحدهم. وعلى أية الحالات فقد كان هذا الامبراطور فى معاملته للمسيحيين بربريا قاسيا.
(7) ديسيوس[66] Decius (249 – 251)
كان امبراطورا نشيطا، استيقظت فى شخصه ثانية الروح الرومانية القديمة، فصمم على اسئصال شأفة المسيحية كعقيدة دينية مستحدثة. أصدر مرسوماً سنة 250، وجهه لجميع حكام الاقاليم فى أنحاء الامبراطورية، يحتم عليهم فيه ضرورة اعادة ديانة الدولة الوثنية مهما كلفهم الامر. كان هذا المرسوم نذيرا بالاضطهاد الكبير العام الذى فاق فى وحشيته كل ما سبقه.
ووجه الاهمية فى مرسوم ديسيوس هذا، أن ما ترتب عليه من اضطهاد يعتبر بحق أول اضطهاد شامل، عم كل أقاليم الامبراطورية، بعد أن كان الاضطهاد محليا متقطعا. وبالتالى فقد قدم عددا أكبر من الشهداء.
وفى سبيل تنفيذ هذا المرسوم، استخدم حكام الاقاليم كل ألوان العسف والاضطهاد والقسوة لحمل المسيحيين على الارتداد عن دينهم. وكان من نتيجة ذلك أن ضعف كثير من المسيحيين. البعض ضحى للأوثان، والبعض تمكنوا بطريقة أو بأخرى من الحصول على شهادات مزورة من الحكام، تفيد ما يثبت انهم فعلوا ذلك، وقد حصلوا على هذه الشهادات المزورة أما بواسطة المال أو بواطسة أصدقاء وثنيين... هذا بينما اندفع آلاف من المسيحيين، فى غيرة عجيبة وشجاعة نادرة مذهلة، أما للسجون أو لنيل اكليل الشهادة.
وقد عثروا فى الفيوم سنة 1893 على احدى هذه الشهادات Libelli[67] وصورتها كالآتى:
«الى مأمورى الذبائح فى قرية جزيرة اسكندر.
«من أوريليوس ديوجنيس Aurelius Diogenes بن ستابوس Satabus من قرية جزيرة اسكندر، سن 72، بندبة على حاجبه الايمن.
«لقد كنت أضحى دائماً للآلهة، وفعلت ذلك الآن فى حضوركم طبقا لنص المرسوم.
«لقد قمت بالتضحية وسكبت السكائب، وذقت الذبائح. والتمس أن تشهدوا بذلك والسلام».
مقدمة: أوريليوس ديوجنيس.
«أشهد أنى رأيته يقدم ذبيحة».
أوريليوس سيرس Aurelius Syrus.
«تحرير فى اليوم الثانى من أبيب (26 يونية سنة 250) فى السنة الاولى للامبراطور ديسيوس».
لقد كتب المعترفون فى روما من سجنهم، الى اخوتهم فى أفريقيا، ابان هذا الاضطهاد يقولون «ماذا يمكن أن يكون أكثر مجدا؟! هل يمكن أن تهب نعمة الله للانسان نصيبا أكثر مجدا وبركة، من أن يعترف بالرب الاله وسط العذابات، وفى مواجهة الموت ذاته. يعترف بالمسيح ابن الله، وأن يصبح شريكا فى الآلام مع المسيح وباسمه؟! ومع أننا لم نسفك دماءنا بعد، لكننا مستعدون أن نفعل ذلك. صل عنا اذن ايها العزيز كبريانوس (اسقف قرطاجنة) لكى الرب القائد الاعظم يقوى كل واحد منا دوما اكثر، ويقتادنا أخيرا الى ساحة الاستشهاد كجنود أمناء متسلحين بالاسلحة المقدسة، التى لا يمكن أن تقهر».
كانت السلطات أكثر قسوة على وجه الخصوص مع رؤساء الكنائس وخدامها. ومن بين الذين استشهدوا، ابان هذا الاضطهاد، القديس مرقوريوس المعروف بأبى السيفين، وفابيانوس الرومانى، وبابيلاس الانطاكى، واسكندر الاورشليمى. وبينما قدم هؤلاء انفسهم فى شجاعة، نجد البعض الآخر قد اختبأ... البعض نتيجة خوف والبعض الآخر – لكى باختفائهم يخففوا من حدة الغضب الوثنيين على شعبهم، ولكى باختفائهم وبقائهم على قيد الحياة يفيدوا كنائسهم، اذ كانوا يوالون الاتصال بهم برسائل من مخابئهم يشجعونهم ويثبتونهم.
ومن هذا النوع الاخير القديس كبريانوس أسقف قرطاجنة الذى قال فى هذا الصدد موضحاً موقفه «لقد أمرنا الرب أننا فى زمان الاضطهاد أما أن نسلم أنفسنا وأما أن نهرب. لقد علم هو بذلك ومارس الامر بنفسه. فطالما أن أكليل الشهادة نناله بمعونة الله، ولا يمكن أن نناله قبل الساعة المحددة، فالذى يختبئ الى زمان، ويظل أمينا للمسيح، لا يكون قد أنكر الايمان، بل يثبت وقته.
(8) فالريان[68] Valerian (253 – 260)
بدأ حكمه لطيفا متسامحا مع المسيحيين، بل كان كثيرون منهم فى قصره. لكن سرعان ما قلب لهم ظهر المجن سنة 257[69]... وكنتيجة لمعرفته أن العنف والبطش وسفك الدماء لم تفلح فى ايقاف تيار المسيحية، فقد حاول تجربة سلاح جديد، بنفى خدامها من الاكليروس والعلمانيين، ومصادرة أملاكهم، وتحريم الاجتماعات الدينية، وأن يحال بين المسيحيين وزيارة المقابر. واذ أثبتت هذه الاجراءات الجديدة عدم جدواها، جدد عقوبة الموت على المسيحيين.
فأرسل الى مجلس الشيوخ الرومانى أمرا يقضى بأن رجال الاكليروس (أساقفة وقساوسة وشمامسة) ينبغى أن يعدموا فوراً. ويجرد المسيحيون من أعضاء مجلس الشيوخ والرجال البارزين والفرسان الرومان، من ألقابهم وممتلكاتهم. فاذا أصروا على مسيحيتهم بعد ذلك تبتر رؤوسهم. أما النساء المتزوجات فيجردن من ممتلكاتهن وينفين. وأما صغار المواطنين ممن يعترفون بمسيحيتهم فمصيرهم أن يقيدوا بالسلاسل، ويرسلوا للعمل فى ضياع الامبراطور[70].
ومن أشهر شهداء ذلك العهد سكستوس الثانى Sixtus أسقف روما، وكبريانوس أسقف قرطاجنة.
وقد وقع فالريان أسيرا فى يد الفرس، أثناء حربه معهم ومات فى أسره. وخلفه ابنه جاللينوس Gallienus (260 – 268)، وكان شريكا معه فى الحكم. ومما ينسب الى جاللينوس أنه أظهر تسامحا مع المسيحيين، وأصدر منشوراً بذلك، واعتبر المسيحية ديانة مصرحا بها[71].
(9) أوريليان[72]Aurelian (270 – 275)
نشط فى اضطهاد المسيحيين والتنكيل بهم، فأصدر مرسوماً جديدا بقتل المسيحيين كان من أثره مذابح مروعة فى أماكن شتى.
خلف أوريليان على العرش الامبراطورى ستة أباطرة فى فترة الثمانى سنوات التى انتهت باعتلاء ديوكلتيانوس العرش. وتميزت هذه الفترة بالهدوء النسبى، ورفع نير الاضطهاد على المسيحيين، الأمر الذى أدى الى انتعاش الكنيسة، فنمت وتزايد عدد المؤمنين، وأقيمت بعض بيوت العبادة الفاخرة، فى بعض المدن الرئيسية، مزودة بمجموعات من الكتب المقدسة، واوانى من الفضة والذهب لخدمة الأسرار المقدسة.
لكن قابل هذا من الناحية الاخرى ظهور المشاكل الكنيسة وتزايدها، كما بدأت روح العالم تحاول أن تجد طريقها الى الكنيسة. ومن ثم فقد كانت الكنيسة فى حاجة الى نوع من التنقية، وبعض الضيقات التى تردها الى نقاوتها وتماسكها، واذكاء نار الحماس والحب والايمان من جديد[73]. ومن ثم كان الاضطهاد المروع الذى شنه ديوكلتيانوس على الكنيسة وجميع المسيحيين فى انحاء الامبراطورية.
(10) اضطهاد ديوكلتيانوس وأعوانه (284 – 305)
ان كل الاضطهادات السابقة التى شنتها الدولة على المسيحية والمسيحيين، ابتداء من نيرون، لتتضاءل ازاء ضراوة ووحشية سلسلة الاضطهادات التى بدأها ديوكلتيانوس، وأكملها أعوانه. حتى ان البعض يحلو لهم أن يقابلوا بين هذا الاضطهاد العام الاخير، وبين الضربة العاشرة على يد موسى، التى أعقبها الخلاص من العبودية..! ولفظاعة هذا الاضطهاد، اتخذت الكنيسة القبطية بداية حكم هذا الطاغية – وهى سنة 284م – بداية لتقويمها المعروف باسم تاريخ الشهداء[74].
قيل أن اباه كان عبدا، أو فى القليل كان ينتسب الى أبوين مغمورين. وكان موطنه اقليم دلماثيا بالبلقان. استطاع بجده وذكائه أن يرتقى حتى وصل الى المركز الأول والأعلى فى الدولة... ويعتبر ديوكلتيانوس – من الناحية السياسية والادارية – من أكفأ الاباطرة الذين حكموا الامبراطورية. وقد وضع من التنظيمات والتشريعات ما يكفل بقاءها، بعد أن زحفت الشيخوخة اليها، وتعرضت لهجمات كثير من القبائل المتبربرة. وفى سنة 305 اعتزل الحكم بعد أن اعتلت صحته اعتلالا كبيرا وأصيب بلوثة عقلية[75].
أعوانه:
من هذه التنظيمات التى وضعها ديوكلتيانوس، واستهدف بها انقاذ الامبراطورية، تعيين مكسيميانوس – وهو قائد محنك – معاونا له فى الغرب، برتبة قيصر سنة 285. ثم رقاه الى رتبة أغسطس سنة 286 وهى نفس رتبة ديوكلتيانوس – فأصبح بذلك امبراطور للغرب، بينما اختص ديوكلتيانوس بحكومة الشرق. ومكسيميانوس هذا هو المعروف باسم مكسيميانوس هركوليوس Maximianus Herculius.
ثم عاد ديوكلتيانوس ورأى أن يعين مساعدا له، وآخر لمكسيميانوس، برتبة قيصر، لتدعيم حكم الامبراطورية المترامية الاطراف، فعين معه جالريوس Galerius للشرق، وقنسطنطيوس للغرب. وكان ذلك سنة 292. وأختص كل من هؤلاء الاربعة بحكم الاقاليم الآتية من الامبراطورية:
مكسيميانوس هركوليوس لحكم ايطاليا وأفريقيا. وقنسطنطيوس كلوروس Constantius Clorus (وهو والد الملك قنسطنطين الكبير). لحكم غاليا (فرنسا الحالية) واسبانيا وبريطانيا. هذا فى الغرب. أما فى الشرق فحكم ديوكلتيانوس آسيا ومصر وتراقيا، وجعل مقره نيقوميدية بآسيا الصغرى بينما حكم معاونه جالريوس بادئ الامر شواطئ الدانوب، ثم بعد ذلك فى الشرق[76].
شخصيته[77]:
أما عن شخصيته، فقد كان يطالب لنفسه باحترام العبادة كالكاهن الاعظم للاله جوبتر Jupiter. وكان يدعو نفسه رب وسيد العالم. احاط ملكه بكثير من دوائر الجنود والخصيان. ولم يكن يسمح لأحد أن يقترب منه الا وهو راكع ولامس الارض بجبهته. بينما يكون هو جالسا على عرش فى ثياب فاخرة، أحضرت له خصيصاً من الشرق الاقصى. لكنه على الرغم من كفاءته فى الحرب والارادة، كان واقعاً تحت سيطرة الخرافات، ويستشير أصحاب العرافة وكهنة الاوثان قبل البدء فى مشروعاته[78].
بدأ عهده باصدار عدة تشريعات لاصلاح الدولة والابقاء على هيبتها، وأجل المسألة الدينية حتى يفرغ من المسائل السياسية والادارية ويطمئن من جهتها.
المسيحيون فى أول عهده[79]:
بدأ ديوكلتيانوس عهده مسالما المسيحيين. وظل هكذا فى العشرين سنة الاولى لحكمة يحترم منشور التسامح الذى أصدره سلفه جاللينوس. كان معظم خصيانه وضباط قصره من المسيحيين، الى جانب عدد من الاداريين فى الدولة، بل أكثر من هذا، فقد قيل أن زوجته بريسكا Prisca وابنته فالريا Valeria كانت مسيحينين. وقيل أنهما كانت فى صفوف الموعوظين، أو على الاقل تعطفان على المسيحيين[80].
أسباب تحوله عن سياسة التسامح:
أما عن أسباب تحول ديوكلتيانوس عن سياسة التسامح الدينى مع المسيحيين من رعاياه، والتى أنتهجها فى العشرين سنة الاولى لحكمه فلا يمكن تحديدها...
قيل انه قصد المعبد مرة ليستشير الآلهة فى أمر هام كما كانت عادته، واصطحب معه رجال بلاطه، وبينهم مسيحيون. فانتهز كاهن المعبد الوثنى هذه الفرصة وقال للامبراطور «ان الآلهة لا تتكلم فى حضرة أعدائها». وكان يقصد المسيحيين. وبتأثير هذه الكلمات طرد الامبراطور جميع الذين لا يرفعون القرابين للآلهة من البلاط الامبراطورى ومن الجيش[81]... وان كنا لا نستطيع تأييد أو نفى هذه الرواية، لكن حتى لو حدثت، فأنها لم تكن السبب الرئيسى فى تحريك العداوة نحو المسيحيين فى عهد هذا الرجل.
ويكاد يكون هناك شبه اجماع – استنادا الى رواية لكتانتيوس[82] Lactantlus معاصره – ان ديوكلتيانوس غير سياسته نحو المسيحيين تحت تأثير جالريوس معاونه وزوج ابنته فالريا، الذى كان وثنيا متعصباً شرساً. ويصفه لكتانتيوس بأنه وحش مفترس، لبسته بربرية وحشية غريبة عن الدم الرومانى. وكان يستحث صهره ديولكتيانوس بضرورة سحق الكنيسة المسيحية، التى هى دولة داخل الدولة Imperium in emperis[83].
اضطهاد ديوكلتيانوس وأعوانه:
أصدر ديوكلتيانوس، بالاتفاق مع معاونيه – وتحت تأثير جالريوس – فى الثالث والعشرين من فبراير سنة 303 منشورا يقضى: بهدم الكنائس، حرق الكتب المقدسة، طرد جميع ذوى المناصب الرفيعة وحرمانهم من الحقوق المدنية، وحرمان العبيد من الحرية أن أصروا على الاعتراف بالمسيحية، ونص المنشور على معاقبة من يخالف دون تحديد العقوبة.
● وبدأ تنفيذ هذا المنشور فى الحال، فى 23 فبراير سنة 303 يوم عيد الانتهاء Terminalia (كما لو كانوا قد أرادوا أن يضعوا نهاية للمسيحية) فهدمت كنيسة نيقوميدية الجميلة التى كانت مبنية على تل فى مواجهة القصر الامبراطورى. علق المنشور على حوائط قصر ديوكلتيانوس نفسه. فتقدم مسيحى أخذته الغيرة ومزق المنشور فظهر بذلك استياءه[84]. فكان جزاؤه ا لموت حرقا بكل وحشية... وفى نفس الوقت قوى هذا التصرف مشاعر ديوكلتيانوس العدائية نحو المسيحيين. وسرعان ما سرت موجات الاضطهاد الى كل أقاليم الامبراطورية.
● لكن سرعان ما ازداد الاضطهاد عنفا ووحشية، بسبب الحريق الذى اندلع مرتين فى ظرف أسبوعين فى قصر ديوكلتيانوس فى نيقوميدية حيث كان يقيم، بعد صدور منشور الاضطهاد بوقت قصير. وللحال اتهم جالريوس موظفى القصر وخدمه المسيحيين بتدبير هذا الحريق، ومحاولة حرقه هو وصهره ديوكلتيانوس أحياء.
● ونسب لكتانتيوس المعاصر، حريق القصر الى جالريوس، الذى افتعل الحريق مرتين لاثارة ديوكلتيانوس ضد المسيحيين الابرياء... أما الملك قنسطنطين الذى أقام بنفس هذا القصر بعد ذلك بمدة، فقد نسب الحريق للاضاءة، لكن تكرار الحريق يبرر ما ذهب اليه لكتانتيوس[85]. والعجيب أن الحريق كان هو السبب فى اضطهاده نيرون وديوكلتيانوس – الاضطهاد الأول والاضطهاد الاخير – وفى كلا الاضطهادين كان الضحايا هم المسيحيون الأبرياء. كان نتيجة الحريق مزيدا من الاضطهادات ومزيدا من الوحشية...
● اصدر ديوكلتيانوس منشورين متلاحقين فى مارس سنة 303، يقضى أولهما بسجن جميع رؤساء الكنائس[86]، ويقضى ثانيهما بتعذيبهم بقصد إضطرارهم لجحد الايمان.
● وفى 30 ابريل سنة 303 أصدر مكسيميانوس هركوليوس المنشور الرابع وهو أسوأها. ويقضى بأرغام جميع المسيحيين – ب استثناء – فى المدن والقرى، فى أنحاء الامبراطورية أن يضحوا للآلهة، والا عوقبوا بأشد أنواع العقاب[87]... أما القصد من هذه المنشورات فكان محو المسيحية من الوجود.
● وأخيرا فى محاولة يائسة لمحو المسيحية وبعث الوثنية، أصدر مكسيمينوس دازا[88] Maximinus Daza منشورا خامسا فى خريف سنة 308 يقضى بسرعة اعادة بناء مذابح الاوثان، وأن يقدم جميع الرجال والنساء والاولاد، وحتى الاطفال الرضع، الذبائح والسكائب، مع اكراههم على تذوق التقدمات، وتدنيس الاطعمة التى تباع فى الاسواق بسكائب الذبائح، وأن يقف الحراس أمام الحمامات ليدنسوا بالذبائح الوثنية، كل من يدخل للاغتسال فيها[89] وقد استمر هذا المنشور معمولا به لمدة سنتين أو أكثر. ولم يكن أمام المسيحيين الا أن يموتوا شهداء، أو يموتوا جوعا، أو يجحدوا الايمان.
● وفى سنة 311 أمر مكسيمينوس دازا باقامة الهياكل فى كل مدينة وسرعة اعادة الاحراش المقدسة التى كانت قد أزيلت على مر الزمن. وعين كهنة للاصنام، وأقام عليهم فى كل مقاطعة موظفا سياسيا كرئيس كهنة... ومنح جميع المشعوذين وظائف ادارية، وخلع عليهم أعظم الامتيازات[90].
●على انه يجب ملاحظة أن نصيب ديوكلتينوس فى الاضطهاد الاخير الكبير لم يزد عن سنتين وشهرين (303 – 305). لكن الاضطهاد استمر بعد ذلك حتى سنة 313 فى الشرق على يد جالريوس ومكسيمينوس دازا. وكان أقسى هذه الفترات هى من (308 – 311). بل قيل أن هذا الاضطهاد هو أفظع اضطهاد شهده المسيحيون منذ البداية فى الدولة كلها. وكثير من الشهداء الذين استشهدوا فى الشرق، ونسب استشهادهم لعهد ديوكلتيانوس، استشهدوا فى هذه الفترة (308 – 311). وكان المحرك الاكبر لاضطهاد السنوات الاخيرة هو مكسيمينوس دازا الذى كان يحكم مصر وسوريا.
● هذا وقد كانت الاضطهادات فى الشرق أعنف منها فى الغرب بسبب جالريوس وابن أخيه مكسيمينوس دازا. أما فى الغرب فكان هناك قنسطنطيوس كلوروس الذى كان يعطف على المسيحيين، وخلفه ابنه قنسطنطين بنفس المشاعر. وكان الاضطهاد غالبا فى أقاليم الامبراطورية، التى كانت تحت حكم مكسنتيوس Maxentius الذى مات سنة 312. وقد أشار لكتانتيوس اليه كآخر أعداء المسيحية فى الامبراطورية[91].
.مراسيم التسامح الدينى (311 – 313)
● كانت اضطهادات ديوكلتيانوس وأعوانه هى آخر مقاومة يائسة للوثنية الرومانية... ووسط المشاهد العجيبة المتناقضة، التى تجلت فيها بطولة المسيحيين وثباتهم فى وداعة، ازاء وحشية الوثنيين وسطوتهم فى شراسة... بدت الوثنية فى حالة اعياء...
● اعتزل ديوكلتيانوس الحكم فى أول مايو سنة 305 بعد ان انتهى الى نهاية سيئة... أما جالريوس معاونه وزوج ابنته وخليفته، اذ أصيب بمرض خطير بشع، اضطر تحت وطأة الآلام التى كان يعانيها، أن يصدر فى سنة 311 من مدينة نيقوميدية مرسوم تسامح للمسيحيين، وفيه يطلب منهم أن يتضرعوا لالهم من أجل سلامته[92]. ورفض مكسيمينوس دازا، أن يوقع على هذا المرسوم.
● صار قنسطنطين امبراطورا على غاليا وأسبانيا وبريطانيا سنة 306. تربى فى بلاط ديوكلتيانوس فى نيقوميدية، على نحو ما تربى موسى فى قصر فرعون مصر. هرب من وجه جالريوس الى بريطانيا، ونودى به امبراطورا بلقب أغسطس بواسطة الجيش. خلفا لوالده المتوفى... عبر جبال الألب وانتصر على منافسه مكسنتيوس ابن مكسيميانوس (شريك ديوكلتيانوس فى حكم الغرب)، عند قنطرة ملفيا على بعد ميل واحد من روما. وباد هذا الطاغية هو وجيشه فى مياه نهر التيبر فى اكتوبر سنة 312.
● التقى قنسطنطين مع ليكينيوس امبراطور الشرق فى ميلان، ومن هناك أصدرا فى مارس سنة 313 مرسوماً للتسامح مع المسيحيين يعرف باسم «مرسوم ميلان»، أعطيت بموجبه الحرية الدينية للمسيحيين ولغيرهم أن يتبعوا الدين الذى يرغبونه[93].
● ومن مدينة نيقوميدية اضطر مكسيمينوس دازا سنة 313 – قبيل انتحاره بعد هزيمته أمام ليكينيوس – أن يصدر مرسوم تسامح للمسيحيين أسرة بمرسوم ميلان[94]، وهو آخر المراسيم.
● وفى محاولة أخيرة يائسة وضعيفة، خرج ليكينيوس على قنسطنطين. وجدد اضطهاد المسيحيين لفترة قصيرة فى الشرق، لكنه هزم أمام قنسطنطين سنة 323، فأصبح قنسطنطين هو الحاكم الوحيد للامبراطورية شرقا وغربا[95].
وهكذا بقنسطنطين، الذى يعتبر آخر الاباطرة الوثنيين وأول المسيحيين، بدأت فترة جديدة وهامة فى حياة الكنيسة والمسيحيين...
.[10] - Faustel de Coulanges: La Citè Antique, Elude sur le culte, le droit, les institutions de la Grèce et de Rome.
[11] - المدينة العتيقة ص 4، 5، ص 220.
[12] - المدينة العتيقة ص 220.
[13] - نفس المصدر ص 215.
[14] - نفس المصدر ص 220 - 222.
[15] - نفس المصدر ص 222.
[16] - المدينة العتيقة ص 222 - 224.
[17] - نفس المصدر 220 - 226.
[18] - Schaff: History of the Christian Church, vol. 2, p. 41.
[19] - كانت اليهودية تتمتع بحماية خاصة منذ عهد يوليوس قيصر.Schaff. Vol. 2, p. 40.
[20] - Schaff. Vol. 1, PP. 363 – 366.
[21] - هذه الكلمة هجاء خاطئ لكلمة CHRISTUS. لقد خلط الرومان بين هذه الكلمة الثانية ومعناها الممسوح، ومنها كلمة المسيح، وبين الكلمة الأولى ومعناها صالح. وكانوا يسمون المسيحيين CHRESTIANI أى الصالحين.
[22] - Schaff, vol. 1, PP. 366 – 371.
[23] - Schaff, vol. 2, p. 45.
[24] - أنظر رو 16: 5 – 15.
[25] - أع 28: 13 – 15.
[26] - رو 1: 8، 16: 19.
[27] - Schaff, vol. 2, p. 42.
[28] - Schaff. Vol. 2, pp. 40, 41.
[29] - Schaff. Vol. 2, pp. 41, 42.
[30] - المدينة العتيقة ص 520، 521.
[31] - نفس المصدر ص 521، 522.
[32] - رو 12: 15.
[33] - 2كو 6: 14.
[34] - يو 16: 20.
[35] - Tert: de ldolatria, 20.
[36] - أحد الطرفين مسيحى، والآخر وثنى.
[37] - Justin Martyr: Apol. 1, p. 42.
[38] - Tert: de Idolatria 4: 7.
[39] - يوسابيوس 7: 15.
[40] - Tert: de Idolatria.
[41] De Presense, vol. 2, pp. 75, 76.
[42] - يوسابيوس: شهداء فلسطين ف 6.
[43] - يوسابيوس 5: 1.
[44] - يوسابيوس 6: 41 (رسالة البابا ديونيسيوس).
[45] - يوسابيوس 4: 15.
[46] - يوسابيوس 5: 1.
[47] - أنظر رؤ 17: 3، 6، 12، 14.Schaff, vol. 2. Pp. 33, 34.
[48] - أع 25: 11.
[49] - Schaff, vol. 1, p. 378.
[50] - Schaff, vol. 1, pp. 379, 380.
[51] - Schaff, vol. 1, pp. 380 381.
[52] - Fustel de Coulanges: La Citè Antique p. 196; Après Tite – Live , 26: 27: Conditum in penetrali fatale pignus romani imperii.
[53] - Documents of the Christian Churh, p. 2. (Tacitus Annales, 15: 44). – Schaff, vol. 1, pp. 381, 382.
[54] - Schaff, vol. 1, pp. 387 - 389.
[55] - Schaff, vol. 1, pp. 389, 390.
[56] - أنظر: رسالة القديس كليمنضس الرومانى الى أهل كورنثوس فصل 95 عن Documents of the Christian Church, p. 11.
[57] - Schaff, vol. 2, pp. 44, 45.
[58] - رؤ 2: 8 - 10.
[59] - رؤ 2: 12، 13.
[60] - Schaff, vol. 2, pp. 46, 49.
[61] - Documents of the Christian Church, pp. 3. 6.
[62] - مدرج كبير مستدير، أقامة أباطرة الرومان على مساحة كبيرة، تتسع لعشرات الآلاف من المتفرجين، وتتوسطه ساحة كبيرة يلقى فيها أسرى الحروب، لمصارعة الوحوش.
[63] - Schaff, vol. 2, pp. 53. 57.
[64] - Schaff, vol. 2, pp. 57, 58.
[65] - Schaff, vol. 2, p. 59.
[66] - Schaff, vol. 2, pp. 60, 61.
[67] - Documents of the Christian Church, p. 18.
[68] - Schaff, vol. 2, pp. 62, 63.
[69] - يوسابيوس 7: 10.
[70] - Documents of the Christian Church, p. 19.
[71] - يوسابيوس 7: 13.
[72] - Schaff, vol. 2, p63.
[73] - يوسابيوس 8: 1.
[74] - بينما لم يبدأ دير كلتيانوس اضطهاده للمسيحيين الا سنة 303.
[75] - اعتلت صحة ديوكلتيانوس، وأصيب بمرض شديد، أخذ يثقل عليه، فى نفس السنة التى أصدر فيها منشوره باضطهاد المسيحيين – أنظر.Dictionary of Christian Biography, vol. 1. p. 836.
[76] - Schaff, vol. 2, p. 65.
[77] - Ibid, pp. 65. 66.
[78] - Dictionary of Christian Biography, vol 1, p. 834.
[79] - Lactantius: De Mortibus Persecutorum, ch. 10.
[80] - Schaff, vol. 2. 65.
[81] - Laclantius: De Mortibus Persecutorum ch. 10: De Pressense, vol. 2, pp. 205, 205.
[82] - Schaff, vol 2, p. 66: De pressense. Vol. 2, pp. 203, 204.
[83] - Lactantlue: De Mortlbus Persecutorum, ch. 9. 10. 11.
[84] - قيل عن هذا الشاب أنه هو القديس مارجرجس الكبادوكى الشهير، وقيل انه شاب آخر اسمه يوحنا والامر غير واضح تاريخيا.
[85] - Lactantius, ch. 16.
[86] - يوسابيوس 8: 6.
[87] - يوسابيوس: شهداء فلسطين ف 3.
[88] - هل ابن أخى جالريوس، وثق فيه ديوكلتيانوس قبيل اعتزاله الحكم ورفعه لرتبة قيصر سنة 305، وأطلق يده فى حكم سوريا ومصر. ويذكر اسمه أحياناً، مكسيمينوس ديا Dala. ويعتبر أشر الحكام الذين نكلوا بالمسيحيين.
[89] - يوسابيوس: شهداء فلسطين ف 9.
[90] - يوسابيوس 8: 14.
[91] - Lactantius: de Mortibus Persecutorum ch. 43: 5.
[92] - Laclantius, ch. 34.
[93] - Ibid, ch. 48.
[94] - يوسابيوس 9: 10.
[95] - Dictionary of Christian Biography, vol. 3. P. 865.
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.
- لمسة وفاء لمثلث الرحمات السراج المنير والبستان المثمر نيافة الأنبا يوأنس
- تصدير
- مقدم الطبعة الثانية
- من هو المسيحى؟
- مفهوم جديد للألم
- اضطهاد اليهَوُدية للَمَسيحَة
- الباب الأول: اضطهاد اليهودية للمسيحيين
- الباب الثانى: روما الإمبراطورية الوثنية
- الباب الثالث: مع الشهداء الأبطال
- الباب الرابع: مع الكنيسة الساهرة


