هذا الفصل هو جزء من كتاب: الاستشهاد فى المسيحية – الانبا يؤانس الغربية .
جدول المحتويات
- لمسة وفاء لمثلث الرحمات السراج المنير والبستان المثمر نيافة الأنبا يوأنس
- تصدير
- مقدم الطبعة الثانية
- من هو المسيحى؟
- مفهوم جديد للألم
- اضطهاد اليهَوُدية للَمَسيحَة
- الباب الأول: اضطهاد اليهودية للمسيحيين
- الباب الثانى: روما الإمبراطورية الوثنية
- الباب الثالث: مع الشهداء الأبطال
- الباب الرابع: مع الكنيسة الساهرة
الباب الثالث: مع الشهداء الأبطال
دوافع الاستشهاد فى المسيحية.
أنواع العذابات التى أحتملها الشهداء والمعترفون.
نفسية المسجونين على ذمة الاستشهاد.
محاكمات الشهداء وأحاديثهم الخالدة.
معجزات صاحبت تعذيب الشهداء وقتلهم واثرها.
فئات الشهداء ونماذج من بطولاتهم.
تقييم الاستشهاد فى المسيحية.
دوافع الاستشهاد فى المسيحية
لم تعرف البشرية فى كل تاريخها شهداء كشهداء المسيحية، من حيث حماسهم، وشجاعتهم، وايمانهم، ووداعتهم، وصبرهم، واحتمالهم، وفرحهم بالاستشهاد. فقد كانوا يعانقون الموت فى فرح وهدوء ووداعة عجيبة اذهلت معذبيهم ومضطهديهم وأعداءهم على السواء. فرموهم بالجنون أحياناً وبالجهل والحماقة أحيانا أخرى. وقد سخر بعض أعداء المسيحية من ظاهرة الاستشهاد، وفسروها فى سذاجة وسطحية، على أنها هروب من الحياة، ونوح من الانتحار تحت ظروف قاسية... وقد فند المدافعون المسيحيون المعاصرون للاضطهادات هذه الافتراءات وردوا عليها، مما سنورده فى المعاصرون للاضطهادات، هذه الافتراءات وردوها عليها، مما سنورده فى موضوع آخر من هذا الكتاب.
والحق اننا لا يمكننا فهم الاستشهاد فى المسيحية، وتقدير قدسيته وبطولته، ما لم نفهم دوافعه، التى ملكت على أولئك الشهداء قلوبهم، ومشاعرهم، وأفكارهم بصورة قوية دفعت بهم إلى الموت، وكأنه رحلة ممتعة... لقد اقتبل المؤمنون المسيحيون مع ايمانهم المسيحى مبادئ روحية أساسية غيرت حياتهم الشخصية ومفاهيمهم ونظرتهم للحياة كلها... ونستطيع أن نجملها فيما يلى:
(1) ان هذا العالم وقتى بالقياس الى الحياة الابدية:
ما أكثر الاقوال الالهية التى كانت تشجع فيهم هذا الاحساس...
«لأن خفة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجد أبديا. ونحن غير ناظرين الى الاشياء التى ترى بل الى التى لا ترى. لأن التى ترى وقتية وأما التى لا ترى فأبدية» (2كو 4: 17)).
.. «أقول هذا أيها الاخوة. الوقت منذ الآن مقصر لكى يكون الذين لهم نساء كأن ليس لهم. والذين يبكون كأنهم لا يبكون. والذين يفرحون كأنهم لا يفرحون. والذين يشترون كأنهم لا يملكون. والذين يستعملون هذا العالم كأنهم لا يستعملونه. لأن هيئة هذا العالم تزول» (1كو 29، 30)...
«العالم يمضى وشهوته. وأما الذى يصنع مشيئة الله فيثبت الى الابد» (1يو 2: 17)).
(2) وأنهم غرباء فيه:
متذكرين كلمات الوحى الالهى على فم الرسل القديسيين حينما أوصاهم قائلاً.
«سيروا زمان غربتكم بخوف» (1بط 1: 17)).
..
«أيها الاحباء، أطلب اليكم كغرباء ونزلاء أن تمتنعوا عن الشهوات الجسدية التى تحارب النفس» (1بط 2: 11)).
وبعد أن تكلم بولس الرسول عن أبرار العهد القديم قال.
«فى الايمان مات هؤلاء أجمعون وهم لم ينالوا المواعيد بل من بعيد نظروها وصدقوها وحيوها وأقروا بأنهم غرباء ونزلاء على الأرض» (عب 11: 13)).
..
«فاذ نحن واثقون كل حين وعالمون اننا ونحن مستوطنون فى الجسد فنحن متغربون عن الرب... فنثق ونسر بالاولى أن نتغرب عن الجسد ونستوطن عند الرب» (2كو 5: 6).
، 8).
(3) وأن هذا العالم وضع فى الشرير والحياة فيه حياة حزن والم وضيق:
«نعلم أننا نحن من الله والعالم كله قد وضع فى الشرير» (1يو 5: 19)).
.
«الحق الحق أقول لكم، انكم ستبكون وتنوحون والعالم يفرح. أنتم ستحزنون ولكن حزنكم يتحول الى فرح» (يو 16: 20)).
«اجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضيق» (لو 13: 24)).
..
«فى العالم سيكون لكم ضيق. ولكن ثقوا، أنا قد غلبت العالم» (يو 16: 33)).
.. بالمقارنة بالحياة الاخرى التى قيل عنها « وسيمسح الله كل دمعة من عيونهم. والموت لا يكون فى ما بعد ولا يكون حزن ولا صراخ ولا وجع فى ما بعد» (رؤ 21: 4).
(4) وقد عرفوا أيضاً أن نهاية ضيقات وأحزان وآلام هذا العالم تؤول الى مجد عظيم فى السماء...
«من يحب نفسه يهلكها، ومن يبغض نفسه فى هذا العالم يحفظها الى حياة أبدية» (يو 12: 25)).
«الحق الحق أقول لكم ان لم تقع حبة الحنطة فى الارض وتمت فهى تبقى وحدها. ولكن ان ماتت تأتى بثمر كثير» (يو 12: 24).
«ستبكون وتنوحون والعالم يفرح. أنتم ستحزنون ولكن حزنكم يتحول الى فرح. المرأة وهى تلد تحزن لان ساعتها قد جاءت. لكن متى ولدت الطفل لا تعود تذكر الشدة لسبب الفرح لانه قد ولد انسان فى العالم» (رو 8: 17)).
.. «صادقة هى الكلمة أنه ان كنا قد متنا معه فسنحيا أيضاً معه. ان كنا نصبر فسنملك أيضاً معه» (2تى 2: 11، 12)...
«فانى أحسب ان آلام الزمان الحاضر، لا تقاس بالمجد العتيد أن يستعلن فينا» (رو 8: 18)).
.. وقد أوضح الرائى فى رؤياه ذلك بقوله «بعد هذا نظرت واذا جمع كثير لم يستطع أحد أن يعده من كل الأمم والقبائل والشعوب والألسنة واقفون أمام العرش وأمام الخروف متسربلين بثياب بيض وفى أيديهم سعف نخل... وأجاب واحد من الشيوخ قائلاً لى هؤلاء المتسربلون بالثياب البيض من هم ومن أين أتوا... فقال لى هؤلاء هم الذين أتوا من الضيقة العظيمة، وقد غسلوا ثيابهم وبيضوا ثيابهم فى دم الخروف. من أجل ذلك هم أمام عرش الله ويخدمونه نهارا وليلا فى هيكله. والجالس على العرش يحل فوقهم. لن يجوعوا بعد ولن يعطشوا بعد... لأن الخروف الذى فى وسط العرش يرعاهم ويقتادهم الى ينابيع ماء حية، ويمسح الله كل دمعة من عيونهم» (رؤ 7: 9 - 17)... ولم يستطع بولس أن يصف مجد السماويات فاكتفى بالقول.
«ما لم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على بال انسان» (1كو 2: 9)).
«أما عن المجد الذى سيكون فيه أولاد الله فى السماء فيصفه يوحنا بقوله... أيها الأحباء نحن أولاد الله، ولم يظهر بعد ماذا سنكون. ولكن نعلم انه اذا اظهر نكون مثله لأننا سنراه كما هو» (1يو 3: 2).
من أجل كل هذا...
(أ) زهدوا فى كل شئ مادى عالمى...
مستفيدين من الحكمة التى وصل اليها أيوب البار «عريانا خرجت من بطن أمى وعريانا أعود الى هناك» (أى 1: 21). وهو نفس المعنى الذى أكده القديس بولس حينما قال «لأننا لم ندخل العالم بشئ وواضح أننا لا نقدر أن نخرج منه بشئ. فان كان لنا قوت وكسوة فلنكتف بهما» (1تى 6: 7، 8).. وقد أعتبر بولس أن الغنى هو الغنى الروحى، وأن المؤمن باقتنائه المسيح فى قلبه قد اقتنى كل شئ.
«كفقراء ونحن نغنى كثيرين. كأن لا شئ لنا ونحن نملك كل شئ» (2كو 6: 10)).
..
(ب) واشتهوا الانطلاق من الجسد لكى يكونوا مع المسيح...
وقد غذى هذا الشعور فيهم كلمات الرب يسوع.
«حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضاً» (يو 14: 2).
، 3)...
«من يحب نفسه يهلكها. ومن يبغض نفسه فى هذا العالم يحفظها الى حياة أبدية... وحيث أكون أنا، هناك أيضاً يكون خادمى» (يو 12: 25).
، 26)... من أجل هذا أشتهى القديسون هذا اللقاء مع الحبيب، فهتف سمعان الشيخ.
«الآن تطلق عبدك يا سيد حسب قولك بسلام» (لو 2: 29)).
.. وهتف بولس «لأن لى الحياة هى المسيح والموت هو ربح»... لى اشتهاء أن أنطلق واكون مع المسيح ذاك أفضل جداً (فى 1: 21، 23)... ويوحنا الرائى بعد أن رأى مالا يرى من أمجاد العالم العتيد ختم رؤياه بقوله «آمين. تعال أيها الرب يسوع» (رؤ 22: 20)...
(ﺟ) وقد فعلوا كل ذلك عن محبة عجيبة...
مفضلين الرب عمن سواه وعما عداه، اذ كانت كلمات الرب أمامهم.
«من أحب أبا أو أما أكثر منى فلا يستحقنى. ومن أحب ابنا أو ابنة أكثر منى فلا يستحقنى» (مت 10: 37)).
..
«لا تحبوا العالم، ولا الأشياء التى فى العالم. إن أحب أحد العالم فليست فيه محبة الآب» (1يو 2: 15)).
..
«أما تعلمون أن محبة العالم عداوة لله فمن أراد أن يكون محباً للعالم، فقد صار عدواً لله» (يع 4: 4)).
..
كانت حياتهم فى الجسد حياة فى العالم، وليست للعالم... عاشوا فيه دون أن يكون قلبهم فيه... استخدموا العالم كبحر تعبر فيه سفينة حياتهم، دون أن تمتلئ من مياهه، فتغرق وتغوص الى قاعه.
« والذين يستعملون هذا العالم كأنهم لا يستعملونه. لأن هيئة هذا العالم تزول» (1كو 7: 31)).
.. لقد عبر بولس عن حبه بهذه الكلمات.
«من سيفصلنا عن محبة المسيح... فانى متيقن انه لا موت ولا حياة ولا ملائكة ولا رؤساء ولا قوات ولا أمور حاضرة ولا مستقبلة. ولا علو ولا عمق ولا خليقة أخرى تقدر أن تفصلنا عن محبة الله التى فى المسيح يسوع ربنا» (رو 8: 35 - 39)).
.. وحينما قال.
«لست أحتسب لشئ ولا نفسى ثمينة عندى» (أع 20: 24)).
.. حقق ذلك عمليا لمؤمنى قيصرية حينما رجوه ألا يصعد الى أورشليم تفاديا لليهود الذين كانوا يطلبونه للفتك به.
«ماذا تفعلون تبكون وتكسرون قلبى، لأنى مستعد ليس أن أربط فقط بل أن أموت أيضاً فى أورشليم لأجل اسم الرب يسوع» (أع 21: 10 - 13)).
..
والآن – بعد أن عرضنا لهذه الدوافع المقدسة، نستطيع أن ندرك، ولو قليلاً، ونعلل سر تهافت الشهداء على الموت، واقبالهم على التعذيب، بروح اللامبالاة، لكن فى فرح وسكينة من أجل الرجاء العتيد.
ونستطيع أن نميز ثلاث فئات من الشهداء من حيث دافع استشهادهم:
أ – شهداء من أجل ثباتهم على الايمان المسيحى عامة. وهؤلاء تؤلف أعدادهم الغالبية العظمى ممن استشهدوا على اسم المسيح، وهو موضوع كتابنا هذا بأكمله.
ب – شهداء استشهدوا من أجل الحفاظ على عفتهم وطهارتهم.
ج – شهداء ماتوا تمسكا بعقيدتهم... والآن نعرض للنوعين الأخيرين.
شهداء من أجل العفة
ميزت المسيحيين فى أجيال المسيحية الاولى، ظاهرتان واضحتان كل الوضوح، هما شهوة الاستشهاد، ومحبة العفة والبتولية... ونحن نرى فى سيطرة هاتين الظاهرتين على المؤمنين أمرا طبيعيا، يتمشى مع الروحانية العميقة التى عاشوها، والسمو العجيب الذى حققوه باحتقار الجسد وكل ما هو مادى. فحيث الاستشهاد لابد وأن توجد الطهارة. فليس استشهاد مع الانحلال الروحى، والانحطاط الخلقى، وسيطرة شهوة الجسد على الانسان وعبوديته لها.
† الموت أخف من الدنس:
● وتاريخ الشهداء حافل بأمثلة رائعة لأبطال الطهارة والعفة، الذين فضلوا أن يقابلوا الموت عن أن يدنسوا أجسادهم. فالوثنيون وحكامهم تملكت عليهم شهوة دنسة بصورة مزرية مخجلة. وكانوا يندهشون لطهارة المسيحيين والمسيحيات على وجه الخصوص، اللائى «لم يستطعن مجرد الاصغاء الى تهديد الحكام الوثنيين بهتك أعراضهن فتحملن كل أنواع التعذيب والتنكيل والقصاص المميت»[96].
يقول يوسابيوس المؤرخ الذى عاش وسط الاضطهادات «لم يكن النساء أقل من الرجال بسالة فى الدفاع عن تعاليم الكلمة الالهية، اذ اشتركن فى النضال مع الرجال. ونلن معهم نصيباً متساوياً من الاكاليل من أجل الفضيلة وعندما كانوا يجروهن لأغراض دنسة، كن يفضلن تسليم حياتهن للموت عن تسليم أجسادهن للنجاسة»[97].
كان واضحاً اذن أمام الحكام الوثنيين، ان الوقوع فى الدنس أشر من الموت بالنسبة للمسيحيين... من أجل هذا فرضوه عقابا خاصة بالنسبة للعذارى والسيدات وبعض الشباب.
شاب عفيف:
فى الاضطهاد الذى أثاره الامبراطور ديسيوس (249 – 251)، اذ فشل أحد الولاة الوثنيين فى أن يثنى شابا قبطياً عن ايمانه، سلمه لاحدى الباغيات (الساقطة) لتسقطه فى الخطية. واذ لم تجد تلك المرأة وسيلة لتحقيق غرضها، ربطو الشاب – جسمه ويديه ورجليه بسرير – ثم أخذت المرأة تقوم بوسائلها السمجة لاثارته... واذ لم يجد الشاب وسيلة للهرب من هذا الشر، وخاف على طهارته من أن تتدنس، قضم على لسانه بأسنانه، وبصقه ومعه سيل من الدماء فى وجهها... واذ تملكها الرعب من هول ما حدث، هربت، أما هو فحفظ طهارته...
بوتامينا العذراء العفيفة:
● وفى الاضطهاد الذى أثاره سبتميوس ساويروس، احتملت العذراء المصرية بوتامينا أشد أنواع العذاب. ويقول يوسابيوس المؤرخ عنها «لا تزال مشهورة بين شعب البلاد لسبب الآلام العديدة التى تحملتها فى سبيل الاحتفاظ بعفتها وعذراويتها. لانها كانت فى دور النضوج العقلى والجسمى. واذ تحملت كثيرا من أجل الايمان بالمسيح، وعانت صنوفا مختلفة من التعذيب الذى لا يوصف، أحرقت بالنار أخيرا مع أمها مارسيلا. ويقال ان الوالى المسمى أكيلا، بعد أن عذب كل جسمها تعذيباً قاسياً هددها أخيرا بتسليمها الى المصارعين للاساءة الى جسدها. واذ سئلت عما استقر عليه رأيها، فكرت قليلا وقدمت اجابة اعتبرت خارجة عن حدود اللياقة، وللحال صدر عليها الحكم وساقها الى الموت باسيليدس أحد ضباط الجيش. ولما حاول الشعب اساءتها واهانتها بالفاظ بذيئة أبعد (باسيليدس) أولئك المسيئين، وأظهر نحوها كثيراً من الرقة والعطف»... كانت الطريقة التى تقرر أعدامها بها، أن يصب القار المغلى على اعضائها.
ولكنها صاحت قائلة للوالى «استحلفك برأس الامبراطور الذى تخشاه، ألا تجعلهم يجردوننى من ثيابى، بل يدعونى أنزل الى القار قليلا قليلا، حتى ترى أية قوة أحتمال أعطانيها المسيح الذى لست تعرفه»... الى هذه الدرجة من التحفظ والحياء ومحبة الطهارة، كانت هذه العذراء التى أبت أن تخلع ملابسها وينكشف جسدها... أما الجندى باسيليدس الذى حامى عنها فكانت مكافأتها أنها وعدته أنها ستذكره أمام المسيح حالما تصل اليه. وقد ظهرت له فى رؤياه بعد استشهادها، ووقفت بجانبه ليلا ثلاثة أيام متوالية تقلده أكليلاً على رأسه، وتقول له أنها توسلت الى الرب من أجله، وانه بعد قليل سيلحق بها. وهذا ما تم فعلا بعد أيام من استشهاد بوتامينا، اذ اعترف باسيليدس بالمسيح وقطعت رأسه بالسيف[98].
بربيتوا:
● وفى قصة استشهاد القديسة بربيتوا بقرطاجنة، حدث انها ألقيت لثور هائج أخذ يضربها بقرونه، فسقطت على الأرض نصف ميتة.. لكنها لم تنس وهى فى هذه الحالة أن تغطى جسدها بردائها الذى تمزق!!. ويورد المؤرخ شاف Schaff هذه اللمحة فى قصة بربيتوا دليلا على محبة المسيحيين الأوائل للطهارة والعفة وتعلقهم بها. [99].
ثيئودورة العذراء العفيفة:
● استشهدت بالاسكندرية فى زمان ديوكلتيانوس وهى فى سن السابعة عشر، لأنها آثرت حياة العفة والتبتل... كانت ثيئودورة سليلة أسرة نبيلة وعلى جانب كبير من الجمال الجسدى. فأمرها الوالى أن تبخر للأوثان، وإلا فان، عقوبتها ستكون ايداعها احد بيوت الدعارة... وفى تمسكها بعفتها، رفضت كلامه، وقالت انها واثقة أن الرب يسوع سيخلصها... وقد أتاها الخلاص من هذه التجربة على يد الشاب المسيحى ديديموس الذى تنكر فى زى جندى وكان أول من دخل اليها، وكانت لا تعرفه. أما الخطة فكانت استبدال ملابسها. وخرجت ثيئودورة متخفية فى زى الجندية، دون أن يفطن اليها احد. وبقى ديديموس فى الحجرة حتى اكتشف امره، وسيبقى للوالى وحكم عليه بالموت للمؤامرة التى ارتكبها. وحدث وهو فى طريقه الى مكان الاعدام أن رأته ثيئودورة، وعرفت قصته، فشقت الجموع وأمسكت به وقالت له «انى لا أقبل أن تأخذ مكانى فى الاستشهاد. لقد وافقت فقط أن تحفظ عفتى»... وعرف الامر، ونال كلاهما أكليل الشهادة معا.
الموت أهون من الدنس: [100]
وكان من أثر عنف الاضطهاد – خاصة فى زمان ديوكلتيانوس – أن ظهر فى تاريخ الكنيسة لأول مرة عذارى مسيحيات آثرن الموت للتخلص من العار الذى كانت السلطات تريد أن تسومهن به.
سيدة فى انطاكية:
سيدة تقية فى انطاكية على جانب كبير من الفضيلة والثراء، كان لها ابنتان فى عمر الزهور. احتال عليها بعض الجنود الوثنيين وكانوا يدبرون ايقاعهما فى شرك. فلما عرفت الأم ما انتواه هؤلاء من شر قالت إن تسليم نفوسهن لعبودية الشيطان لهى أشر من كل أنواع الموت وفكرت فى وسيلة للنجاة من العار أسرَّت بها لإبنتيها. طلبن من الحراس فرصة قصيرة، وانتحين جانباً فى الطريق. ثم ما لبثن أن ألقين بأنفسهن فى نهر بجانب الطريق. وهكذا وضعن خاتمة لحياتهن حتى لا يقعن فى الدنس[101].
سيده من روما:
وسيدة أخرى مسيحية متزوجة فى روما أراد مكسنتيوس امبراطور الغب الوثنى (305 – 312) – وكان شريرا فاجرا – أن يغتصبها ليشبع شهوته. فلما علمت بالأمر وأن زوجها نفسه على استعداد أن يقتادها لهذا الطاغية!! طلبت أن تعطى فرصة للتزّين. فدخلت غرفتها وطعنت نفسها بسيف وماتت فى الحال. وهكذا بينت بأعمالها – بقوة أشد جدا من أى كلمات – أن الفضيلة التى يغلب بها المسيحيون هى أقوى ما يمتلكون[102].
سيدة وعذراء فى غزه:
وفى غزه بفلسطين لم تحتمل امرأه مسيحية تهديدها بالزنى كعقاب لها على مسيحيتها، فهاجمت مكسيمينوس الطاغية الذى سلم الحكم لقضاة قساة، فكان جزاؤها الجلد أولا ثم رفعها الى فوق على خشبة، وتمزيق جنبيها. هال هذا المنظر عذراء مسيحية، فاندفعت نحو القاضى وصاحت فى وجهه «الى متى يطول تعذيبكم القاسى لأختى؟ » فأمر بالقبض عليها وطلب منها التضحية للأوثان فرفضت. سحبوها بعنف نحو المذبح فركلته بقدمها بكل شجاعة وقلبته بما عليه من نيران. وللحال زأر القاضى كالوحش وعذبها بكل قسوة، وأخيرا أحرقهما معاً. كانت الأولى من غزه والثانية من قيصرية[103].
فيرونيا العذراء الشهيدة:
● وفى أثناء الاضطرابات التى عمت مصر سنة 749م، بسبب فرار مروان بن محمد آخر خلفاء الأمويين الى الوجه القبلى، أمام أبى العباس، دخل جنود مروان دير للعذارى قرب أخميم. وبعد أن نهبوه أرادوا اغتصاب عذراء صغيرة، تدعى فيرونيا، فتنوا بجمالها. واذ وجدت فيرونيا نفسها بين أيدى هؤلاء الجند، استمهلتهم قليلا، ودخلت قلايتها، وألقيت بذاتها بين يدى الله باكية، طالبة الخلاص من الدنس. وسرعان ما خرجت اليهم بحيلة... توسلت اليهم أن يتركوها لعبادتها، مقابل جميلا تسديه اليهم، تعلمته من أسلافها. وكان هذا الجميل، زيتا تقتنيه، اذا دهن به أى جزء من الجسم، لا تعمل فيه السيوف. ولكى تبرهن على صدق كلامها، دهنت عنقها بالزيت وطلبت أن يهوى أقواهم بسيفه على عنقها... وما أن فعل ذلك حتى انفصل رأس العذراء العفيفة عن جسدها... أما الجند فأعتراهم خوف شديد، وأسرعوا بمغادرة الدير، بعد أن تركوا كل ما كانوا قد نهبوه.
شهداء من اجل العقيدة
ما كادت الكنيسة تنتهى من اضطهاد ملوك الدولة الوثنيين، عقب ارتقاء الملوك قنسطنطين عرش الملك، حتى بدأت تواجه متاعب داخلية خطيرة نتيجة ظهور البدع والهرطقات الدينية، انتهت بانقسام كنيسة المسيح الواحدة، وشوهت صورة وحدانية الروح والفكر والقلب، وجعلت الضعف يسرى فى أجزائها المختلفة...
ونحن لا ننكر أن هذه المتاعب الداخلية واجهت الكنيسة منذ العصر الرسولى حتى أن بولس الرسول يكتب لكنيسة كورنثوس قائلاً.
«أسمع أن بينكم انشقاقات وأصدق بعض التصديق. لأن لابد أن يكون بينكم بدع أيضاً ليكون المزكون ظاهرين بينكم» (1كو 11: 18).
، 19). لكنها لم تكن من الخطورة حتى تقلق الكنيسة. وقد تمكنت الكنيسة من القضاء على معظمها من غير كبير عناء.
لكن الأمر أخذ وضعا أخطر وأعنف ابتداء من عشرينات القرن الرابع المسيحى. وزاد من هذه الخطورة اعتناق بعض ملوك الدولة المسيحيين لبعض هذه البدع والهرطقات. فأخذوا ينكلون بخصومهم فى الرأى والمعتقد بالوسائل العالمية من نفى وتشريد وقتل... وصار شهداء العقيدة يعدون بالآلاف. وينبغى الا يقلل من أهمية هذا الموضوع. فقد غدا الخلاف المذهبى من أجل العقيدة – عقب مجمع خلقيدونية سنة 451 – أحد الاسباب الهامة، ان لم يكن اهمها فى تقويض عرش الأباطرة البيزنطيين، وانهيار هذه الامبراطورية أمام زحف الجيوس العربية القليلة العدد والعدة، فى منطقة الشرق الاوسط... والآن نقدم بعض أمثلة لشهداء استشهدوا دفاعا عن العقيدة القويمة:
الآريوسية:
فى الاسكندرية، على عهد الأسقف الاريوسى جورجيوس، قبض الاريوسيون على سيكوندوس كاهن برقه فى الخمس مدن الغربية الذى تصادف وجوده حينئذ فى الاسكدرية أمسكه الاريوسيون وطرحوه أرضاً وأوسعوه ضربا وركلا بالاقدام حتى فاضت روحه. وفيما كان يتعذب بقسوة لم يكف هذا الأب عن أن يردد القول «لا ينتقم أحد لدمى المسفوك بل سيدى الذى أتألم لأجله هو الذى ينتقم لى» وقد ارتكب الاريوسيون جريمتهم البشعة هذه فى الصوم الكبير.
وفى عيد العنصرة تواطأ جورجيوس المذكور مع الدوق سبستيان Sebastian الهرطوقى، وأحدث مذبحة فى الاسكندرية.
كانت جميع كنائس الاسكندرية فى يد الاريوسيين. ولما لم يجد الارثوذكسيون كنيسة يحتفلون فيها بعيد العنصرة، ذهبوا الى مقابرهم ليحتفلوا هناك بالعيد... وكانت لمقاطعة الشعب لهذا الاسقف الاريوسى الدخيل، أثرها فى تحريك كوامن غيظه، فاستنجد بالدوق سبستيان الهرطوقى. فأمر الجند وأرسلهم مدججى السلام، وساروا فى الطريق المؤدية الى تلك المقابر، وضبطوا منافذها حتى لا يستطيع أحد الهرب...
اعتدى الجند على من صادفهم فى الطريق بوحشية، ثم اضرمت نار هائلة، وكانوا يجذبون السيدات ويجبرونهن على اعلان الايمان الاريوسى تحت تهديد الالقاء فى النيران... وقد وقفت السيدات وقفات بطولية، فلم ترهبن الموقف، واعترفن بقوة وعلى الملأ بايمانهن الارثوذكسى، وبناء على أوامر الدوق سبستيان أخذ الجنود يصفعون السيدات الارثوذكسيات على وجوهن حتى تورمت، وأصبح من المستحيل التعرف على شخصياتهن.
أما بالنسبة للرجال، فقد جردهن الجند من ثيابهم كلية، وكانوا يضربونهم بكل قسوة ووحشية بجريد النخيل ذى الاشواك الحادة جداً، ويدحرجونهم عليها، فانغرس الشوك فى لحمهم، وأحدث آلاما قاسية، حتى أن كثيرين ماتوا، والبعض الآخر ظلوا تحت العلاج لمدة طويلة، كما نفى آخرون الى الواحات فى اصحارى... [104].
● والقديس بولس أسقف القسطنطينية ( + 351) الذى ناصب الأريوسيين العداء نفاه الملك الاريوسى قسطنطيوس خمس مرات، وأخيراً أوعز الى أحد الاريوسيين فقتله فى منافه ببلاد أرمينيا. ثم ما لبث أن لحق به تلميذاه مركيانوس ومرقوريوس بعد أيام قليلة، اذ أمر الملك بقتلهما بحد السيف لعدائهما للأريوسيين وعلى رأسهم الملك نفسه. [105].
● القديس ثيئودورس الذى كان راهبا بدير قريب من الاسكندرية، أخذته الغيرة أثناء نفى البابا أثناسيوس بسبب الاريوسيين. فكان يناقشهم محاولا كسبهم باظهار فساد معتقدهم. فأمر البطريرك الاريوسى بالقبض عليه وربطه فى رجل حصان جموح، أخذ يسجله فى الشوارع، حتى فاضت روحه. [106].
الخلقيدونية:
● القديس مقاريوس الأسقف – أحد الثلاثة مقارات القديسين – والذى نفى مع البابا ديسقوروس بعد مجمع خلقيدونية، أظهر حرارة فى الايمان وثباتا على المعتقد الارثوذكسى، فأنقذه البابا ديسقوروس من منفاه سراً الى الاسكندرية لتثبيت المؤمنين. وبوصوله اليها وجد رسول الملك مركيان ومعه طومس لاون، يحاول أن يقنع الآباء بقبوله والتوقيع عليه. ولما طلب رسول الملك الى القديس مقاريوس التوقيع رفض، وأخذ يحض الباقين على التمسك بايمان الآباء. اغتاظ منه رسول الملك وهجم عليه وركله بقدمه بقوة، فسقط ميتا لوقته نظرا لشيخوخته.
● وكنتيجة لمجمع خلقيدونية وعزل البابا ديسقوروس ونفيه وتعيين الملك للمدعو بروتيريوس Proterius بطريركا بدله، حدث هياج شديد فى الاسكندرية، وقتل بروتيريوس. وقيل أن اللصوص الذين انقضوا عليه ليسلبوه أمواله (بعد أن سلب اموال كنائس وأديرة الارثوذكسيين)، هم الذين قتلوه. فغضب الملك مركيان وأرسل عددا من الجند، أعملوا القتل فى الاقباط الارثوذكسيين، فقتلوا منهم حوالى ثلاثين الفا[107].
● وفى مدة حكم الملك ليو الذى خلف بلشاريا نفى البابا الاسكندرى تيموثاوس 26 خليفة البابا ديسقوروس، وبقى فى المنفى لمدة سبع سنوات حتى خلف ليو ملكاً آخر، أعاد البابا من منفاه. وفى مدة غياب البابا تيموثاوس عن كرسيه، اجتاحت البلاد ثورات دامية اشتدت فى الاسكندرية. وشدد الملكيون [أصحاب بدعة الطبيعتين] اضطهادهم للأرثوذكسيين بقصد اخضاعهم، فسقط شهداء كثيرون دفاعا عن المعتقد القويم.
● كما استشهد بالاسكندرية على أيدى أصحاب بدعة الطبيعتين، مينا شقيق البابا بنيامين البطريرك 38، وبعد أن احتمل عذابات كثيرة، منها تسليط مشاعل على جنبيه حتى سال شحم كليتيه، وكسروا أسنانه من كثرة الضرب... لكنه فى كل ذلك رفض الخضوع لمطلبهم، وهو الاعتراف بمجمع خلقيدونية، وأخيرا طرحوه فى البحر.
● كما أنزل الملك هرقل (610 – 641) – اضطهادات بالغة العنف بأصحاب الطبيعة الواحدة (الارثوذكسين) وطارد رعاتهم، وكان يفتك بهم. فاستشهد فى حكمه كثيرون.
أنواع العذابات التى احتملها الشهداء والمعترفون
«لا حق لك فى أن توجد»...
هذه هى العبارة التى كان يوجهها الوثنى للمسيحى، ابان الاضطهادات التى كانت تجتاح أقاليم الدولة الرومانية، كلما ثارت ثائرتها، لأى سبب من الأسباب... وهى تعبر تعبيرا أمينا عن مشاعر البغضة والمقت والعداوة التى كانت تعتمل فى نفوس الوثنيين من نحو المسيحيين، والتى أفضت الى صنوف من العذاب والاهوال قاساها المسيحيون فى احتمال مذهل.. ولا شئ غير الموت كان يضع حدا لألامهم...
ولا يحسبن أحد أن الاستشهاد كان فى متناول من يريده ويشتهيه. فقد كان الموت يوافى المعترف فى ختام المطاف، بعد سلسلة طويلة من الوان الاضطهاد الادبى والتعذيب الجسدى.
والواقع اننا لا نستطيع أن نصف، أو نحصى أنواع ووسائل العذابات التى تعرض لها الشهداء والمعترفون المسيحيون، والميتات التى ختموا بها حياتهم البطولية على مدى ثلاث قرون من الزمان تقريباً، فمجرد ذكرها يسبب رعبا للانسان... ومن شدة هولها يكاد الانسان الا يصدقها، لولا أنها وصلت الينا عن طريق اناس موثوق بهم، رأوها بأعينهم. وبعض هؤلاء، شهداء مروا ببعض هذا العذابات، أو معترفين شربوا كأسها. لقد استخدم الاباطرة والولاة والحكام والقضاة الوثنيون كل وسائل الاغراء والتهديد والتعذيب والاماته لارهاب المسيحيين، وتحطيم روحهم المعنوية. وتفننوا كيف يخضونهم، فاستحدثوا وسائل للتعذيب، ولجأوا الى طرق لم تكن متبعة للتنكيل بهم، تتنافى مع الآداب العامة المعروفة، وفضلاً عن قوانين الدولة نفسها التى بموجبها كان يحاكم المجرمون المتهمون بشتى الجرائم.
أما قانون عقوبات الدولة فكان ينص على الآتى[108]:
(1) حرق الانسان حيا، وهو أكثر الميتات رعبا. وكان يعاقب بهذه العقوبة الهاربون من الخدمة العسكرية، أو العبيد الذين قتلوا سادتهم.
(2) الصلب. وكان يعاقب به قطاع الطرق.
(3) الالقاء للوحوش. وكان من يحكم عليهم بهذه العقوبة يفقدون امتيازهم وحريتهم مع صدور هذا الحكم عليهم. ويجب التحفظ عليهم للتعذيب، حتى يدلوا بأقوال أكثر قبل تنفيذ الحكم. لكن كان محظوراً على الحكام أن يلقوا المجرمين للوحوش إستجابة لصخب شعبى. ولم يكن مفروضاً أن يلقى المجرمين للوحوش لتفترسهم، ولكن لكى يصارعونهم. وقد يموت المجرمون اثناء تعذيبهم، ولكن لا يكون التعذيب وسيلة اماتتهم.
(4) قطع الرأس بالسيف، وكانت هذه العقوبة تطبق على من يحكم عليهم بالموت من المواطنين الرومان.
(5) الاستعباد فى المناجم ليعمل بها المحكوم عليهم، بعد وضع السلاسل فى أيديهم وأرجلهم متفاوتة الثقل.
(6) النفى الى جزيرة نائية موحشة وهذه العقوبة تشمل ضمناً فقدان حقوق المواطنة لكن ليس فقدان الحرية.
(7) أساليب الجلد المختلفة. وكان الضرب بالعصى يعتبر أكرم من الجلد بالسياط.
● وبأستعراض هذه التهم والعقوبات نجد أن الدولة لم تطبقها على المسيحيين، بل استحدثت لهم ألوانا من التعذيب بقصد أخضاعهم بأية وسيلة وكأن المسيحية هى كبرى الجرائم..!!
ونستطيع أن نضع العذابات التى احتملها المسيحيون تحت نوعين: أدبى، وجسدى، ثم نضيف اليهما تجاوزا نوعا ثالثا هو الضغط العاطفى. ونود أن نشير الى أن بعض هذه العذابات كان عاما فى كل انحاء الدولة وبعضها كان اقليميا، كما انها لم توجد بهذه الصورة، منذ بداية الاضطهادات لكنها كانت تزداد شدة بتقدم الزمان...
الاضطهاد الأدبى:
ونقصد به كل ما حل بالمسيحيين من أهانات وتحقير وتضييق منصبا على النفس بعيدا عن الجسد. واذا كان المسيحى فى عرف الرومان – لا حق له فى أن يوجد – فنستطيع اذن أن نتصور مقدار المهانة والاحتقار والاذلال التى كان يعامل بها...
ويدخل تحت هذا القسم الفصل من الوظائف، ومصادرة الأموال والممتلكات، وفقد حقوقه المواطنة، وسلب البيوت والأمتعة، وفقد حق التقاضى أمام المحاكم مالم يكن يحمل صاحب الدعوى شهادة رسمية تثبت أنه ضحى لآلهة الدولة. [109].
ويروى لنا القديس باسيليوس الكبير قصة جوليتا Julitta وهى توضح كيف أصبح المسيحيون لا يتمتعون بحماية القانون. كانت جوليتا أرملة ثرية من قيصرية كبادوكية. وكان هناك مواطن لا أخلاق له استولى على الجزء الاكبر من ممتلكاتها، واعتزم ابتلاع ما تبقى. لجأت جوليتا الى القضاء لينصفها منه. وحل يوم نظر القضية. وبدأ محاميها يشرح الاضرار التى أصابت موكلته على يد المدعى عليه. وفجأة قاطع المدعى عليه اجراءات المحاكمة قائلاً أن القضية ليست ذات موضوع، وأن أولئك الذين لا يعبدون الآلهة، ولا يتعهدون بقطع كل علاقة لهم بالمسيح، ليس لهم الحق فى أن يطلبوا انصاف القانون. وأقر القاضى وجهة النظر هذه. وجئ بالنار والبخور، وسئلت جوليتا ما اذا كانت تريد أن تثبت أحقيتها فى حماية القانون بتقديم البخور للآلهة. غير أنها رفضت ان تكسب مآربها الدنيوية وتخسر نفسها. وكان ردها على كل ما أشار به الوالى – وكان يميل الى مساعدتها - «انها خادمة المسيح» وكانت النتيجة أن حكم عليها بالحرق فسارت الى عاموت الاحراق مسرعة تشجع كل أمرأة تلقاها فى طريقها، بألا تكون أقل شجاعة من الرجال. وان حواء لم تؤخذ من لحم أدم فقط بل ومن عظامه أيضاً. [110].
ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل ان المسيحيين – فترة من الفترات – حرموا من استعمال الحمامات العامة، ما لم يضحوا للآلهة...
اضف الى ذلك ما تعرضت له العذارى والنساء المسيحيات عامة من معاملة شاذة عوملن بها، والضغط من جانب الولاة والحكام عليهن ليتخلين عن طهارتهن.. بل أن الاحكام صدرت ضدهن بارتكاب الفجور قبل تنفيذ أحكام الموت. وقد أوردنا عدة أمثلة على ذلك فى موضع آخر من هذا الكتاب.
لكننا نذكر الآن على سبيل المثال الفتاة العذراء أناثاس التى جردها الوالى من كل ملابسها، ما عدا سترة تسترها من الحقوين الى القدمين. وقادها معذبوها عارية بهذه الصورة فى كل مدينة قيصرية، قبل أن تحرق حية فى النهاية... وفى محاكمة الشهيدة ثيئودوة فى الاسكندرية، ذكرها القاضى بالأمر الذى يقضى باكراه السيدات والفتيات المسيحيات، ممن يعتنقن أفكارا كأفكارها، بأن يخضعوا بالانتهاك البدنى.
التعذيب البدنى:
ونستطيع أن نجمل وسائل التعذيب البدنى التى استخدمت مع المعترفين والشهداء فى الآتى:
● الحبس فى السجون وما يتبعه من سياسة التجويع والمعاملة السيئة. وكانت سجون تلك الازمنة تختلف تماما عن السجون المعروفة لنا الآن. كانت ضيقة مظلمة، وها خانق كريه الرائحة، ترتفع بها الحرارة نتيجة تجمع أعداد ضخمة فى أماكن ضيقة[111].
وقد تركت لنا بربيتوا شهيدة قرطاجنة الشهيرة بخط يدها وصفا للسجن الذى كانت فيه.. وحدث أن كثيرا من المعترفين ماتوا لمجرد وجودهم فى السجن ورائحته الخانقة. وقد جاء فى وصف سجن بقرطاجنة ضمن رسالة لبعض المعتقلين زمان جالريوس «انه لمما يعجز عنه التعبير، ما قضيناه هناك من أيام وليال. فأهوال السجن مما تقصر دونه الالفاظ»[112].
كان المسجونون توثق أيديهم خلفهم، وتضبط أرجلهم فى المقطرة. وهى عبارة عن خشبتين فيهما ثقوب يقمط بهما على ساقى المذنب. ولذلك فان السجين كان يتعذر عليه النوم وهو فى هذه الحالة، وساقيه مشدودتين بالمقطرة ومتباعدتين عن بعضهما، كل فى اتجاه، وذراعيه موثقين خلفه!!. وقد عذب القديس بولس بالمقطرة فى سجن فيلبى، ومعه سيلا (أنظر أع 16: 24).
أضف الى هذا أن الحبس فى هذه السجون المتعبة، كان يطول فى بعض الأحيان الى شهور وسنوات... وقد ظل أحدهم ست سنوات مسجوناً!! حتى أن كبريانوس أسقف قرطاجنة كتب الى بعض المعترفين فى السجن لتشجيعهم، فقال «ان تأخر استشهادكم فى ذاته يزيد عن ثقل مجدكم. وان اعترافا واحدا كاف لأن يجعل منكم قديسين. ولكنكم تكررون الاعتراف فى كل مرة تدعون لمغادرة السجن، وتفضلون السجن على ضياع الايمان. فكل يوم يزيدكم سموا. ان من يلقى الاستشهاد فورا، انما ينال نصرا واحدا. وأما من يظل يقاسى العذاب طويلا دون أن يغلبه الألم، فانه ينال كل يوم اكليلاً»...
● كانت توضع المسامير فى أحذيتهم ويلزمون بالسير مسافات طويلة من بلد لأخرى حينما يرسلون الى وال آخر ليحاكموا أمامه.
● الجلد بالسياط والضرب بالعصى والامشاط المدببة. وقد أمر الحكام فى فيلبى أن يضرب بولس وسيلا بالعصى (أع 16: 22). وقال بولس عن نفسه.
«ثلاث مرات ضربت بالعصى» (2كو 11: 25)).
وبعد الجلد كان يصب مزيج الخل والملح على جراح المعذبين...
● كان يرفع المعترفون الى اعلا، ويعلقون من احدى أيديهم أو أرجلهم فيقاسون الأهوال المروعة، وذلك نتيجة جذب أطرافهم ومفاصلهم. كما كان يوثق البعض الى الأعمدة دون أن يستقروا على أقدامهم. بل كان ثقل كل أجسادهم يعلق على القيود التى ربطوا بها، والتى كانوا يحكمون ربطها جيدا.
● وكانوا يعذبون تعذيبات مخلة وقاسية، على بطونهم وأعضائهم السرية. واكتفى يوسابيوس المؤرخ بمجرد التنويه عنهما...!! كما كانوا يوثقون النساء من أحدى القدمين، ويرفعونهم الى أعلا، بآلات خاصة، وأجسامهن عارية... وكان يعرض هذا المنظر المخجل لجميع المتفرجين.!
● نزع الأظافر أو ثقب أصابع المعترفين بأخشاب حادة تحت أظافرهن، او سحقها حتى تبرز العظام من خلال اللحم المهرأ.
● السحل على الأرض فى الشوارع، اما بواسطة الدهماء، كما فعلوا مع مارمرقس كاروز مصر، واما بناء على حكم القاضى بربط المعترف بذيل حصان جموح، يجمح فى الشوارع. وأحياناً كان الحكم يقضى بسحل المعترف على وجهه!!.
● القاء المعترفين فى بحيرات جليدية متجمدة الماء، كما حدث مع شهداء سبسطية الأربعين بولاية أرمينيا.
● السلخ، أو كشط الجلد واللحم حتى يصلوا الى العظم والاحشاء. وكانوا فى صعيد مصر يتممون هذا الأمر بحك الجلد بقطع المحار المدببة أو الفخار.
● مرور عجلات مسننة فوق جسم المعترف وهو نائم على الارض، أو رور آلة تعذيب اخرى تدعى المكشطة تمزق الجسد اربا اربا.
● نشر الجسم والعصر بالهنبازين. وهو دولاب يتحرك نصفه الاعلى فى اتجاه ونصفه الاسفل فى اتجاه عكسى، وبين نصفى الدولاب عدد من سكاكين حادة. وكان الشهيد يوضع بين نصفى الدولاب الذى يدار، فكان جسد الشهيد يتمزق اربا اربا ويسيل دمه ويتناثر لحمه.
● صب رصاص أو قار مغلى فوق أجساد المعترفين أو حرق أكثر أعضاء الجسم حساسية، أو النزول فى خلقين (برميل) زيت مغلى، أو قار مغلى كما حدث مع القديس يوحنا الحبيب الانجيلى والقديسة بوطامينا.
● الحرق، وكان يتدرج من الشئ أولاً، الى الحرق الكامل. كانوا يشوون الشهيد بالنار كاللحم الذى يشوى للأكل قليلا قليلاً، بقصد اطالة التعذيب وأحيانا كانوا يرفعون المعترفين من أقدامهم الى اعلا منكسة رؤوسهم الى أسفل فوق حطب يحترق بنار هادئة تحتهم ليختنقوا بالدخان المتصاعد. وكانوا أحياناً أخرى يحمون صفائح رقيقة حتى تتوهج ويضعوها على أجزاء الجسم الحساسة. وأحيانا كانوا يدحرجون المعترف فوق مسامير حديدية متوهجة. كما كانوا يضعون أسياخ حديد محمية فى الحنجرة أو الاذنين. وفى أحيان أخرى كانوا يجلسون الشهيد على كرسى من حديد، أو يجعلونه ينام على سرير حديدى ويوقدون تحته النيران. وأحيانا كانوا يلبسونه خوذة محمية بالنار فى رأسه. وأحيانا أخرى كانوا يغطون بعض أعضاء الجسم بأقمشة كتانية مبللة بالزيت ويشعلون فيها النار، فيذوب شحم الجسم ويتساقط كالشمع!!
● كانوا يربطون اليدين والرجلين بغصنين كبيرين بشجرتين متقاربتين، ويضم الغصنان الى بعضهما بآلة خاصة. ثم يترك الغصنان ليعودا الى وضعهما الطبيعى، فينشطر جسم الشهيد الى اثنين. واتبعت هذه الطريقة كثيرا فى صعيد مصر.
● تشويه الجسد، ببتر أعضاء معينة من الجسم أو اتلافها، كقطع أحد اليدين، الرجلين أو الانف أو الأذنين، وفقأ أحد العينين، ثم كى تجويفها بحديد محمى بالنار، أو كى أعصاب المفاصل حتى تشل الأعضاء!! وهؤلاء وبعد تعذيبهم بهذه الكيفية، كانوا يرسلون للعمل فى المحاجر، أو المناجم.
● الشنق، وقطع الرأس بالسيفن أو بالفأس وكانت هذه هى أسهل الميتات.
● الالقاء فى اليم (نهر أو بحر)، بعد ربط الجسد بثقل ليجذبه الى القاع.
● الصلب اما فى وضع معتدل أو منكس. وأحيانا كانوا يرجمون المصلوب بالحجارة أو يرشقونه بالسهام وهو على الصليب.
● دفن الانسان حيا.
● الالقاء للوحوش المفترسة، وكان المعذبون ينخسون تلك الوحوش فى بعض الاحيان بالنيران والحديد المحمى، حتى يزداد هياجها وأفتراسها.
● ولم تقف وحشية الوثنيين المعذبين من الاباطرة والحكام عند هذا الحد، بل انهم مثلوا بجثث الضحايا المسيحيين حتى بعد موتهم.. فكانوا لا يسمحون بدفنها، بل يتركونها فى العراء خارج المدن تنشها الطيور الجارحة والحيوانات الضارية. بل وصل بهم الامر الى أنهم كانوا يخرجون الشهداء المدفونين من بطون القبور، ويلقونها فى البحر حتى لا يكرمها المسيحيون..!!
الضغط العاطفى:
ونقصد به ما تعرض له المعترفون والشهداء من ضغط عاطفى من أقرب الناس، الذين يرتبطون بهم بروابط حب طبيعى قوى، نتيجة اظهار مشاعرهم وعواطفهم واقرانها بتوسلات ودموع... هذه مما لا شك كانت تضغط على المعترفين ضغطاً قاسياً، حتى اعتبرت انها «أكثر ما فى كأس الاستشهاد من مرارة» ويقول المؤرخ المدقق دى برسنسيه De Pressensè:
«لقد أثبتت محبة الأهل فى أكثر من حالة أنها أخطر التجارب التى تعرض للقبوض عليهم ولقد كان على بربيتوا Perpetua (برباتو)، وهى امرأة ضعيفة (22سنة وكانت متزوجة حديثا)، أن تقاوم فى آن واحدا، توسلات ودموع والدها المسن ذى الشعر الاشيب، وصراخ طفلها الرضيع، وكذلك الحكام الذى اعتبروا السعى لاسترداد المسيحيين مجدا، فشجعوا أمثال هذه اللقاءات المؤلمة.
كان الحكام يحرمون وبشدة الاتصال بالاقرباء أو الاصدقاء. لكن اذا احسوا أن تجديد هذه الصلة الحبية يمكن أن يؤدى الى ميل المسيحى للانكار، فانهم كانوا يسمحون بها، بل ويشجعونها.. فكانوا يعطون حرية زائدة للاب أو الزوج الوثنى، الذى يأتى ليستعطف المسجون بالوسائل العاطفية... فمثلا حفظت بربيتوا بعيداً عن زوجها، لأنه كان يشاركها نفس ايمانها، بينما سمح لوالدها – وحسبما يريد – أن يلتقى بها ويستعطفها، حتى يزعزع ثباتها.
كان مسيحيو تلك الايام مطالبين بأن يعطوا تفسيراً حياً بليغاً لكلمات السيد: ان أتى أحد الى ولا يبغض أباه وأمه وزوجته وأولاده واخوته واخواته حتى نفس أيضاً، لا يقدر أن يكون لى تلميذا: نستطيع أن نرى من خلال شدة كربهم أن الكراهية فى مفهوم هذه الوصية يأتلف مع عمق المحبة»[113].
لقد كان تحمل الآلام أسهل من أصوات الاحباء وهى تستعطف متألمة لكن مثل هذه التجربة كانت جزء من جهاد المعترف المقبوض عليه. ويقول أوريجينوس الذى عاش وسط الاضطهاد «يصل عذاب الاستشهاد الى أوجه حينما يقترن عنف حراس السجن، بتوسلات الوالدين الرقيقة، لتهز ثبات المسجونين... وطوال المحاكمة، اذا لم نجعل للشيطان موضعا فى قلوبنا – ذلك الذى يسعى لتدنيسنا، بأفكار شريرة من التردد – واذا احتملنا كل تعيير واهانات أعدائنا، وكل سخريتهم وافتراءاتهم، وعطف التحقير من جيراننا، الذين يصفوننا بالغباء والجنون، وفوق كل ذلك محبة الزوجة والاولاد، أو الارتباط بأعز كنز لنا على الارض – اذا فشلت هذه جميعها ان تجذبنا ثانية الى الحياة مباهجها، واذا كنا ما نزال نابذين كل الخير الارضى، فاننا بذلك نعطى أنفسنا بالتمام لله وللحياة التى منه تأتى.. وهنا نكون قد أكلمنا قياس الاستشهاد»[114].
نفسية المسجونين على ذمة الاستشهاد
كان غرض الملوك والحكام الوثنيين من سجن المعترفين المسيحيين، هو تحطيم شجاعتهم واضعاف روحهم المعنوية. لكنه كان دائماً – وبصفة عامة - اداة تحريكها وتقويتها.
انه أمر خارج عن حدود المنطق، وفائق لطبيعة البشر المألوف، أن الاحزان تنشئ أفراحا، والضيقات تولد تعزيات! لكنها المسيحية، بما فيها من تأثيرات باطنية للنعمة الالهية، بفعل الروح القدس فى المؤمنين، تعبر عنها كلمات الرسول بولس.
«كمائتين وها نحن نحيا.. كحزانى ونحن دائماً فرحون» (2كو 6: 9).
، 10)! فشهيد المسيحية الاول استفانوس وهو واقف أمام خصومه، رؤى وجهه كأنه وجه ملاك (أع 6: 15)... وبعض شهداء قرطاجنة، بعد أن وصفوا أهوال السجن، قالوا «أننا لم نخش ظلام المكان فلقد أضاء السجن الموحش ضياء روحانى. ولقد كان الايمان والمحبة، كالنهار يفيضان علينا ضوءا أبيضاً».
أما أسباب ذلك فكانت:
(1) المعونة الالهية التى وعد الله بها جميع المضطهدين من أجل أسمه.
«يلقون أيديهم عليكم ويطردونكم ويسلمونكم الى مجامع وسجون، وتساقون أمام ملوك وولاة لاجل اسمى. فيؤول ذلك لكم شهادة. فضعوا فى قلوبكم أن لا تهتموا من قبل لكى تحتجوا. لأنى أنا أعطيكم فما وحكمة، لا يقدر جميع معانديكم أن يقاوموها أو يناقضوها. وسوف تسلمون من الوالدين والاخوة والاقرباء والاصدقاء. ويقتلون منكم – وتكونون مبغضين من الجميع من أجل أسمى. ولكن شعرة من رؤوسكم لا تهلك. بصبركم اقتنوا أنفسكم» (لو 21: 12 - 19).
(2) تعاطف الكنيسة كلها معهم...
فهم لم يكونوا وحدهم، بل أن الكنيسة كلها – بكل أعضائها، كانت معهم: تصلى لاجلهم صلوات حارة، كما حدث لما كان بطرس مسجونا، ففتح ملاك الرب أبواب السجن وأخرجه منه (أع 12)... كما كانت الكنيسة تهتم باحتياجات هؤلاء المعترفين والشهداء المادية، واحتياجات أسرهم[115].
(3) احساس هؤلاء المعترفين بشرف تألمهم، من أجل أنبل الاسباب...
فقد أدركوا يقينا أن ما يحتملونه من ضيقات وآلام وأحزان انما هى شركة آلام المخلص، التى أشار اليها الرسول بقوله «لاعرفه وقوة قيامته، وشركة آلامه، متشبهاً بموته» (فى 3: 10)... وأنها تكميل نقائص شدائد المسيح فى أجسادهم (كو 1: 24).
(4) التطلع الى المجد العظيم الذى ينتظرهم.
والفرح الموعود به، حينما يمسح الله كل دمعة من عيونهم (رؤ 21: 4).
(5) الرؤى المجيدة[116] التى كانت تعلن لهم، والتى كان لها أعظم الاثر فى تشجيعهم.
فبينما كان اليهود يرجمون استفانوس، كان هو يشخص الى السماء، وظل نظره مثبتا فيها – لان قلبه وفكره كانا هناك أيضاً – فأبصر السموات قد انفتحت، ورأى مجد الله ويسوع قائماً عن يمين الله (أع 7: 55، 56).
● ومما لا شك فيه أن الرؤى السماوية والاحلام التى كانت تعلن للمعترفين كانت تشددهم وتنسيهم آلامهم، التى تفوق الوصف، وتعجز طاقة البشر عن احتمالها. وسير الشهداء حافلة بكثير من قصص الاحلام والرؤى. فكثيرا ما كان الشهداء يرون السيد المسيح وملائكته والقديسين يفتقدونهم، ويشجعونهم، ويقوونهم. وكمثل نروى الرؤى التى رأتها بربيتوا شهيدة قرطاجنة الشهيرة.
● رأت الشهيدة بربيتوا فى حلم، سلما كبيرا ذهبياً يصل الارض بالسماء. كان ضيقاً بحيث لا يتسع الا لشخص واحد. وعلى جانبيه آلات التعذيب، ومن أسفل تنين مرعب، عند الدرجات الاولى لهذا السلم، يتحفز لاقتناص من يحاول الصعود للسماء. وفى الحلم رفعت بربيتوا رأسها، فرأت معلمها ساتوروس Saturus وهو يصعد. وحينما وصل الى نهاية السلم من أعلى قال لها «برباتيوا... انى فى انتظارك. ولكن احذرى لئلا يلتهمك التنين». حينئذ قالت برباتيوا «باسم يسوع المسيح سأصعد، ولن أخاف التنين». وبجرأة وضعت رجلها على التنين وكأنه الدرجة الاولى من درجات السلم، ثم ابتدأت تصعد مسرعة.. وأخيرا وصلت. وهناك رأت حديقة فسيحة يقف فى وسطها رجل ممشوق القامة، فى رداء أبيض ناصع، وحوله وقف ألوف يرتدون ثيابا بيضاء. هناك وجدت الراعى الصالح فى انتظارها ممتلئا رقة نحو خرافة، ثم رفع ذلك السيد رأسه ونظر اليها وقالت لها «مرحبا بطفلتى». ثم ناداها وأعطاها كعكة، أخذتها منه وأكلتها، وحينئذ سمعت أصوات الذين وقفوا حولها يرددون كلمة «آمين»... ثم استيقظت برباتيوا، وكانت تشعر بحلاوة تملأ حلقها.
● وفى مساء اليوم السابق لموعد تنفيذ الحكم على برباتيوا، رأت حلما آخر:
رأت بومبونيوس Pomponius الشماس، وقد أتى الى سجنها وأخذ يدق بابه بعنف. فذهبت اليه وفتحت له، فرأته مرتديا ملابس بيضاء، فقال لها «برباتيوا، اننا فى انتظارك فتعالى» وخرجت برباتيوا وراء بومبونيوس حتى وصلت الى مدرج واسع جداً حيث علمت أنه هناك ستتم المعركة الفاصلة ثم رأت رجلا مقبلا من بعيد، ووجهه مخيفا، وكان يصحب معه رجالاً آخرين ليحاربوها. ثم أتى رجل آخر وصاح بصوت جهورى «ان استطاع هذا المصرى أن يغلبها فليقتلها بسيفه، أما ان استطاعت هى أن تقتله فلتتقدم لتأخذ سعف النخل». اقترب كل منهما نحو الآخر. وكان المصرى يحاول أن يهجم على قدمى برباتيوا، لكنها ضربته بمهماز كان فى يدها. ثم ارتفعت هى فى الهواء، وأخذت تسدد للرجل الضربات واللكمات. ثم أمسكته من رأسه وأوقعته على وجهه ثم داست عليه بقدميها. وحينئذ توجهت الى رئيس المحفل حيث أخذت منه سعف النخل فقبلها وقال لها: سلام لك يا بنيتى. ثم خرجت من بوابة كبيرة». وبعد أن استيقظت برباتيوا أخذت تتأمل هذا الحلم وأيقنت أن حربها ليست مع وحوش فقط، بل مع الشيطان الذى كان يرمز اليه ذلك المصرى وأيقنت أن سعف النخل رمز الظفر.
● وشهيد آخر أبصر أثناء نومه فى السجن وثنيا مقبلا عليه معلنا أنه ان لم ينكر الايمان فسيهلك لا محالة. فأجابه الشهيد «نحن على استعداد لتحمل كل شئ. وكلما زاد الالم، زاد النصر المجيد» وبعد أن استيقظ من نومه شعر بقوته وقد تجددت بتقوية رجائه العتيد.
● وكثيرا ما كان المسجونون يشاهدون فى أحلامهم رعاة الكنيسة الكبار الذين استشهدوا، يظهرون لهم فى رؤى يشجعونهم، كما كانوا يبصرون اخوتهم الذين سبقوهم فى الشهادة يزورونهم. لقد رأت برباتيوا الشماس بومبونيوس الذى كان قد استشهد منذ وقت قصير يقترب من باب زنزانتها فى السجن ويقول لها «تعالى، فنحن فى انتظارك»... ثم قالت برباتيوا وهى تروى حلمها «أخذنى من يدى وبدأنا نصعد معا مسالك منحدرة وملتوية».
● وساتوروس معلم برباتيوا وشقيقها، رأى فى حلم، أربعة ملائكة قد حملته، ووضعوا عليه ثوبا أبيض، وأحضروه بين أصدقائه الشهداء الذين عرفهم وهو على الأرض... يقول ساتوروس «أبصرنا نوراً عظيماً وسمعنا صوتاً يسبح قائلاً قدوس قدوس قدوس.. ولما أحضرنا أمام عرش الرب يسوع، جمعنا الى حضنه»... وفى هذا الحلم رأى ساتوروس برباتيوا فقال لها «ها أنت قد نلت أمنيتك». فقالت له «شكراً لله. لقد كنت سعيدة وأنا فى الجسد. ولكنى الآن أسعد حالا».
ونستطيع أن نصور كيف أن أمثال هذه الرؤى. تستطيع أن تقوى شجاعة المسيحيين. وهكذا أصبح الجب المظلم – السجن – فى نظر المعترفين بابا للسماء!
هكذا كان المعترفون فى سجونهم تفيض نفوسهم سلاما، ووجوههم بشرا وفرحا. كانوا يتعجلون موعد محاكمتهم – لا لأنهم يتوقعون الافراج عنهم، بل لانهم كانوا يشتهون تلك الوقفة أمام الحاكم، وكأنهم يقفون مع الرب يسوع أمام بيلاطس الوالى الرومانى... ينتظرون النطق بالحكم لاعدامهم.. شاعرين أن المسيح حبيبهم والههم فى أنتظارهم، مع محفل من الملائكة والشهداء. لانهم كانوا يعلمون تمام العلم أنهم ليسوا من العالم. بل هم رعية مع القديسين وأهل بيت الله (أف 2: 19).
محاكمات الشهداء وأحاديثهم الخالدة
اجراءات قانونية رومانية[117]:
● طبقاً للقانون الرومانى، كانت هناك صيغة مألوفة يحررها المدعون.
● كان الحاكم Proconsul يقرر ما اذا كان المتهم يرسل للسجن أو يسلم لجندى، أو يفرج عنه بكفالة وضمان، أو يطلق سراحه...
● المتهمون الذين يعترفون بالاتهامات الموجهة ضدهم، كانوا يقيدون بالسلاسل الى أن يفصل فى قضيتهم.
● كان دوائر الشرطة ترسل المسجونين الى السجون ومعهم مختصر بالاتهامات الموجهة ضدهم.
● كان محظورا على المحاكم العليا أن تصدر قرار ادانة دون أن تسمع بنفسها من المتهم.
● كان حفظة السجن دائماً يرتشون، حتى يتركوا المسجونين غير مقيدين بالسلاسل، أو يتيحوا لهم فرصة للانتحار. أما حفظة السجن الذين يهرب مسجونين نتيجة اهمال متعمد فكانوا يعرضون أنفسهم لعقوبة الموت.
● كان محظورا ان يحكم على أحد غيابيا. ولا تصادر ممتلكات المتهم الا بعد ثبوت ادانته.
● كانت هناك حرية فى المرافعة حتى للعبيد، الذين يدافعون عن أنفسهم، اذا لم يدافع عنهم سادتهم أو وكلاء عنهم.
لوحة بديعة:
ان محاكمات الشهداء أمام المحاكم الرومانية بقضاتها الوثنيين، لهى من المشاهد العجيبة التى تثير فى النفس احاسيس ومشاعر مختلفة أنها لوحة فريدة سجلتها يد التاريخ، وتجمع متناقضات وصورا صارخة متضاربة، داخل اطار واحد: أباطرة، وحكام، وقضاة بجبروتهم وظلمهم وغطرستهم، ودهماء بصياحهم وضجيجهم وعنفهم، يطاردون خصوما لهم فى العقيدة – المسيحيين الابرياء، الضعفاء الاقوياء، المسالمين العتيدين، الذين أذلوا قضاتهم، بعد أن فشلوا فى اخضاعهم أو ثنيهم عن عزمهم. وقد اتموا كل ذلك فى صبر عجيب، واحتمال مذهل، ووداعة كاملة، وايمان لايلين... صورة معبرة ناطقة للانجيل المكتوب، وقد تحولت أقواله الى أفعال وفضائله النظرية الى ممارسات عملية، ومواعيد المسيح المبارك لابنائه الى واقع منظور ملموس.
فى ساحة القضاء:
ما أن يدخل المسيحيون المسجونون ساحة القضاء، حتى تغص بالدهماء من الوثنيين المتعصبين، مستعدين لكتم أصوات المسيحيين بصياحهم وضجيجهم مطالبين بموتهم. ووسط هذه الجماهير الغاصة كانت تلتقى أبصار هؤلاء المعترفين باقربائهم وأصدقائهم الذين فشلوا فى ثنيهم عن عزمهم، ولذلك فقد تحولوا من أصدقاء الى أعداء.. لكن فى أماكن متناثرة من الساحة كانت تلتقى أنظارهم بوجوه طيبة تعطيهم تشجيعاً وسط استنكار الجمع الصاخب...
اجراءات ظالمة:
ويبدأ التحقيق. وكان يدار بطريقة منافية للعدل. يقول العلامة والمدافع المسيحى ترتليانوس – وكان يعمل محاميا قبل اعتناقه المسيحية - «اذا كنا معشر المسيحيين أشر الناس جميعا، فلماذا تعاملوننا بصورة مختلفة تماما عن زملائنا المجرمين الآخرين، بينما يقضى العدل أن نفس الجريمة تستوجب نفس المعاملة...
الحق أنه ضد القانون أن يدان انسان لم يسمع، وبغير دفاع. المسيحيون وحدهم هم المحظور عليهم أن يتكلموا لتبرئة ذواتهم، دفاعا عن الحق حتى ما يعاونوا القاضى فى اصدار حكم عادل. كل ما يعنى به، هو تحقيق رغبات تنطوى على الكراهية الا وهى، الإعتراف بالاسم (مسيحى)، لا فحص التهمة... أنتهم لا تتعاملون معنا بالطريقة المتبعة فى الاجراءات القضائية مع بقية المذنبين. فى حالة المتهمين الاخرين الذين ينكرون، تلجأون الى التعذيب حتى ما يعترفوا، أما المسيحيون فهم وحدهم الذين يعذبون حتى ما ينكروا»[118].
تهمة اسم فقط:
كان أول سؤال يوجه للمقبوض عليه بتهمة المسيحية «هل أنت مسيحى؟ » فاذا أجاب المتهم بالايجاب فلا حاجة بعد الى مزيد من التحقيقات... لقد ثبت الجريمة باعتراف المتهم، ويتبقى الحكم بنوع العقاب.. كان اسم «مسيحى» وحده يحمل فى طياته – فى نظر الدولة ورعاياها – أبشع الجرائم، وهو كاف أن ينزل بمن يعترف به شبهات ممقوته خاصة بالفجور، وتدنيس المقدسات والعصيان. والتهمة ضد المسيحيين لا تعلن رسميا أبداً.. انها مجرد شكوك غير ثابتة، يعبر عنها بصورة عنيفة، الدهماء المتعصبون المحتشدون فى قاعة المحاكمة... ولقد ندد ترتليانوس فى دفاعه عن المسيحية بتصرف الدولة حيال المسيحيين، وفى رأيه أن الأمر لا يعدو أن يكون «معركة اسم»[119].
والمتهمون الذين يتمسكون بالايمان المسيحى، لم يكن لديهم سوى رد واحد يجيبون به – ظل يسمع قرابة ثلاثة قرون فى ساحات القضاء الامبراطورية أما هذا الرد فهو «أنا مسيحى Christianus Sum... أما صيحة الشعب الهائج التى كانت تعقب هذا الاعتراف فهى «الموت المسيحى».
كان المتهم وهو فى غاية الهدوء، وبوجه تحيطه هالة نورانية – كما شوهد وجه استفانوس يضئ كوجه ملاك – يجيب بأجابة واحدة على كل سائليه «انا مسيحى» كان لا يتكلم كثيرا عن وضعه فى العالم، لان الامور الارضية كانت تافهة القيمة فى نظره. وحتى لو أراد القاضى أن يعرف ما اذا كان عبدا أو حرا – وهو موضوع كان على جانب كبير من الاهمية فى تلك الازمنة – فانه ما كان يهتم بالاجابة.
أمثلة:
● فالشماس سانكتوس من فينا الذى استشهد فى زمان مرقس أوريليوس ظل ثابتاً أمام جميع من وقف أمامهم، وكان لا يجيب على أى سؤال وجه اليه من أى نوع، الا بهذه الكلمات يقولها بالاتينية «أنا مسيحى»... ولا يزيد عليها شيئاً[120].
● فى اقليم كيليكية سأل الوالى أحد المعترفين ويدعى تراكوس Tarachus.
+ ما أسمك؟
+ أنا مسيحى.
+ كف عن هذه اللغة النجسة واذكر اسمك.
+ أنا مسيحى.
+ (الوالى للجندى) اضربه على فمه وقل له: لا تقدم اجابات ملتوية.
+ أنا أذكر لك الاسم الذى أحمله فى نفسى. لكن ان سألت عن اسمى المتداول بين الناس، فان والدى أسميانى تراكوس[121].
● وسأل القاضى شهيدا يدعى مكسيموس:
+ «ماهى حالتك؟ ».
+ أجابت «أنا انسان حر ولكن عبد للمسيح».
● وسأل القاضى عذراء الاسكندرية المشهورة ثيئودورة:
+ ما هى مكانتك؟
+ أنا مسيحية.
+ سيدة حرة أم أمة؟
+ لقد قلت لك أنا مسيحية، والمسيح جاء وحررنى، وبحسب مقاييس العالم ولدت حرة.
أمام القضاة:
بعد أن يسمع القاضى اعتراف المسيحى بمسيحيته، ودون أن يسمح له بأية فرصة للدفاع الشرعى عن نفسه وعن هذه الديانة المحرمة، كان يبدأ فى ارهابه بأن يوضح له العذاب والموت اللذين ينتظرانه، أن هو استمر على ذلك. وأحيانا كان يحاول الحكام والقضاة أن يشوهوا صورة المسيحية أمام المعترفين، للتأثير عليهم.
فمثلاً قال الحاكم لشهيد يدعى ا بيبوديوس Epipodius «نحن نعبد الآلهة غير المائتة والتى تعبد فى العالم كله، ويكرمها أنبل الامراء. نحن نعبد الآلهة بفرح، بأعياد وألعاب، وأنتم تسقطون قبالة رجل مصلوب يقاوم كل المسرات»، كان الحاكم يضرب على الوتر الحساس، لعله يهز ايمان هذا الشهيد..
لكن بالنسبة للانسان المسيحى، فكان يعرف أنه يحمل صليبا، مشاركاً الرب فى آلامه حاصلا على فرح باطنى لا ينطق به، لا يمكن أن تقدمه الحياة الوثنية.. وحالما يتأكد القاضى من ثبات المتهم كان ينطق بحكم الادانة.
ومنذ منتصف القرن القانى تقريباً، بدأوا يعتبرون العقوبة وحدها غير كافية. فأصدر الامبراطور أوامره بضرورة سعى الحكام بوسائل التعذيب المختلفة، لارغام المسيحيين على الانكار. واختبرت هذه الطريقة فى اضطهاد ليون سنة 177، فى عهد مرقس أوريليوس. ومنذ ذلك الوقت فصاعدا، أصبحت جزءا ثابتاً فى اجراءات المحاكمة... وهكذا فان جميع وسائل القسوة والقمع التى قصد بها تصفية العناصر المسيحية، أصبحت رسمية بقوة القانون.
والآن نورد أمثلة لمحاكمات بعض الشهداء والشهيدات ومنها نقف على الروح الذى كان يدفعهم للشهادة. لقد كانوا يعيشون فى جسد مثلنا، لكن أفكارهم كانت تحلق فى السماويات. انهم ما كانوا يفتعلون هذه الاجابات، لكنها كانت تصدر عن قلب عشق الرب وهام فى حبه...
أغناطيوس أسقف أنطاكية:
سمع عنه الامبراطور تراجان وعن حماسه للمسيحية، وجهوده فى اقبال كثيرين للايمان المسيحى، ورفضه تقديم العبادة للآلهة الدولة، وتشجيع الآخرين على ذلك. ولما وصل الى أنطاكية أستدعاه. فلما مثل امامه قال له:
- من أنت أيها الشقى الشرير حتى تعصى أوامرى وتحرض الآخرين على ذلك أيضاً فتجعلهم يهلكون؟
- لا يكون من يلقب بحامل (ثيئوفوروس) شريراً، لأن الارواح الشريرة تبتعد عن خدام الله. ولكن ان كنت فى نظر الأرواح الشرير أننى شرير. فذلك لأنى عدو لهم، وهذا أوافقك عليه. لأنه طالما معى السيد المسيح ملك السماء فسأبيد كل مكائدهم.
- وماذا تقصد بحامل الله (ثيئوفوروس)؟
- أن يكون السيد المسيح فى قلبه.
- أتظن أننا لا نحمل الآلهة هكذا فى قلوبنا، هؤلاء الذين يعضدوننا فى الحروب وينصروننا على أعدائنا؟
- ألا ليت شعرى كيف يمكن لتلك التماثيل العديمة الحس أن تكون آلاهة؟! فأعلم انه لا اله الا الله، الذى خلق السماء والأرض، والبحر وكل ما فيها، وابنه الوحيد يسوع المسيح الذى تجسد وصار انسانا لكى يخلص البشر، الذى سأتمتع بملكوته. فلو كنت تؤمن به لكنت فى هذا الملك سعيدا.
- هل تقصد به ذاك الذى صلب فى عهد بيلاطس البنطى؟
- نعم، اننى أقصد به ذاك الذى حمل خطاياى بكل أنواع معه على الصليب. والذى أعطى لمن يحملونه فى قلوبهم سلطانا، أن يدوسوا تحت أقدامهم كل خداعات وافتراءات الشيطان.
- اذن هل تحمل (يسوع) المصلوب فى داخلك؟
- بالحقيقة كذلك، لانه مكتوب «سأسكن فيهم وأسير بينهم وأكون لهم الها وهم يكونون لى شعبا».
دع الآن هذا الكلام، وافعل ما يسرنى ويفيدك. قدم ذبيحة لألهتى فتظفر منى بالالتفاف، ويكون لك مكانة عندى، وأجعلك أعظم أحبار هذه الآلهة.
- زادك الله غنى. تكرم بهذه المنح على من يعتبرونها ويرغبون فيها. فأنا كاهن سيدى يسوع المسيح، وله أقدم الذبيحة كل يوم، وأرغب فى أن أقدم حياتى ذبيحة، كما قدم حياته ذبيحة حبا بى.
حينئذ أمر الامبراطور أن يرحل الى روما مقيدا ليقدم هناك طعاما للوحوش الضارية.
أبولونيوس[122]:
ازدهرت المسيحية بين الطبقات الراقية فى روما، فى أواخر حكم مرقس أوريليوس، وكان بين علمائها البارزين عالم اسمه ابولونيوس Apollonius وكان عضوا بمجلس الشيوخ الرومانى. وكان معروفاً فى الاوساط المسيحية بثقافته الفلسفية. وقد أتهم لدى السلطات فى أوائل حكم كومودس Commodus (180 – 192)، بعد أن أبلغ عنه أحد عبيده أنه مسيحى.
وقد عثر أخيرا على دفاع ابولونيوس واستشهاده مكتوباً باللغتين اليونانية والارمنية. وجاء به أنه حين سئل أمام المحكمة العليا المشكلة من أقرانه من الشيوخ، لماذا لا يقدم القربان لأبولو ولتمثال الامبراطور، أجاب بأن المسيحيين فى صلاتهم لالههم يقدمون ذبيحة نقية غير دموية. وقد أوضح حمق عبادة الاوثان وكيف أن المصريين عبدوا البصلة والسمكة والحمامة والتمساح، وكيف أن الاثينيين عبدوا رأس عجل نحاس، مما دعا سقراط الى احتقار ديانتهم. وبدا للوالى أن هذا الاستدلال يحوم حول الموضوع دون أن يتناوله، فقال لأبولونيوس:
- لقد أستمعنا فلسفة عجيبة، ونسيت أن مجلس الشيوخ يحرم المسيحية.
- هذا صحيح، ولكن هيهات أن ترقى أحكام مجلس الشيوخ الى أوامر الله... ان الموت مصير الجميع ولقد درب المسيحيون أنفسهم على الموت كل يوم. وليس موتهم فى سبيل الاله الحقيقى بأسوأ من موتهم بمرض من الأمراض.
- هل أنت حريص على الموت؟
- أننى أنعم بالحياة ولكن ليس الى الحد، الذى يجعلنى أخشى الموت. لا شئ أفضل من الحياة الا الحياة الابدية، التى تهيئ خلودا للنفس التى أحسنت الحياة على الأرض.
ثم طلب اليه القاضى أن يوضح ما يقول. وهنا ألقى أبولونيوس خطايا مستفيضاً، تحدث فيه عن مبادئ المسيحية، وموت المسيح عنا، وعن الدينونة بعد الموت. وبعد أن أنصت القاضى لهذا الخطاب، قال له:
- ظننت أنك ستغير رأيك وتعبد الاوثان مثلنا.
- وأنا يا سيدى كنت آمل أن تفتح بصيرتك فتعبد الله الخالق.
فى النهاية قال له القاضى:
- وددت لو أستطيع اخلاء سبيلك، غير أن أمر الامبراطور يحول دون ذلك، ومع ذلك سأترفق بك فى موتك.
وسيق أبولونيوس لتبتر رأسه بالسيف، وكان ذلك سنة 186م.
كبريانوس أسقف قرطاجنة:
فى أثناء حكم فالريان، وفى أغسطس سنة 257، جئ بكبريانوس أمام الوالى الرومانى على افريقيا، تنفيذا لقرار الامبراطور.. ولما سأله عما اذا كان يصر على عدم اتباع ديانة روما، أجاب:
- أنا مسيحى، وأسقف. لا أعرف آلهة غير الله الواحد، خالق السماء والأرض وكل ما فيها. هذا الاله، نحن المسيحيون، نعبده نهارا وليلا، ونتوسل اليه من أجلنا، ومن أجل البشر جميعاً، ومن أجل الاباطرة أنفسهم.
ولم يكن لديه شئ آخر يقوله، فأراد الوالى أن يتحقق الامر ثانية، فسمع الجواب الآتى:
- من يعرف الله لا يرجع عزم عليه.
كان على الوالى – بناء على هذا الاعتراف – أن يأمر بنفيه. ولكنه أراد قبل أن ينطق بالحكم أن يعرف منه أسماء الكهنة الذين يعاونونه.. فقال الوالى:
- لقد حرمتم فى شرائعكم الوشاية والنميمة عن حكمة.
ثم تبادلا بعض كلمات. وكانت كلمة كبريانوس الاخيرة لممثل الدولة الرومانية:
تمم ما أمرت به.
فنفذ حكم النفى فى الاسقف المعترف.
وفى سنة 258 صدرت أوامر الامبراطور باعدام جميع رجال الاكليروس من أساقفة وكهنة وشمامسة فوراً. ولهذا السبب استدعى كبريانوس من منفاه الى قرطاجنة بعد سنة كاملة وتقدم أصدقاؤه – وكان كثير منهم من الوثنيين ذوى المكانة – يحثونه على تفادى الاخطار، وعرضوا عليه أماكن يختفى فيها ولكنه أبى، وجئ به الى الوالى جالريوس مكسيموس، وجرت المحاكمة على النحو الآتى:
- أأنت تاسكيوس كبريانوس؟
- أنا هو.
- أنت بابا هؤلاء الناس الفاسدى المذهب؟
- أنا هو.
- ان قداسة الامبراطور يأمرك بان تضحى للآلهة.
- لن أفعل أبداً.
- فكر جيداً.
- افعل ما أمرت به. لا فائدة من التفكير فى مثل هذا الأمر.
وازاء اصراره، وجه الوالى اليه الحكم التالى:
- «لقد عشت حياة طويلة مليئة بانتهاك الحرمات، واشتركت فى مؤامرة اجرامية مع عدد كبير من الناس. ونصبت نفسك عدوا لآلهة الرومان وخالفت الشرائع المقدسة. وأخفق القياصرة الاتقياء فى ردك عن غيك لهذا، ولما اتضح من أنك ذو وضع قيادى فى جرائم بشعة جداً، فسنجعل من شخصك عبرة لمن أغويتهم. وسيكون اهدار دمك مبعثاً لاستقرار النظام».
ولم يبق بعد هذه المقدمة الا النطق بالحكم رسميا، فتلاه القاضى كما كان قد كتبه: «قضيت المحكمة بأن يموت تساكيوس كبريانوس بحد السيف».
وما كاد يقرأ الحكم حتى دوى صوت المسيحيين الحاضرين «فلنعدم معه». أما كبريانوس فحال سماع هذا الحكم قال «الشكر لله» ثم التفت الى السياف الذى سيقطع رأسه وألقى اليه خمسا وعشرين قطعة من الفضة.
وسار موكب الاسقف الى مكان الاعدام، فألقى كبريانوس رداءه وركع، وصلى. وتقدم بعض أبنائه من رعيته وفرشوا تحته ثيابهم لتلتقط دماءه. ثم عصب عينيه وأحنى رأسه للسيف، وكان ذلك فى 14 سبتمبر سنة 258.
فيلياس Phileas أسقف تمى[123]:
كان سليل أسرة عريقة فى المجد والجاه والثروة متفقها فى العلوم الدينية والفلسفية. آمن بالمسيحية فاعتنقها بفرح. ونظرا لمكانته عينته الدولة واليا على منطقته، وقبل هو هذه المهمة لانه وجد فيها فرصة لخدمة شعبه. أقيم أسقفاً على نفس الايبارشية فتحول من خدمة الدولة، الى خدمة الكنيسة.
وفى أثناء الاضطهاد الذى بدأه ديوكلتيانوس، وأكمل جالريوس ومكسيمينوس وأعوانه، سافر فيلياس الى الاسكندرية للتشاور مع البابا بطرس خاتم الشهداء فيما ترتب على الاضطهاد. ومن هناك بعث برسالة شيقة الى شعبه – بقى الجزء الاكبر منها – وذلك قبيل استشهاده بوقت قصير.
وقد وصف فيها كيف كان صحبه من الشهداء يقوون أنفسهم بالتأمل فى الأمثلة والوعود الواردة فى الانجيل خاصة مثال الرب يسوع. ثم يقول:
«فالشهداء اذ حملوا المسيح داخلهم اشتهوا بشغف أفضل العطايا. واحتملوا كل الضيقات والاهانات – ليس مرة واحدة بل مرارا. وعلى الرغم من أن الحراس تباروا فيما بينهم لارهابهم بالأفعال كما بالكلمات، فانهم لم يتخلوا عن معتقدهم. لان محبتهم الكاملة طرحت عنهم الخوف».
ولما مثل فيلياس أمام كلسيانوس Clacianus، استنكر أن يعامل الأسقف العالم معاملة المجرمين العاديين. ولعله ليس بين المحاكمات المسجلة ما يدانى محاكمة فيلياس، من حيث كونها شيقة الى حد بعيد.
حاول الوالى معه بكل الطرق لكى يضحى للآلهة ففشل... حاول أن يسترضيه، أو يؤثر عليه بأن يثير فيه محبته لشعبه، فقال انهم ان فقدوه فقدوا شجاعتهم وايمانهم، بل أن بعضهم سيفقد عمله الذى يتعيش منه... لكنه معه كل ذلك ظل ثابتاً مؤكدا للوالى أن موته سيزيد الشعب شجاعة وتماسكاً.
وقد جرت المناقشة بين الوالى والاسقف فيلياس على النحو الآتى:
- الوالى: ايمكنك أن تكون متعقلاً الآن؟
- فيلياس: انى دائماً متعقل وأتصرف بحكمة.
- ضح للألهة.
- لا.
- ولا لم؟
- لأنه لا يمكننى ان اقدم ذبيحة الا للاله الحقيقى.
- لا، لأن الاله الحقيقى لا يطلب ذبائح دموية.
- أى ذبائح اذن يطلب الاله الحقيقى؟
- الله يطلب قلبا نقيا، وعواطف مخلصة، وكلاماً صادقاً.
- قدم ذبيحة.
- لا أعرف تقديم ذبائح للآلهة الكاذبة، لكن للاله الحقيقى وحده.
- ألم يقدم بولس ذبائح؟
- قطعاً لا.
- ألم يقدم موسى ذبائح؟
- نعم، لأن اليهود يفعلون ذلك، لكن فى أورشليم فقط.
- كفى ايضاحات. قدم ذبيحة.
- لا أدنس روحى.
- أنها اللحظة التى تهتم فيها بروحك!
- قطعاً، بروحى وجسدى.
- بأى جسد؟
- بجسدى.
- أتظن أن جسدك سيقوم بعد أن يقطع الى أشلاء؟
- بكل تأكيد.
- ألم ينكر بولس المسيح؟
- قطعاً. لا.
- أقسم لى بذلك.
- لا فائدة من القسم. يكفى انى أؤكد.
- ألم يكن بولس مضطهداً للمسيحية؟
- يا له من سؤال!
- ألم يكن سوريا، وألم يتجادل بالسريانية؟
- كان بولس يهوديا، ويتناقش باليونانية، وذو عقل نادر.
- هل تدعى أنه أفضل من أفلاطون؟
- ليس أفلاطون وحده، بل جميع الفلاسفة الآخرين. وانى على استعداد – ان سمحت لى – أن أعرفك بكل تعاليمه.
- انى أعفيك من ذلك. قرب ذبيحة.
- لا. لا.
- ربما ضميرك يمنعك.
- أنت قلت.
وكان كلسيانوس فى قرارة نفسه يريد أن ينقذ فيلياس. لذا أمر المحامين أن يساعدوا فيلياس ذا الشخصية الكبيرة، أملا فى أن يجدوه فى لحظة ضعف، فيقرب ذبيحة ويطلق سراحه. لكن اجابات فيلياس مع الوالى قد خيبت أملهم. فقالوا لفيلياس:
(المحامون): لماذا تقاوم الوالى بهذه الصورة؟
(فيلياس): لم أفعل أكثر من الرد على أسئلته.
- ان جميع هذه المناقشات لا تجدى. هيا قدم ذبيحة للآلهة.
- لا. سوف لا أقدم ذبيحة أبدا. خلاص نفسى قبل كل شئ.
- هل كان المسيح الها؟
- نعم، هو الله.
- كيف تقطع بذلك؟
- بسبب أعماله. فقد رد البصر للعميان، والسمع للصم، وشفى البرص، وأعاد الحياة للموتى. وقد قام هو نفسه بعد الموت، وأجرى آيات كثيرة.
- حسنا. لكن الهك هذا ألم يعلق على الصليب للموت؟
- بالضبط، لكنه فعل ذلك بارادته ليخلصنا.
الوالى: يا فيلياس، لاح اكرامى لك، وقدر المعاملة الرقيقة التى استخدمتها معك. كنت أستطيع أن أظهرك كمجرم أمام محكمة مدينتك، وأسلمك الى اهانات السوقة. لكن حفظاً لمكانتك فقط، لم افعل ذلك.
فيلياس: شكرا لمقاصدك الطيبة، ومع هذا فان ظهورى فى مدينتى (تمى) يسبب لى فرحا كبيرا ونعمة، أرجو ألا تحرمنى منها.
- ماذا تقول، وماذا تريد؟
- نفذ ما لديك من أوامر.
- أتريد أن تموت اذن بدون أسباب؟
- كيف بدون أسباب؟ انه من أل الله والحق.
- أكان بولس الها؟.
- من قال ذلك؟
- ماذا كان اذن؟
- كان رجلاً مثلنا، لكنه كان ممتلئاً من الروح القدس، وهكذا صنع آيات كثيرة.
- يا فيلياس إنى أشفق عليك كثيراً، وأود أن أنقذك من أجل أخيك وأسرتك.
- لا. تمم واجبك.
- أسمع. لو كنت انساناً بسيطاً، فقيرا وبائساً، ما كنت أظهرت لك مثل هذا التسامح، لكنى أعرف حياتك الخاصة، وحالك وثروتك، ولا أنكر أنك وحدك يمكنك أن تعول مدينة بأكملها. ومن أجل هذا أريد بشدة أن أنقذك. قرب للآلهة.
- انه برفضى الذبائح للآلهة، أنقذ نفسى.
ورغبة فى انقاذه – وعلى الرغم منه – صاح المحامون:
- «أيها الوالى العظيم، لقد قدم سابقاً ذبائح فى قلب الملعب». فقاطعهم فيلياس بصوت جمهورى «تقولون أنى قدمت سابقاً ذبائح الى الآلهة الكاذبة. أبداً. لم يحدث. ولكنى قدمت الى الاله الحقيقى». لكن المحامون – فى يأس – قالوا «أيها الوالى العظيم: أن موكلنا الجزيل الاحترام يطلب فرصة للتفكير». أجاب كلوسيان «نعم سأمنحه كل الوقت اللازم».
قال الاسقف «تعطينى وقتاً للتفكير! اتعتقد انى سوف اتردد لحظة! لن يكون ذلك. لقد فكرت منذ زمن بعيد، واختيارى لا يحتاج الى ما يثبته. انى أتعذب وسأموت لاجل المسيح».
وهنا بدأ مشهد مؤثر...
ترك أقاربه وأصدقاؤه القدامى وكبار موظفى مدينة الاسكندرية أماكنهم وأحاطوا بالمنصة التى كان يقف عليها الاسقف، ورجوه، وطلبوا اليه بدموع أن يتظاهر على الأقل باطاعة الأوامر الامبراطورية، وألقوا بأنفسهم عند قدميه. غير أنه كالصخر تلاطمه الامواج دون أن تنال منه أو تزحزحه، رفض كلماتهم الصاخبة. لقد اتجه بعقله الى السماء ووجه بصره الى الله وقال «ان واجبه ان يفكر فى الشهداء الابرار والرسل، كاصدقائه وذوى قرباه».
وكان بين كبار الشخصيات الحاضرة، شخص يدعى فيلورومس Philoromus قيل انه كان وزير الخزانة فى مصر. وربما كان موفدا من قبل الامبراطور ذاته الى الاسكندرية، بقصد تنظيم امور هامة... هذا رأى فيلياس غير مكترث لدموع أحبائه وتوسلاتهم ولأسئلة الوالى، فنهض وصاح:
«هذا المشهد القاسى قد امتد طويلا. لماذا تريدون أن تختبروا صلابة الرجل أكثرمن ذلك؟ لماذا ترغبون فى تحويل إنسان مخلص عن الله بقصد ارضائكم؟ ألم تلحظوا أن عينيه لم تعد ترى دموعكم، وآذانه لم تعد تسمع اناتكم. ان هذا يكفى. اتركوا هذا الرجل بسلام».
وازاء ذلك امتلأ كلوسيان غضباً وحكم على الاسقف فيلياس وفيلورومس بقطع رأسيهما بحد السيف. كما حكم على كثير من الضحايا الآخرين بنفس الحكم.
وقد توجه الموكب الى مكان اعدام الشخصيات الهامة... وفى الطريق حاول شقيق الاسقف محاولة أخيرة، فصاح أثناء مرور الوالى «يا سيدى الوالى ان اخى فيلياس ينادى». فأسرع كلوسيان نحو الشهيد قائلاً «هل ناديت حقاً؟ ». أجاب فيلياس «أبدا. لا تعر هذا الصوت التفاتا. أما بالنسبة لى فأنى لا أملك أن أقدم اليك والى الأباطرة أيها الحاكم، الا الشكر لأنكم ستجعلوننى وارثاً لملكوت السموات».
نودى على فيلياس ليقدم رأسه، لكنه توسل أن يصلى أولاً. مد ذراعيه على شكل الصليب وصاح بصوت عال موجها الكلام لخاصته «يا أولادى الاحباء، واخوتى الاعزاء، يا من تعبدون الاله الحقيقى. أسهروا جيداً على قلوبكم، لأن الشيطان يحاول أن يستولى عليها، افرحوا لأنه فى هذه الساعة سنصبح جميعاً تلاميذا حقيقيين لسيدنا يسوع المسيح الذى له المجد الدائم الى الابد».
وبانتهاء صلاته استسلم فيلياس للسياف، وكذا فيلورومس، وقطعت رأساهما فى لحظة واحدة. وكان ذلك فى الرابع من فبراير سنة 306.
فيلبس أسقف هركليا[124]:
كانت المنطقة التى تقع هراكليا Heraclea عاصمة اقليم تراقيا Thrace يحكمها حاكم يدعى باسوس Bassus. ونظرا لأن زوجته كانت مسيحية، فقد كان غير ميال الى اضطهاد المسيحيين بقسوة وعنف، على النحو الذى كانت تطلبه الاوامر الامبراطورية. ومن ثم فقد ظلت اجتماعات المسيحيين تعقد فيها، وبدون تدخل السلطات، حتى بعد صدور منشورات الاضطهادات التى أصدرها ديوكلتيانوس بسنة. وظلت مبانى الكنيسة قائمة دون هدمها.
كان اسقف هراكليا رجلاً وقورا يدعى فيلبس. وعند حلول عيد الظهور الالهى (الغطاس) حثه شعبه على الهرب، لانهم أحسوا أن هناك ضغطا مستمرا على باسوس الوالى من السلطات العليا لتنفيذ المنشورات الامبراطورية. لكن الاسقف رفض أن يتخلى عن شعبه، وقال لهم ان الرب سيدبر وسيلة للخلاص من الاعداء...
وفيما كان يتكلم ظهر أحد ضباط الشرطة من قبل الحاكم ليغلق أبواب الكنيسة ويمنع المسيحيين من دخولها، ويضع أختاماً على أبوابها... كان رد الأسقف الوحيد على هذا التصرف أنه من الغباء الاعتقاد ان الله يسكن داخل جدران مبنىن وليس فى قلوب البشر. وفى اليوم التالى قام الضابط بجرد كل اثاث الكنيسة واوانيها، واعاد ختم الكنيسة. فتملك الحزن جميع الاخوة.
لم يمض وقت طويل على ذلك حتى زار باسوس مدينة هراكليا، ووجد الأسقف فيلبس مع شعبه مجتمعين خارج أبواب الكنيسة المغلقة، لخدمة القداس الالهى دون اكتراث... جلس الحاكم وأحضر أمامه بعضهم بأعتبارهم معتدين على القانون... ثم سألهم:
- من منكم مقدم المسيحيين، أو معلم الكنيسة؟
فقدم الأسقف فيلبس نفسه، ثم دارت المناقشة الآتية:
(الوالى): لقد سمعت الامر الامبراطورى الذى يقضى بمنع اجتماعات المسيحيين، وأن اتباع هذه الجماعة فى انحاء العالم عليهم أن يعودوا الى التقدمات لآلهة الدولة، والا فان حياتهم ستكون ثمنا للمخالفة. لذلك فيب أن تخضع الاوانى الكنسية لفحصنا، سواء كانت ذهبا أو فضة أو أى معدن آخر، وكذلك الكتب المقدسة التى تستخدمونها فى القراءة أو التعليم. وان توقفت عن ذلك فستعذب حتى تفعل ذلك.
(الاسقف): ان كنت ترتاح لتعذبينا، كما تقول، فأمامك هذا الجسد الضعيف، مزقه اربا بكل قسوة، كما يحلو لك. لكن لا تعتقد أن لك سلطانا على روحى. أما بالنسبة للأوانى التى تسأل عنها، فسنقدم لك كل ما نملك... فنحن لا نعبد الله بالمعادن الثمينة لكن بمخافة. والله لا يُسر بزينة الكنيسة بل بزينة القلب. أما عن الكتب المقدسة فلا حق لك فى أخذها، ولا حق لى فى أعطائها.
وبعد سلسلة من العذابات امام حاكم آخر يدعى يوستينوس – وكان متعصباً ضد المسيحيين – فاضت روحه فى مدينة أدريانوبليس بعد حرقه، ومعه شماس يدعى هرمس. وكان ذلك فى 22 من أكتوبر سنة 304.
تراكوس وزميلاه[125]:
كان تراكوس من مدينة كلوديوس Claudioplis من مقاطعة ايسورية كان جنديا، لكنه ترك خدمة الجيش فى بداية الاضطهاد الذى أثاره ديوكلتيانوس. وقصة استشهاده مع زميليه بروبوس Probus واندرونيكوس مكتوبة بتفصيل اكثر من أى شهداء آخرين. وقد اشترى المسيحيون النسخة الرسمية لمحاكمتهم من سجلات المحكمة بمائتى دينار من أحد كتبة المحكمة، وقد أثبت الباحثون صحتها من مراجعة المخطوطات المختلفة، وقالوا انها لا يرقى اليها الشك[126].
قبض عليهم سنة 304 فى مدينة بومبى Pompeipolis وهى مركز إيبارشية كيليكية وحوكموا محاكمة علنية وعذبوا فى ثلاث مدن رئيسية فى إقليم كيليكية هى طرسوس، مبسوستيا Mopsuestia، وأنزارب Anazarbus حيث نالوا أكليل الشهادة فى 11 من أكتوبر من نفس العام.
مثل هؤلاء الثلاثة أمام حاكم اقليم كيليكية ويدعى نوميريانوس مكسيموس فى مدينة بومبى. ولم يستطع أن يبحث القضية، فمثلوا أمامه ثانية فى طرسوس. ودار الحوار بين الوالى مكسيموس وتراكوس Tarachus على النحو الآتى:
ما اسمك؟ اجب أنت أولا لأنك أكبرهم سنا ومركزا.
- أنا مسيحى.
- كف عن هذه اللغة النجسة، واذكر اسمك.
- أنا مسيحى.
- (لأحد الجنود) أضربه على فمه وقل له: لا تقدم اجابات ملتوية.
- أنا أذكر لك الاسم الذى أحمله فى نفسى. لكن ان سألت عن اسمى المتداولة بين الناس فان والدى أسميانى تراكوس، وكنت أدعى فى الجيش بقطر.
- ما هو عملك؟
- جندى، من أسرة رومانية، ولدت فىكلوديوبوليس فى ايسورية. ونظرا لأنى مسيحى فقد صممت أخيرا أن اعتزل الجندية[127].
معنى ذلك أنه لم يسمح لك بالبقاء فى الجيش، لانك كنت فاسدا جدا. من سمح لك بالاعتزال؟
- توسلت الى فولفيو Fulvio قائد المئة أن يطلق سراحى، فأذن لى.
- أنى ارى شعرك الاشيبن ويسرنى أن أعمل ما فى وسعى لك فى طريق الترقى، وأصيرك صديقا للاباطرة، ان أطعتنى واقتربت، وقربت للآلهة. ان الاباطرة أنفسهم يفعلون مثل ذلك دائماً نيابة عن العالم اجمع.
- الاباطرة أنفسهم فى خطر شنيع. لقد خدعهم الشيطان.
- (لاحد الجنود) اضربه على وجهه من الجهتين لانه يقول ان الاباطرة مخطئون.
- أقولها وأعيدها ثانية. ما هم الا بشر، وهم مخدعون.
- دع عنك ذكاءك وقرب لآلهة آبائك.
- أنا أعبد اله آبائى، ليس بدم ذبائح، لكن بقلب طاهر، فالله ليس فى حاجة الى مثل هذه الذبائح.
- انى مبق على حياتك. ارحم ما تبقى منها. ولذا فانى أنصحك أن تدع عنك كل هذا الجنون وكرم الاباطرة، ووقرنى. قدم احتراماً لشريعة آبائك.
- سوف لا أترك شريعة آبائى.
- اقترب اذن وضح للآلهة.
- لا يمكننى أن أرتكب هذا الكفر. لقد قلت انى اكرم شريعة آبائى.
- هل توجد شرائع اخرى الى جانب هذه، أيها الرجل الشرير.
- نعم، توجد شريعة واحدة، تلك التى تتعدون عليها بعبادتكم الأوثان.
- (لأحد الجنود) اضربه على رقبته وقل له لا تدع البلاهة.
- سوف لا أكف عن هذه البلاهة، التى هى خلاصى.
- سأشفيك من هذا الجنون، وأجعل منك انساناً عاقلاً.
- افعل ما تريد. جسمى تحت سلطانك.
- (للجنود) عروه من قميصه واضربوه بالقضبان.
- الآن جعلت منى انسانا عاقلاً فعلا. انك بهذه الضربات قويتنى لأثق اكثر فى اسم الله ومسيحه.
- أيها الرجل الملعون، هل تعبد الهين؟ لقد اعترفت بها، ومع ذلك تنكر الآلهة.
- أنا أعبد الله، الذى هو اله بالحقيقة.
- ومع ذلك تقول ان المسيح اله أيضاً!
- نعم. المسيح هو ابن الله الحى، رجاء المسيحيين، ومعطى الخلاص لمن يتعذبون حباً له.
- كف عن هذا الكلام التافه، وتقدم قرب للآلهة.
- ليس هو كلاما تافها، بل هو الحق. أنا الآن فى الستين من عمرى، وتربيت على قول الصدق ولا أحيد عنه.
وهنا تدخل ديمتريوس قائد المائة وقال لتراكوس:
- انقذ حياتك يا انسان. اسمع ما أقوله لك وضح للآلهة.
- اذهب عنى. احتفظ بنصيحتك لنفسك، يا خادم الشيطان.
قال مكسيموس الحاكم:
«ألقوه فى السجن وضعوه فى قيود حديدية ثقيلة».
وبعد تراكوس، حاكم مكسيموس الوالى زميليه بروبوس واندرونيكوس اللذين أظهر شجاعة لا تقل عن تراكوس، وانتقل الحاكم من طرسوس الى مبسستيا وأخذ معه الثلاثة سجناء كما كان متبعاً.
وقدم تراكوس ثانية للمحاكمة:
قال له الوالى:
- أعتقد أن الناس يوقرون الشيخوخة بسبب الحكمة والتعقل اللذين يصاحبانها. لذلك راجع نفسك، ولا تصر على أوهامك السابقة، بل قرب للآلهة ونل ثناء التقوى.
- أنا مسيحى، وأصلى لاجلك ولاجل أباطرتك لتنالوا نفس الثناء، وتتركوا عنكم كل قساوة قلب وعمى، حتى ما يقودكم الاله الحق بسرعة الى اعتقاد أسمى وأفضل.
- (لأحد الجنود) دق فمه بالحجارة، وقل له أن يكف عن بلاهته.
- اذا لم أكن ذا عقل سليم، فسأكون مجنوناً مثلك.
- لاحظ أسنانك التى تكسرت. ارحم نفسك أيها الانسان البائس.
- لا شئ مما فى سلطانك يستطيع أن يؤذينى، حتى لو قطعت كل اطرافى. انى واقف بثبات أمامكم، فى المسيح الذى يقوينى.
- من الأفضل أن تتبع نصيحتى. هيا ضح للآلهة.
- اذا عرفت أنه من الافضل أن أفعل ذلك لذا تألمت.
- (لأحد الجنود) اضربه على فمه، وقل له أن يرفع صوته.
- لا أستطيع أن أرفع صوتى، لأن أسنانى تكست، وفكى قد ترضضا.
- حتى فى هذا لا تذعن أيها الرجل الشرير! تقدم الى المذبح. واسكب تقدمة شراب للآلهة.
- ولو أنك أسكت صوتى حتى أنى لا أقدر أن ارفعه، لكنك لا تقدر أن توقف أفكار روحى. لقد صرت بفضلك أكثر شجاعة وثباتاً.
- سأهدم ثباتك أيها الوغد!!
- أنا تحت تصرفك. ومهما دبرت فسأكون لك أكثر من ند، فى اسم الله الذى يقوينى.
(لأحد الجنود) افتح يديه، وضع عليهما نارا.
لا أخاف من نارك التى هى إلى برهة، لكنى أخشى اذا أطعتك أن أصير شريك النار الابدية.
- أنظر، لقد احترقت يداك بالنار. ألا سوف تتخلى عن جنونك أيها الرجل المعتوه وتضحى للآلهة.
- انك تتحدث الى كما لو كنت توسلت اليك الا تستخدم كل ما فى وسعك لاخضاع جسدى. أنا أصم ازاء كل ما تفعله معى.
- (لأحد الجنود) قيد قدميه، وعلقه منهما، وسلط على وجهه دخانا كثيفا.
- أنا لم أهتم بنارك، أتظن انى سأرهب دخانك؟!
- وافق على التضحية للآلهة، وأنت الآن معلق.
- قدم أنت ضحايا. أنك معتاد على التضحية حتى بالضحايا البشرية. لكن الله ينهانى عن أن أفعل ذلك.
- (لأحد الجنود) ضع خلا مركزا ممزوجا بملح فى منخريه.
- خلك لذيذ، وملحك فقد ملوحته.
- (للجندى اخلط الخل بالخردل وصبه فى منخريه.
- ان ضباطك يخدعونك يا مكسيموس. انهم يقدمون لى شهداً عوض الخل.
- سأفكر فى عقوبات اخرى فى محاكمة الغد، وسأضع حدا لجنونك.
- وسأكون أكثر استعدادا لمكايدك.
- (للجند) انزلوه، قيدوه بالسلاسل، وسلموه للسجان.
وقدم تراكوس ثالثة للمحاكمة وأمر الوالى أن يربط على آلة تعذيب خاصة، فقال له تراكوس:
- أنا قادر – باعتبارى جنديا – أن أطلب من ديوكلتيانوس أن يتمم أمره الذى يقضى بمنع القضاة من وضع الجنود على آلة التعذيب. لكنى لا أريد أن أستخدم حقى هذا خشية أن يخامرك شك فى أننى خائف.
ثم وجه الوالى الكلام اليه وقال:
- أنت تعلل نفسك، وترجو ان تبخر لك النساء المسيحيات بعد موتك لكنى أعلم يقينا، أنك سوف لا تنال ذلك.
- افعل بجسدى كل ما يرضيك فى حياتى وبعد موتى.
- (للجند) مزقوا وجهه واقطعوا شفتيه.
- قد أضفت الى نفسى حسنا جديدا بواسطة تشويه وجهى. وحيث أن محبة الله توقيتى، فلا أخشى شيئاً من عذابك البتة.
- (للجند) ضعوا على صدره قضبانا من حديد محمى بالنار.
- لا يصبح قلبى بذلك أقل انتباهاً لكلام الله.
- (للجند) اسلخوا جلد رأسه، وألبسوه خوذة محماة بالنار.
- لو سلخت كل جسدى، فسوف لا تحقق غرضك من أنفصالى عن الهى.
- (للجند) احموا القضبان الحديد أكثر من المرة الاولى، وضعوها على ضلوعه.
- يا اله السماء اطلع الى وكن قاضيا.
- (للجند) عيدوه الى السجن، وابقوه لالعاب الغد.
[وقد حوكم أيضاً زميلاه وأظهرا شجاعة لا تقل عنه].
وأخيرا، طرح المعترفون الثلاثة للوحوش بأمر الوالى مكسيموس. لكن الوحوش كانت تتقدم نحوهم وتلعق أقدامهم، فهاج الوالى وأمر بقطع رؤوسهم بحد السيف...
هدريان[128]:
حال وصول جالريوس ذات مرة الى نيقوميدية. قدم ثلاثة وعشرون معترفا شهادة مدهشة لايمانهم. وكان ذلك سببا فى تأثر شاب وثنى لدرجة كبيرة بما كان يرى من شجاعة المسيحيين، حتى أنه سأل عن سرها... كان هذا الشاب – ويدعى هدريان – رئيسا للموظفين الذين يعملون فى معية الحاكم الذى كان يحاكم المسيحيين.
ولما أحضر هؤلاء المعترفون البواسل أمام جالريوس شخصيا، ثار لاجابتهم، ونادى على هؤلاء الموظفين ليكتبوا مذكرة... تقدم هدريان وقال لجالريوس:
- هل أكتب مذكرة باسمى معهم، فأنا مسيحى أيضاً.
جالريوس: هل جننت؟ أتريد أن تفقد حياتك؟
هدريان: لست مجنونا يا سيدى. لقد كنت بالفعل مجنونا فى فترة سابقة لكن أتيت الى التعقل الكامل الآن.
- اصمت والتمس مغفرتى. قل بحضرة الجميع ان ما قلته كان من قبيل الخطأ، وأجابتك ستمحى من مضبطة المحكمة.
- كلا. من الآن اسأل العفو من الله عن كل افعالى الشريرة، وأخطاء حياتى الماضية.
وبناء على أمر جالريوس، حفظ هدريان فى السجن مع باقى المعترفين.
وكان هدريان (28 سنة)، قد تزوج حديثا منذ نحو عام من سيدة تقية تدعى نتاليا Natalia تنحدر من أسرة مسيحية.
فرحت نتاليا جدا لاعتناق زوجها المسيحية. زارته ورفاقه فى السجن وقضت حوائجهم. وكانت تشجع هدريان حتى يثابر على اعترافه بالمسيح. وانصرفت بعد أن وعدها بأن يعرفها بموعد المحاكمة الاخيرة.
بدأت المحاكمة وأحضر المعترفون أمام جالريوس – وبناء على نصيحة حاشيته، أمر فأحضر هدريان أولا. فتقدم يحمل الآلة التى كانوا يعذبونه بها. وكانت نتاليا حاضرة بقصد تشديد قلبه وتشجيعه. وسأله جالريوس:
- أما زلت مصرا على جنونك، وتود أن تموت ميتة صعبة؟
أجاب هدريان على نحو ما أجاب قبلا، ان أيام الجنون قد مضت، وأنه على استعداد لبذل حياته.
- هل ستضحى، وتعبد الآلهة كما أفعل أنا وكل أحد؟
- أنت على خطأ. لم تسوق الآخرين الى الخطأ، مضيعاً نفسك وكل أنفس هؤلاء الناس الذين تسوقهم الى عبادة آلهة لا حياة فيها، ويتركون الله الذى خلق السماوات والارض والبحر وكل ما فيها؟
- أتظن أن آلهتنا هكذا صغيرة، بينما هى كبيرة؟
- لا أظن أنها صغيرة أو كبيرة. أنها لا شئ على الاطلاق.
أمر جالريوس الموظفين الحاضرين أن يضربوه بالقضبان، وهم يرددون «لا تجدف على الآلهة». وعندئذ أسرعت نتاليا من قاعة المحكمة الى زنزانة المعترفين الآخرين وأخبرتهم أن استشهاد زوجها قد بدأ، وطلبت صلواتهم. لمعاضدته. وأثناء الحوار الذى دار بين جالريوس وهدريان. قال الاول:
(جالريوس) لقد تعلمت هذا الأسلوب من هؤلاء الدجالين (يقصد الاكليروس المسيحى).
(هدريان) لم تدعوهم دجالين، أولئك الذين يقودننا الى الحياة الأبدية؟ انكم أنتم الذين تخدعون الناس، وتوقعوهم فى حبائل الهلاك...
وبسبب هذه الردود القوية، ضاعفوا ضرب هدريان بقسوة أكثر، بينما أردف جالريوس يقول:
- هلم أعترف بالآلهة، واحفظ حياتك وشبابك. انى أشفق عليك.
- انى بما أفعله أحفظ حياتى، ولا أريد أريد أن أهلك تماما.
- اعترف بالآلهة، حتى ما يتعطفوا عليك، ويردونك بكرامة الى وضعك السابق. انك لست مثل الآخرين الذين سجنوا معك. فأنت ابن رجل شريف بالمولد. ومازلت حدثاً تستحق الترقى. أما هؤلاء الاخرين فهم مخلوقات بائسة من الفلاحين.
- استطيع القول انك تعرف شيئاً عن أسرتى وبيتى وأسلافى. لكن لو عرفت أسرة هؤلاء الرجال القديسين وغناهم، والمسكن الذى يتطلعون اليه لا لقيت بذاتك للحال عند اقدامهم وتوسلت اليهم ان يصلوا عنك. وأكثر من هذا ستحطم آلهتك بيديك.
أدار الجند هدريان وضربوه على معدته. وبعد قليل أمرهم الامبراطور أن يكفوا عن الضرب لان الجسم الرهيف لا يقدر أن يحتمل ما هو أكثر من ذلك، ثم قال جالريوس:
- أنظر كيف أود أن أنقذك! اذا دعوت الآلهة بلسانك فقط (أى بدون تقديم قرابين) سأستدعى أطباء حالا لعلاج جراحاتك، وتكون معى اليوم فى قصرى.
- أنا مستعد أن أفعل ذلك لو أن الآلهة وعدت بصوت مسموع أن تفعل ما قاله الامبراطور.
- هه! ماذا تقول؟ أنها لا تقدر أن تتكلم.
- لماذا اذن تقربون قرابينا لا شياء لا تقدر أن تتكلم؟
- أنا مستعد أن أفعل ذلك لو أن الآلهة وعدت بصوت مسموع أن تفعل ما قاله الامبراطور.
- هه! ماذا تقول؟ انها لا تقدر أن تتكلم.
- لماذا اذن تقربون قرابينا لاشياء لا تقدر أن تتكلم؟
ونقل هدريان الى السجن، وهناك كسرت مفاصل يديه ورجليه بقضيب من حديد. وقيل أن زوجته نتاليا، كانت تمسك بيديه بينما كانت تكسر... أخيرا مات هدريان فى السجن. وتروى القصة أن نتاليا أرملته هربت الى بيزنطة (القسطنطينية) هربا من ضابط فى المدينة أراد أن يتزوجها، وحملت معها يدى زوجها الشهيد المقطوعتين، فى ستر أرجوانى، ككنز ثمين.
بقطر الجندى[129]:
استشهد تحت حكم الامبراطور مرقس أوريليوس (161 – 180) ففى سنة 177 كان فيضان النيل منخفضاً.. وكالعادة، عند حلول الكوارث صاح الوثنيون فى الاسكندرية مرددين عبارتهم التقليدية «الموت للمسيحيين» على اعتبار أنهم سبب هذا البلاء، لانهم أعداء الآلهة... وكان الامبراطور قد أصدر أمرا باضطهاد المسيحيين، فسقطت ضحايا كثيرة فى بلاد الغال وقرطاجنة وآسيا الصغرى وروما ومصر...
كان بقطر من اقليم كليكية بآسيا الصغرى، وولد مسيحيا ثم التحق بالجيش وترقى فيه حتى وصل الى رتبة عالية بفضل خلقه... وقد وصل فى تجواله مع فرقته الى الاسكندرية فوقع اختيار واليها سبستيان عليه ليقدم ضحية للاله هابى (النيل) حتى ما يرتفع منسوب مياهه، ويأتى الفيضان، وأعلنه بالأمر الامبراطورى الصادر بضرورة التقدم لآلهة الدولة. ومن ثم دار بين بقطر والوالى الحوار التالى:
(بقطر) «ان حكم الامبراطور منقض وزائل. أما أنا فقبل كل شئ جندى ليسوع المسيح الذى ملكه أبدى».
(الوالى) «بصفتك جنديا لقيصر، فأنت مجبر أكثر من غيرك بتنفيذ أوامره. فأسرع وضح للآلهة».
- «أنك لن تجد الشخص الذى يخدم الامبراطور بأمانة مثلى... ولكن ان كان للامبراطور كل الحق فى السيطرة على جسدى، فليس له أى حق على روحى المطيعة لله وحده».
- «ان صفاتك الحميدة كجندى توحى لى بأنك انسان تميل الى الحكمة».
- ربما، لكن هذه الحكمة ليست منى، بل وهبت لى من الله.
- انك تغضبنى يا بقطر... قرب للآلهة وكل شئ ينتهى.
- انى على استعداد لطاعتك فى كل شئ. لكن ليس فى هذا الامر. سأتعذب حسب ارادة الله، وأكون سعيدا للغاية ان قدمت له الشهادة بدمى.
- انك تشرح هذا الامر بطريقة شيقة. هل أنت قارئ (اغنسطس) أو شماس حتى تتكلم هكذا حسنا؟
- للاسف، لا. لست أهلاً لهذه النعمة السامية. لكنى خاضع لنعمة الله التى تضع هذه الكلمات فى شفتى، وتملأنى بالحكمة والفطنة اللتين تساعدانى وقت الحاجة. مثل حقل مزروع بعناية وينتج فاكهة طالما يصله ما يحتاجه من الماء، كذلك الأرواح حينما تملك عليها نعمة الله.
- اذن فأنت تفضل الموت على الحياة.
- نعم، لأن الآلام التى سأتحملها لن تميتنى، بل تهب لى الحياة الابدية.
واذ رأى الوالى ثبات بقطر، أراد أن يخيفه فأمر بسحق اصابعه حتى برزت العظام المرضضة من اللحم المهرأ... وبانتهاء هذا التعذيب، صاح بقطر وكأنه لم يحس الالم:
(بقطر) شكرا لسيدى يسوع الذى أعطانى نعمة الاحتمال.
(الوالى) أطع وقرب للآلهة، والا تعرضت لتعذيب جديد.
(بقطر) حاشا لى أن أضحى لقطع من الخشب أو كتل من الحجارة، لكنى أقدم عبادتى فقط للاله خالق السماء والأرض.
كان نتيجة التالى طلب الوالى بقطر، وحاول – دون جدوى – حمله على التضحية للآلهة. لكنه أصر على الرفض، فقرر الوالى القاءه فى أتون نار ملتهب. فجثا بقطر على ركبتيه وصلى بصوت عال:
- يا إله آبائنا. اصغ لخاطئ سيتعذب بسبب محبته لك. احفظ يا الهى جسدى من السنة النيران لكى يؤمن هؤلاء القوم أنك الاله الحقيقى.
ثم رشم ذاته بعلامة الصليب، وألقى بنفسه فى أتون النار وصوته يعلو بالتراتيل المقدسة.
وبعد ثلاثة أيام من ايقاد النار، استدعى الوالى بعض الجنود لجمع عظام بقطر المتخلفة.. ولكن ما أكثر دهشتهم حينما وجدوا بقطر حياً سليماً ينشد الترانيم وسط لهيب النيران... وعوض أن يقدم الجنود لواليهم عظاما قدموا له نفساً حية تمجد الله! أما الوالى فلم يكن لديه تفسير لهذه المعجزة سوى السحر.
فسأل بقطر:
(الوالى) هل وصلت بسحرك الى الدرجة التى تجعلك تتحكم فى النيران؟
(بقطر) اننى لست ساحرا كما تظن، لكنى مسيحى.
أرسل الوالى واستدعى أقوى ساحر، وطلب اليه تركيب سم مميت، وخلطه بالطعام المقدم لبقطر.
- فقال بقطر: لولا ثقتى الكاملة بربى يسوع، ما أستطعت اطلاقاً تناول ذلك الطعام. انما سأصلى لالهى، وأتناول منه، لاثبت قوته فى تحطيم كل سحر.
واذ لم يتأثر من هذا السم، قدم له الساحر سماً آخر، أقوى من الاول وقال له: «كل من هذا الخليط. لقد وضعت فيه كل خبرتى وتجارب حياتى الماضية... فإن لم يؤثر فيك تركت عنى السحر، وآمنت بالمسيح الذى تعبده».
تناول بقطر السم فلم يتأثر به، فصاح الساحر بصوت خنقته الدموع: «كن سليما معافى يا بقطر، لقد انتصرت على بالهك. أنت أقوى منى» ثم جمع الساحر كتب السحر التى عنده وحرقها، وأعلن ايمانه بالمسيح... فأمر الوالى بقطع رأسه، ونال أكليل الشهادة.
وفى محاكمة اخرى قدم لها بقطر – ربما فى أسيوط – ظل محتفظاً بثباته الاول وصلابته... وقد جرت محاكمته على النحو التالى:
(الوالى) كن عاقلا الآن أيها الشجاع بقطر، وقرب للآلهة الخالدة.
(بقطر) لقد كنت دائماً عاقلاً.
- انك ترتكب عملاً جنونيا برفضك التضحية للآلهة!
- لقد اختار ربى هذا الجنون ليقضى على حكمة هذا العالم.
- وأين قرأت هذا المبدأ؟
- فى رسائل بولس الطوباوى.
- بولس اذن اله!
- بولس ليس الها، لكنه رسول المسيح.
- هذا حسن وجميل، هيا قرب للآلهة.
- لن أضحى للشياطين بأى حال.
عندئذ فقد الوالى صوابه وأمر بقطع كل أعصاب مفاصله. فصاح بقطر:
- ان هذا التعذيب لا يؤلمنى أبدا، بل أحس، وكأن هناك من يسحب شوكة من رجلى.
عذاب بقطر بعد ذلك عذابا شديداً فى أجزاء من جسمه يمنع الحياة ذكرها.
بعد ذلك بسطوه على حامل حيث سلطت المشاعل المشتعلة على جانبيه، وكانوا – خلال هذا التعذيب – يصرخون قائلين «قرب للآلهة. أنه أمر الامبراطور».
فرد عليهم بقوله:
- استمروا فى تعذيبى أيها البؤساء، لكنكم لن ترهبونى، لان يسوع يقودنى. انى مستعد لكل ألم لاقتناء النعم التى وعد الله بها خدامه.
حينئذ أحضر الوالى محلولا مغليا من الجير المذاب فى الخل، وقربه من شفتى الشهيد وقال له:
(الوالى) ان نجاح أعمالك الشيطانية وقوة احتمالك يحيرانى. فهيا ضح للآلهة.
وعندما رفض بقطر أمر الوالى بفتح فمه وصب المزيج فيه، وقلعوا عينيه فقال بقطر: أتظن أنك بأعمالك البريرية ووحشيتك تخضع ارادتى؟ كلا. فأنك باقتلاعك عينى الجسديتين. ضاعفت حدة بصرى الروحى.
(الوالى) سأذيقك أنواعا أخرى من العذاب.
(بقطر) أفعل ما تريد، نعمة الله حاضرة معى تقوى ضعفى.
وللحال حكم عليه الوالى بالشنق، فعلق على عامود ورأسه الى أسفل، واستمر على هذا الحال ثلاثة أيام، جاء بعدها الجند، وعقدت الدهشة السنتهم حينما وجدوا بقطر مازال حيا!
اغناظ الوالى، وأمر جنده أن يسلخوا جلده، فقال بقطر: انك تستطيع نزع جلدى... لكنك لن تصل الى انتزاع رداء روحى، اذ هو مصنوع من نسيج الايمان والحب.
ثم استغرق الشهيد فى صلاة حارة خلال هذه العملية الرهيبة.. قال:
«يا الهى يسوع هلم لمعونتى وخذنى معك. لا تتركنى ولا تطرحنى عن وجهك. ارحمنى يا سيدى وهلم لمعونة خادمك.. فى هذا العذاب... لا تسمح أن أقهر أمام هذا الوالى القاسى، أنت تعلم انه من أجل حبى لك، احتملت كل هذا».
ولم يكد بقطر ينتهى من صلاته، حتى ارتفعت من وسط الجماهير صيحة عالية، اتجهت على أثرها الأنظار الى زوجة شابة لأحد الجنود، كانت تصيح.
«طوباك يا بقطر... طوبى للعمل المجيد الذى قدمته لله... انى ابصر ملاكين، يحمل كل منهما اكليلا رائعاً أثمنهما لك، والاخر سيصبح لى. وعلى الرغم من صغر سنى وضعت طبيعتى كامراة، سأحتمل تنكيل الوالى وعذابه، ليكون لى نصيب فى ملك المسيح».
استدعى الوالى اليه هذه الشابة، وجرت محاكمتها على النحو التالى:
(الوالى) ما اسمك أيتها الشابة؟
(هى) كورونا Corona.
- كم عمرك؟
- ستة عشر عاماً.
- متى تزوجت؟
- منذ أربعة عشر شهراً.
- تقدمى وضحى لآلهتنا الخالدة.
- أتظن أيها الوالى العظيم انى افقد هذا الاكليل الأبدى؟
- أيتها الصغيرة المسكينة. ان جنونك هذا سيؤدى بك الى فقد مجوهراتك الثمينة وملابسك الفاخرة.
- انى أفضل أن أفقد هذه الاشياء الفانية، وأسير بدونها أمام المسيح عريسى. انه سيفيض على غنى لا يحد.
- للمرة الثانية أقول لك قومى يا امرأة، وضحى للآلهة الخالدة.
- لن أفقد الاكليل السماوى من أجل اطاعة أوامرك.
اغتاظ الوالى، وأمر بتقريب شجرتين كانتا قريبتين من المحكمة.. ثم قام الجلادون بربط أعضاء المرأة فى كل من الشرتين. وعند اعطاء الاشارة تركت الشجرتان لتأخذا وضعهما الطبيعى، واحتفظت كل منهما بنصف الشهيدة.
حينئذ مجد بقطر الله قائلاً:
- أشكرك يا سيدى يسوع، لانك عزيت روحى بهذا المشهد الذى أنعشنى. هب لى نفس النعمة، واقبل روحى فى سلامك الأبدى.
ثم قطع الجلادون رأسه، فآمن كثيرون من الحاضرين بقلوبهم.
معجزات صاحبت الاستشهاد وأثرها
فى الرسالة التى كتبها فيلياس أسقف تمى الى شعبه قبيل استشهاده بالاسكندرية، ما يوضح اثر المعجزات التى صاحبت تعذيب الشهداء... «لو حاولت أن أصف لكم بطولتهم (الشهداء)، لظننتموها أشبه بالاساطير. لكن حقيقة هذه البطولة أعجب بكثير من كل تصور. فالمؤمنون الذين شهدوها تشددوا وتعزوا، أما غير المؤمنين، فلم يؤمنوا فحسب، بل اعلنوا ايمانهم جهارا أيضاً، فانضموا بدورهم الى صفوف الشهداء».
والآن نسوق بعض أمثلة على معجزات حدثت أثناء تعذيب الشهداء وموتهم كانت سببا فى ايمان كثيرين – أحيانا أفراد، وأحيانا جماعات وجماهير وأحيانا معذبيهم أنفسهم، بل وأحيانا الحكام الذين كانوا يحاكمونهم.. ولم تقف المعجزات عند حد ايمان هؤلاء، بل أن بعضهم صاروا هم أيضاً شهداء.
أولاً إيمان حكام
(1) مناس وهرموجين حاكما الاسكندرية[130]
كان مناس Mennas واليا على الاسكندرية وآمن بالمسيح، وكان يخدم المسيحيين. وما أن وصل الخبر الى مكسيمينوس قيصر حتى أرسل واليا آخر مشهوراً بشراسته وعدائه للمسيحيين، ويدعى هرموجين Hermogenes وارسل معه مرسوماً امبراطوريا بالقبض على مناس، وحمله على التضحية لآلهة الدولة.
فلما مثل مناس أمام هرموجين لمحاكمته، أوضح له ايمانه بالمسيح، وكيف انه لم يكن نتيجة اندفاع وقتى، بل ثمرة تفكير عميق، ودراسة ومناقشات طويلة. وختم على ذلك باعلان ايمانه بالمسيح، وانه على أتم استعداد لتقبل الآلام حتى الموت.. عندئذ دخل مناس فى سلسلة عذابات قاسية ومرعبة: نزع باطن رجليه، قطع لسانه وقلعت عيناه، وألقى فى السجن بين حى وميت...
وقد احتمل كل ذلك فى هدوء ووداعة وصبر المسيحى الحقيقى، الأمر الذى حرك قلب هرموجين، وبدأ ضميره يؤنبه. حاول اصلاح خطأه واسكات صوت ضميره، فأمر بتشييع جنازة مناس. لكن الجنود الذين أرسلوا للسجن لاخراج جثته، وجدوه معافى، وقد زالت عن جسده كل اثار الجروح والتعذيب، يلهج بالشكر لله... ولفرط دشتهم سجدوا نحو الأرض... ثم أفاقوا من دهشتهم، وذهبوا للوالى ليخبروه.
أتى هرموجين للسجن ليرى بنفسه. فما أن التقيا، حتى اندفع مناس نحو هرموجين سريعاً وقد غمرته فرحة عجيبة – وأمتدت يداه للسلام. لم يتمالك هرموجين نفسه فانهمرت الدموع من عينيه وتعانقا، واعترف هرموجين بأعلا صوته بالسيد المسيح الها ومخلصاً، ورجع الوالين الى القصر...
ما أن وصل الخبر الى مكسيمينوس، حتى قرر الذهاب بنفسه للقضاء على ما اعتبره فضيحة كبرى. استجوب الواليين، ثم أمر بتعذيبهما فقطع يدى ورجلى هرموجين، لرفضه السجود للآلهة. ثم قطع جسده قطعة قطعة كما عذب مناس عذابات أخرى وعلى الرغم من كل ذلك، فقد عوفى الشهيدان وغمرتهما سعادة دافقة، فأخذا يسبحان الله... أمام كل ذلك أحس مكسيمينوس بعجزه، فأمر بقطع رأسيهما بالسيف.
(2) أركانيوس والى سمنود وسوكيانوس والى أتريب[131]
كا ايمان هذين الواليين بسبب استشهاد القديس يوليوس الأقفهصى، كاتب سير الشهداء. كان هذا الاخير مسيحيا يشغل وظيفة كبيرة فى الاسكندرية، كما كان ثريا من أثريائها الكبار، وكان موضع ثقة حاكمة، كان محبا لخدمة المعترفين والشهداء، وعاصر الاضطهادات التى أثارها ديوكلتيانوس وجالريوس ومكسيمينوس. كان يزور المعترفين فى سجونهم يخفف آلامهم ويداوى جراحاتهم، ويقضى كل احتياجاتهم، ويدفن أجسادهم، يعاونه فى ذلك ثلثمائة غلام من الكتبة المساعدين، استخدمهم أيضاً فى تسجيل سير الشهداء كتابة ويبدو أنه خلال الاضطهادات المذكورة، لم يسمح الله أن يستشهد، بل استبقاه للخدمة العظيمة التى كان يقوم بها. لكن أكثر من واحد من الشهداء تنبأوا له بأنه سيسفك دمه على اسم المسيح.
وفى أوائل عهد قسطنطين – وقبل أن تستتب الأوضاع السياسية له نهائيا، ظهر السيد المسيح للقديس يوليوس الاقفهصى فى رؤيا، أمره أن يمضى الى أركانيوس والى سمنود ويعترف بالسيد المسيح.
وفى سمنود اعترف بالمسيح، وعذب عذاباً شديدا... ثم اقتادوه الى (بربا) (معبد وثنى) لكى يضحى للآلهة، وكان عدد أصنامها سبعين صنماً.. بسط يديه وصلى، ففتحت الأض فاها وابتلعت الاوثان جميعها، مع اربعين كاهنا كانوا يخدمونها... فلما رأى الوالى هذه الأعجوبة آمن وبعض أفراد حاشيته.
مضى والى سمنود فى صحبة القديس الى سوكيانوس والى أتريب. وهناك عذبهما الوالى. وظل على هذا الحال الى أن كان يوم احتفال فى هيكل الأوثان بأتريب، وكانوا قد زينوا الهيكل بالمصابيح وسعف النخل. وفى ليلة هذا الاحتفال، أويثقوه القديس والوالى. طلب القديس من الرب أن يظهر مجده. وفى منتصف الليل أرسل الرب ملاكا، ونزع رؤوس الاصنام، وسودها بالرماد، وأضاع زينتها. فلما اجتمع الناس فى اليوم التالى، ورأوا ما حدث، أسرعوا وأخبروا الوالى، فآمن هو الآخر بالسيد المسيح. ورحل ثلاثتهم من أتريب الى طوه، بناء على رأى يوليوس الاقفهصى، حيث ينالوا أكليل الشهادة...
وفى طوه اجتمعوا بواليها الكسندروس، وحاولوا اقناعه بالمسيح فاعتذر ولم يرد ان يعذبهم، بل راد أن يرسلهم الى والى الاسكندرية لكنهم الحوا عليه أن يعذبهم ويقتلهم على اسم المسيح. فكتب الوالى قضيتهم، وقطعت رؤوسهم بالسيف كما استشهد فى ذلك اليوم نحو الف وخمسمائة على اسم المسيح.
(3) أريانوس والى أنصنا[132]
قد لا نكون مبالغين اذا قلنا، أنه فى كل الامبراطورية الرومانية لم يوجد حاكم أو والى عذب المسيحيين بوحشية وبشاعة وباختراع آلات ووسائل تعذيب مبتكرة، وبكثرة عدد من استشهدوا على يديه، مثل أريانوس Arrianus هذا الرجل الذى لفرط عداوته وقسوته وجبروته، كان الحكام الآخرون – ليس من أنحاء القطر المصرى فحسب – بل من أقاليم الدولة الرومانية الاخرى يرسلون اليه المعترفين المسيحيين من فشلوا فى اخضاعهم وردهم عن ايمانهم المسيحى، حتى ما يذيقهم الألم كؤوسا وألوانا... لكن نعمة الله التى عملت فى شاول الطرسوسى عملت فى أريانوس، فحولت الذئب المتعطش لسفك الدماء الىحمل وديع يساق الى الذبح!!
أمر أريانوس – بناء على الاوامر الامبراطورية الصادرة – بالقبض على جميع المسيحيين فى مدينة أنصنا[133].
وكثيرون هربوا، لكن أعضاء الاكليروس استمروا ليشجعوا ايمان المخلصين وقبض على سبعة وثلاثين مسيحيا، وقدموا للمحاكمة.. وكان يوجد فى أنصنا فى ذلك الوقت، عازف مزمار بارع يدعى فليمون. وفى نفس الوقت، كان هذا الشاب طيبا حاز اعجاب الجميع...
وكان هناك شماس يدعى ابولونيوس. واذ كان لا يريد أن ينكر ايمانه هداه تفكيره الى طريقة يتخلص بها من محاكمة أريانوس. ذهب الى فليمون وقدم له أربعة دنانير من الذهب، وسأله أن يذهب الى معبد الاوثان ليضحى للآلهة نيابة عنه. وافق فليمون على أن يعيره بعض ملابسه ليتنكر فيها. ذهب فليمون الى المحكمة، بعد أن ترك مزماره لأبولونيوس، ولم يتعرف عليه أحد.
مثل فليمون أمام أريانوس، وهناك عملت النعمة الالهية فيه بطريقة عجيبة، فأعلن ايمانه ورفض أن يقرب للآلهة. وخطر لأريانوس أن يستدعى فليمون ليعزف على مزماره، لعل أنغامه ترد المتهوسين (يقصد المسيحيين) الى صوبهم، بحثوا عنه فىكل مكان فلم يجدوه، وأخيرا أستدعى أريانوس شقيقه ثاؤونا، وسأله عنه. فأرشد عنه، وأشار اليه – ولم يتعرف عليه أريانوس بسبب تنكره.
وحينئذ أكتشفت خطة الشماس أبولونيوس، وأحضر أمام الوالى واعترف هو الآخر بايمانه. وعذبا طويلا واجتازا ميتات كثيرة.
أخيرا أمر اريانوس، أن يعلق فليمون من قدميه ورأسه الى أسفل، وأن يضرب بالنشاب. لكنها كانت لا تؤثر فيه، وترتد عن جسده، الامر الذى جعل أريانوس يتقدم ليرى بنفسه هذا الشئ العجيب. فأصابته نشابة قلعت احدى عينيه. فطلب من فليمون أن يشفيها له. لكن فليمون قال له لو فعلت ذلك. لنسبت أنت هذا للسحر... لكنه أوصاه أن يتوجه بعد موته الى قبره ويأخذ من التراب، ويدعك بها عينه، وسيشفى. فأمر بقطع رأسى فليمون وأبولونيوس ودفنهما.
وفى اليوم التالى باكرا جدا، ذهب أريانوس سرا الى حيث دفن الشهيدان بعد أن أمضى ليلة يصرخ من الالم، وفعل كما اوصاه فليمون وهو يقول «باسم يسوع المسيح الذى احتمل هذان الشهيدان الموت لأجله، أدهن عينى لاسترد البصر، وفى نفس الوقت أؤمن أنه ليس اله آخر غيره». وفى الحال أبصر أريانوس. ومن شدة فرحه بدأ أريانوس يجول فى المدينة ماشيا على قدميه، وهو يصيح «إنى أبصر. انى أبصر!! وأنا أيضاً مسيحى. ومن الآن لا أخدم الها آخر ير المسيح». ثم أخذ أطيابا، وطيب جسدى الشهيدين فليمون وأبولونيوس، وأفرج عن جميع المعترفين المسجونين.
كان ديوكلتيانوس موجودا آنذاك بالاسكندرية، وسمع بقصة أريانوس فأرسل الى أنصنا أبعة مندوبين للقبض عليه وأحضاره اليه. وفى طريقه مر على قبر الشهيد وخاطبهما قائلاً: «أشكركما أيها المختاران المغبوطان، يا من تنعمان فى النور الابدى. اسألا عنى سيدى يسوع أن يهبنى القوة لأكمل شهادتى». فسمع صوتا من القبر بكل وضوح يجيب «لا تخف يا أريانوس أن يسوع الذى تؤمن به سيعطيك الشجاعة اللازمة وستزداد قوتك أمام الملك. وستنال أكليلك مثلنا فى الفردوس. أمض بغير خوف مع المندوبين، الذين أتوا للقبض عليك. صل عنهم لكى يفتح الرب عيونهم للحق»، وقد سمع المندوبون أيضاً هذا الصوت... وأمام ديوكلتيانوس اعترف أريانوس بإيمانه الجديد، ورفض التقريب لآلهة الدولة، على الرغم من اللين الذى أظهره نحوه ديوكلتيانوس.
أمر ديوكلتيانوس بدفنه حيا فى حفرة، بعد تقييد يديه ورجليه بالقيود الحديدية، وربط رحى كبير فى عنقه... نفذ الجند المكلفين هذا الحكم، ودفنوه فى حفرة كبيرة، وردموا عليه التراب. بعدها أخذ الجند يرقصون فوق الحفرة، ويقولون «سنرى ان كان مسيحه سيأتى ليخلصه! »...
وفى صباح اليوم التالى، أبصره ديوكلتيانوس، قائما أمامه بلا قيود فى قصره، فتعجب جداً وأمره أن يوضح فى كيس به رمل ويطرح فى البحر.
وبعدما تقدم الأربعة مندوبين، الذين رأوا هذه الآية وسمعوا الصوت من قبر فليمون وأبولونيوس، واعترفوا بايمانهم أمام ديوكلتيانوس فأمر بأن يلقوا جميعهم فى البحر أسوة بأريانوس. وكان ذلك فى بداية سنة 305.
(4) دجنيانوس والى القيروان[134]
الأنبا ثيئودورس اسقف القيروان بشمالى افريقيا جمع بين القداسة الروحية والابداع الفنى. كان يبدع آيات فنية بتزيين المخطوطات الى جانب مهامه الرعوية، حتى أقبل الناس على اقتنائها من خارج مدينته، وبواسطة فنه جذب عديدين الى الايمان المسيحى.
استاء دجنيانوس Dignianus الوالى لنشاط الاسقف، وقبض عليه بناء على الاوامر الامبراطورية الصادرة من ديوكلتيانوس. أمره أن يسلم كل انتاجه الفنى فرفض. أمر بجلده بالسياط حتى سال دمه غزيرا، وانهكت قواه. لكن ما أن تمالك نفسه، حتى زحف على الأرض تجاه المذبح الوثنى الذى كان مقاما فى ساحة المحكمة. فظن الناس أن ايمان الأسقف قد ضعف وانه مزمع أن يقرب للأوثان. لكن ما أن وصل اليه حتى دفعه بكل ما تبقى فيه من قوة، فانقلب على الأرض. ثار القاضى وأمر بسلخ جلده وصب خل على جسمه لكنه فى كل ذلك ظل ثابتاً فأمر القاضى بقطع لسانه لكن السيد المسيح افتقده فى السجن وشفى كل جراحاته وأعاد اليه لسانه...
كانت هذه الأعاجيب سببا فى ايمان لوكيوس Lucius حارس السجن أما دجنيانوس فملكت عليه الدهشة فأفرج عن الأسقف...
اعتمد لوكيوس على يد الأنبا ثيئودورس، وحاول اجتذاب الوالى القاضى الى الايمان. فأفلح مع ديجنيانوس، وفشل مع القاضى. وغادر لوكيوس وديجنيانوس البلاد، وذهبا الى جزيرة قبرص. وهناك كشف أمرهما فذهب لوكيوس وأعلن أيمانه أمام والى الجزيرة، وقطعت رأسه بالسيف. أما ديجنيانوس فقضى بقية حياته فى سيرة مقدسة.
ثانياً إيمان جموع
† القديس جاورجيوس (مارجرجس):
أثناء العذابات المروعة، والميتات الكثيرة، التى احتملها هذا الشهيد، آمن كثيرون جداً بالمسيح، اله جاورجيوس. ومن ضمن هؤلاء الملكة اسكندرة زوجة ديوكلتيانوس، الساحر اثناسيوس الذى أعد له السم المميت. وسيأتى الكلام عن هذا الشهيد فى موضع آخر[135].
† يفنوتيوس المتوحد[136]
كان متوحدا قرب دندرة بصعيد مصر، ونال شهرة كبيرة فى كل المنطقة المحيطة. أعلنه ملاك الرب باستشهاده. بعث أريانوس والى أنصنا جندا لاحضاره مقبوضا عليه، فلم يجده الجند فى صومعته، بل ذهب وقدم نفسه بناء على اعلان الملاك.
اجتاز عذابات أليمة. كبلوه بالسلاسل الحديدية، مزقوا جسده بأسياخ محماة، حتى برزت أحشاؤه. مرت فوق جسده عجلات مسننة، تطايرت بسببها أشلاء جسده. وكان فى كل مرة يقيمه الرب، ويعود معافى سليما. آمن بسبب هذه المعجزات الجنديان اللقان كان يجلدانه، ديونيسيوس وكليماخوس، وأعلنا ايمانهما، وقطعت رأساهما.
آمن أربعون جنديا كانوا فى سجنه لما رأوا نوراً سماويا باهرا ينبعث من زنزانته وهو يصلى، وظنوه فى بادئ الامر حريقا. أعلنوا ايمانهم أمام أريانوس، فأمر باحراقهم بالنار خارج المدينة. آمن اربعمائة وثنى ممن كانوا يشاهدون محاكمته، وما حفلت به من معجزات، وأعلنوا ايمانهم وأحرقوا.
أخيراً علق فى عنقه حجر، وألقى فى النيل لكنه طفا على الماء حيا، وشوهد جالسا على الحجر. أخيرا بناء على أمر أريانوس صلب فى مدينة طيبة على صليب حتى أسلم روحه. فأنزله بعض الجنود من على الصليب أشفاقاً عليه، وحتى هؤلاء أيضاً آمنوا واستشهدوا...
† مكاريوس ابن باسيليدس الوزير[137]
هو أحد أفراد عائلة بعثت للسماء شهداء كثيرين معروفين: باسيليدس وزير الامبراطور نوماريوس، وبقطر بن رومانس، وأبادير، وايرينى، ويسطس بن نوماريوس، وثاوكليا، وابالى، واقلاديوس... وهو أحد أقرباء ديوكلتيانوس نفسه.
ترك قصر ديوكلتيانوس فغضب عليه، وأرسله صحبة بعض الجنود الى الاسكندرية لكى يعذب ويقتل هناك. ودع أمه بأنطاكية، ووصل الى الاسكندرية، وبقى محبوسا بها بعض الوقت. ثم مثل أمام أرمانيوس واليها، واعترف الاعتراف الحسن بمسيحه، ووبخ الوالى على عبادته للأصنام بشجاعة انجيلية فأمر الوالى بتعذيبه: قيدوه بالسلاسل، قطعوا أصابعه ووضعوا عليها خلا، ودحرجوه على مسامير حديد محماة بالنار صبوه فوق رأسه قارا مغليا حتى غشى عليه. لكن الرب أقامه معافى صحيحا بعد أن راى السيد المسيح فى رؤيا وحوله جمهرة من القديسين، أخذوا يعزونه. اندهش الوالى للأمر وأمر بمزيد من العذابات. وضعوا سيخين محميين بالنار فى حنجرته.
أرسله أرمانيوس الى مدينة بشاتى[138]. وفى الطريق مات أحد الجنود بعد أن صدمته عربة الوالى. فصلى مكاريوس، وبقوة الرب أقامه حيا... فآمن ذلك الجندى، بل آمنت مدينة بشاتى كلها بالمسيح...
سقوه سما، مزجه له ساحر ماهر فلم يؤذه... وهكذا بعد عذابات كثيرة أكمل جهاده الحسن فى مدينة شطانوف بعد أن قطعت رأسه بحد السيف.
† ابيماخوس البلوزى[139]
استشهد فى الاضطهاد الذى أثاره الامبراطور ديسيوس. كان مواطنا من بلدة بلوزيوم[140] القديمة. سمع بالأهوال التى كان يقسيها المسيحيون فى الاسكندرية على يد ابيليان Appelien، مندوب الامبراطور الخاص بالاسكندرية للأشراف على تنفيذ أوامره الامبراطورية، التى تقضى باضطهاد المسيحيين. فاستقل سفينة متجهة الى الاسكندرية. توجه رأسا بملابسه القروية، الى حيث كان يحاكم المسيحيون. تقدم نحو مذبح البخور بقاعة المحكمة، وبضربة واحدة ألقى به على الأرض، واخذ يوبخ القاضى على وحشيته...
انقض عليه الجند وبعد أن أوسعوه ضربا، كبلوه بالقيود الحديدية والقوه فى السجن، حيث كان يثبت المعترفين ويشجعهم، مما أثار القاضى أكثر. مثل أمام المحكمة ولما سئل عن اسمه اجاب «مسيحى». وعذب كثيرا ومنها تمزيق عضلات جسمه بالموس.
كانت تجلس فى مقدمة الصفوف فتاة عمياء احست بقلبها بآلام الشهيد فبكت تأثرا... انتثر دمه ووقعت نقطة من دمه على عين تلك الفتاة فأبصرت فى الحال، وصاحت وأحدثت ضجة فى المحكمة، وازدحم الناس حولها، وآمن كثيرون وهم يمجدون الله... وخشية حدوث معجزات أخرى وايمان آخرين أنهى القاضى حياة ابيماخوس بقطع رأسه على حجر...
† أبا قسطور القس:
من أهالى بردنوها مركز مطاى محافظة المنيا بصعيد مصر. ظل خادما لمذبح الله نحو ثمانين عاما بين شماس وكاهن. متزوج وله أبناء، ومع ذلك قرن خدمة المذبح بحياة النسك. ابان اضطهاد ديوكلتيانوس، كان مداوما على تثبيت رعيته وافتقاد المعترفين المسجونين.
سمع عنه الى القيس[141] فقبض عليه وأذاقه ألوانا من الأهوال: جلدوه بالسياط، وضعوه فى الهنبازين، ثم فى مستوقد حمام. وفى كل ذلك كان الرب يقيمه سليما معافى... لما تعب منه والى القيس، أرسله مقيدا بالسلال مع بعض المعترفين الى والى الاسكندرية. وهناك عذب بألوان أخرى من العذاب، ومنها شرب السم الذى قدمه له ساحر يدعى سيدراخس. رشم عليه بعلامة الصليب فلم يؤذه، فآمن الساحر سيدراخس وحكم عليه بالموت حرقا، وبسبب هذه المعجزة آمن واعترف تسعمائة وعشرون شخصا أكملوا شهادتهم مع سيدراخس حرقا بالنار.
أما أبا قسطور فوضع فى خلقين زيت مغلى فلم يمت. تراءى له السيد المسيح الملاكان ميخائيل وغبريال فى السجن فى رؤيا... وأخيرا أكمل جهاده بقطع رأسه بالسيف فى اليوم السابع عشر من شهر توت.
ثالثاً إيمان أفراد
† كورونا Corona
شابة صغيرة عمرها 16 سنة، كانت زجة لأحد الجنود، ولم يمض على زواجها سوى أربعة عشر شهرا. آمنت أثناء تعذيب الشهيد بقطر، ورأت ملاكين كل منهما يحمل اكليلاً. أحخدهما لبقطر، فاندفعت هى وأعلنت ايمانها لتفوز بالثانى. وقد أوردنا خبرها فى ثنايا حديثنا عن هذا الشهيد[142].
† استشهاد قزمان ودميان وأخوتهم وأمهم[143]
فى عهد ديوكلتيانوس، أمام الوالى ليسياس، اعترفوا الاعتراف الحسن وعذبوا بألوان عذاب مختلفة. وأخيرا أمر الوالى أن يقيدوا، ويلقوا فى البحر مقيدين بالسلاسل. لكن ملاك الرب حطم هذه السلاسل وأنقذهم، وأعادتهم امواج البحر الى الشاطئ سالمين. فتعجب الجميع وآمن البعض، ومنهم الجنود الذين كانوا قد ألقوهم فى اليم، واعترفوا واستشهدوا. وبعد سلسلة من العذابات الاخرى، ختمت حياتهم بشهادة الدم، وقطعت رؤوسهم جميعاً بالسيف...
† أوكسنتيوس القس ويوستاتيوم ويوجينيوس[144]
فى عهد ديوكلتيانوس كانت المسيحية قد أصبحت راسخة فى اقليم كبادوكية ما حوله، حتى أن أرمينيا المتاخمة، أصبح يحكمها ملك مسيحى. ولذا فقد رأى ديوكلتيانوس، أن يسند حكم كبادوكية وما حولها الى حاكمين عرف عنهما الصرامة والقسوة ومقت المسيحية. كان أحد هذين الحاكمين يدعى ليسياس.
كان على رأس المسجلين فى ديوان ليسياس رجل مسيحى محنك يدعى يوستراتيوس. وقد غذى وجدانه، ما رآه من معجزات صاحبت تعذيب المعترفين، ومناظر أكره على مشاهدتها تختص بتعذيبهم... وكلف ذات يوم أن يستدعى للمحكمة قسيسا يدعى أوكسنتيوس Auxintius، كان قد اعترف اعترافا حسنا أمام ليسياس. وفى أثناء المحاكمة، أبدى يوستراتيوس اعجابه بالقس، فأعلن هو أيضاً مسيحيته.
كان يوستراتيوس قد أمضى فى وظيفته كسكرتير عسكرى للوالى سبعة وعشرين سنة. وكان أن جلب له اعترافه هذا التعذيب بالنار، فكان يبتسم للألم. وسأله الحاكم المغتاظ: «أتريد أن أفكر لك فى شئ آخر بسيط يسليك؟ » حب يوستراتيوس بالاقتراح. أمر الحاكم أن يؤتى بمحلول ملح مركز يضاف، اليه خلن وتحك مواضع حروقه بقطع من الفخار، ثم يصب عليها من المحلول. لكن يوستراتيوس احتمل كل ذلك فى هدوء.
وكان أحد مرؤوسيه يدعى يوجينيوس Eugenius حاضرا. فلما رأى ثباته الرائع، صاح هو الآخر «أنا مسيحى، وألعن ديانتكم، ومصمم على مقاومة رغباتكم وأوامركم». بعد ذلك أجريت عليهم صنوف التعذيب الرهيبة دون جدوى. أخيرا أعلن الحاكم أنه من العسير عقاب هؤلاء الناس لان ذلك يقتضيه وقتا طويلا هو أحوج ما يكون اليه فى تدبير شئون البلاد، فأمر بوضعهم فى القيود الحديدية مع سواهم ممن سيستجوبون.
وحين أسدل الليل ستاره سار الوالى فى رحلة الى مدينة نيكوبوليس Nicopolis، وأصدر أوامره بأن يسير السجناء المسيحيون فى أثره. ووضعت المسامير فى أحذيتهم لتجعل السير شاقا. وفى اليوم التالى مرت الرحلة بمكان يسمى أروراكا Araurace، وكان هو موطن يوستراتيوس ويوجينيوس، وفى أثناء سيرهم أنضم اليهم كثيرون.
أخذ الوالى يحاول مع اوكسنتوس الكاهن لعله يرجع عن ثباته، فأجابه «سأقول لك فى ايجاز: تشهد على عدالة السماء التى تسجل كل شئ أن تفكيرى لن يتحول. واننى أعرف الها واحدا، ولست أعرف سواه». فأمر الوالى يبتر رأسه.
وحدث أن استدعى الوالى مسيحيا آخر يدعى مارداريوس Mardarius – وكان قد انضم اليهم مؤخراً – وخشى الرجل أن يسخر الوالى منه لأنه لم يكن مثقفاً. فتوسل الى يوستراتيوس «صل عنى، وأخبرنى كيف أجيب على أسئلة هذا الذئب؟ ». فأجابه يوستراتيوس «لا تقل شيئاً يا أخى سوى: انى مسيحى. انى خادم المسيح». فعل الرجل حسب هذه النصيحة. فما كان من الذئب الا أنه أمر بأن يعلق الرجل ورأسه الى أسفل فى حبل يخترق عقبيه، وأن توضع عليه قيود حديدية محماة. فما لبث أن قضى الرجل نحبه وشفتيه ترددان الشكر لله. وسرعان ما لحق به يوستراتيوس ويوجينيوس.
رابعاً إيمان سحرة
كانت المعجزات التى تحدث مع الشهداء أثناء تعذيبهم، ينسبها الولاة لقوة السحر. ولذلك استعان بعض الولاة بالسحرة، لابطال مفعول سحر هؤلاء المسيحيين. لكن السحرة بسحرهم وقفوا عاجزين أمام قوة اله المسيحيين، فأعلنوا عجزهم، وبعضهم آمن وأعلن ايمانه واستشهد. ومن أمثلتهم:
أثناسيوس الساح[145]ر فى قصة مارجرجس الكبادوكى.
وسيدارخس الساحر[146] مع أبا قسطور القس.
اسكندر الساحر[147] مع ابسخيرون القلينى.
وساحر مجهول الاسم[148] مع الشهيد بقطر الجندى.
فئات الشهداء ونماذج من بطولاتهم
جاء المسيح مخلصاً للجميع.. إلهاً للعالم أجمع، فادياً للبشرية كلها. فآمن به من كل الفئات والأجناس والأعمار، والطبقات، والثقافات، فى كل أنحاء الدنيا...
وحينما تصدت الامبراطورية الرومانية للمسيحية تحاربها بكل قوتها، كان أمرا طبيعا أن يتقدم للشهادة من كل فئات المؤمنين، مؤلفين بذلك باقة جميلة من الزهور المختفة، من كل الألوان وقدموها للآب السماوى...
والمرء تأخذه الدهشة للقوة التى جمعت أولاد الله من كل الفئات والأوضاع الاجتماعية الثقافات والأجناس فى باقة واحدة متجانسة... لا شك أنها قوة محبة الله التى ملأت قلوبهم وسيطرت على عواطفهم، وملكت عليهم افكارهم...
كنت ترى الأمير وقد احتقر مجد هذا العالم، حاسبا عار المسيح غنى أفضل من كل الكنوز الأرضية.. والأم وقد أحبت الله أكثر من أطفالها متممة بذلك وصية الرب... والفتيان، والفتيات، والصبيان.. كل هؤلاء اقتدوا بالكبار، وأعلنوا ايمانهم فى قوة عجيبة تفوق قدرة البشر.. أما الأطفال، فقد لحقوا بركب الاستشهاد وانضموا اليه، بعد أن أعلنوا مسيحيتهم... لقد كانت الكلمات الأولى التى تلقتها الأم المسيحية لطفلها وهى تعلمه النطق «أنا مسيحى»!
ونود الاشارة الى أن أسماء الشهداء التى أوردناها هنا ليست سوى أمثلة فقط... أما الشهداء بحسب أسمائهم وأعدادهم، فأمر لا يحصيه غير الله، ولا يعلمه سواه... كما أنه يأتى فى مقدمة الشهداء المسيحيين جميعاً رسل بنا يسوع المسيح. لكننا لم نتناولهم فى هذا الكتاب. بل تحدثنا عن الشهداء الذين اتوا من بعدهم...
أمراء
● يسطس بن نوماريوس الملك، وزوجته ثاؤكليا، وابنهما الفتى أبالى[149]:
استشهدوا جميعا فى عهد ديوكلتيانوس بعد أن تقدموا طواعية واختيارا وسعوا نحو الشهادة بأنفسهم. أرسلهم الى أرمانيوس والى الاسكندرية، الذى أرسل يسطس الى أيانوس والى أنصنا، وثاؤكليا الى مدينة صاالحجر[150] وابالى الى مدينة بسطه[151]. وبعد التعذيب قطعت رؤوس الجميع.
● بهنام بن سنحاريب ملك الفرس وسارة أخته[152]:
كانوا يعبدون النار، وأعلن فى حلم لبهنام أن يلتقى بالناسك متى فوق جبل معين وسيعرفه طريق الحياة. تمم ما رآه فى الحلم وآمن على يد هذا الناسك. وكانت سارة أخته مريضة فأحضروها له فشفاها، بعد أن آمنت. لكن لما علم الملك بخبر ايمانهما أمر بقتلهما.
● كوبتلاس بن سابور ملك الفرس، واخته اكسو، وصديقة طاطس[153]:
كان طاطس رئيسا على احدى المقاطعات، وكان مسيحيا، فوشى به لدى الملك فأمر بتعذيبه. ألقى فى أتون نار، لكنه رسم على النار بعلامة الصليب فأنطفأت. هذه المعجزة كانت سببا فى ايمان كوبتلاس خصوصاً بعد أن رسم علامة الصليب على النار فتراجعت الى الوراء، وكانت النار تعبد فى بلاد فارس، أمر الملك بقطع رأس طاطس، وسجن ابنه بعد تعذيبه أرسل اليه أخته فى السجن لتثنية عن ثباته، فأقنعها وأرسلها الى أحد الكهنة سرا فعمدها. وذهبت واعترفت أمام أبيها بايمانها المسيحى. أمر الملك بتعذيبها فماتت تحت التعذيب. أما كوبتلاس فربط فى ذيل فرس، وسحل على الجبال حتى فاضت روحه.
نبلاء
● ماربقطر بن رومانوس[154]:
كان أبوه وثنيا ووزيرا لديوكلتيانوس، أما أمه فكانت مسيحية، فنشأ هو مسيحياً نقياً حريصا على ايمانه. ولما قطعت رأس القديسة ثاؤدوره أم الشهيدين قزمان ودميان، بقى جسدها مطروحا لم يجسر أحد ان يدفنه. فصرخ قزمان قائلاً: «يا أهل هذه المدينة؟ » أما يوجد أحد قلبه رحيم يتقدم فيستر هذه الأرملة العجوز ويدفنها؟ عندئذ تقدم بقطر بن رومانوس وأخذ الجسد وكفنه ثم دفنه غير مبال بأمر ديوكلتيانوس.
وفى مرات كثيرة كان يبكت والده على عبادته للأوثان. فأبلغ هذا الكلام الى مسامع ديوكلتيانوس، الذى استحضر بقطر وخاطبه فى أمر عبادة آلهة الدولة. فما كان من بقطر الا أن حل منطقة الجندية ورماها فى وجهه قائلاً له: «خذ ما أعطيته لى» فأشار أبوه على الامبراطور أن يرسله الى الاسكندرية ليعذب هناك. وفى الاسكندرية عذبه واليها أرمانيوس عذابا عنيفا، ثم أسله الى أريانوس والى أنصنا، الذى قطع لسانه وقلع عينيه. وكان الرب يقويه ويقيمه سليما معافى.
وكانت الى جوار موضع التعذيب فتاة تنظره، فرأت أكليلا نازلا من السماء على رأسه. فذهبت واعترفت بذلك أمام الوالى وجمهور الحاضرين فأمر الوالى بقطع رأسها مع القديس بقطر، ونالا اكليل الشهادة.
● أبولونيوس:
عضو مجلس السناتو (الشيوخ) فى روما. وقد أشرنا اليه قبلا[155].
ولاة
● أريانوس والى أنصنا:
وقد تكلمنا عن ايمانه واستشهاده[156].
● أركانيوس والى سمنود، وسوكيانوس والى أتريب
وقد تكلمنا عن ايمانهما واستشهادهما[157].
● مرقس والى البرلس والزعفران والد الشهيدة دميانة:
كان مسيحيا وزوجته مسيحية ولم يرزقا سوى دميانة التى أحسنا تربيتها. وفى الاضطهاد الذى أثاره ديوكلتيانوس، طلب اليه مع بقية الولاة أن يصحبه الى الهيكل ليبخر للأصنام معه. ضعف مرقس وخاف على فقدان مركزه، فأشترك فى التبخير للآلهة. وما أن سمعت دميانة بالخبر حتى تركت عزلتها وقابلت والدها ووبخته بقولها «كان الأهون على نفسى أن أسمع خبر انتقالك الى دار الخلود من أن أسمع أنك أنكرت فادينا الحبيب». ألهبت هذه الكلمات قلبه، فذهب لفوره وقابل ديوكلتيانوس، وندم أمامه على ما أتاه.
وأعترف بالايمان المسيحى فأمر الطاغية بقطع رأسه.
● يوحنا الهرقلى[158]:
من هرقلية بآسيا الصغرى وكان أبوه واليا فى عهد ديوكلتيانوس، وتربى تربية مسيحية – ولما تنيح والده صار واليا عوضا عنه وهو فى سن العشرين. تقابل مع ديوكلتيانوس، ورفض تقديم العبادة للاله أبولون، ووبخ الملك فألقاه فى سجن، حيث أظهر الرب يسوع ذاته ذات له فى رؤيا، فقواه وشجعه.
أراد ديوكلتيانوس أن يخادعه فأرسله الى مصر ليجمع الخراج، ويجدد برابى الأصنام المتهدمة... فاتخذ القديس من ذلك سببا، وشرع يهدم البرابى وفى محفل جمعه مع الوالى سرياقوس – وكان يعذب المعترفين المسيحيين – أبصر ملائكة تضع أكاليل سمائية على رؤوسهم، فصاح قائلاً: «أنا مسيحى» بعد ملاطفة لم تفلح، أمر الوالى أن يقيدوه بالسلاسل ويرسلوه الى أريانوس والى أنصنا، مع بقية المعترفين.
وهناك علق على الهنبازين، وضربوه بالسياط حتى سال دمه على الاض سلخوا جلده، وأتوا بمسح شعر، وكانوا يحكون بها جراحاته... وضعوا جمر نار تحت جنبه، وأسياخ محماة بالنار على وجهه، وكووه بقضبان حديدية محماة... ربط الى ذيل فرس، وسحل ووجهه الى الأرض... وأخيرا قطعت يداه ورجلاه ثم رأسه بحد السيف فى نواحى القوسية بجوار أسيوط فى الربع من بؤونة.
● يعقوب[159] (المقطع):
نشأ باحدى مدن بلاد فارس، من أسرة مسيحية عريقة فى حسبها وثروتها. وتولى مناصب مختلفة فى بلاط الملك يزدجرد الأول Isigerd، الذى كان وثنيا من عبدة النار. لكنه كان يعطف على المسيحيين، حتى قيل انه فى سياسة مملكته كان يأخذ مشورة ماروتا أسقف تكريت فى بلاد ما بين النهرين، وعبدا مطران العاصمة الفارسية. لكنه غير سياسته نحو المسيحيين فى أواخر عهده نتيجة سوء تصرف عبدا هذا، الذى وضع نارا فى هيكل لعبادة النار بقصد احراقه، فأحرقته ودمرته. ولما طلب منه الملك أن يعيد بناءه على نفقة المسيحيين رفض على اعتبار ان هذا العمل تشجيع للعبادة الوثنية. فاغتاظ الملك وأمر باعدامه. وبسبب هذا الحادث أشعل الملك نار اضطهاد ضد المسيحيين فى بلاده. ومن الذين ضعفوا أمام الاضطهاد يعقوب الذى أنكر ايمانه المسيحى. وسرعان ما مات الملك يزدجرد، وخلفه ابنه فارارانس الرابع Vararanes.
أما أم يعقوب وقرينته فحزنتا لسقطته وطلبتا اهتدائه بالحاح، فكتبتا اليه بعد موت الملك يزدجرد: «قد عرفنا منذ زمان أنك رفضت محبة الاله الذى لا يموت اكراما للملك، وحبا فى حطام الدنيا وكراماتها. لكن ماذا حل بمن اعتبرته اعتبارا عظيماً؟ لقد فاجاءه الموت وصار رمادا. فلم يبق لك وجه للرجاء به، ولا يقدر أن يخلصك من العذاب الابدى. وأعلم انك اذا بقيت فى اثمك يقضى عليك العدل الالهى بهذا العذاب كما قضى على حبيبك الملك. أما بالنسبة لنا، فلا نريد أن يكون بيننا وبينك أية علاقة».
تأثر يعقوب من هذه الرسالة تأثراً شديدا وتأمل فى عظم خطيته وبشاعتها، فأعلن ايمانه المسيحى. فلما بلغ الملك فارارانس أمر عودته للمسيحية استدعاه. اعترف أمامه بشجاعة، فغضب، ودار بينهما حوار، أثبت فيه يعقوب تمسكه بالايمان المسيحى، فأمر أن يعذب ثم يقطع عضوا عضوا. وقبيل البدأ فى تعذيبه، طلب مهلة، صلى فيها، ثم أسلم نفسه للمعذبين...
بدأوا فى قطع أسابع يده اليمنى، أصبعا وراء أصبع... ثم انتقلوا الى اليد اليسرى، وبعد ذلك بدأوا يقطعون أصابع الرجلين، ثم قطعوا رجليه ويديه وذراعيه وفخذيه واحرقوها... وكان فى كل هذا يشكر الله متعزيا. أخيرا تقدم أحد الحراس وقطع رأسه... ولهذا السبب سمى بالمقطع. وكان استشهاده فى سنة 421.
ضباط عظام
● مرقوريوس[160] (أبو السيفين):
ولد فى أوائل الجيل الثالث المسيحى من أبوين مسيحيين، ودعى باسم فيلوباتير. ولما كبر انتظم فى سلك الجندية، وأعطاه الرب قوة وشجاعة اكسبته ثقة ورضى رؤسائه فأسموه مرقوريوس، وأصبح مقربا الى الامبراطور ديسيوس (249 – 251)، الذى كان شديد البغضه للمسيحيين، وكان عهده عهداً أسود عليهم. وفيما هو خارج ذات مرة فى أحدى المعارك، ظهر له ملاك الب فى شبه انسان بلباس أبيض، وأعطاه سيفا قائلاً له: «اذا ما غلبت أعداءك فأذكر الرب الهك».
فلما غلب أعداءه وعاد ظافرا، ظهر له نفس الملاك، وذكره بقوله الاول بعد ذلك رفض أن يبخر للأوثان.. وبعد احتمال ألوان كثيرة من العذاب أرسله ديسيوس مقيدا الى قيصرية حيث قطعت رأسه حوالى سنة 250.
● جورجيوس الكبادوكى[161] (مارجرجس):
ولد حوالى سنة 280 فى أحدى مدن أقليم كبادوكية من أسة شريفة مسيحية. مات أبوه فى الرابعة عشر من عمره، فرحلت أمه الى بلدة اللد بفلسطين وهو موطنها الأصلى، حيث كان لها ثروة وممتلكات هناك. التحق بخدمة الجيش برتبة قائد مئة، وسرعان ما ترقى حتى أصبح مشيرا فى ديوان ديوكلتيانوس. توفيت والدته وهو فى سن العشرين، فأنطلق الى مدينة نيقوميدية مركز المملكة الشرقية، حيث كان يقيم ديوكلتيانوس.
وبعد أن أصدر ديوكلتيانوس مراسيمه باضطهاد المسيحيين فى 23 فبراير سنة 303، عتق عبيده ووزع أمواله وثروته، وبدأ يستعد للاستشهاد قيل انه هو الشاب الذى مزق منشور ديوكلتيانوس وكان معلقا على حوائط قصره فى مدينة نيقوميدية، لكن يبدو أن هذا الرأى لا تؤيده الأسانيد القوية.
دخل على ديوكلتيانوس وبدأ يوبخ الملك على مراسيمه ضد المسيحيين، وأعلن مسيحيته – وكان ديوكلتيانوس لا يعلم قبلا أنه مسيحى. أمر ديوكلتيانوس بطرده من المحفل وأيداعه السجن. بدأ سلسلة مروعة من العذابات.
وفى السجن وضعوا رجليه فى المقطرة، ووضعوا فوق صدره حجرا كبيرا ثم وضعوه فى الهنبازين حتى تمزق لحمه. وشوهد الى جانب الهنبازين انسان وجه يشع نورا وفى ثياب بيضاء. أختفى هذا المنظر، وبعدها شوهد القديس فى معبد أبولون معافى، سليما، طليقا، من جميع قيوده، حيث كان ديوكلتيانوس قد ذهب ليقدم ذبيحة شكر لأبولون لخلاصه من جورجيوس.
أمر ديوكلتيانوس بطرحه هذه المرة فى حوض مملوء من الجير الحى ليحترث ويمكث مطمورا فيه ثلاثة أيام. فى نهاية الأيام الثلاثة ارسل ديوكلتيانوس جنوده ليجمعوا بقايا جورجيوس ويلاشوها، فوجدوه حياً بمنظر بهى...
كان ديوكلتيانوس ينسب كل هذه القوات لمفعول السحر.
ألبسوه حذاء من حديد وفيه مسامير محماة بالنار، وكانوا يضربونه بالعصى ليمشى وكان يهزأون به. أحضر فى اليوم التالى امام ديوكلتيانوس يسير فى قامة معتدلة وكأن شيئاً لم يكن.
اغتاظ الملك وأمر أن يجلد بأعصاب البقر بكل قسوة، حتى سال دمه على الأرض. وفى كل ذلك ظل جورجيوس محتفظاً بهدوئه وبشاشته. فقال الملك أن إحتمال جورجيوس ليس صادرا عن فضيلة وشجاعة بل عن صناعة السحر.
استدعى ساحر ماهر يدعى اثناسيوس، وجهز، له مشروبين فى كأسين: الأول استخدم فيه سحره بقصد أن يأتى القديس جورجيوس نادما خاضعاً للملك بعد أن يشربها، واذا لم تؤثر فيه يعطى الكأس الثانى، وفيها سم قاتل. لكنه شرب الكأس الأول بعد أن رشم عليها بعلامة الصليب فلبث كما هو. فقالوا له أن هذه العلامة هى السحر بعينه. فربطوا يديه خلف ظهره وقدموا له الكأس ليشربها، فقال لهم مشيرا برأسه: أتريدونى أن أشربها من هنا أم من هنا أم من هنا أم من هنا... وهو بحركة رأسه هذه رسم علامة الصليب أيضاً على الكأس دون أن يفطنوا ذلك، ثم شربها فلم يقتله السم.
فى كل هذه المرات التى عذب فيها القديس، كان يدور نقاش طويل شيق بني جورجيوس وديوكلتيانوس. وبعد حادث السم قال القديس جورجيوس معلقاً «لقد وعدنا المسيح بأن من يؤمن به يعمل الأعمال التى عملها هو». فاستفسر منه الملك عن الأعمال التى عملها. فأخذ القديس يعدد أعمال المسيح المعجزية، ومنها أقامة الموتى.. فالتفت يوكلتيانوس الى أثناسيوس الساحر، وسأله عن رأيه فى هذه الأعمال التى ذكرها جورجيوس... أجاب الساحر نحن لم نسمع أن انسانا استطاع أن يقيم ميتا، ثم أرشدهم عن انسان يعرفه هو معرفة شخصية، كان قد مات أخيرا، ودفن منذ وقت قصير. وقال ان استطاع جورجيوس أن يقيم هذا الميت فنحن نكرم الهه لأنه قادر على كل شئ... وفعلا أستطاع القديس جورجيوس بالتضرع الى الرب يسوع أمام الجميع أن يقيم هذا الميت... آمن اثناسيوس الساحر[(*)] ولكن الملك وأكابر مملكته، بسبب عنادهم نسبوا المعجزة للسحر... حكم الملك بأن يقتل أثناسيوس الساحر فى الحال بضربه بالبلطة هو والميت الذى قام من الموت، فماتا لوقتهما...
وبعد هذه السلسلة الطويلة من العذابات رأى الرب يسوع فى حلم، وشجعه وأعلمه بقرب أنطلاقه من سجن الجسد، ووضع على رأسه أكليلا... أما ديوكلتيانوس فلم ييأس من الظفر بالقديس. وفى محاولة أخيرة استخدم معه اللين والكلام المعسول، وطلب اليه أن يصحبه الى معبد أبولون. فوافق الشهيد وذهب معه. وهناك خاطب الصنم ليفصح عن حقيقته. وحينئذ نطق الشيطان من التمثال وقال مرغما «أنا لست الها، لا أنا ولا أى صنم مثلى. لكن الاله هو واحد فقط. هو من تنادى به... » وبعد ذلك سقطت التماثيل وتحطمت. حينئذ هاج كهنة الأوثان ووثبوا على القديس، وهيجوا كثيرين من الشعب الحاضر، فوثبوا على الشهيد وقيدوه، ثم صرخوا نحو الملك قائلين «ارفع هذا من الحياة، فأننا لم نعد نحتمل رؤية هذه المناظر»...
أخيرا حكم عليه بقطع راسه بالسيف... وفى مكان الاعدام صلى صلاة حارة ومد رقبته للسياف فقطع هامته. ونحتفل بتذكار استشهاده فى 23 برمودة.
هناك رواية تقول أن الملكة اسكندره زوجة ديوكلتيانوس استشهدت مع القديس جورجيوس. على أن هناك رواية أخرى، يرويها لكتانتيوس الذى كان معاصرا لديوكلتيانوس. فيقول ان اسكندره وفاليريا ابنتها (زوجة جاليريوس) – المسيحيتين، أقامتا معا بعد اعتزال ديوكلتيانوس الحكم... وبموت جاليريوس، وقعتا فى يدى مكسيمينوس المتعصب الذى صادر كل ما تمتلكان، ونفاهما إلى سوريا، وعبثا حاولتا الخلاص من المنفى ولما أصبح ليكينيوس سيدا على الشرق بعد انتحار مكسيمينوس. توجهتا اليه فى نيقوميدية واستقبلهما فى قصرة بترحاب. ولكن بعد انقلاب ليكينيوس على قنسطنطين واضطهاده للمسيحيين، هربتا. ولمدة خمسة عشر شهرا ظلتا تتجولان متنكرين فى ثياب فقيرة فى الأقاليم التى كانتا فيها يوما ملكتين. وأخيرا كشف أمرهما فى تسالونيكى، وقتلنا وطرحت جثتاهما فى البحر[163].
● سرجيوس وواخس:
كانا قائدين كبيرين فى الجيش الرومانى تحت ولاية جالريوس ومكسيمينوس ولما دعيا ذات مره لحضور الاحتفال بذبيحة كانت ستقرب للآلهة، رفضا بثبات فحمى غضب القيصر عليهما، وجردهما من رتبهما وملابسهما العسكرية. وأمر أن توضع عليهما ثياب نسائية فى حضوره، وأن يوضع القيد الحديدى فى عنقيهما، وأن يمر بهما بين الجنود فى هذه الحالة، حتى ما يعتريهما الخزى والمهانة. ولقد احتمل القديسان بكل شجاعة هذه الاهانات. ثم احالهما الى أنطيوخس حاكم سوريا لكى يعذبهما.
واذ فشل فى كل محاولاته لردعهما، أمر بأن يصلب واخس عاريا،.
ويجلد جلدا قاسيا بأعصاب البقر. فأسلم روحه تحت هذا التعذيب الوحشى أما القديس سرجيوس فبعد أن اجتاز سلسلة من العذابات المريرة، أثبت فيها صلابة وايمانا، أمر بقطع رأسه فنال أكليل الشهادة.
● تاوضروس الشطبى[164] (الأسفهسلار):
ولد فى أخائية وتربى فى هرقلية على البحر الأسود. وقد سمى بالشطبى نسبة الى بلدة شطب بصعيد مصر بجوار أسيوط، لأن والده ويدعى يوحنا كان من قرية تدعى تابور تبع شطب. تجند والده وأرسل الى أنطاكية، وهناك تزوج بأبنة أحد الامراء، وكانت وثنية، فرزق منها هذا القديس. ولما عرفت أن زوجها يوحنا مسيحى، حاولت أن تشركه فى عبادتها الوثنية فرفض، فغضبت عليه وطردته. أما الصبى فبقى مع أمه الى أن كبر وتثقف ثقافة عالية...
ويبدو أنه من أجل صلوات أبيه أنار الله بصيرته، فآمن بالمسيحية واعتمد. وقد شق على أمه سماعها هذا الخبر. التحق بخدمة الجندية وتدرج فيها حتى وصل الى منصب اسفهسلار (قائد حربى)، فى زمان ليكينيوس قيصر. أعلمه أحد غلمانه بقصة أمه مع أبيه، فسافر الى صعيد مصر، وعاش مع أبيه لحين وفاته. ثم عاد الى اخائية وقت اضطهاد ليكينيوس واعترف أمامه الاعتراف الحسن بالمسيح الرب مخلصا. وبعد سلسلة من العذابات حكم عليه بالحرق حيا وكان ذلك سنة 320م.
● مارمينا (العجائبى) [165]:
هو أشهر الشهداء المصريين قاطبة. ونال شهرة لم ينلها أى شهيد مصرى آخر سواء داخل مصر أو خارجها. ولعل السبب فى ذلك هو العجائب الكثيرة التى أجراها الرب بشفاعته. ولقد عثر الباحثون على قنينات صغيرة عليها رسمه واسمه، فى بقاع مختلفة من العالم، كان يحملها من يزور كنيسته ورفاته الى ذويهم فى مواطنهم، وفيها زيت أو ماء من المنطقة.
كان مسيحيا بمولده، وقد حملت به أمه بوعد الهى. كان شريفا اذا كان أبوه حاكما لأحد الأقاليم المصرية وكذلك عمه، وكان جده لأبيه حاكما أيضاً ولد حوالى سنة 285، وفقد والديه ولم يتجاوز عمره أربعة عشر ربيعا. فى سن الخامسة عشر أصبح جنديا فى الجيش فى فرقة فى أفريقيا القديمة[166]، فى منصب ممتاز نظرا لمكانة والده...
وبعد ثلاث سنوات فى الجيش – فى سنة 303، حينما أصدر ديوكلتيان منشوره باضطهاد المسيحيين ترك خدمة الجيش، وتوجه الى الصحراء ليتعبد فيها، وهناك أمضى خمس سنوات فى حياة نسكية وفى نهايتها رأى فى رؤيا، الملائكة تكلل الشهداء بأكاليل بهية، فاشتهى أن يصير شهيدا. وفيما هو يفكر فى الأمر سمع صوتا ينبئه أنه سينال ثلاثة أكاليل: أحدها للبتولية، وثانيها للنسك والتوحد، وثالثها للشهادة.
وكان مارمينا فى ذلك الوقت، فى صحراء افريقيا القديمة. توجه الى المدينة فى ثياب ناسك، وكان ذلك اليوم يوافق احتفال دينى كبير. تقدم إلى ساحة الأحتفال وهو يردد بصوت عال « وجدت من الذين لم يطلبونى، وصرت ظاهرا للذين لم يسألوا عنى»...
تعرف عليه بعض العسكريين. أمر الوالى بايداعه السجن. ثم أحضر أمامه، وبعد مناقشات ووعد ووعيد أمر بتعذيبه: ضرب بسياط من أعصاب الثيران حتى سالت دماؤه. وضعوه فى الهنبازين، سحبوه على أوتاد حديدية حادة مدببة حتى تمزق جسده، أخذوا يدلكون جراحه بأقمشه خشنة، سلطوا مشاعل متقدة على جنبيه لمدة ساعتين، ثم أمر الوالى أن يضرب بالعصى ويجلد بسياط بها قطع من الرصاص... واذا فشل الوالى فى زعزعة ثباته، أرسله الى حاكم اخر.
وفى المحاكمة الثانية، أمر الحاكم بجلده بسياط من جلد الثور ثم أحضروا منشارا لينشروه، لكنهم وجدوا الحديد ينصهر... وبعد فشل كل المحاولات أمر بقطع رأسه بالسيف. وفى مكان الاستشهاد ركع الشهيد وصلى رافعا يديه الى السماء. وبعدها هوى السياف بسيفه وقطع رأسه. ويقال أن كثيرين ممن تأثروا بشجاعته وصبره ووداعته أكملوا أيضاً جهادهم معه. كان ذلك حوالى سنة 309، وله من العمر 24 سنة.
جنود
● تاوضروس المشرقى[167]:
وهو جندى، وسمى بالمشقى، لأنه ولد فى أحدى بلاد المشرق كما ذكر ذلك القديس غريغوريوس أسقف نيصص، حيث كانت تحتفظ كنيسة تلك البلدة بذخائر هذا القديس وقد ذكر البعض مدينة صور مسقطا لرأسه، لكننا لا نستطيع أن نقطع بصحة هذا الرأى. عسكر مع فرقته فى مدينة أماسيا Amasea عاصمة أقليم البنطس بآسيا الصغرى، لكنه رفض أن يقدم العبادة للآلهة الوثنية كسائر زملائه، كان وديعا متواضعا لكنه كان شجاعا وصريحا فى الحق.
قدم للمحاكمة بحضور الوالى والقائد واعترف أمامهما الاعتراف الحسن، ووبخ نفاقهما وعبادتهما للأصنام. لكنهما أخذا من حرارة ردودة وقوتها. واذ أرادا أن يتدبرا الامر، منحاه فرصة للتفكير والتروى والتعقل. وقد استغل هو هذه الفرصة فى أن أشعل النار فى معبد وثنى لأم الآلهة، كان مقاما فى وسط المدينة على شاطئ نهر الأيرس Iris... فاحترق المعبد عن آخره وتحول الى رماد. واعترف بكل جرأة بأنه هو الفاعل. فكان نتيجة ذلك أن عذب بلا رأفة، فجلدوه بالسياط وعذبوه بأنواع مختلفة... لكنه ظل هادئاً يرتل المزمور القائل «أبارك الرب فى كل وقت، وفى كل حين تسبحته فى فمى»...
وقد افتقد الله فى سجنه بالملائكة الذين أضاءوا زنزانته بضوء بهى.. أخيرا صدر عليه الحكم بأن يحرق حيا، وكان ذلك فى سنة 306 تحت حكم مكسيمينوس وجالريوس.
● أبسخيرون القلينى[168]:
ولد فى قلين بمحافظة كفر الشيخ من ابوين مسيحيين. انتظم فى سلك الجندية، وأصبح من جند أريانوس والى أنصنا... ولما رأى أبسخيرون أن الوالى يعذب المسيحيين، ويفرط فى تعذيبهم بعد ورود مراسيم ديوكلتيانوس أعلن ايمانه على الملأ مبينا ضلال ديوكلتيانوس، ولعن الأوثان. فقبضوا عليه وطرح فى السجن...
ولما كان الوالى متغيباً فى أسيوط، فقد أرسلوه اليه هناك، حيث عذبوه بعذابات مرعبة. وكان الب يقيمه منها ويقويه. أخيرا أحضروا ساحرا اسمه اسكندر، بارعاص ومقتدرا فى سحره. فتقدم هذا الساحر وصار قائلاً «يا رئيس الشياطين، اعمل فى هذا المسيحى كما تشاء».. وإذا لم يستطع الشيطان أن يؤذى القديس إندهش الساحر فقال له القديس: «ان الشيطان الذى استعنت به على هو يعذبك، بقوة سيدى يسوع المسيح» وللوقت صرعه الشيطان، وبدأ يخبطه فى الأرض، حتى اعترف بالسيد المسيح. أما جزاؤه فكان قطع أسه.
أما الوالى فقد ازداد حنقا على القديس، وعذبه ثانية بوحشية أكثر.. أخيرا أمر بقطع رأسه بحد السيف.
● أبا بجول الجندى[169]:
كان على عهد ديوكلتيانوس، رفض أن يقرب للآلهة شأن سائر الجنود حوكم أمام كلوسيانوس والى الاسكندرية، الذى أمر أن يعصر بالمعصرة حتى ظهرت عظامه وانحل جسده من شدة العذاب. رفعوه عن المعصرة، ووضعوه على سرير من حديد وأوقدوا تحته النار.. لكن ملاك الرب حول النار الى ندى بارد، فصرخ القديس بصوت عظيم – وهو فى وسط النار وقال «أنظر أيها الوالى وتأمل واخز.... »!
خلف كلوسيانوس وال آخر اسمه ارمانيوس، فقال أبا بجول له «هو هو الهى يسوع المسيح، ولو أقمت يومين أو ثلاثة، وأنا مربوط على هذا السرير والنار تأكل جسدى. فلن أسمع منك، ولا أعبد آلهتك النجسة. أمر الوالى أن يضرب على رأسه بالقضبان حتى سال الدم من أنفه وفمه. أمر أن يجلد مائتى جلدة على فترات ليطول عذابه... وضع فى قدر نحاسى وأوقده تحته، لكن ملاك الرب قواه...
أرسله أرمانيوس الى أريانوس والى انصنا الذى أمر أن يرفع على الهنبازين دون جدوى... ولما رأى ذلك أريانوس صاح فى غضب قائلاً «سأرى من يقدر أن ينقذك من يدى».. قلعوا أظافر يديه ورجليه، وضرب بمرازب حديد على أسه، حتى سال الدم من فمه وانفه، وكان الملاك ميخائيل يقويه، حتى تعب الجندى وخارت قوتهم. سألهم أريانوس عن سبب توقفهم عن تعذيبه فقالوا «لقد تعبنا نحن، وهو لا يحس بالعذاب. نحن نضرب على رأسه بالمرازب الحديد كما يضرب الحداد على السندان بالمطرقة وهو لا يتألم» فقال لهم «أصعدوه على معصرة ذات أسنان حادة كالمنشار» رشم عليها القديس علامة الصليب فلم يقدر الجند أن يديروها. علقوه على سارى طويل منكس الرأس، ثم قطعت الحبال لكى يسقط على رأسه فيموت. لكن ملاك الرب كان يسنده، فيقف على قدميه سالما. آمن كثيرون من شعب أنصنا بسببه، وبسبب العجائب التى صنعها...
حار أريانوس وقال فى غضب «انى لا آكل ولا أشرب حتى انظر ان كان المصلوب يقدر أن يخلصه من يدى»... طرحوه فى مستوقد حمام ليحترق. فاختطفه ملاك الرب وجاء به الى أريانوس، وكان جالسا يأكل مع ندمائه، ويفتخر بأنه أهلك بجول... آمن جندى يدعى قلته، فأمر الوالى بقطع رأسه فورا.
أرسله أريانوس الى ديوكلتيانوس. وهناك قال له القديس «ان كان أبولون الها دعنى القيه فى البحر، واعطنى بقية آلهتك لألقيهم فى النار، حتى تنظر كيف يفنون، فتعلم انهم ليسوا آلهة». قال له رومانوس الوزير «احفظ لسانك ولا تجاوب الملك هكذا، أما تستحى منه؟ » قال «كيف أستحى وداود يقول: كنت أتكلمك بشهاداتك قدام الملوك ولا أخزى»... امر الملك ان يضعوه على سرير حديد ويشعلوا نارا تحته. أخيرا قطعوا رأسه بالسيف (13 بشنس).
أساقفة
● أغناطيوس الأنطاكى:
هو خليفة ماربطرس الرسول على كرسى انطاكية ومن الآباء الرسوليين العظام. بلغ حبه للاستشهاد حدا عجيبا، حتى أنه كثيرا ما كان يقول «لا أعتقد أننى أحب سيدنا يسوع المسيح دون أن يسفك دمى كله لأجله»...
ورسالته التى كتبها الى المؤمنين فى رومية – وهو فى طريقه اليها ليلقى للوحوش – يتوسل اليهم أن يكفوا عن العمل على عرقلة استشهاده، تعتبر اروع رسالة يسجلها شهيد قبيل استشهاده. ولم يسبق للكنيسة أن شهدت مارفع من مجد الاستشهاد مثل تلك النشوة الروحية، التى انطلق بها ذلك الشهيد الملتهب حماسا، انطلاق الشهاب، من الشرق الى الغرب ليلقى حتفه.
سمع عنه الامبراطور الرومانى تراجان وعن نشاطه الكرازى، وبغضه لعبادة آلهة الدولة ورفضه الخضوع لاوامره. مثل امامه فى انطاكية بعد أن استدعاه لمحاكمته، ودارت بينهما مناقشة تبشيرية[170].. ولما رفض أن يذبح لآلهة الدولة، أصدر الامبراطور أمره أن يساق الى روميه مقيدا. حيث يقدم هناك طعاما للوحوش الضارية، أرضاء للشعب.
لما سمع الاسقف حكم الامبراطور. ابتهج جدا، لان الساعة التى طالما اشتهاها قد جاءت. لذلك حينما تقدم الجنود اليه ليقيدوه. جثا على ركبتيه. وصرخ فى ابتهاج قائلاً «أشكرك أيها السيد الرب لأنك وهبتنى أن تشرفنى بالحب الكامل نحوك، وسمحت لى أن أقيد بسلاسل حديدية كرسولك بولس».
ونقتطف بعض عبارات من رسالته الى أهل رومية:
«بالصلاة قد وهب لى أن أرى وجوهكم الفائقة الكرامة أمام الله فنلت أكثر مما طلبت.. ان اراد الله أن يجعلنى مستحقا لنوال الختام (الاستشهاد)، فستكون البداية حسنه (الحكم الصادر عليه)، ان وهب لى نوال نصيبى دون أن يوحد عائق لذلك حتى النهاية. لاننى أخشى أن محبتكم لى تسبب لى ضررا لانه يسهل عليكم أن تنقذوا من تشاءون، لكن يصعب على البلوغ الى الله ان منعتم استشهادى... ان التزمت الصمت من نحوى فسأصير لله، أما اذا أظهرتم محبة لجسدى، فسأصبح مضطرا الى أن أركض شوطى من جديد اذن صلوا الا يوهب لى احسان أعظم من أن أقدم لله، مادام المذبح لا يزال معدا... جيدا لى أن أرحل من العالم الى الله لاقوم فى الله مرة اخرى... ».
«... اننى اكتب الى الكنائس وأشدد عليها جميعاً بأننى سأموت اختيارا لأجل الله، ما لم تمنعونى أنتم عن ذلك. أطلب اليكم ألا تظهروا لى عطفا فى غير أوانه، بل اسمحوا لى أن أكون طعاما للوحوش الضارية التى بواسطتها يوهب لى البلوغ الى الله. اننى خبز الله. اتركونى أطحن بأنياب الوحوش لتصير قبرا لى، ولا تترك شيئاً من جسدى، حتى اذا ما مت لا أتعب احدا. فعندما لا يعود العالم يرى جسدى، أكون بالحقيقة تلميذا للمسيح. توسلوا الى المسيح من أجلى حتى أعد بهذه الطريقة لاكون ذبيحة لله...
«ليتنى أتمتع بالوحوش الضارية التى أعدت لى فاننى أصلى أن يكون لها شغف أكثر لتنقض على. واننى سأغريها لتفترسنى سريعا، حتى لا تعاملنى كما تعامل البعض، اذا لا تمسهم لأن الخوف قد انتزع منهم. وان لم تشأ أن تهجم على فسألزمها بالهجوم على... ».
أرسل القديس اغناطيوس الى روما مخفورا بعشرة جنود، أساءوا معاملته جدا فى هذه الرحلة، حتى انه يلقبهم فى رسالته بالفهود. وما أن وصل الى نهاية الشوط حتى جثا على ركبتيه، هو ومن معه، طالبا من المسيح ان يرفع الاضطهاد عن الكنائس، عندئذ أسرع به الجنود الى الساحة، وأطلقوا عليه أسدان، أفترساه للحال، ولم يبقيا من جسده سوى قليل من العظام الخشنة. وجمع المؤمنون هذه الذخائر الطاهرة الثمينة. وأرسلوها إلى شعبه فى أنطاكية.
● بوليكربوس[171] أسقف أزمير:
كان فى حداثته ممن يستمعون للقديس يوحنا الرسول، وتتلمذ على يديه وقد اقاما يوحنا أسقفا لأزمير. ويغلب على الظن أنه هو ملاك كنيسة سميرنا (أزمير) التى ذكرها يوحنا فى رؤياه (رؤ 2: 8).
كتب أغناطيوس الشهيد الانطاكى اليه فى احدى رسائل، وهو فى طريقه الى الاستشهاد، يقول «ان الزمن فى حاجة اليك احتياج البحارة الى الريح، واحتياج من تنقاذه أمواج البحر الى مرفأ. فتأهب كما يليق برجل الله. أثبت كما يثبت السندان تحت ضربات المطرقة. فواجب جندى الله أن يتلقى الضربات، ثم ينتصر كن دؤوبا اكثر مما أنت، وتعلم كيف تميّز الأزمنة». وكأنما كانت تلك الكلمات نبوءة. فقد ظل أربعين أو خمسين سنة بعد ذلك ثابتا فى مكانه لا يتزعزع، يعلم الاجيال ما تلقاه من الرسل مقاوما كل انحراف. وقد جاء الزمن الذى يسير فيه بوليكاربوس على الدرب الذى سار فيه أغناطيوس، وينال الاستشهاد مثله.
ففى سنة 155 وفى عهد الامبراطور انطونيوس بيوس Antoninus Pius اندلعت نار الاستشهاد مستعرة فى أزمير، فعذب عدد من المسيحيين، أو ألقى بهم للوحوش الضارية. وطالب الوثنيون بالبحث عن بوليكاربوس. وحين علم بذلك، رغب فى أن يبقى حيث هو فى أزمير، غير أن الاخوة، حثوه على مغادرتها. فإنسحب الى بيت ريفى مع بعض الأخوة، حيث ظل يصلى ليل نهار، من أجل الجميع، ومن أجل الكنائس فى أنحاء العالم.
وقبل القبض عليه بثلاثة أيام، بينما كان يصلى، أخذ فى غيبوبة، ورأى الوسادة التى تحت رأسه تحترق. فألتفت لمن حوله، وقال لهم «لابد وأن أحرق حيا». كان فى استطاعته الهرب. ولكنه أبى قائلاً «لتكن ارادة الله» وقد أثار جلال شيخوخته (86 عاما). وحضور ذهنه، اعجاب من حوله، وهو يحادث من جاءوا للقبض عليه... طلب ممن أتوا للقبض عليه أن يتأنوا عليه ساعة ليصلى بمفرده، فوقف وصلى، وكان ممتلئا نعمة وسلاماً.
طلب منه الجند أن يخرج معهم، ثم أركبوه حمارا... وفى الطريق التقى بهم ضابط الشرطة المكلف باحضاره مع أبيه، فأركبه فى مركبته، وشرعا يقولان له «ماذا يضرك لو قلت الرب قيصر، وقدمت البخور، وما الى ذلك، وبذا تنقذ نفسك؟ ». لم يجب القديس على هذا الكلام، لكن لما أحلا عليه قال «اننى لا أستطيع أن أصنع ما تشيران به على». واذ فشلا فى اقناعه، هدداه واهاناه، ودفعاه الى أسفل بشدة من المركبة فجرحت ساقه، ودون أن يلتفت الى الخلف، أكمل سيره الى الملعب، حيث كان الوالى وجمهور كثير من الوثنيين هناك.
وبينما هو داخل الى الملعب، جاءه صوت من السماء يقول «تقو يا بوليكاربوس وكن رجلا». تقدم نحو الحاكم، ولما تأكد من شخصيته أنه هو بوليكاربوس، حاول أن يستميله بقوله:
- وقر شيخوختك. واقسم بعبقرية قيصر[172] وقل «ليهلك الكفار».
رفع القديس نظره الى السماء، ثم تنهد وقال «ليهلك الكفار».
ثم حثه الوالى أن يحلف ويلعن المسيح ليطلقه، فأجاب بوليكاربوس:
- لقد خدمت المسيح ستة وثمانين عاما، ولم يصنع بى شرا، فكيف أجدف على ملكى الذى خلصنى؟
وعاد الوالى وألح وقال: «أقسم بعبقرية قيصر»، فأجاب بوليكاربوس:
- لا تظن انى سوف أقسم بعبقرية قيصر كما تطلب، كأنك لا تعرف حقيقتى: انى مسيحى. واذا كنت على استعداد لمعرفة العقيدة المسيحية، فأسمح لى بيوم لتسمعنى فيه.
فقال (الوالى): اقنع الشعب.. وان لم تعدل عن رأيك فسألقيك للوحوش المفترسة، أو أحرقك بالنار.
(بوليكاربوس): انك تهدد بالنار التى تحرق لوقت قصير، وبعد ذلك تخمد: وذلك لأنك تجهل نار العقاب الابدى المعد للأشرار. لكن لماذا تتأخر؟ افعل ما تريد.
وبينما كان يقول هذه الاقوال وغيرها، كان ممتلئا شجاعة وفرحا، وكان منظره تطفح عليه النعمة. حتى أن الوالى تملكته الدهشة، وأعلن ثلاث مرات وسط الملعب «لقد اعترف بوليكاربوس أنه مسيحى». وللحال صاح المجتمعون – وثنيين ويهودا - «هذا هو معلم آسيا كلها، وأبو المسيحيين، مبدد آلهتنا، الذى يعلم كثيرين الا يضحوا لها أو يعبدوها»... واستمروا فى صياحهم... وأخيرا صدر الحكم بحرقة حيا.
أسرع الوثنيون – وكان يساعدهم اليهود بحماس عجيب – وجمعوا الحطب والأخشاب، ليضرموا ناراً شديدة. ولما حولوا تسميره على خشبة، حتى لا يتحرك من حريق النار قال لهم «اتركونى هكذا فان الذى وهبنى قوة لكى أحتمل شدة حريق النار، هو نفسه سيمنحنى قوة ان أبقى هادئاً وبلا حركة بدون مسامير».
ولما انتهى من صلاته تقدم اليه الجنود وأوقدوا النار « واشتعلت النار مستعرة، واذ بنا نرى عجبا، اتخذت النار شكل قوس كبير، أشبه بشراع سفينة ملأه الريح، فأحاط بجسد الشهيد كانما هو جدار. ووقف الرجل وسط النار – لا كجسم يحترق – بل كخبز ينضج، أو أشبه بذهب أو فضة ينقى فى فرن. وشممنا عبيرا حلوا كأنما قد انتشر فى الجو حولنا عبير بخور أو طيب ثمين»[173].
ويروى ان المكلفين باحراق القديس، أصابهم القلق لبطء النار فى التهام جسده، فأمروا جلادا أن يغمد خنجرا فى جسده... ولما فعل ذلك تفجر الدم غزيرا فأطفأ النار. تعجب الجمع وقالوا انه لم يكن رجلا كسائر البشر وجمع الاخوة فى أزمير حطام عظامه، ووضعوها فى المكان اللائق. وتناقلت الكنائس وصف استشهاده، الذى كتبه مسيحيو أزمير حتى تشارك جميع الكنائس فى تمجيد الله.
● بوثينوس أسقف ليون[174]:
حل بكنائس غاليا (فرنسا حاليا) – وعلى الاخص فى ليون وفينا – اضطهاد مروع فى عهد ماركس أوريليوس. وحين انقضت ذروته، كتبوا قصة ما نالهم من أهوال، وبعثوا بها الى كنائس آسيا الصغرى؟ التى كانوا على صلة وثيقة بها. وهذه القصة تشكل وثيقة من أثمن وثائق المسيحية الاولى. وقد دونها لنا يوسابيوس المؤرخ الكنسى فى كتابه الخامص ف 1. وكان فى مقدمة شهداء هذه المنطقة: بوثينوس Pothinus أسقف ليون. وتصف هذه الوثيقة استشهاده فتقول:
«أما المغبوط بوثينوس الذى كان قد أوكلت اليه أسقفية ليون، فقد سحبوه الى كرسى القضاء، وكان عمره يزيد على تسعين سنة، وقد وهنت كل قواه، ويكاد بالجهد يتنفس بسبب ضعف جسده. لكنه تقوى بالغيرة الروحية، بسبب رغبته الحارة فى الاستشهاد. ومع أن جسده قد حطمته الشيخوخة والامراض، فقط حفظت حياته لكى ينتصر المسيح فيها.
«عندما أتى به الجند الى المحاكمة يرافقه بعض الولاة المدنيين، وجمهور من الشعب يهتفون ضده بكل أنواع الهتاف كأنه هو المسيح نفسه، شهد شهادة نبيلة».
« ولما سأله الوالى: من هو اله المسيحيين؟ أجاب: ان كنت مستحقا فستعرف. عندئذ جروه بفظاظة، ولطموه بكل أنواع اللطمات، فالقريبون منه لكموه بأيديهم، وركلوه بأرجلهم غير حاسبين أى حساب لسنه. والبعيدون منه قذفوه بكل ما وصلت اليه أيديهم. والكل ظنوا بأنهم يعتبرون مجرمين، ان قصروا فى اهانته بكل اهانة ممكنة، لأنهم توهموا أنهم بذلك ينتقمون لآلهتهم. من ثم زج به فى أعماق السجن، وهو يكاد لا يقوى على التنفس، ثم مات بعد يومين».
● الانبا بساده أسقف ابصاى[175]:
سيم الانبا بسادة أسقفا على ابصاى[176] وفى مدة الاضطهاد الذى أثاره ديوكلتيانوس، سمع بنشاطه الدينى والى المنطقة، فأبلغ الامبراطور الذى بعث بدوره، سالة مقتضية الى الاسقف يقول:
«من ديوكلتيانوس الامبراطور الى بساده: سلام. ان قبلت الخضوع للأوامر الصادرة منى اليك بأن تبخر لآلهتى، فأنى أعطيك سلطانا أوسع. وآمر جنودى بحراستك حيثما سرت. أما ان رفضت الاذغان، فليس أمامك سوى الموت».
وحين وصل رسول الامبراطور الى ابصاى (بتولومايس)، كان الاسقف يقيم القداس الالهى، وعرف بالروح مضمون الرسالة، وحالما انتهى من خدمة القداس استدعى اليه الرسول وقال له «أتستطيع أن تصنع معى معروفاً؟ » اجابه «بكل سرور، إن كان فى امكانى». قال له الاسقف «أمهلنى أربعا وعشرين ساعة. وقبل الرسول هذا الطلب.
جمع الأسقف كهنته شعبه، وأخذ يوضح هلهم عظم المسئولية الملقاة عليه، وشرف الثبات على الايمان. بكى الحاضرون وتوسلوا اليه ان يجد مخرجا من الموت. فقال لهم:
«يا أولادى، كلنا سنموت حتما، ان عاجلا أو آجلا. لذلك فمن دواعى مجدى أن أموت الآن على اسم السيد المسيح مخلصى، فذلك خير لى من أن أعيش مدة قد لا تتجاوز يوما، وقد تطول أعواما، وهذه المدة أعيشها فى خجل مطأطأ الرأس، لانى خنت عهد سيدى الفادى، الذى بذل نفسه لاجلى. فهلم بنا اذن نصلى جميعا القداس الالهى، ونشترك معا فى التناول من السر المقدس كى تتحصن به نفوسنا فنستطيع أن نحلق إلى العلى بأكثر سرعة» فتعزى الشعب بهذه الكلمات، واشتركوا فى الصلاة.
ولما انتهى القداس كان وجه الانبا بساده يضئ بلمعان ساطع مما ملأ قلوبهم سكينة وعزاء. ثم ساروا مع أسقفهم إلى حيث كان الجند فى انتظاره. وكانوا يسبحون الله كأنهم ذاهبون الى وليمة عرس. وودعوه، وقاده الجند الى الاسكندرية وسلموه الى واليها، الذى حاول معه بشتى الطرق لكى يبخر للآلهة. ولكنه رفض بعزم.
أراد الوالى أن يرهبه فألقى به فى سجن قذر مظلم وختم بابه بخاتم الدولة وتركه خمسة عش يوما. ثم عاد اليه بعد هذه المدة وقاده الى قاعة المحكمة. ذهل الوالى حين رآه مضى الوجه تشع منه الحيوية فقال له:
(الوالى): لابد أنك ساحر، لاننى ختمت الباب بالختم الامبراطورى وفضضته بنفسى الآن. ومعنى هذا، أنك ظللت فى السجن الضيق القذر خمسة عشر يوما محروماً من كل طعام وشراب. وكنت أتوقع أن أراك نحيلا شاحب الوجه لا تقوى على الوقوف. أما وقد وجدتك على غير ما توقعت فأظن أن لديك قوى سحرية تقهر بها الجوع والعطش.
(الأسقف): انى أشفق عليك يا عزيزى، لانك لم تعرف بعد أنه ليس بالخبز وحده يحيا الانسان.
وكانت الجماهير اذ ذاك قد تجمعت فى ساحة القضاء وسمعت هذا الحديث فهتفوا: «يا أبانا القديس بساده. ان اله المسيحيين هو الاله الحق».
فأوعز الوالى الى القاضى، أن يسرع باصدار الحكم، قبل أن تتزايد الجماهير. وهنا قال القاضى للجند «خذوا هذا الرجل خارج المدينة واقطعوا رأسه» فساقه الجند الى مكان الاعدام وتبعته جموع من الناس.
وفى الطريق اقترب شماس شاب من الاسقف يسأله:
- يا أبى، لماذا ارتديت الثياب البيضاء التى ترتديها حين ترفع القرابين؟
- يا أبنى أنا ذاهب الى حفلة العرس، فكيف لا ألبس الملابس البيضاء. وسألتقى بربى والهى فى مجده. ولقد عشت السنين الطويلة مشتاقاً لهذا اللقاء. أما أنت يا ابنى فانضم الى الجموع قبل أن يلحظ الجند انك تحدثنى. والى اللقاء فى النور الاعظم.
ولما وصلوا الى ساحة الاعدام رفع الانبا بساده عينيه نحو السماء، ورفع يديه وصلى بصلوات عال قائلاً «يا ربى والهى احرس هذا الشعب، واحفظه فى الايمان القويم، وأرسل ملائكتك ليحيطوا به، وتقبل روحى بين يديك».
ثم تقدم الجلاد وهوى بسيفه، فانفصلت رأسه عن جسده.
● أنبا اباديون أسقف أنصنا[177]:
سامه البابا بطرس خاتم الشهداء لاسقفية أنصنا. وبعد أن استلم أريانوس الوالى مراسيم ديوكلتيانوس باضطهاد المسيحيين، أرسل واستدعى الاسقف أنبا أباديون وقال له «احضر لى النصارى ليسمعوا كتب الملك ويسجدوا لمعبودته». فأجابه الأسقف: «عرفنى ما الفائدة التى ربحتها من الملك؟ مضيت من عندنا وأنت صديق، فعدت وأنت عدو. مضيت وأنت أنسان، فعدت وحشا كاسرا» فقال له أريانوس «أهل الصعيد قساة القلوب غلاظ الرقاب، فلأجل هذا أقامونى حتى أؤدبهم». فأجابه الأسقف «أحترس على هذه الأوثان لئلا يسرقوها منك، ويبيعوها».
ثم مضى الاسقف من عنده الى البيعة وجمع الشعب، وعرفهم بكل ما حدث، ثم وعظهم للثبات على الايمان. فلما رأى ثبات ايمانهم وفرحهم لسفك دمائهم على اسم المسيح، أخذهم وجاء بهم الى أريانوس واعترفوا علانية بالسيد المسيح فغضب وأمر بأخذ رؤوسهم جميعا حتى أمتلأت شوارع مدينة انصنا بالدم.
اما الانبا أباديون الاسقف باصطحبه أريانوس معه وأقلعا الى أسيوط وفى أسيوط استشهد عدد كبير من المدينة وأخذت رؤوسهم بالسيف.
ثم تابع أريانوس سيره بحرا الى أخميم وفى أخميم اجتمع الانبا أباديون بالشعب فى الكنيسة (لأن أسقفهم أوضاكيوس، كان قد تنيح قبل ذلك بقليل) وكانت ليلة عيد الميلاد، فوعظهم وتقرب الشعب للاسرار المقدسة. فأرسل أريانوس الوالى جنده، وأمرهم بقتل جميع الشعب الذين فى الكنيسة وظل يقتلهم حتى جرى الدم أنهارا فى شوارع أخميم.
أما القديس أباديون فأخذه معه ثانية الى انصنا وبعد أن عذبه كثيرا ألقاه فى خزانة مظلمة لمدة خمسة أيام، وختم بابها... وبعدها أخرجه، فوجده كمن هو عائد من وليمة. فأمر بصلبه، وأن يسمروه بخمسة عشر مسمارا وكان يقول له «إنى أصنع بك كسيدك».
أما القديس فكان يسبح الله ويشكره وهو على الصليب. وقد أتت حمامتان ووقفتا على الصليب، وظهر له المخلص فانحلت المسامير وتساقطت من جسده فلما سمع أريانوس اغتاظ وأرسل سيافا وقطع رأسه وكان ذلك فى أول يوم من أمشير.
● البابا بطرس خاتم الشهداء:
قبض عليه فى الاسكندرية بموجب مراسيم الاضطهاد التى أصدرها ديوكلتيانوس وأعوانه ضد المسيحيين. أما السبب المباشر فى ذلك فيرجع الى شكوى أحد أشراف أنطاكية ويدعى سقراط[178] تقدم بها الى الامبراطور مكسيمينوس، من أن أمراته المسيحية وتدعى سارة غادرت أنطاكية الى الاسكندرية لتعمد ولديها. فلما عادت الى أنطاكية أستدعاها الامبراطور، واتهمها بأنها ذهبت لتزنى مع المسيحيين فى مصر. أما هى فأجابت بجرأة أن المسيحيين لا يزنون، ولا يعبدون الأصنام، وأنها على استعداد لتحمل ما يريد أن ينزله بها. وكان جزاؤها أن أمر بشد يديها وربطها الى خلفها، ووضع ولديها على بطنها، ثم حرقوهم جميعا بالنار.
ومن ناحية أخرى فقد ثارت ثائرة الامبراطور على بابا الاسكندرية، ليس من أجل هذا السبب وحده، بل لصلابة الشهداء المصريين، وتحديهم للأوامر الامبراطورية، وجهودهم فى حث المسيحيين على الثبات والاستشهاد، ليس فى مصر وحدها بل وخارجها أيضاً.
وفى سنة 311 أصدر مكسيمينوس أمرا فقبض على البابا بطرس، وطرح فى السجن. فتجمهر الشعب حول السجن، يريد أن ينقذ راعيه المحبوب. وكان يقولون «اذا قتلنا كلنا، حينئذ تؤخذ رأسه». فلما رأى القائد المكلف بتنفيذ حكم الاعدام ذلك، خشى حدوث شغب يسقط بسببه قتلى كثيرون. فأجل تنفيذ حكم الاعدام الى اليوم التالى، اذ كان يعتقد أن المتجمهرين سينصرفون حينما يحين الليل. لكن خطته فشلت حين وجدهم ساهرين أمام السجن. وكان القائد يفكر كيف يخرج البابا بطرس من السجن.
واذ شعر البابا بطرس بالموقف، وازاء حرصه على سلامة شعبه، انفذ الى القائد سرا، واتفق معه ان ينقب حائط السجن فى المكان الذى سيطرق عليه، وهو من الجهة التى لا يتجمهر فيها المسيحيون... أدهش هذا الكلام القائد، لكنه عمل كما أشار عليه البابا القديس...
خرج البابا مع الجند الى مكان الاعدام فى بوكاليا – وهو نفس مكان استشهاد مارمرقس –.. فطلب منهم أن يسمحوا له بالتوجه الى حيث جسد مارمرقس للتبرك منه، فسمحوا له. وهناك صلى طالبا من الله انهاء الاضطهادات، وختمها بقوله «تقبل يا الله حياتى فداء عن شعبك، وسمع صوت من السماء قول «آمين».
ثم تقدم الى الجند بشجاعة وثبات، وقد سطع وجهه بنور سماوى بهى حتى أن الجند ذهلوا، ولم يجسر أحدهم ان يرفع عليه يده. فأخرج الضابط المنوط به تنفيذ حكم الاعدام، خمسا وعشرين قطعة من الذهب وقال «هذا الذهب لمن يتقدم ويقطع رأس هذا الشيخ» فتجاسر واحد، وضرب عنقه بالسيف فقطع رأسه. وما لبث أن أنتشر خبر استشهاده فى الاسكندرية، فتجمع المؤمنون ورفعوا الجسد، وحملوه الى الكنيسة المرقسية...
قسوس
أبا كلوج القس[179]:
من بلدة الفنت بمصر الوسطى، وكان بتولا. ولما وصل أريانوس والى أنصنا الى الفنت لتنفيذ أوامر ديوكلتيانوس الخاصة باضطهاد المسيحيين، استدعاه. فلما مثل أمامه سأله عن اسمه، أجاب، اسمى مسيحى، وبلدى أورشليم السمائية...!
لحق به أهل البلدة وبكوا قائلين «كيف تتركنا يتامى؟ » أجاب «ان نفسى مسرورة بما تقبله من آلام على اسم سيدى يسوع المسيح. فاذا ما سفكت دمى على اسمه القدوس، أجد القربى والدالة أن أطلب منه عنكم... ».
ثم التفت الى الشعب وقال «من يحب الله، ويقدر على الجهاد فليأت معى». فتبعه جمع كبير، وكان يسير فى وسطهم كمن هو ذاهب الى وليمة.
ولما هدده الوالى أجابه «انى لا أرهب عذابك أيها الوالى». فأمر الوالى أن يقيد ويطرح فى أتون نار متقد، فصار الأتون كالندى... فظنوه ساحرا. أمر الوالى أن يرقد على ظهره، ويدحرجوا عليه عمودا كبيرا جداً... ثم أمر بأن يضرب بمطارق، وشوك، وأعصاب البقر حتى سال دمه... وفى كل ذلك كان الرب يقويه ويقيمه معافى...
اصطحبه الوالى معه مقيدا الى اهناسيا. طافوا به المدينة حتى يخيفوا الشعب... لكن حدث عكس ذلك. فبسبب معجزاته التى أجراها وهو فى مسيرته، آمن كثيرون وأعلنوا ايمانهم... واستشهد فى اهناسيا على يد أريانوس نحو ألفى نسمة...
وفوق كل ذلك، فقد أقام أباكلوج ابن أريانوس الوالى بعد أن مات، وكان صبيا... ومع كل ذلك تقسى قلبه فلم يطلقه... أخيرا أكمل جهاده بقطع رقبته بالسيف فى بلدته الفنت فى اليوم العشرين من شهر طوبة.
أبا بجول القس[180]:
قبض عليه، ووقف أولاً أمام كلوسيانوس والى الاسكندرية، فلما شاهد صديقه أبا بجول الجندى يعذب، صرخ فى جه الوالى قائلاً «الويل لك ياكلوسيانوس! حتى متى تعذب عبيد العلى؟ » ثم وقف للمحاكمة ثانية أمام أرمانيوس الوالى خلف كلوسيانوس، واذ أظهر ثباتا على ايمانه، أمر الوالى أن يجلد، ويعذب بشدة، فاحتمل بهدوء وسكينة...
واجرى الرب على يديه بعض معجزات أثناء تعذيبه، فنسبها الوالى للسحر، وقال له «يا معلم السحرة، أما تترك سحرك وتسجد للآلهة، لأن الذى أنت متكل عليه لن يقدر أن يخلصك من يدى هذه المرة». أجاب القديس «الى متى تهين روح الله. كف عن هذا».
فأمر أرمانيوس أن يرفع على الهنبازين ويعذب. ثم وضعوه على سرير حديد، ووضعوا حجرا كبيرا على بطنه من الصباح حتى منتصف النهار. علق بعد ذلك على عمود مرتفع والحجر مربوط على بطنه. وبقوة الله انحل الحجر من على بطنه وسقط على الأرض واقفا على قدميه، دون أن يصيبه أذى. وأخيرا صدر الحكم بأن تؤخذ رأسه بالسيف، فتهلل وقال «الآن قد كمل فرحى، وأتممت كهنوتى فى أيامك. فلى اليوم أربعون سنة أخدم الرب لأجل هذه الساعة»... ثم تقدم وقطعوا رأسه. وكان اليوم الخامس عشر من أمشير.
أبا قسطور القس[181]:
من بلدة بردنوها بمصر الوسطى، وكان متزوجا وله بنون. وفى زمان الاضطهاد الذى أثاره ديوكلتيانوس وأعوانه، كان يفتقد المعترفين فى السجون ويشجعهم... جلده والى الاقليم بالسياط حتى سال دمه.
ثم أرسله إلى كلوسيانوس والى الاسكندرية مقيدا بسلاسل حديدية، وفى عنقه جنزير ثقيل... مر بسلسلة من العذابات كالكى بالنار، ووضعه فى قمين جين حى، ونزع شعر رأسه ولحيته وأظافره، وتدليك مكانهما بالخل والجير، وشرب سم قاتل أعده له ساحر يدعى سيدراخس، ولم يضره فآمن الساحر. ووضعه فى خلقين زيت مغلى مع الشحم والكبريت... وكان الرب يقويه ويقيمه معافى.. أخيرا قطعت رأسه بالسيف، ونال أكليل الشهادة فى السابع عشر من توت...
شمامسة
أستفانوس:
رئيس الشمامسة وأول الشهداء (أع 6، 7).
سانكتوس[182]:
هو أحد شهداء ليون المشهورين. الذين استشهدوا فى عهد مرقس أوريليوس سنة 177م. كان سانكتوس شماسا من فينا، واحتمل آلام تعذيب فوق الطاقة، ومع ذلك لم يستطع معذبوه ولا الحكام أن يظفروا منه بكلمة واحدة أو أية معلومات عن أسمه أو موطنه أو جنسيته... كان جوابه على جميع الأسئلة المتنوعة، بعبارة واحدة «أنا مسيحى»... كان يرددها باللغة الاتينية، ولا يزيد عليها كلمة أخرى.
واذ فشل الوالى فى انتزاع أية معلومات منه، امتلأ غضباً، وأمر أن يعذب بلا رأفة. وبعد أن أتم أنواع العذابات المألوفة، ربطت صفائح نحاسية محماة الى أجزاء جسمه الرقيقة (الحساسة)، فاحترقت. ومع ذلك ظل ثابتا منتعشا ومتقويا.
تشوه جسمه وتهرأ بشكل بشع، حتى أنه – كما تصفه رسالة كنائس ليون وفينا – صار «أبعد ما يكون عن شكل الأنسان»... واذ وجد سليما ومعافى، بعد أن ظنوه قد مات، وضعوه نفس الصفائح المحماة على جسده. لكنه انتعش وانتصب واقفا وسط كل هذه التعذيبات، وأستعاد شكله الطبيعى... فبدأوا يعذبونه بأنواع أخرى. ومنها شيه على كرسى حديدى يوقدون تحته... أخيرا فاضت روحه تحت آلام التعذيب.
بروكوبيوس[183] Procopius
هو أول شهداء فلسطين فى الاضطهاد الذى أثاره ديوكلتيانوس. ولد فى مدينة أورشليم فى أوائل النصف الثالث. كان مسيحيا صادقا، بل ناسكا معروفاً بحياته التقوية. غادر أورشليم، وسكن فى مدينة شيطوبولس Scythopolis على شاطئ الاردن. كرس نفسه لخدمة كنيستها برتبة أغنسطس. وكان يترجم أيضاً من اللغة السريانية.
قبض عليه فلافيانوس الوالى. ولما طلب اليه أن يقدم سكيبا للأباطرة الأربعة رفض مقتبساً من الياذة هوميروس قوله «حكم الكثيرين ليس بصالح، فليكن هناك حاكم واحد وملك واحد». وكان يقصد حكم الله وملك المسيح. فأمر بقطع رأسه فى الحال.
رومانوس[184]:
من مواطنى قيصرية فلسطين لكنه نزح الى أنطاكية، وكان شماسا فى كنيستها. واذ رأى كثيرات من المؤمنات وأطفالهن متوجهات لمعابد الأوثان بناء على أوامر ديوكلتيانوس، أخذته الغيرة المسيحية، ووبخهن بصوت مرتفع.
قبض عليه وحوكم أمام الوالى اسكلبياديس Aesclepiades، الذى بعد أن عذبه كثيرا، أمر بقطع لسانه. فأخرج لسانه بهدوء وسرور لمن قطعوه. أخيرا قطعوا رأسه.
تيموثاوس[185] وعروسه مورا Maura
كان تيموثاوس قارئا (شماسا برتبة أغنسطس) بكنيسة بلدة صغيرة تدعى بيراب Perape فى أقليم انطنوى (أنصنا) فى مصر الوسطى... وكان قد تزوج منذ أيام قليلة. وبموجب المراسيم التى أصدرها ديوكلتيانوس باضطهاد المسيحيين وحرق كتبهم المقدسة، سيق تيموثاوس الى المحاكمة أمام أريانوس الوالى، باعتباره شماسا وفى عهدته كتب الكنيسة المقدسة... وقد جرت محاكمته على النحو الآتى:
- من أنت وما عملك؟
- أنا مسيحى، وأعمل قارئاً فى الكنيسة.
- ما أسمك؟
- تيموثاوس.
- فأنت الوحيد اذن فى قريتك الذى يحتقر أوامر أباطرتنا العظام، الذين يأمرون بموت من لا يضحى للآلهة الخالدة!
- ربما! لكن على أى حال، أنا فى روح الله، ولن أضحى أبدا.
- انظر جيدا، ها آلات التعذيب أمامك.
- الا ترى الملائكة التى يرسلها الله لمعونتى؟
- سلمنى كتبك المقدسة لأقف على ما فيها من منفعة.
- أيمكن أن يسلم أب أولاده بنفسه لعدو مهلك؟
- يا لها من عبارات جميلة! ان كل هذا لا يفيد شيئا. اذن فأنت ترفض أن تسلمنى كتبك وأنا تضحى.
- لا... والف لا، لأنى مسيحى.
ثم انتقل أريانوس من المحاكمة الشفهية الى التعذيب البدنى. فأدخل الجلادون أسياخ حديد محمى فى أذنيه، فأنتفخ وجه، ويكاد يكون بصره قد ضاع... صاح الجلادون:
- أيها المسكين الغبى! ان عنادك فى عدم التقريب للآلهة قد أفقدك بصرك.
- لقد فقدت عينى، اللتين اعتادتا النظر الى المناظر البغيضة، لكن سيدى يسوع المسيح ينير أكثر عينى روحى.
● ثم مددوا جسمه على آلة تعذيب خاصة، وصاح أريانوس:
- قرب للآلفة، وسأكف عن تعذيبك.
لا فائدة من الالحاح، فأنا لا أحس بالتعذيب. ان سيدى يسوع يحمينى.
- (أريانوس للجلادين) حلوه من آله التعذيب. واوثقوا يديه خلف ظهره، وعلقوه من قدميه فى عمود، ورأسه منكس الى أسفل، ثم ضعوا كمامة فى فمه، وأربطوا حجرا فى عنقه.
وكان التعذيب هكذا عنيفا حتى اندهش الحاضرون ان الآلام العنيفة لم تستطع أن تنتزع منه كلمة اعتذار. ثم قال تيموثاوس بصوت عال:
- «أنا أعترف أمامكم جميعا، بأن رب السموات والأرض، هو الذى سينجينى من هذه الآلام المرعبة».
اقترح حاشية أريانوس عليه – حتى يقبل عناد ذلك الشاب – أن يستدعى عروس تيموثاوس، ولم يكن قد مضى على زواجه بها ثلاثة أسابيع فقد يخضع لأغراء توسلاتها وبكائها ولطفها.
فأرسل أريانوس واستدعى زوجته وكانت تدعى مورا.
أخذ أريانوس يبدى مشاعره من نحوها، وأنه يشفق على حظها التعيس. ونصحها أن تبذل ما فى وسعها لانقاذ زوها الشاب، وذلك بأن تعود الى بيتها وتتزين بالثياب الميلة وتتعطر بالعطور، وتأتى اليه لعله يثوب الى رشده.. نقذت مورا هذه الوصية. واقتربت من زوجها المعلق من قدميه، فقال لها:
- أين أبى القس باسيليوس.
أسرع نحوه القس، وكان حاضرا المحاكمة وسأله:
- ماذا تريد يا ابنى العزيز؟
- شيئا واحدا يا أبى... غط لى رأس مورا، حتى لا أشم رائحة هذه العطور الكريهة.
ثم أخذت مورا بتوسلاتها تكلم زوجها... تركها هو تتكلم دون مقاطعة، وأخيرا قال لها:
(تيموثاوس) مورا، يا اختى العزيزة وزوجتى التى أحبها. لقد رأيتك تخرجين من مسكننا، وشيطانا الى جانبك. وهو الذى كان يبهج نفسك بأمور هذا العالم الفانى. لقد رفضت أنا الآن كل هذه الأشياء التافهة التى تلهى العقل.
(مورا) ولكنك يا أخى، أنت لم ترفض عمل الله. ومن سيقوم بقراءة كتبنا المقدسة فى السبوت والآحاد؟
- يا أختى، دعنى عنك أمور هذه الحياة الوقتية، وتعالى جاهدى معى فى معركة الاستشهاد الجميلة، التى بها نحصل على الاكاليل الأبدية. لو تقدمنا بشجاعة، فالله – دون أدنى شك – سيسامحنا بجميع خطايانا.
- يا للسعادة يا زوجى العزيز، أن أصحبك، وأتألم ايضاً معك. لقد كان هذا هو حلمى، ولكنى كنت أجد نفسى غير مستحقة. لقد رفعت كلماتك الالهية روحى الى قوة الله. حينما كنت تتكلم كان روحه القدوس، يقوى روحى. وأصبحت أفضل خيرات السماء على كنوز العالم.
اذا كانت هذه هى أفكارك يا عزيزتى مورا. فأذهبى الى الوالى، الذى ينتظر بفارغ الصبر نتيجة لقائنا.
- سأفعل ذلك برضى، لكنى أخشى أن تفتر عزيمتى وسط العذابات! اننى صغيرة جداً، وسأذهب اليه فى ضعفى الشديد.
- ضعى كل ثقتك فى المسيح، سلمى له نفسك بالكلية. وسصبح كل تعذيب يصبه عليك البشر كالبلسم لاعضائك، وكالزيت للجرح. ان جسدك سيكون بطريقة ما، فاقد الحس بنعمة سيدنا يسوع.
حينئذ استغرق الشهيد فى صلاة حارة من أجل مورا.. وفجأة قامت كما لو كان بوحى، ودخلت المحكمة، ووقفت أمام أريانوس وقالت له:
- أيها الرجل الغادر. ألم تخجل أن تغرينى بطعم الثراء. لقد جعلتنى أقدم ذهبا وفضة ثمنا للكفر وأردت بذلك أن تجذب روحينا – أنا وزوجى – الى الموت الابدى. سوف لا أدع نفسى تنخدع بطعمك التافه. أنا لا أرهبك أبدا، لأن يسوع المسيح قد ألبسنى درعا لا يمكن أصابته.
قال أريانوس موجها الكلام الى حاشيته «ألم أقل لكم أن تيموثاوس ساحر هوذا قد سحر زوجته، ثم وجه كلامه الى مورا»:
- (أريانوس) والآن يا مورا، هل تفضلين الموت على الحياة؟ قارنى العذابات التى لا يعبر عنها، مع ما يصحبها من آلام قاسية، بالملذات ومسرات وأفراح هذه الدنيا. واذا كان زوجك فى تشامخه المريض، وعناده الاجرامى، يريد أن يترك هذا العالم، فما ذنبك أنت حتى يدركك فى النهاية حزن كهذا؟ أليس هو عدم الشعور؟ عزى نفسك. سأعقد زواجك على واحد من ضباطىز لن تخسرى شيئا فى هذا التغيير، بل سيصبح لك زوج أنبل من تيموثاوس.
- لا! ان تيموثاوس لهو أفضل من جميع القادة.. هو ليس مجنونا ولا معاند ولا ساحرا. انه فى حمى الرب، كما أنا أيضاً، ولذلك فنحن نهزأ بكل آلات تعذيبكم.
أمام هذا الثبات الهادئ، تملك أريانوس الغضب، وباشارة تقدم الجلادون، وأمرهم أن ينزعوا (ينتفوا) شعر مورا بلا رأفة... وبعدها وقفت مورا ثابتة ولادم يسيل من رأسها.
ثم قال لها أريانوس مشيرا الى خصلات شعرها:
- (أريانوس) هذا هو ما كن يزين رأسك.. ولا حظى ان هذا التعذيب ما هو الا بداية. انى احتفظ لك بعذابات أخرى.
- (مورا) بانتزاع شعرى ا لذى زينته وعطرته بناء على أمرك لاقود زوجى الى الكفر، جعلتنى استغفر عن خطأ أرتكبته دون وعى. ولن يكون شعرى الآن سببا فى ايقاع أحد فى شر.
ازاء هذا الرد أمر الوالى أن تقطع كل أصابعها. فقالت:
- (مورا) أشكرك. لقد كانت أصابعى هى التى تعمل فى تجميلى لاشبع غرورى. انك – دون قصد منك – صرت سببا فى مغفرة خطية اخرى.
واذا بالاب القس باسيليوس الذى كان جالسا فى السفوف الاولى للحاضرين يقول:
«أيتها الابنة الشجاعة الامينة مورا، كم يجب عليك أن تتعذبى! ».
أما هى فأدارت رأسها ناحيته، وقالت له «انى لا أشعر بألم البتة».
اما الوالى بالقائها فى ماء مغلى، فوقفت فى وسطه بدون ألم، وقالت للوالى:
- مرة ثانية أشكرك أيها الوالى لقد قاربت هنا أن أطهر نفسى كلية. وهكذا سأصل الى الله دون دنس... كل ما أرجوه أن تزيد غليان مائك، فهو حمام رطب لا أشعر فيه بألم.
تعجب أريانوس وأراد أن يختبر بنفسه درجة حرارة الماء فاقترب من مورا، وطلب منها أن تضع بعضاً من الماء فى يده، فاحترقت يد أريانوس للحال. ولم يستطع أن ينكر المعجزة.
فصاح تلقائيا «ليتبارك حقا اله مورا». وبعدها أعطى أمرا باطلاق سراحها.
وما لبث أن قبض عليها مرة ثانية، وأحضرت الى المحكمة، وقال لها أريانوس:
- (أريانوس) لقد رددت لك الحرية. لكن لا تجعلينى أندم على هذا المعروف... أتركى جانبا مسيحك المصلوب، وقربى للآلهة الخالدة.
- (مورا) ان كنت ارجعتنى لهذا السبب، فانك ستضيع وقتك.. لن أضحى أبدا لآلهتك، أما عن عذاباتك فأنا أسخر منها، لان الرب معى ويحمينى...
- اذا رفضت تقديم القربان، سأضع فى فمك جمر نار.
- حسنا. أن هذا مقابل خطايا لسانى، على نحو ما طهر الله قديما شفتى نبيه أشعياء... أنظر أية سعادة ستلحقنى حين اجتاز هذا الامتحان وكم أود أن تضع هذا الجمر – ليس فقط فى فمى – لكن على كل أجزاء جسمى حتى أتطهر من كل خطاياى.
لم كمل الوالى تهديداته، فقد غير نوع العذابات، وأمر باحضار نوع من المشاعل مملوءة قارا وكبريتا يرتفع منه السنة لهيب عالية لحرق جسمها وكان الامر بشعا حتى ان الحاضرين استنكروا هذا الامر. لكن مورا نظرت الى الحاضرين وقالت لهم «لست بحاجة الى شفاعتكم. فالله الذى وضعت كل ثقتى فيه، يرعانى، وهذا يكفينى»... ثم قالت لاريانوس «أيها الوالى الشهير، سأطيع أوامرك».
تقدم المعذب ووجه النار المضطرمة ببطء نحو كل أجزاء جسمها... أما هى فأخذت تكمل حديثها مع أريانوس كما لو كان لم يصبها شئ:
- أما زلت تعتقد أن هذا المشعل يرهبنى... فكر قليلا. فكر قليلا. ألم يكن الماء المغلى أكثر حرارة منه؟ أن ناره تشبه ندى الصباح الطب الذى ينبت الورد والفاكهة.
واذ أدركت السلطات عدم جدوى التعذيب حفظا لهيبتها، أصدرت حكمها بصلب كل من تيموثاوس ومورا...
وفى الطريق الى مكان الصلب، أسرعت والدة مورا نحوها، وأخذت تسمعها أشواقها من نحوها، وتذكرها بمجوهراتها وحليها. لكن مورا قالت لها:
- «يا أمى الحبيبة، ان الثراء فانز والعثة تلازم الملابس، والجمال سيعبر وسيذبل مع العمر والزمن، ولكن الاكليل الحقيقى وثراء وحلى السماء، هى خالدة ولن تزول»...
وعندئذ قبلتها وودعتها، وأفلتت بسرعة من يدها لتلحق بزوجها.
صلب الواحد منهما مقابل الآخر. واتفقا على ألا ينعسا لئلا يأتى الرب فيجدهما نياما.
وبمعجزة أخرى بقيا أحياء تسعة أيام مملؤه تعزيات، كانا خلالها يتحدثان. وفى منتصف اليوم العاشر نزل ملاك نورانى من السماء ليأخذ روحيهما... وحينئذ قالت مورا موجهة كلامها لشهود المسيح الحقيقيين غير الظاهرين... لقد حان الوقت لننال جزاءنا. تمموا دائما ارادة سيدنا يسوع المسيح. وستذهبون مثلنا فيما بعد للفردوس.
ثم استودع تيموثاوس ومورا روحيهما فى يدى الله، وانطلقا ليأخذا مكانا فى عرس الحمل الابدى.
رهبان وراهبات
لم تخل العزلة التى عاشها الرهبان، من أن يشاركوا الكنيسة فى زمان الاستشهاد. وهناك أمثلة لكثير منهم، قدموا أنفسهم بارادتهم للموت، أو سعى أعداء المسيح ليفتكوا بهم.
وكأمثلة تذكر الآتى:
خمسة آلاف راهب مع أسقفهم الانبا يوليانوس بصحراء انطنوى (أنصنا) على يد الحاكم مرقيان مدة الاضطهاد الذى أثاره ديوكلتيانوس وأعوانه[186].
انتيموس ولاونديوس وابرابيوس، وهم اخوة الشهيدين قزمان ودميان، فى اضطهاد دوكلتيانوس. بعد أن عذبوا كثيرا قطعت رؤوسهم[187].
القديس أباكير، وكان ناسكا من الاسكندرية، اعترف امام واليها بالمسيح وبعد أن عذب قطعت رأسه[188].
سبعة نساك من تونة الجبل بمنطقة الاشمونين بمصر الوسطى، اعترفوا أمام الوالى بايمانهم فعذبهم، ومن ثم أمر بقطع رؤوسهم[189].
الانبا موسى الاسود: وهو أحد الآباء المشهورين فى برية شيهيت. له دير خارج دير البراموس الحالى. قتل بيد البربر ومعه سبعة رهبان. وحدث أن اختفى أحد الرهبان فرأى ملاك الرب وبيده أكليل، وهو واقف ينتظره، فخرج الى البربر وقتلوه أيضاً[190]. ومازال جسد الانبا موسى الاسود بدير البراموس بوادى النطرون.
التسعة والاربعون شيخا شيوخ برية شيهيت، ذبحوا بيد البربر فى عهد الملك الارثوذكسى ثيئودوسيوس الصغير (408 – 450). ومازالت أجسادهم محفوظة بدير القديس مقاريوس الكبير بوادى النطرون. وقد بنيت على أجسادهم كنيسة تعرف بكنيسة الشيوخ.
أنبا ديسقوروس وسكلابيوس أخوه Esculapios[] ( * ) كانا ابنى رجل من ذوى اليسار يدعى امونيوس. وبعد نياحة أبيهما مضيا الى جبل أخميم، وتتلمذا لشيخ بار عابد. ثم عاشا بجبل أخميم لمدة 45 سنة. وبعدها ظهر لهما رئيس الملائكة ميخائيل، بينما كانا يصليان تحت صخرة فى الجبل، وعرفهما بالاضطهاد المزمع أن يحل بمدينة أخميم، وطلب اليهما أن ينزلا الى المدينة ليثبتا الشعب، كما أنبأهما بأنهما سينالان أكليل الشهادة.
نزلا الى المدينة فوجدا أريانوس الوالى قد وصل اليها ونصب محكمته، وبدأ يحاكم المسيحيين ويعذبهم. فكانا يثبتان الناس على الايمان المسيحى ويعلمان الشعب. ثم أعلنا ايمانهما أمام الوالى، وأخبراه عن قصة رؤية الملاك الذى أرسل لهما لتثبيت ايمان المسيحيين فى أخميم.
فلما سمع أريانوس ذلك قال «ما هذه الخرافات... هلم بخرا الآن لئلا تعاقبا لجحودكما». حينئذ أجاباه «نحن لا نضحى للآلهة... ونحن لا ننسى الذين استشهدوا فى هذا اليوم، فقد كنا نرى أرواحهم صاعدة أمامنا الى السماء. ونحن مستعدون كذلك أن نموت مثلهم. ومهما أردت أن تفعل فأصنع بنا لنلحق بأخوتنا»... فغضب الوالى وأمر جنوده أن يضربوا القديسيين ومن معهما بالدبابيس، وعذبوهم بأنواع عذاب مختلفة. وقيدوهم ووضعوهم فى حبس. وكان يحرسهم أربعون جنديا على رأسهم اكوديوس وفليمون...
وفى منتصف الليل، ظهر ملاك الرب الى ديسقوروس وقال له «قم صل فان اكوديوس وفليمون وجنودهما سوف يسبقونكم ويصيرون تقدمة لله فى هذه المدينة». فظن القديس أن أحد الاخوة هو الذى يكلمه. فقال له «كيف أقدر القيام الآن؟ » أجابه الملاك «قم صل لأن الرب يحل المقيدين» وللوقف انحلت القيود التى كان مقيدا بها وكذا قيود جميع المعترفين. فقاموا جميعا وسبحوا الله ومجدوا اسمه. وكان نور سماوى يشرق من مكان الحبس ويضيئ على اكوديوس وفليمون...
فلما شاهد الجنود هذا كله دخلوا واعترفوا أمام أريانوس. وبعد أن عذبهم أمر بقطع رؤوسهم... ومعهم اكوديوس وفليمون. وكان ذلك فى اليوم الاخير من شهر كيهك. أما القديسان ديسقورس وسكلابيوس فأكملا شهادتهما فى اليوم التالى (أول طوبة).
القديسة بربارة[192]:
نشأت فى النصف الاول من القرن الثالث المسيحى فى احدى بلاد المشرق لم يتفق المؤرخون على تحديدها، من أبوين وثنيين ثريين جدا، وكانت بربارة آية فى الجمال الجسدى حتى أن أباها خاف عليها، فبنى لها برجا لتعيش فيه.. عرفت الله الخالق بقواها الطبيعية، حينما كانت تتأمل فى الطبيعة بما فيها من كواكب وكائنات، بالقياس مع الآلهة الوثنية...
واتفق وجود العلامة المصرى أوريجينوس فى تلك الجهة، فعلم بخبرها، واتصل بها وآمنت بالمسيحية على يديه... ومن ثم بدأت تحدث تغييرات فى مسكنها. ومن ذلك أنها جعلت فيها ثلاث طاقات بدل طاقتين على اسم الثالوث القدوس، ورسمت علامة صليب على عمود كان فى حمامها... أراد أبوها ديسقوروس أن يزوجها، فأعتذرت بلطف بحجة أنه تقدم فى السن، وتريد أن تبقى لخدمته.
لكن سرعان ما اكتشف أبوها أمر ايمانها المسيحى، بعد أن لاحظ التغييرات التى احدثتها فى مسكنها الخاص. فأهانها وعذبها، وجرد سيفه عليها، لكنها هربت من أمامه، فركض خلفها، واعترضتها صخرة وهى تجرى فأنشقت الى نصفين. لكن أباها دار حول الصخرة فوجدها مختبئة فى مغارة، فوثب عليها وساقها الى الوالى. وهناك عذبت كثيرا بعد أن أعلنت ايمانها وتحدث كل تهديدات الوالى: جلدت بقساوة حتى امتلأ جسدها جروحا، وألبسوها مسحا من شعر خشن، وألقوها فى سجن مظلم فظهر لها السيد الرب يسوع وشفاها وعزاها. وفى اليوم الثالث قدمت للمحاكمة ومشطوها بأمشاط حديدية مزقت جسدها.. أحرقوا جنبيها بمشاعل متقدة، وقطعوا ثدييها... ثم أمر الوالى بأن تساق عارية تماما فى شوارع مدينتها حتى يرهب باقى بنات جنسها، فابتهلت الى الله من جهة هذا الامر وطلبت اليه أن لا يبصرها أحد عارية، فسمع الله طلبتها وكساها بثوب نورانى.
اخيرا أمر الحاكم بقطع رأسها على أن يكون ذلك بيد والدها.. فساقها الوالى الى الجبل، وهناك أعمل فيها سيفه، متجردا من الحنان الابوى الطبيعى... لكن الله أنتقم منه، فأدركته صاعقة التهمته، وهو فى طريقه من الجبل الى المدينة.
القديسة افرونية الناسكة[193]:
كانت من بلاد ما بين النهرين (العراق)، والتحقت راهبة بدير كانت خالتها هى رئيسته. ولما أثار ديوكلتيانوس الاضطهاد على المسيحيين، خافت بقية العذارى وتركن الدير، ولم يبق فى الدير سوى افرونية، وراهبة أخرى، ورئيسة الدير..
أتى الجند وقبضوا على الرئيسة، فقدمت افرونية نفسها، وقالت للجند أتركوا هذه العجوز وخذونى أنا. فأخذوها الى الوالى. وهناك أعترفت أمامه الاعتراف الحسن فعذبها كثيرا. وهى محتفظة بثباتها. فلما رأتها خالتها تتعذب صرخت نحو الوالى قائلة: «يشقك الله من وسطك أيها المنافق». فغضب الوالى وشدد عليها العذاب. فقطعوا لسانها وحطموا أسنانها، وكان الرب يقويها ويشفيها. أخيرا أمر الوالى بذبحها، وكان عمرها عشرين سنة.
أغابى وايرينى وشيونية[194] chionia:
من مدينة تسالونيكى، عشن مع بعضهن حياة النسك. وكن يترددن على ديارات الراهبات ولما أثار القيصر مكسيميانوس أضطهاده، خفن وهربن الى الجبل ومكثن فى مغارة مداومات أعمال النسك والعبادة. وكانت أمراة عجوز تفتقدهن بكل ما يحتجنه فى كل أسبوع وتبيع شغل أيديهن.
عرف أحد الاشرار قصتهن وأبلغ عنهن. ولما وقفن أمام الوالى، اعترفن اعترافا حسنا ورفضن التقريب للآلهة... وبعد محاكمة وتعذيب أمر بحرقهن أحياء.
القديسة تكلا أولى الشهيدات[195] Thecla:
هى تلميذة بولس الرسول. ولدت من أسرة وثنية. وبعد أن مات أبوها عاشت امها مترملة. كانت تكلا فريدة الجمال الجسدى، مخطوبة لشاب من نبلاء المدينة يدعى تاميرس Thamyris.
وتبدأ القصة حينما أخرج بولس الرسول من أنطاكية بيسدية وأتى الى أيقونية[196]. التفت به تكلا هناك بعد أن استمعت اليه من طاقة بيتها، الذى كان ملاصقاً للبيت الذى كان نازلا فيه بولس. وبعد أن استمعت الى وعظه وتبشيره التهب قلبها. تقابلت معه وتتلمذت على يديه، ونبذت خطيبها ورفضت الزواج نهائياً، الامر الذى كان شاذا فى الاوساط الوثنية. وتعرضت لنقد عنيف وضغط شديد من خطيبها وأمها وكل أقاربها، لكنها ظلت صامدة أمامهم لا تلين.
أخيرا شكاها خطيبها الى قاضى المدينة، بعد أن أعلنت له ايمانها بالمسيح. أحضرها القاضى أمامه، ولما صممت على موقفها، حكم عليها بأن تلقى حية للنيران لتحرقها... جردوها من جميع ملابسها والقوها للنيران، ولكن النار فقدت قوتها ولم تحرقها.. وفى مرة اخرى القيت للوحوش الضارية فخضعت لها ولم تمسها.. أخيرا أطلقت وعاشت حياة التعبد والنسك والتبشير والخدمة وماتت فى سلوكية ميناء أنطاكية وحفظ جسدها هناك.
لها مكانة عظيمة فى الكنيسة المسيحية فى العالم كله، وأجمع الكل على تلقيبها أولى شهيدات المسيحية، كما أن استفانوس هو أول الشهداء... وان كانت قد ماتت ميتة طبيعية أى بدون سفك دم، ومع ذلك فهى معتبرة من الجميع أنها شهيدة لما احتملته من عذاب، فنالت اكليل البتولية وأكليل الشهادة. وقد مدحها كثيرون من آباء الكنيسة المعتبرين، من أمثال الاسقف الشهيد ميثوديوس والقديس أمبروسيوس، وغريغوريوس النزينزى، وباسيليوس الكبير وغريغوريوس أسقف نيصص، وأيرونيموس وابيفانيوس ويوحنا الذهبى فمه، وساويرس الانطاكى.
القديسة دميانة والاربعون عذراء:
هى أعظم شهيدات مصر دون منازع. ولدت من أبوين مسيحيين. كان أبوها مرقس واليا على البرلس والزعفران، وأحسن تربيتها. وفى سن الخامسة عشر رفضت الزواج. وكشفت عن عزمها على حياة البتولية، فرحب والداها بهذا الاتجاه. ولتحقيق هذه الرغبة بنيا لها قصرا فى جهة الزعفران لتنفرد فيه للعبادة واجتمع حولها أربعون من العذارى اللواتى نذرن البتولية.
وفى أثناء الاضطهاد الذى أثاره ديوكلتيانوس، ضعف أبوها مرقس وبخر للأوثان. فما أن سمعت دميانة هذا الخبر، حتى خرجت من عزلتها لتقابل والدها. وما أن قابلته حتى ابتدرته بقولها «كان الأهون على نفسى أن أسمع خبر انتقالك الى دار الخلود من أن أسمع أنك أنكرت فادينا الحبيب». الهبت هذه الكلمات قلب مرقس، فتركها للوقت وذهبت لمقابلة ديوكلتيانوس، وجهر أمامه بالايمان، وندم عما اتاه من تبخير للأصنام. فثارت ثائرة الطاغية وأمر بقطع رأسه.
وبعد ايام معدودات علم ديولكتيانوس أن السبب فى رجوع مرقس الى الايمان المسيحى، انما يرجع الى ابنته دميانة، فأرسل اليها بعض الجنود، ولما رفضت التبخير للأوثان، أعملوا السيف فيها، ومن معها من العذارى فنلن جميعاً أكاليل الشهادة... وقبل أن يهوى السيف على رقبة القديسة دميانة قالت «انى أعترف بالسيد المسيح، وعلى اسمه أموت، وبه أحيا حياة الأبد».
وكان قد تجمع حول المكان نحو اربعمائة شخص من أهالى ذلك الموضع فلما رأوا ما حدث اعترفوا هم ايضاً بالايمان المسيحى، فأطاع الجند برؤوسهم.
ومازال جسد الشهيدة دميانة فى كنيستها، التى شيدتها لها الملكة هيلانة، أم الملك المسيحى قسطنطين، والكائنة قرب بلقاس فى شمال الدلتا.
ثيئودوسيا[197]:
فى مدينة قيصرية – وفى زمان اضطهاد مكسيمينوس – يوم احتفال الكنيسة بعيد القيامة. كان جماعة من السجناء المسيحيين يحاكمون أمام القاضى... فاقتربت منهم عذراء تدعى ثيئودوسيا، دون الثامنة عشر من عمرها كانت من مدينة صور، وحيتهم، وسألتهم أن يذكروها عندما يمثلون أمام الرب. فقبض عليها فى الحال وسيقت للوالى كأنها ارتكبت فعلا شائناً!!
أما الوالى فانقض عليها كمجنون أو كوحش مفترس وعذبها تعذيباً مبرحا فى جنبيها وثدييها حتى وصل الى العظام.. لكنها احتملت الآلام والتحقير بثغر باسم. وبعد نقاش بينها وبين الحاكم أظهرت خلاله ثباتا على ايمانها، أمر بالقائها فى اليم.
أطفال وصبيان وفتيات
الفتيات بيستس وهلبيس وأغابى[198]:
كانت أمهن صوفية وثنية من احدى مدن ايطاليا، ورزقت من رجلها هؤلاء الفتيات الثلاث. اهتدت الى الايمان المسيحى، ولذا رحلت مع بناتها الى رومية بقصد نوال نعمة العماد – وربما كان ذلك عقب ترملها... وبعد عمادهن استترن بنعمة الهية خاصة، وتولدت فى الأم غيرة قوية لتبشير غير المؤمنين. فشرعت تعمل بين الوثنيين، حتى كشف أمرها. وكان ذلك فى عهد الامبراطور هدريان (117 – 138).
وما أن علم الامبراطور حتى استدعى الأم مع بناتها. وأمام الامبراطور اظهرن جميعاً ثباتا رائعاً، فأمر بقطع رأس بيستس وهلبيس، وكان عمر الأولى 12 سنة والثانية عشر سنوات. أما أغابى – وكان عمرها تسع سنوات – فقد أمر بحرقها. واذ لم تحترق أمر بقطع رأسها هى الاخرى. أما الأم فرافقت أجساد بناتها الى الدفن. وهناك القت نفسها فوقهن، وأسلمت روحها فى يدى الرب.
الصبى بونتيكوس[199] Ponticus
كان فى الخامسة عشر من عمره، استشهد فى سنة 177 ضمن شهداء ليون فى عهد مرقس اوريليوس. وبعد القبض عليه وتعذيبه، كان يؤتى به كل يوم من الحبس، ليشاهد آلام المعذبين الآخرين، عسى أن تنهار مقاومته لكنه ظل ثابتا، بفضل تشجيع اخته له، ولهذا السبب تعرض لكل انواع العذاب، وبعدها أسلم روحه.
ديونيزيا[200] Dionysia
وفى زمان الاضطهاد الذى أثاره ديسيوس، وفى سنة 250 فى مدينة ترواس بآسيا الصغرى، قدم للوالى ثلاثة من المسيحيين، كان أكبرهم شخص يدعى نيكوماكس Nichomacus، فاعترف بايمانه فى بادئ الامر ورفض أن يقدم قربانا للآلهة. فبدأوا يعذبونه، فلما برح به الألم صاح «اننى مخطئ، ما كنت مسيحيا قط، سوف أقدم القرابين للآلهة» وانزل من آلة التعذيب. ولم يكد يضع لحم الضحية على شفتيه حتى قضى نحبه، ومات جاحدا.
وكانت هناك فتاة فى نحو السادسة عشرة تدعى ديونيزيا، وكانت الفتاة مسيحية. واذ روعها هذا المنظر صاحت «أيها البائس المسكين. من أجل لحظة قصيرة، نلت آلاما أبدية لا توصف». فسيقت أمام الوالى ولما سألها عما اذا كانت مسيحية، أجابت «نعم، ولهذا فقد تملكنى الأسى على ذلك المسكين الذى لم يستطع أن يتحمل قليلاً فيجد راحة أبدية». فأمرها أن تحذو حذوه، والا فانها ستعذب ثم تحرق حية.
وفى اليوم التالى جئ بأندراوس وبولس – رفيقى نيكوماكس، أمام القاضى. ورأى الوالى ان يسلمهما للجمهور ليرجمهما حتى الموت. فأوثقت أقدامهما معا وأخذا خارج المدينة. وحدث أن رأتهما ديونيزيا – وكانت فى طريقها الى حيث تتلقى الحكم النهائى عليها. فأفلتت من حارسها وألقت بنفسها على اندراوس وبولس قائلة «فلأمت معكما على الأرض، حتى أحيا معكما فى السماء». ولم يشأ الوالى أن يجيبها الى ما طلبت، وأمر بأن تبتر رأسها.
قرياقص بن جوليتا[201]:
كان موطن جوليتا (التى تذكر فى الكتب العربية باسم يوليطة) مدينة ايقونية فى اقليم ليكاؤنية. تزوجها أحد أشراف المدينة، لكنه سرعان ما توفى بعد أن أنجبت الطفل قرياقص. فى ذلك الوقت أصدر ديوكلتيانوس مراسيمه باضطهاد المسيحيين. واذ رأت الاضطهاد حاميا، تركت مدينتها الى مدينة سلوكية. لكنها قابلت نفس الحالة هناك، فقررت الذهاب الى طرسوس.
وعل أثر وصلها، عرف واليها اسكندر أنها مسيحية، فقبض عليها. ولما سئلت أمامه، أجابت بكل شجاعة أنها مسيحية، وكذلك طفلها، وكانت تحمل طفلها الصغير على ذراعيها، وكان ابن ثلاث سنوات. وبعد محاكمة اظهرت خلالها ثباتها على الايمان وشجاعتها، أمر الوالى أن تتجرد من ثيابها، وتجلد بأعصاب البقر بلا شفقة.
كان الطفل قرياقص جميل الصورة جداً. فأمر الوالى أن يؤخذ من امه. ولكن الطفل كعادة الاطفال تشبث بها، فانتزعوه من أمه بكل قسوة.. أخذ الطفل يبكى بشدة ويندفع نحو أمه بكل جسمه، وهو لا يحول نظره عنها. أخذه الوالى لكى يلاطفه، فازداد صياحا، وأخذ يضرب الوالى بيديه ورجليه، وينشب أظافره فى وجهه، وصرخ بكلمات واضحة مسموعة من الجميع «أنا مسيحى»... امتلأ الوالى غيظا وأمسكه من قدميه وطرحه بشدة على الأرض من كرسيه المرتفع، فأرتطم رأسه بالأرض وتهشم، وفاضت روحه.
واذ رأت جوليتا أن طفلها قد سبقها الى المجد، شكرت الرب. أما الوالى فأعاد تعذيبها بتمزيق جسمها بمخالب حديدية، وسكبوا عليها قار مغليا، أخيرا قطعوا رأسها. وكان ذلك سنة 305.
بيفام خال ماريوحنا الهرقلى[202]:
كان الصبى بيفام له من العمر عشر سنوات، عندما استشهد ماريوحنا الهرقلى. وقد حضر واقعة استشهاده، وأخذ الصبى يبكى لأنه صار وحيدا. فخرج صوت من جسد ماريوحنا يقول «يا حبيبى بيفام، ان كنت تريد أن تصير شهيدا، فدع جسدى هنا وأسرع لتلحق بالوالى فى مدينة أسيوط فيكتب قضيتك. وها الرب قد أمر أن يوضع جسدك مع جسدى».
فأسرع الصبى نحو الوالى وهو يصيح «أنا مسيحى، ولست أخاف من عذابك أيها الوالى»... فغضب أريانوس وأمر أن يعذبوه ثم أخذت رأسه بالسيف، فى الخامس من شهر بؤونة. ومازال جسده مع جسد ماريوحنا الهرقلى محفوظاً بالكنيسة بأم القصور بجوار أسيوط.
أجنس[203] Agnes:
ولدت بروما فى أواخر القرن الثالث، شريفة بالمولد، مسيحية الوالدين بارعة الجمال. وما أن بلغت عامها الثانى عشر، حتى اتجهت بكل اشواقها نحو الرب. تعلق قلب شاب يدعى بروكبيوس بها – وكان أبوه حاكم مدينة روما، وعزم على الزواج بها. أرتضى أبوه ذلك، وطلب البنت من أبويها ولما تأخر ردهما، نفذ صبر الشاب، فحاول أن يكلمها مظهرا عواطفه من نحوها، فالتقى بها فى الطريق واقترب منها ليكلمها، لكنها رجعت الى خلف كأنها أبصرت حية... وقالت له «اغرب عنى يا حجر العثرة... أنا لا يمكننى أن أنكث بعهدى وأخون عريسى الالهى الذى لا أحيا الا بحبه»... ثم أفاضت فى اظها مشاعرها نحو هذا العريس الالهى، ورفضت هدايا كان قد قدمها اليها.
ظن الشاب أنها تحب شخصا آخر غيره، وانها لفرط حبها اتخذته معبوداً لها!! ومن فرط هيامه وتعلقه بالفتاة مرض. قلق عليها والده واستدعى أجنس وفاتحها فى الأمر، لكنها شرحت له فى أدب نذر بتوليتها... فلم يستطع أن يفهم هذا الأمر، الذى لم يكن له نظير فى الوثنية... فتدخل احد الحاضرين وأفهمه أن الفتاة مسيحية... وحينئذ خيرها بين أمرين: أما ان تعبد الآلهة الوثنية وتتزوج بابنه، وأما أن تعذب حتى الموت... وأمهلها حتى اليوم التالى لتعطيه جوابا... لكن الفتاة رفضت هذه المهلة للتفكير. وقالت له أن الأمر لا يحتاج الى تفكير، لأنها قد انتهت من اختيار الطريق. وكانت اجابتها هذه بداية لآلامها.
أمر الحاكم أن تقيد بالأغلال الحديدية وسحبوها الى هيكل للأصنام لتسجد لها. أما هى فرسمت ذاتها بعلامة الصليب، ولم تنظر نحو الأوثان. ولما لم يفلح فى أرهابها، هددها بارسالها الى ما خور فساد... أما هى فقالت له «لا أخاف بيت الفساد، لأن معى ملاكا يحفظنى من كل سوء».
شرع الجند يعرونها من ثيابها ليدخلوها الى ذلك الماخور، لكن شعرها غطى كل جسدها حتى تعجب الكل من ذلك. وما أن دخلت ذلك البيت حتى أضاء نور من السماء، فتعزت وشكرت الرب. أما بعض الأشرار ممن أتوا لارتكاب المنكر مع هذه العذراء، فلما رأوا المنزل مضيئاً بنور لا مثيل له، أرتعبوا ولم يجسروا أن يتقدموا.
غير أن بروكوبيوس ابن الحاكم الذى كان يود أن يتزوجها، تجاسر ودخل ذلك البيت، ليفسد أجنس الطاهرة. وحينما اقترب منها، ضربه ملاك الرب فخر ميتا. ولما رأى الحاضرون ذلك هربوا وأذاعوا الخبر فى كل المدينة فأسرع سيمبرونيوس الحاكم والد بروكوبيوس. وبعد أن عنفها عاد يتذلل اليها طالبا منها أن تقيم ابنه الميت... فصلت أجنس وقام الشاب بروكبيوس وهو يصيح «ليس اله حق الا الذى يعبده المسيحيون»... انتشر خبر هذه المعجزة فى كل رومية، لكن كهنة الأوثان هيجوا الناس وقالوا: لتمت أجنس الساحرة.
أما سيمبرونيوس الحاكم فجبن ازاء صخب الناس، وترك الأمر لوكيله، الذى استحضر أجنس، وأمر أن تلقى فى النار. لكن النار لم تؤذها، بل شوهدت وسطها واقفة تصلى.. فلما رأى ذلك، أمر بأن تقطع رأسها بالسيف. فأقترب منها جندى لينفذ الحكم، لكنه ارتعد وتراجع. أما هى فشجعته وقالت له «هلم، اقتل هذا الجسد الذى أعثر غير عريسى السماوى». وكان استشهادها فى الاضطهاد الذى أثاره ديوكلتيانوس. وكان لها من العمر 12 أو 13 سنة.
وفى اليوم الثامن لاستشهادها تراءت فى حلم لوالديها، ومعها زمرة من الفتيات الصغيرات، ومعها أيضاً حمل أشد بياضا من الثلج، وقالت لهما «ألا كفا عن الحزن لموتى، وافرحا لأنى ظفرت باكليلى» وكان لقصة استشهاده هذه الفتاة العذراء أثر كبير فى الأوساط المسيحية فى القرون الأولى، ومدحها القديسون امبروسيوس واوغسطينوس وايرونيموس وغيرهم.
ماكسيما ودوناتيلا وسيكوندا[204]:
أثناء الاضطهاد الذى أثاره ديوكلتيانوس ومكسيمينوس، حل اليولينوس Anulinus والى افريقيا بمدينة ثيوبربوا Thuburbo (بشمال افريقيا) وأرسل ضابطين لدعوة جميع المسيحيين الى ضيعة امبراطورية ليقدموا القرابين للآلهة. وقد تجمع أمامه جمهور كبير، وللأسف بدأوا ينهارون وينكرون ايمانهم... وكان بينهم امرأة تعسة، أضافت الى خطية جحودها خطية الخيانة. وذلك حين تقدمت قائلة «لقد جئنا لنعبد الآلهة، عدا فتاتين هما ماكسيما Maxima ودوناتلا Donatilla». وجئ بالفتاتين أمام الوالى، دار حوار معهما.
كانت مكسيما فتاة فى الرابعة عشر من عمرها. وحين قال لها الوالى فى اثناء المحاكمة، أنها ما لم تضح للآلهة، فان اليوم سيكون خاتمة حياتها، أجابت الفتاة «ألا فلتضح لها أنت لأنك شبيه بها». وجاء دور دوناتلا فلم تكن أجابتها أقل قوة من اجابات اختها. ثم أمر أن تساقا الى المدينة على أن يمنع عنهما الطعام والشراب. وفى طريقهما الى ثيوبربو انضمت اليهما صديقة تدعى سيكوندا Secunda، فى الثانية عشر من عمرها، كانت قد وطنت نفسها على أن تظل عذراء طوال حياتها. وكانت تطل من شرفة قصر أبويها الثريين، حين شاهدت مكسيما ودوناتلا، فقفزت اليهما وتوسلت اليهما أن تصحبهما وحاولتا أن تثنياها عن عزمها لأنها وحيدة أبويها، لكنها أبت قائلة أنها لا تخشى قصاص الأرض، وأنها تشتاق لعريسها الروحى الذى يقوى ويعزى أضعف الناس.
وبعد أكثر من محاكمة أمر الوالى بان تجلد الفتيات. ثم أمر بأن ترقدن على ظهورهن الممزقة فوق قطع الزجاج والخزف. وتوالت انواع التعذيب، التى كانت منها وضع الفحم المشتعل على شعورهن ورؤوسهن. أخيرا أقر الوالى بأنهن ارهقنه دون جدوى، فأمر بأن يطلق عليهن دب جائع. وكان كل ما فعله الدب أنه ظل يلعق قدمى ماكسيما. وحينئذ أمر الوالى ببتر رؤوسهن وكان ذلك فى اليوم الثلاثين من شهر يوليه سنة 304.
الفتى شنوسى[205] Chenousi
كان عمره 12 سنة، طاهرا تقيا، من بلدة بلكيم[206] من أعمال أبو صير ظهر له ملاك الرب وحفزه على المضى للأستشهاد، بينما كان فى الحقل يرعى الغنم، وشجعه بأنه سيكون معه. ودع أمه دون أن يخبرها. صلى وسار فى طريقه الى مدينة طوه، فوجد الوالى قد غادرها الى سرسنا، ومنها الى داكو. امسى عليه الليل فطلب مكانا يبيت فيه. فأرشده الى امرأة مسيحية اسمها مريم، كانت مقيدة بالحديد. سألها ان تفتح له فقالت له ادخل يا أبى لتنتزع هذا الحديد من يدى...
حضر الضابط ثانى يوم، وبعد مناقشة ساقه للقائد وأعترف امامه، فسلمه للجند ليمضوا به الى سرسنا الى مجلس الولاية... أمر الوالى أن يعلقوه على المعصار ويعصروه. علق شنوسى على المعصار فانكسر الى اثنين قال له الوالى «علمت أنك ساحر». فأمر أن يعذب بوضعه على سرير حديد يوقد تحته. ثم أركبه هو مريم مركبا متجهة الى قبلى مع الوالى. وشفى فى الطريق صبيا من الخرس والصمم.
سمع الوالى بذلك فأمر بأن يعصر بالمعصار، ولكن الرب أقامه سليماً. سلطوا مشاعل على جنبيه وبطنه لمدة ثلاث ساعات... وفيما هم يعذبونه تطلع فى الجمع فنظر امرأة تدعى سارة، وطفلها ثاوفيلس على كتفها. فصرخ الشهيد شنوسى وقال «يا ثاوفيلس احضر لكى تأخذ الاكليل وتفرح مع المسيح فى ملكوته غير الفانى». فأجاب الطفل وقال للقديس «امض بنا يا معلمى القديس شنوسى الى المكان الذى تريده، لأن يسوع الهى وملكى، ملكه فى السماء وعلى الأرض»... ولما شاهدت سارة طفلها يتكلم، صرخت وقالت «ليس اله الا يسوع المسيح الناصرى، اله القديس شنوسى». ثم أنها ملأت يدها ترابا وطرحته فى وجه الوالى، ولعنته. فأمر أن تؤخذ رأسها هى وطفلها. فأخرجوهما خارج المدينة وأعدموها. وكان ذلك فى الرابع من بشنس.
أما شنوسى فقيدوه بسلاسل والقوه فى المركب ووضعوا حجرا فى عنقه. وظل هكذا، لمدة ستة عشر يوما. وبعدها ابحروا الى انصنا وطرح فى السجن هناك... وقام يصلى فأضاء السجن كله بنور عجيب. وظهر له الرب يسوع وشجعه وقواه... مثل أمام أريانوس واعترف أمامه بثبات، ورفض أن يبخر للألهة. امر أريانوس أن يثقب كعباه، ويربط بهما حبال ويسحل فى الشوارع.. وأخيراً، بعد ألوان من التعذيب، قطعوا رأسه بحد السيف، وكان ذلك فى الرابع من بؤونه.
أبانوب النهيسى[207]:
من بلدة نهيسه بجوار سمنود. كان وحيدا لوالديه، وفقدهما وهو صغير. وفى يوم عيد من أعياد المسيحيين سمع الكاهن فى الكنيسة يعظ الشعب أن يثبتوا أبان الاضطهاد الذى أثاره ديوكلتيانوس.. خرج من الكنيسة وصلى الى الله أن يهديه الى الموضع الذى يتألم فيه لأجل اسمه. ثم سار حتى وصل الى سمنود.
واذ كان يصلى ظهر ميخائيل رئيس الملائكة وأضاء المكان، فسقط الصبى أبانوب على وجهه من الخوف، فشجعه الملاك وأعلمه أنه سيتألم فى سمنود ثلاثة ايام، وسيكون هو معه. مضى الى الوالى واعلن ايمانه ولعن أوثانه، فطرحه فى السجن.
أما الوالى فبعد أن أعمل سيفه فى المعترفين المسيحيين فى سمنود، وقتل منهم عددا كبيرا (قيل ثمانية آلاف). أقلع الى أتريب وأخذ معه الصبى أبانوب، وعلقه منكس الرأس على صارى المركبت، عقابا له على ما فعله، اذ لعن الوالى وأوثانه، وملأ يديه من تراب الأرض ونثرها فى وجهه.
وفيما كان الوالى فى المركب التصق الكأس الذى كان يشرب منه بكف يده، ولم يقدر أن يرفع يده الى فمه... كما أصيب الجنود بالعمى... رفع الوالى نظره الى أبانوب ووجد دما كثيرا ينزف من فمه وأنفه (وهو فى الوضع المعلق فيه). ورأى الملاك ميخائيل يظلل عليه ويمسح له هذا الدم...
فصرخ الوالى نحو أبانوب وقال «أنا اؤمن بالحقيقة أيها الصبى انك عبد يسوع المسيح اله النصارى. والآن اشفنى، ونصبح أنا وكل جنودى مسيحيين، لأنى رأيت عجبا»... فأجاب أبانوب «حى هو الله، لن يكون هذا، حتى نصل الى المكان الذى أنت ماض اليه حتى يعلم الكل أن ليس اله الا يسوع المسيح». وكان الجنود يصرخون ويقولون نحن نصارى.
وفى أتريب عذبه واليها كثيرا تارة بالسياط، وتارة بطرحه على سرير حديد ويوقدون تحته. وأمر بأنه يوضع سيخان من حديد محمى بالنار فى عينيه، وعصروه بالهنبازين... وفى كل هذا كان الرب يظهر قوته ويقيمه سليما معافى.
آمن كثيرون بسبب هذه المعجزات واستشهد 185 نفسا فى 8 بشنس. أمر الوالى بتقطيع أعضائه بفأس (رجليه وساعديه). وشفاه ملاك الرب. ونهض يسير أمام الناس. فكانوا يهتفون: «ليس إله فى السماء وعلى الأرض سوى إله القديس أبانوب... ».
ارسله الوالى مقيدا الى أرمانيوس والى الاسكندرية، وهناك بعد أن عذبه قطع رأسه بالسيف، فى الرابع والعشرين من شهر أبيب، وكان له من العمر 12 سنة.. ومازال جسده فى كنيسته بسمنود، تصدر عنه معجزات وعجائب.
زكريا الطفل:
فى أثناء مذبحة أخميم، حينما أعمل أريانوس الوالى سيفه فى المسيحيين وقتل منهم مئات ومئات، لاحظ طفل صغير يدعى زكريا ابن رجل صياد يدعى فاج، انه فى الوقت الذى كان يطرح فيه بعض الشهداء فى النار – بناء على حكم أريانوس – ان أناس نورانيين يحيطون بهذه النار، ويمدون أيديهم ويأخذون أرواح هؤلاء الشهداء من النار، ويضعون أكاليل بهية على رؤوسهم لفت الطفل نظر أبيه بصوت مرتفع الى هذا المشهد. واذ سمعت الجماهير المحتشدة ما كان يقوله الطفل أسرعوا نحوه يستفسرون منه عما رأى.
ولما رأى الوالى تلك الجموع تندفع نحو الطفل، أمر باستدعائه وقطع لسانه، فحمله أبوه على كتفه، ورآه وهو ينفذ فيه الحكم. وفجأة شفى ميخائيل رئيس الملائكه لسان الطفل، فصار يتكلم ويتهلل. فعاد به أبوه الى الوالى ليخبره بما كان، لعله يرتدع عن طغيانه، حينما يرى بعينيه ما حدث. أما الوالى الطاغية، فأمر بأن يحرق الطفل وأبوه... وبسببهما آمن كثرون وأعلنوا مسيحيتهم أمام الوالى الذى أمر بقتلهم بالسيوف والرماح... وقيل أن عددهم بلغ ستمائة وأربعة شهيدا.
شورة الصبى[208]:
كان هذا الصبى من قرية تدعى طناى، ومقيما ببلدة شنشيف تبع مدينة أخميم. وكان راعيا للغنم. ولما وصل أريانوس الوالى الى أخميم، أرسل جنوده الى كل مجاوراتها ليحضروا اليه المسيحيين لتنفيذ مراسيم ديوكلتيانوس وتوجه خمسة منهم الى شنشيف، فالتقوا بالفتى شورة وهو يرعى غنمه، فسألوه «من أنت». اجابهم «أنا مسيحى»... فأسرعوا خلفه ليقبضوا عليه، لكنه تمكن من الهرب. فاغتصبوا خروفين من الغنم وحملوهما على خيولهم... أما هو فرجع اليهم بعصاه واسترد الخروفين. ولما عادوا الى أخميم أخبروا الوالى بهذه القصة. فأرسل الوالى وأحضر حاكم شنشيف، وهدده بالموت ان لم يحضر هذا الصبى الراعى.
خرج الحاكم وجمع رؤساء البلده وعرفهم بما جرى... فخافوا لئلا يخرب أريانوس بلدتهم... فأمسكوا شورة وأوثقوه وأتوا به الى أخميم، فطرحه الوالى فى السجن حتى الصباح. وفى السجن وجد جماعة من المسيحيين مقبوضا عليهم فشجعوه.
وفى الغد قدم الصبى ليمثل أمام الوالى، فسأله «ما اسمك» - أجابه «أنا راعى مسيحى، من أهل طناى، وساكس بشنشيف، واسمى شورة»... وبعد حوار لم يطل، طلب اليه ان يرفع بخورا للآلهة، أما هو فكان رده «سوف لا أسمع لك، ومهما أردت أصنع بى عاجلا».
وازاء هذه الجسارة أمر الوالى بتعذيبه: فرفعوه على الهنبازين وعصروه، وأوقدوا نارا تحت قدميه، وسلطوا مشاعل نحو جنبيه، ووجهوا نارا الى رأسه. وكان الوالى يظن أنه قد مات. فلما علم أنه حى أمر أن يصب خل وملح على جراحاته... أما هو فكان يحتمل بشكر وشجاعة. ثم أعادوه الى السجن. وقف يصلى فى السجن فظهر له ملاك الرب وعزاه وشجعه وأنبأه. أنه سيتوجه فى اليوم التالى بأكليل المجد...
وفى اليوم التالى أحضر الوالى ساحرا، وطلب اليه أن يفسد سحر شورة المسيحى. فأجاب الساحر بجسارة «أنا أحل سحره وأفضحه»... ثم أعد كأس سم، وناولها للصبى ليشربها، فسقط الكأس من يده وانسكب مافيه على الأرض، فخرجت من الكأس أفاعى وسعت نحو الصبى، أما هو فوطأها بقدميه... تعجب الساحر وقال للوالى «ليس لى مع هذا الانسان شأن، لأنه قوى بإلهه».
ولما رأى الوالى ثبات الصبى شورة، أمر أن يذبح كشاه ويعلق على سور قريته لتنهش لحمه طيور السماء... فنفذ فيه الجند هذا الحكم. ونال أكليل المجد فى العاشر من شهر كيهك.
أمهات
● أغاثونيس[209] Agathonice
فى الاضطهاد الذى أثاره مرقس أوريليوس... وفى مدينة برغاموس، المكان الذى اتخذه الشيطان مقرا لكرسيه فى زمن القديس يوحنا الرسول (رؤ 2: 12، 13)... أخذ الوالى يضطهد المسيحيين ويعذبهم ويقتلهم. كانت تقف قرب المشهد امرأة اسمها اغاثونيس، أحست بحماس يسرى فيها نحو الاستشهاد، فصاحت قائلة «ان هذه الوليمة معدة لى أيضاً، لابد أن أشارك فى هذا العشاء المجيد»...
وبعد محاكمة أثبتت خلالها ايمانها وثباتها، حكم عليها الوالى بالإعدام وكان معها ولدها الصغير. فحاول الجمهور أن يثيروا فيها مشاعر الأمومة، رحمة بطفلها، فكان ردها «إن له الها يرحمه، ورحمته تسع الجميع»... وحين نصب العمود الذى ثبت جسمها عليه. وبدأت تحس لهيب النار، بدأ كأنما قد تخلت عنها السعادة الروحية وقتا ما، وكأنما الضعف البشرى يوشك أن يصيبها، فصاحت «ربى، ربى، ربى، أعنى فقد اتخذتك ملاذى»... وهكذا أكملت مع القديسين...
● الشهيدة رفقة[210]:
كانت هذه السيدة أما لخمسة أبناء: أغاثون وبطرس ويوحنا وآمنون وآمونا... وكان موطنهم احدى بلاد مركز قوص بجوار الأقصر... فأعلن لهم ملاك الرب فى رؤيا أنهم سينالون اكليل الشهادة بشبرا، بالقرب من الاسكندرية، وأن أجسادهم ستنقل الى نقرها[211] بمحافظة البحيرة.
ففرحوا ووزعوا مالهم على المحتاجين... ثم توجهوا الى بلدة قوص، وهناك اعترفوا بايمانهم بثبات أمام ديونيسيوس القائد، الذى عذبهم عذابا شديدا، مبتدئاً بأمهم التى أثبتت صبرا واحتمالا، وكانت تشجع أولادها. وهكذا عذب الابناء الخمسة كلهم... وبسبب ثباتهم وما احتملوه من عذاب آمن كثيرون وأعلنوا ايمانهم، واستشهدوا... ولما كان الابن الاكبر أغاثون هو مقدم بلدتهم، ومحبوباً من مواطنيه، فقد أشار البعض على القائد بأن يرسلهم الى أرمانيوس والى الاسكندرية حيث لا يعرفهم أحد هناك... ولما كان الوالى غائباً فى بلدة شبرا، فقد أرسلوا اليه هناك... وبعد أن عذبهم عذابا مؤلما بالهنبازين وبالقائهم فى خلقين زيت مغلى، أمر بقطع رؤوسهم وطرح أجسادهم فى البحر.
أعلن لرجل مسيحى ثرى بواسطة رؤيا أن يحفظ هذه الأجساد. فقدم للجند بعض المال وأخذ هذه الأجساد منهم، وحفظها عنده حتى زال الاضطهاد ومازالت هذه الأجساد الطاهرة فى الكنيسة التى بنيت على أسمهم ببلدة سنباط. وكان استشهادهم فى اليوم السابع من شهر توت.
الام دولاجى:
فى مدة الاضطهاد الذى اثاره الطاغية ديوكلتيانوس، كانت منطقة اسنا فى الصعيد الاعلى غنية بقديسيها من اكليروس وعلمانيين، متبتلين ومتزوجين... وقام أريانوس والى أنصنا برحلة تجول خلالها فى بلاد الصعيد، ليرى مدى تنفيذ مراسيم سيده الامبراطور.. وحالما دخل مدينة اسنا قابله أربعة صبية أشقاء وهم سوروس، وهرمان، وأبانوفا وسنطاس يسوقون دابة محملة بالبطيخ. فأوقفهم، وامرهم أن يسيروا معه للسجود للاوثان. لكن الصبية الشجعان أبوا وأعلنوا مسيحيتهم.. حاول معهم بالاغراء فلم يفلح، فأخذ يهددهم.
طار الخبر الى أمهم دولاجى، فهبت مسرعة إلى مكانهم، وأمام الوالى، كانت تشجعهم وتقويهم، فامتلأ أريانوس غيظا وأمر بحبسهم جميعاً.
وفى تلك الليلة ظهرت لهم العذراء مريم وصارت تشجعهم وتكشف لهم عن المواعيد العظمى والثمينة.
وفى الصباح استدعاهم الوالى، وحاول معهم مرة أخرى أن يبخروا للآلهة، فاذا بالام دولاجى تصرخ معلنة ايمانها المسيحى هى وأولادها، يهتفون «نحن مسيحيون» وانهم يرفضون عبادة الآلهة الكاذبة.
فامتلأ اريانوس غضبا وأمر بقطع رؤوسهم... على أن يذبح أولادها على ركبتها الواحد تلو الآخر.. وفيما كانوا يفعلون ذلك، كانت هى ترتل وتصلى... وأخيرا قطعت رأسها... وكانت هى وأولادها باكورة شهداء اسنا على عهد ديوكلتيانوس... ومازالت أجسادهم الطاهرة بالكنيسة التى تحمل اسمهم بمدينة اسنا حتى الآن.
شباب
● سيمفوريانوس[212] Symphorianus:
كان شابا من أسرة شريفة، ومن بلدة تدعى أوتون Autun بالقرب من ليون، بفرنسا الحالية، واستشهد فى عهد مرقس اوريليوس حوالى سنة 180، عقب المذبحة التى حدثت فى ليون وفينا، قبل ذلك التاريخ بثلاث سنوات. ولد مسيحيا، وكان حاكم البلدة ويدعى هركليوس شديد التعلق بوثنيته. لذا، فقد حاول جذب المسيحيين الى الوثنية عن طريق الحجة والبرهان...
دخل فى نقاش مع سيمفوريانوس، فلعن آلهته الباطلة. فبدأ الحاكم يتوعده، وعذبه، وأخيرا أمر بقطع رأسه خارج أسوار المدينة. وفيما هو سائر فى طريقه الى مكان الاعدام، كانت أمه تشجعه وتقويه. ووقفت على سور المدينة، وكانت تقول له «كن ثابتا يا ابنى، ولا ترهب هذا الموت الذى يوصل بالتأكيد الى الحياة. انظر الى من يملك فى السماء. ان حياتك الارضية لم تنتزع منك اليوم، لكنها استحالت بطريقة مباركة الى حياة السماء».
● ديديموس وثيئودورة[213]:
سبق أن أشرنا الى قصة هذين الشهيدين[214]، ونضيف هنا محاكمتهما.
نادى القاضى على ثيئودورة. ولما قدمها ضابط المحاكمة سألها:
- ما هى مكانتك؟
- أنا مسيحية.
- سيدة حرة أم أمة (عبدة)؟
- لقد قلت لك انى مسيحية. والمسيح جاء وحررنى... وبحسب مقاييس العالم ولدت حرة.
ثم نادى على عمدة البلدة، وسأله عن ثيئودورة، فكان جوابه أنها من أسرة عريقة، وانها نذرت البتولية... وحينئذ سألها القاضى:
- اذا كنت من اسرة طيبة، فمل لا تتزوجين؟
- لأجل المسيح. لأن مجيئه فى الجسد انقذنا من الفساد، وأعطانا حياة أبدية... سوف لا اتحلى عن ايمانى به، ومصممة على حياة البتولية.
أخبرها القاضى بالأمر الفظيع الذى يقضى باكراه السيدات والفتيات المسيحيات ممن يعتنقن أفكارا كأفكارها، بأن يخضعوا بالانتهاك البدنى.
كانت ثيئودورة على علم بهذا الامر وقالت «ان الله ينظر الى ارادات البشر، الله ينظر الى طهارة القصد. ان أكرهتنى على ذلك، فلا تحسب خطيئة على، بل شيئاً أكرهت عليه».
- لا تجلبى العار لاسرتك. انها فضيحة لن تنسى.
- المسيح يعرف كيف يحفظ حمامته.
- لماذا أنت هكذا ضالة، حتى تثقى فى انسان صلب؟ لا تخدعى نفسك، لا تظنى انك ستظلين بلا دنس فى المكان الذى سأرسلك اليه.
(أجابت ثيئودورة بما يدل على أن روحها لم تهتز).
قال القاضى لها، انه لم يستعمل معها التعذيب حتى الان. ولكن ان أصرت على موقفها، فستعامل كفتاة من العبيد، «لابد وأن أرى أوامر سادتنا الاباطرة قد نفذت معك كمثال لسائر النساء».
- ان جسدى تحت سلطانك، لكن الله وحده هو المتسلط على روحى.
قال القاضى لاحد الجنود «اصفعها بشدة براحتى يديك، وقل لها: لا تكونى هكذا غبية، بل اقتربى وقربى للآلهة».
- بمعونة ربى سوف لا أقرب، ولا أعبد الشياطين، والله ناصرى.
- أيتها المرأة الغبية، ستضطرينى أن أتخذ معك ما يعتبر اهانة لسيدة مثلك، بأن ألقى بك الى الدهماء الذين ينتظرون صدور الحكم فى قضيتك.
- أجابت ثيئودورة وقالت ان الاعتراف بالله ليس جنونا. وأن ما يعتبره القاضى خزيا سيؤول فى النهاية الى المجد الأبدى.
وهنا قال القاضى انه لا يستطيع أن يصبر عليها أكثر من ذلك. لقد انتظر على أمل اقناعها، لكن انتظاره أكثر من ذلك يعتبر مخالفة للاوامر الامبراطورية... وهنا قالت ثيئودورة:
- على نحو ما أنت خائف من الابطاء فى تنفيذ الاوامر الصادرة اليك، كذلك أنا أسرع بالا أنكر، واخشى من احتقار الملك الحقيقى.
وهنا قال القاضى، انه سيمنحها مهلة ثلاثة أيام، واذا لم تعدل خلالها عن رأيها فسيودعها أحد بيوت الدعارة. فتوسلت اليه ثيئودورة ان يضمن لها الا يصيبها أذى قبل نهاية الثلاثة أيام.. وفى نهاية الثلاثة أيام لم يتغير رأيها بطبيعة الحال. فصدر الحكم بايداعها أحد بيوت الدعارة بالمدينة... لكن الله الذى آمنت به، وألقت رجاءها عليه، لم يتخل عنها.
كان أول شخص دخل حجرتها هو الشاب المسيحى ديديموس Didymus وقد قصد انقاذها. ارتدى عباءة الجندية، ووضع على رأسه قبعة كبيرة. اندفع وسط الجمع الذى كان يحيط بالبيت، وأعطى العباءة والقبعة لثيئودورة، وأصر على أن تهرب وتتركه بدلها... وأمرها أن تخفض رأسها ولا تكلم أحد حال خروجها...
وحالما اكتشفت السلطات ما فعله ديديموس سيق الى الحاكم. ولما سأله من الذى جعله يفعل ذلك أجاب:
- الله هو الذى أرسلنى لافعل ذلك.
قال الحاكم «اعترف قبل أن تعذب. أين ثيئودورة»؟
- يسوع المسيح ابن الله يشهد انى لا أعرف أين هى. أعرف فقط، وبالتأكيد أنها خادمة الله، ولانها اعترفت بالمسيح، فقد حفظها بغير دنيس... ان هذا ليس عملى بل عمل الله. لقد صنع معها الرب حسب ايمانها.
فصدر الحكم على ديديموس بقطع رأسه، ولحقت به ثيئودورة فى الطريق وشاركته نفس الميتة، فى نفس الوقت.
● ابفيانوس وأخوه اديسيوس[215]:
كان ابفيانوس Apphian شابا فى التاسعة عشرة من عمره، من اسرة مرموقة فى ليسيا Lycia. أرسله أبواه الوثنيان ليكمل تعليمه فى بيروت وكانت حينذاك تشتهر بحياة الرذيلة والترف، قدر شهرتها بدور العلم. غير أن الشاب كان محصنا ضد غواية المجتمع، وادهش الناس بطهره وتقشفه. وحين أتم دراسته فى بيروت عاد الى موطنه. لكن يبدو انه أعتنق المسيحية مدة اغترابه، فوجد ان الوسط الوثنى الذى كان يعيش فيه أبواه لا يطاق... عقد النية على الهرب منه، ملقيا رجاءه على العناية الالهية...
ولم يلبث أن وجد نفسه فى قيصرية (فلسطين)، وكانت هى المكان المناسب للشاب المسيحى البحاثة. فقد كانت بها مكتبة العالم بامفيلوس الذى جمع حوله طائفة من الطلاب. ورحبت به تلك الطائفة وألقى هو بنفسه بين يدى معلمه بامفيلوس، وعاش حياة النسك التى كان يعيشها أستاذه. وبعد أن قضى قرابة عام فى قيصرية، صد مرسوم ديوكلتيانوس الذى يقضى بحضور السكان جميعاً حفلات القربان.
كان الحاكم ايربان Urban نفسه يقوم بصب السكيبة، حين تقدم منه الشاب ابفيانوس، وأمسك بيده اليمنى، وأمره أن يكف عن هذا الاجراء، محذرا أياه فى لطف، من التحول من عبادة الله الواحد الحقيقى الى عبادة الشياطين... فهجم عليه الحراس فى قسوة وألقوا به فى ظلام السجن حيث قضى ليلة كاملة، ممددا، ورجليه موثقتين بالمطقرة.. وفى اليوم التالى جئ به أمام ايربان، الذى أمره أن يبخر للاوثان فرفض.
وهنا بدأت سلسلة من التعذيبات، توالى فيها فسخ ضلوع الشاب، وانهالت اللكمات على وجهه ورقبته، حتى تورم وجهه وتشوه منظره. ثم أمر ايربان بأن تلف حول ساقيه خرق كتانية مبللة بالزيت وتشعل فيها النار.. وسالت عصارات جسمه، وظلت تقطر. كل ذلك وهو لا يلين وفى اليوم التالى استشهد بالقائه فى اليم.
ويوسابيوس الذى دون لنا استشهاد هذا الشاب، كان شاهد عيان لما حدث وذكر أن زلزالا هز المدينة، وهبت عاصفة فى البحر. وبين زمجرة تلك الظواهر الطبيعية وزئيرها، ألقت الامواج جثة الشاب على أبواب مدينة قيصرية.
ورأى أخوه أوديسيوس Audessius، وكان يكبره سنا، الا يكون أقل شأنا منه فى هذا المضمار. وكان يفوقه علما ويجيد الأدبين اللاتينى والاغريقى. وكان قد حكم عليه بعد موت أخيه بالاشغال الشاقة فى مناجم النحاس فى فلسطين. ولما أطلق سراحه اشتغل بالفلسفة. ثم وجد نفسه فى الاسكندرية حيث أصدر حاكم مصر هيروكليس Hierocles، حكما رهيبا على بعض الفتيات المسيحيات بعقوبات مخجلة... فسار اليه أوديسيوس غاضبا، ولم يكتف بأن أخبره برأى العقلاء فى أحكامه السقيمة، بل أغرقه فى لجة من العار والفضيحة... وبعد سلسلة من التعذيبات كالتى احتملها أخوه، ألقى به فى اليم ومات غريقا..
● هيرو[216] Hiero
أسند الامبراطور ديوكلتيانوس حكم أقليم كبادوكية بآسيا الصغرى الى حاكمين قويين، ليشكما المسيحيين، هما ليسياس واجريكولا. وكانت هناك تعبئة للجيش. وحاول بعض عملاء ليسياس أن يزجوا بشاب مسيحى اسمه هيرو، فى صفوف المجندين. وكان هذا الشاب يمقت فكرة العمل فى الجندية الوثنية، لما فيها من أمور تتنافى مع ضمير المسيحى. حاول أن يختبئ، غير أن أخاه جاءه برسالة من الوالى ليسلم نفسه...
فودع أمه الضريرة، وسار الى مدينة ميليتين حيث كان الوالى. وهناك وجد نفسه رهين السجن مع واحد وثلاثين مسيحيا، قد قطعوا على أنفسهم عهدا بألا يتقدم أحد منهم الى تقديم القربان، اذى دعى الى ذلك.
وعند محاكمة هيرو، اعترف بأنه هو الذى قاوم فرقة التعبئة. ورأى الوالى أن يجعل منه عبرة لغيرة، فأمر بأن تقطع يداه عند المعصم، وأن يضرب الاخرون بالسياط. وألقى الجميع فى السجن وبعد أيام استجوب عدد منهم بواسطة الوالى ليسياس وحكم عليهم ببتر رؤوسهم. وتقدم مسيحى ثرى يساوم الوالى على رأس هيرو. أما يداه المقطوعتان، فقد أوصى هيرو بأن تسلم يده التى قطعت أولا لامه الضريرة.
● باقة يانعة[217]:
وفى قيصرية – على عهد ديوكلتيانوس – قدمت للرب باقة يانعة من مختلف الاجناس – تضم ثمانية من الشبان: تيمولاوس من ولاية بنطس، وديونيسيوس من طرابلس فى فينيقية، وروميلوس من ديوسبوليس Diospolis وبيسيس واسكندر من مصر، واسكندر من غزة، ويبدو أن الاثنين الباقيين كانا من قيصرية فلسطين... أوثقت أيديهم خلف ظهورهم، ونزلوا فى ملعب قيصرية مسرعين لحماسهم الشديد للاستشهاد، وأعلنوا على الملأ بأنهم مسيحيون، وأنهم يرحبون بكل أنواع التعذيب.. فطرحوا فى السجن...
وبعد أيام قليلة، انضم اليهم اثنان آخران هما أغابيوس، وكان قد احتمل اهوالا مروعة فى محاكمات سابقة، وديونيسيوس الذى ضبط وهو يمدهم بضرويات الحياة... وانتهى أمر هؤلاء جميعاً بقطع رؤوسهم معا.
أراخنة وفلاحون وأرباب حرف
لا شك أن كثيرين ممن استشهدوا فى زمان الاضطهاد كانوا من عامة الشعب من الفلاحين وأرباب الحرف. وكان منهم الاراخنة الرؤساء. لكننا نسوق هنا بعض أمثلة بسيطة:
أراخنة
● أوسافيوس، وسامان، وهرواج وباخوش باسنا:
كانوا مقدمى هذه المدينة. اعترفوا أمام أريانوس حال وصوله الى اسنا... وبعد أن أظهروا ثباتا عجيبا فى ايمانهم، عذبهم عذاباً شديدا، وأخيرا قطع رؤوسهم (6 بؤونة).
فلاحون
● ابيما:
كان فلاحا من قرية بنكلاوس بأقليم البهنسا بمصر الوسطى، لكنه كان شيخ قريته وذلك فى مدة حكم ديوكلتيانوس. كان انسانا بارا. ظهر له الرب يسوع بمنظر نورانى، ودعاه للاستشهاد ان كان يحبه خرج من قريته دون أن يخبر أحدا، وتوجه الى مدينة البهنسا، ومثل أمام حاكمها لوكيوس... وفيما كانوا يعذبونه كان يستعين باسم الرب يسوع. فاغتاظ الحاكم وقال له: «لا تذكر اسم المسيح لئلا أميتك شر ميتة».
(أبيما) «أما عن الاسم المكرم، الذى لربى يسوع المسيح، فلا أستطيع أن أكف عن تلاوته».
(الحاكم) «سأقطع لسانك حتى لا تذكر هذا الاسم فى حضرتى».
- «اذا ما قطعت لسانى، فان ذكر اسم سيدى لا ينقطع من قلبى وحواسى أبدا... وأما من جهتك فأنت لا تستحق أن تسمع اسم الهى».
جلدوه بالسياط، وأجلسوه على كرسى حديد وأوقدوا تحته النيران، ووضعوا خوذة من حديد محمى على رأسه، فخرج سالما فحسبه الحاكم ساحرا...
أرسله مقيدا الى أرمانيوس والى الاسكندرية... وهناك فى الاسكندرية تمجد الله بمعجزات كثيرة، سواء فى السجن أم خارجه، وهو فى طريقة من السجن الى مكان المحاكمات. عذبه أرمانيوس كثيرا، لكنه كان يبرأ من كل العذابات بقوة الهية... وبعد أن فشل أرمانيوس فى ثنيه عن عزمه، توعده ذات مرة قائلاً:
«اذا كان الهك له يدان، فلن يستطيع أن يخلصك من يدى». فكان جواب أبيما على ذلك قوله: «بما أنك أفتريت، فسيخرسك الله حتى لا تنطق بتجديف، وسيضربك بالعمى حتى لا تبصر خليقته». وقد تم ذلك فى الحال.
ولم يدر أرمانيوس ماذا يفعل، فطلب من يوليوس الاقفهصى – وكان ذا مكانة عظيمة فى الاسكندرية – أن يتوسط لدى أبيما لكى يشفيه... ففعل وأبرأه... واذ لم يقدر أن يعذبه أكثر من ذلك، أرسله الى الصعيد، حيث قطعت رأسه فى قرية بهنمون بأقليم بنى سويف الحالى.
● سورس، وانطوكيون ومشهورى:
وهم فلاحون من اسنا... التقى بهم أريانوس الوالى بعد المذبحة التى أجراها فى اسنا – والتى استشهد فيها كثيرون – يسيرون على جسر المدينة، ويحملون فؤوسهم، فصاحوا بصوت عظيم «نحن مسيحيون مؤمنون بالسيد يسوع المسيح»... فأمر الوالى جنده أن يقتلوهم بفؤوسهم... فمدوا أعناقهم على حجر كبير كان فى ذلك الموضع، وقطع الجند رؤوسهم بالفؤوس وأكملوا شهادتهم. وكان ذلك فى الحادى عشر من شهر توت... ومازالت بقايا أجسادهم فى مقبرة خاصة باسنا حتى الآن.
● باخوم:
فلاح رقيق الحال جداً، كان من قرية سفلاق بجوار اخميم، وكان يعول أمه وأختا له طفلة تدعى ضالوشام... ساقه الجند من سفلاق الى أخميم، حيث حوكم أمام أريانوس، الذى كان موجودا بها وقتئذ لتعذيب المسيحيين. وتبعته أمه وأخته الطفلة... وبعد أن أظهر ثباتا على ايمانه المسيحى، عذبه أريانوس عذابات كثيرة. وأخيرا قطع رأسه بالسيف، هو وأخته الطفلة، التى اعترفت بالايمان المسيحى، بعد أن رأت أخاها يتعذب، وكان عمرها ثمانى سنوات أما هو فكان عمره حوالى 25 سنة... وكانت شهادتهما فى اليوم الثانى والعشرين من شهر كيهك.
أرباب حرف
● ابيماخوس، وكان يشتغل فى صناعة النسيج:
استشهد فى عهد الامبراطور ديسيوس، على يد والى دميرة بمحافظة الغربية. وبعد أن عصر بالهنبازين وعذب كثيرا، أمر الوالى أن يصلب، ثم تقطع رأسه. لكن السيافين، كانت تنحل قواهم حالما يقتربون اليه، لينفذوا حكم الاعدام. فربطوا عنقه بحبل، وسحلوه على الارض حتى فاضت روحه[218].
● ايسيذورس وكان يشتغل فى صناعة الصوف:
استشهد فى الفرما، بعد أن أعترف بالمسيح الها ومخلصا. وبعد أن عذبه الوالى كثيرا أمر بحرقه حيا. وقد أسلم الروح، لكن جسده بقى سالما[219].
● أبا هور السرياقوسى وكان حدادا:
أعترف بالايمان امام والى الفرما، وعذب بألوان مختلفة، وأرسل الى والى أنصنا، وهناك عذب بالنار والصلب. وأخيرا قطعوا رأسه[220].
عبيد وإماء
الكنيسة المسيحية التى قدمت خلاصا مجانيا للجميع، وسعت نحو الجميع، وقدمت ايمانها للجميع، لا فرق بين عبد وحر – هذه الكنيسة مات كثير من العبيد دفاعا عن ايمانها. ويذكر القديس كليمنضس الاسكندرى فى كتابه المتنوعات «أكثر من عبد فى الاسكندرية ختم حياته بفرح، ومات لاجل الايمان، ضد ارادة سيده»[221].
ونذكر هنا بعض الامثلة:
● إفلبستس Evelpistus
وهذا كان عبدا واستشهد من أجل الايمان، فى نفس اليوم الذى استشهد فيه يوستينوس الشهيد الشهير. ولم يكن أقل منه شجاعة ورباطة جأش[222].
● بلاندينا[223] Blandina
استشهدت ضمن شهداء ليون وفينا على عهد مرقس أوريليوس سنة 177م. وعلى الرغم من أنها كانت أمة صغيرة السن، لكنها بالقياس الى ثباتها على الايمان وكثرة وقسوة العذابات التى احتملتها، وطول فترة التعذيب، وما أظهرته من شجاعة خلالها، فانها تعتبر زعيمة هذه الجماعة من الشهداء..
ورسالة خدام ليون وفينا الى كنائس آسيا الصغرى، التى روت لنا قصة ما حل بهم من اضطهاد، تقول عن هذه الشهيدة:
«امتلأت بلاندينا قوة لدرجة أنها صمدت أمام معذبيها الذين كانوا يتناوبون على تعذيبها من الصباح حتى المساء بكل أنواع التعذيب» حتى اضطرتهم الى الاعتراف بأنهم قد غلبوا على أمرهم، ولم يستطيعوا أن يفعلوا لها شيئاً أكثر. وذهلوا من قوة احتمالها، اذ كان كل جسدها قد تهرأ. واعترفوا بأنه كان يكفى نوع واحد من هذه الآلام لازهاق الروح، فكم بالاولى كل هذه الآلام المتنوعة العنيفة»!
على أن الفتاة المباركة جددت قوتها فى اعترافها كمصارعة صنديدة، وقد وجدت تعزية وانتعاشا وتخفيفا لآلامها فى أن تصرخ: «انا مسيحية، ونحن لم نفعل شرا... ».
حكم الوالى بتعليقها على صليب، ثم ألقاها للوحوش. فلم تقترب منها الوحوش. وأجلسوها على الكرسى الحديدى، وأوقدوا تحتها، فشوى لحمها... وأخيرا وضعت فى شبكة وطرحت أمام ثور هائج... ففاضت روحها.
● فليسيتاس Felecitas
وهى أمة من قرطاجنة وتدعى فى الكتب العربية «سعدى». كانت رفيقة القديسة بربيتوا فى الايمان والاستشهاد... ا ذ كان كلاهما ضمن الموعوظين المهيئين للعماد حين قبض عليهما.
كانت حديثة السن، فى العشرين من عمرها تقريبا. وكانت متزوجة فى شهرها الثامن. قبض عليها فى زمان الاضطهاد الذى أثاره سبتميوس ساويرس. وأودعت سجن مظلم مع رفقائها المسيحيين... ثم مثلت أمام الوالى ايلاريون، واعترفت أمامه بايمانها بثبات.
ولما شعرت بأن يوم الاستشهاد قد اقترب ولم تلد، حزنت، وحزن معها بقية المعترفين، لان القانون الرومانى كان يحرم قتل الحبلى قبل أن تلد. فطلبوا من الله أن يعجل ساعة ولادتها، لكى تنال معهم اكليل الشهادة. ففى ذلك اليوم نفسه ولدت بنتا فى السجن، وأخذتها امرأة مسيحية لتربيها.
ولما كانت سعدى تصرخ وقت المخاض، قال لها أحد حراس السجن «اذا كنت لا تستطيعين احتمال هذا الألم، فكيف اذن ستحتملين أنياب الوحوش ومخالبها؟ »... فقالت له سعدى «انى أتألم الآن، أما غدا فيتألم عنى آخر، هو سيدى يسوع المسيح. اليوم القوة الطبيعية تقاوم الطبيعة، وفى الغد تنتصر فى النعمة الالهية على أشد ما اعددتم لى من التعاذيب»...
ضربت بالسياط، واطلقت عليها بقرة وحشية فنطحتها، ورفعتها الى أعلى وطرحتها الى الارض بشدة... ولما أفاقت سألت رفيقتها بربيتوا «متى سيلقوننا للوحوش؟ » لانها لم تشعر بأى شئ وكأنها كانت مستغرقة فى نوم! أخيرا قطعت رأسها بحد السيف مع رفيقتها بربيتوا...
فلاسفة وعلماء
● يوستينوس الفيلسوف الشهيد[224]:
ولد فى القرن الاول المسيحى أو اوائل الانى فى مدينة نابلس عاصمة السامرة، من أبوين وثنيين، ونشأ هو نفسه وثنيا. كان منذ حداثته يميل الى التفكير العميق والبحث عن الله ومبدأ العالم. تتلمذ أولاً لاحد الفلاسفة الرواقيين أتباع الفيلسوف زينون، فلم تشبع تعاليمه عقله. فانصرف عنه، وتبع فيلسوفا آخر من جماعة الرواقيين المشائين، الذى أخذ يساومه على أجر تعليمه، الامر الذى دفع يوستينوس الى الازدراء به. ومازال يسعى فى طلب المعرفة واشباع عقله، حتى اهتدى الى أحد الفلاسفة الافلاطونيين، فتعلق به وأحبه.
على أن هذه الفلسفات كلها مجتمعة لم تكن لتشبع عقل وقلب هذا الانسان العجيب. فلم يكن ليوستينوس عقل متفتح وحسب، لكن كانت له روح جائعة متعطشة للنور والحق.... وهو فى وثنيته لم يكن متعصبا تعصبا أعمى لها، بل كان له العقل الذى يزن الامور. فقد كتب فى دفاعه الثانى عن التأثر العميق الذى طبعه فى نفسه رؤية الشهداء المسيحيين، قال «فى الوقت الذى كنت استمتع فيه بمبادئ أفلاطون، وفى الوقت الذى كنت أستمع فيه الى المصائب التى يكابدها المسيحيون، قلت لنفسى: حيث انى رأيتهم لا يرهبون الموت حتى وسط الاخطار، التى يعتبرها العالم مرعبة، فمن المستحيل أن يكونوا أناسا يعيشون فى الشهوة والجرائم[225]»... ولا شك ان مثل هذا القلب أهله لقبول دعوة الله.
أما قصة ايمانه فهى قصة لقاء مع الله... فبينما كان يسعى وراء الوحدة، حتى يتمكن من التأمل بعقل غير مرتبط بالاشياء الخارجية، وبينما كان غارقا فى تأملاته، يسير على شاطئ البحر فى بلده، قابله شيخ مهيب، يبدو على محياه الجاذبية والعذوبة... بدأ كما لو كان فيلسوفا، وجد الراحة والسلام فى فلسفته. حياه وأخذ يباحثه فى شئون الفلسفة. وبين له أن الفلسفة الافلاطونية – التى كان معجبا بها – ناقصة، اذ لا تأثير لها على حياته الادبية...
فسأله يوستينوس فى لهفة وتعجب «أين ا ذن أجد الحق اذا لم أجده بين الفلاسفة؟ » أجابه الشيخ «قبل الفلاسفة بزمان طويل عاش فى الازمنة الغابرة رجال سعداء أبرار، هم رجال الله، نطقوا بروحه وسموا أنبياء. هؤلاء نقلوا الى البشر ما سمعوه وما تعلموه من الروح القدس. كانوا يعبدون الله الخالق أب جميع الموجودات، وعبدوا ابنه يسوع المسيح. فاطلب أنت حتى ما تتفتح لك أبواب النور الآن»[226].
قال له الشيخ هذا الكلام وتوارى عنه... ولا شك أن هذا الطريق، الذى ارشده اليه ذلك الشيخ بكلامه، كان هو أمل يوستينوس منذ شبابه. والآن، وبعد أن استمع يوستينوس الى الفلاسفة، تحول الى الانبياء... بل الى ذاك الذى هو أعلى من أعظم الانبياء، علو السموات عن الارض... الكلمة الازلى، الذى سيصبح يوستينوس، منذ ذلك الوقت الشاهد الامين له..
أكب يوستينوس على قراءة تلك الكتب التى أرشده اليها ذلك الشيخ المجهول، فتوصل الى أن الفلسفة المسيحية، هى الوحيدة التى استطاعت أن تشبع عقله. فآمن بالمسيح واعتمد. وبدأ منذ ذلك الحين حياة الفيلسوف الحقة، كما يقول هو عن نفسه. وكان دائماً يعتبر أن الفلسفة الافلاطونية هى بمثابة اعداد للعالم الوثنى لقبول المسيحية. وهكذا قان يوستينوس كمسيحى لم يكف عن تقدير الفلسفة، بل ظل بعد ايمانه يرتدى زى الفلاسفة... ولم يفعل ذلك هروبا من أن يظهر كتلميذ للمسيح فهو يقول «لقد طرحت جانبا كل الرغبات البشرية الباطلة. ومجدى الان فى أن أكون مسيحيا. ولا شئ أشتهيه أكثر من أن أواجه العالم كمسيحى... ».
كان سعيه الطويف الجاد بحثا عن الحق، سببا فى تقدير هذا الحق. لقد جرب كل النضالات الفكرية لمعاصريه. وهكذا اذ عرف المرض والعلاج، كان مستعدا بصورة فائقة، أن يكون ذا رسالة فعالة، بل واحد المعزين الحقيقيين، الذين تعلموا من خبرتهم الخاصة فى الالم، كيف يعزى الآخرين. لم ينس أو يتناسى، ولو ليوم واحد، مسئوليته العميقة التى ترتكز على الشهادة للحق. وكان شعوره هذا على السواء بالنسبة لليهود، والوثنيين، والهراطقة...
وهكذا كرس ذاته لنشر الديانة المسيحية والدفاع عنها. فذهب الى روما حيث فتح هناك مدرسة، وكان يتخذ الفلسفة وسيلة للتبشير بالمسيحية والدفاع عنها... وكان يعقد مقابلات متكررة مع اليهود والوثنيين حيثما التقى بهم، وكذلك مع الهراطقة. وفى هذه المناقشات أظهر صبرا وثباتا عجيبين ولعل أهم أعماله التى قدمها للمسيحية فى ذلك الوقت دفاعه الاول والثانى وحواره مع تريفو اليهودى.
ولقد رفع الاول (68 فصلا)، والثانى (25 فصلا) الى الامبراطور انطونيوس بيوس وأبنائه. ويرجح انه كتبه سنة 147، ان لم يكن قبل ذلك. ودفاعه ملئ بالشجاعة والكرامة والانسانية، فقد كان اتجاهه فى دفاعه هو عدم التوسل والخوف من القوة الغاشمة.. ويقول فى دفاعه موجها الكلام للامبراطور انطونيوس بيوس «انتم تدعون فى كل مكان بيوس (تقى)، حارس العدالة، صديق الحق. وستظهر أعمالكم، اذا كنتم جديرين بهذه الالقاب. ولست أقصد من وراء ذلك ان أتملقكم، أو أحصل منكم على احسان ما. انى ببساطة أسألكم ان تعاملوننا بقوانين العدالة المدققة المستنيرة، وليس بمجرد الحدس، أو تحت تأثير خرافة تصدقونها بقصد ادخال السرور على الناس.. فان هذا يدينكم... ». واذ كان مقتنعاً اقتناعا صادقا بعدالة قضيته، قدمها بسلطان باسم قانون العدالة الازلى، الذى باسمها يستخدم العنف ضد المسيحيين!!
وكتابه «حوار مع تريفو» Trypho اليهودى (142 فصلا)، عبارة عن مناظرة مع يهودى معتدل طالب للمعرفة، التقى به فى مدينة أفسس، وقد استغرقت هذه المناظرة يومين.. ويلاحظ أن يوستينوس فى دفاعه الذى قدمه، يبدو كفيلسوف يحدث فلاسفة. أما فى حواره مع تريفو، فكمؤمن بالعهد القديم، الى ابن من أبناء ابراهيم...
أخيرا استشهد فى روما سنة 166 على عهد مرقس اوريليوس. وقد يكون السبب فى استشهاده، الهزيمة التى أوقعها بفيلسوف كاذب يدعى كريسكينس علانية أمام الجمهور. وما لبث هذا الفيلسوف أن سعى به لدى السلطات، فقدم يوستينوس للمحاكمة بتهمة المسيحية، وقطعت رأسه مع ستة أشخاص آخرين.
● بمفيلوس البيروتى[227]:
بناء على المرسوم الخاص الذى أصده مكسيمينوس دازا، قبض أوربانوس حاكم قيصرية على بمفيلوس سنة 307. ذلك الرجل الذى كان – حسبما رأى يوسابيوس صديقه الحميم وتلميذه – من أكبر علماء الكتاب المقدس... نشأ مواطنا فى بيروت، من أسرة شريفة، وتلقى العلم فى معاهدها الوثنية. ونبذ الثراء والشهرة العالمية، وانكب على الدراسات الدينية المسيحية. كان يسلك فى حياته مسلكا نسكيا، فباع كل ما آل اليه، ومنحه للفقراء. رحل الى الاسكندرية حيث تتلمذ على بيريوس Pierius، مدير مدرستها اللاهوتية وهو رابع خلفاء أوريجينوس فى ادارة هذه المدرسة. ثم هجرها – على نحو ما فعله اوريجينوس من قبل – الى قيصرية عاصمة فلسطين حيث سيم قسا. وهناك نصب نفسه لتكملة عمل أوريجينوس، لا فى تعليم الطلاب الذين اختلفوا اليه فحسب، بل فى مقارنة نصوص الانجيل. فجمع فى بيته مكتبة ضخمة، جمع كتبها من أماكن كثيرة فى العالم.
حوكم أمام الوالى أوربانوس، فاظهر فصاحته وسعة اطلاعه الفلسفى. واذا رفض تقديم القرابين للآلهة، وقعت عليه تعذيبات مبرحة، وأودع السجن، وكان غاصا بالمعترفين المسيحيين. بقى بمفيلوس فى سجنه سنتين كاملتين، لم يضيعهما سدى، بل ألف مع يوسابيوس المؤرخ الكنسى، كتابا من ستة اجزاء، دفاعا عن اوريجينوس، وجهه الى المعترفين الذين كانوا يعملون فى مناجم النحاس بفلسطين.
ثم حوكم أمام وال آخر يدعى فرميليانوس خلف أوربانوس فى الولاية وبعد أن علم أنه ورفاقه مروا بمراحل تعذيب متعددة، أحس بأن محاولة اكراههم على الارتداد عن المسيحية انما هى مضيعة للوقت. واكتفى بسؤالهم، ما اذا كانوا يميلون الى التقريب للآلهة. ولما رفضوا أصدر حكمه عليهم بقطع رؤوسهم...
وقد أعدم مع بمفيلوس أحد عشر شخصا آخر. وأمر فرميليانوس بترك جثث هؤلاء الشهداء أربعة أيام بلياليها للوحوش والطيور الجارحة. ومع ذلك لم يقربها طير أو وحش. وفى اليوم الخامس نقله المسيحيون، ودفنوها باجلال فى الكنيسة، وكان ذلك سنة 309.
سحرة وكهنة أوثان
● أثناسيو الساحر، الذى ركب السم لمارجرجس الكبادوكى فلم يؤثر فيه. وآمن ازاء العجائب التى حدثت فى محاكمة هذا الشهيد. وحكم عليه ديوكلتيانوس بقتله بضربه ببلطة[228].
● سيدراخس الساحر، الذى ركب سما للقديس أبا قسطور القس، بأمر أرمانيوس والى الاسكندرية، فرشم عليه بعلامة الصليب وشربه فلم يضره وحينئذ آمن سيدراخس وأعلن ايمانه، فأحرق حياً[229].
● أسكندر الساحر، الذى استخدم سحره لايذاء القديس ابسخيرون القلينى فلم يستطع. وأمر القديس الشيطان الساكن فى الساحر أن يعذبه، فصرعه، واعترف بالسيد المسيح وقطعت رأسه[230].
● الساحر الذى ركب السم مرتين للشهيد بقطر الجندى، فلم يصبه أذى. وكان من نتيجة ذلك أن آمن هذا الساحر، وجمع كتب السحر التى كان يقتنيها وحرقها، واعترف أمام الوالى بايمانه المسيحى، فأمر بقطع رأسه بالسيف[231].
● لوكيانوس[232] كاهن الاوثان:
لا نعلم شيئا عن موطنه. وكل ما نعرفه عن أنه كان كاهنا للاوثان، وانه استشهد فى عهد أوريليان (270 – 275). أما السبب، فهو تأثره بمناظرالتعذيب والميتات التى كانت توقع على المسيحيين، ومع ذلك كانت لا تؤثر فيهم، ويعودون معافين... واذ قارن بين قوة اله المسيحيين الذى يستنجدون به ويعينهم، وبين أوثانه التى يتعبد لها، أيقن أنه ليس لها قوة على ذلك... وخلص الى نتيجة، وهى ان الاله الذى يفعل هذه العجائب لا شك أنه هو الاله الحق...
فتقدم واعترف بإيمانه، وكان يصيح قائلاً «أنا مسيحى». فقبض عليه وعذب كثيرا مع أربعة من المسيحيين، وألقى معهم فى أتون نار. فأمطر الله مطرا غزيرا أطفأ النار. أخيرا صلبوه حتى فاضت روحه. أما الاربعة الذين كانوا معه، فقطعت رؤوسهم.
● أبسكنده ومن معه:
كان أبسكنده كبير كهنة الاوثان فى مدينة أخميم، ابان الاضطهاد الذى أثاره ديوكلتيانوس. ولما وصل أريانوس الى مدينة أخميم، لارغام المسيحيين على الارتداد عن مسيحيتهم، أراد أن يذهب الى معبد الاوثان بالمدينة، فطلب كهنة المعبد لكى يرافقوه. ولشد ما كانت دهشته، حين علم أن أبسكنده قد آمن بالمسيحية، وتبعه عدد من كهنة الاوثان بالمدينة.. ولفرط غيظ أريانوس قبض عليهم، وذبحهم ذبح الخراف فى الكنيسة، وكانوا هم باكورة شهداء اخميم فى المذبحة الكبرى فى عهد ذلك الطاغية.
جماعات
● الكتيبة الطيبية[233]:
سميت كذلك لان افرادها كانوا فى مدينة طيبة (الاقصر)، وكان معروفا عنهم الشجاعة فى الحروب والجلد والاخلاص. ولما أعلنت بعض قبائل من فلاحى غاليا (فرنسا) العصيان على مكسيميانوس امبراطور الغرب سنة 286 أرسل اليه ديوكلتيانوس هذه الكتيبة لنجدته... وبوصول الكتيبة الى ايطاليا، أرسل الامبراطور قسما الى حدود غاليا ليرابط هناك، وقسما آخر الى الحدود السويسرية ينتظر هناك استعدادا للطوارئ.
قبيل بدء المعركة كان لابد من أن تتم بعض الطقوس الدينية الوثنية طلبا لمعونة الآلهة للنصرة فى الحرب. لكن رجال الكتيبة رفضوا المشاركة فى هذه الممارسات الوثنية لانهم كانوا مسيحيين...
أمر الامبراطور بقطع رؤوس عُشر جنود الكتيبة بعد جلدهم، كنوع من الارهاب للباقين. لكن هؤلاء حرروا له رسالة وقعوا عليها جميعا جاء فيها:
«أيها القيصر العظيم، نحن جنودك، لكننا فى نفس الوقت عبيد الله. نحن ندين لك بالخدمة العسكرية، أما الله فندين له بولاء قلوبنا. نحن نأخذ منك الاجر اليومى، أما الله فسننال منه الجزاء الابدى... لا يمكننا بحال من الاحوال أن نطيع الاوامر المخالفة لله. اذا أتفقت احكامك مع أحكامه فنحن ننفذها، أما اذا تعارضت فلن نقبلها، اذ ينبغى أن يطاع الله أكثر من الناس... لسان ثوارا، فالاسلحة لدينا، وبها نستطيع أن ندافع عن أنفسنا ونعصاك، لكننا نفضل أن نموت أبرياء، على ان نعيش ملوثين. ونحن على أتم استعداد لتحمل كل ما تصبح علينا من أنواع التعذيب، لأننا مسيحيون، ونعلن مسيحيتنا جهارا».
وما أن قرا مكسيميانوس هذا الخطاب، حتى أمر بقتل عُشر باقى جنود الكتيبة... وعاود المحاولة معهم ليبخروا للآلهة، لكنهم أبوا... حينئذ احتدم غضبه، وأمر بابادة الكتيبة بأكملها اينما وجد افرادها... وهكذا أعمل الجند الرومان سيوفهم فى رقاب الضباط والجنود المصريين، ولم يبقوا على أحد منهم... وهكذا استشهدوا فى أماكن مختلفة: بعضهم فى بعض مدن شمالى ايطاليا، والبعض فى سويسرا، والبعض فى فرنسا... كان عدد جنود الكتيبة 6666. وقد استشهدوا قبيل الاضطهاد العام الذى أثاره الطاغيتان ديوكلتيانوس ومكسيميانوس.
● مذبحة اسنا:
بعد أن صدرت مراسيم اضطهاد ديوكلتيانوس، قام اريانوس والى انصنا بجولة فى الصعيد الاعلى، ليشرف بنفسه على تنفيذ أوامر اضطهاد المسيحيين. تردد على مدينة اسنا أكثر من مرة وفى كل مرة كان يخرج بمحصول: فى المرة الاولى استشهدت الام دولاجى وأولادها الاربعة، وفى المرة الثانية استشهد بعض أراخنة المدينة. وفى المرة الثالثة كانت المذبحة الكبرى.. فى هذه المرة كان الشعب مستعدا، ومشاعرهم معبأة خلف أسقفهم أنبا امونيوس، وأمضوا ليالى فى الصلاة، وتناولوا من الاسرار المقدسة.
لما دخل اريانوس مدينة اسنا فى هذه المرة الثالثة وجد المدينة خاوية – اذ كان الشعب مع اسقفهم فى الجبل يتعبدون فى دير الانبا اسحق. ثم وجد عجوزا نائمة على فراشها، لم يسمح لها سنها وصحتها بمصاحبة الشعب فسألها اين مضى أهل المدينة؟ فأجابته قائلة: انهم لما سمعوا بحضور أريانوس الوالى الكافر الى هنا ليقتل المسيحيين ويضطهدهم ويلزمهم بعبادة الاوثان، ذهبوا الى جبل أغاثون. فسألها: وأنت من تعبدين؟. أجابته: انى مسيحية أعبد السيد يسوع المسيح خالق السموات والارض. فأمر بأن تقطع رأسها بحد السيف، وأكملت شهادتها فى منزلها. وسميت تلك العجوز بالرشيدة لانها هى التى أرشدت أريانوس عن موضع أهل المدينة...
ثم أمر أريانوس جنده أن يقتلوا كل من يجدوه من المسيحيين، وهم فى طريقهم الى دير الانبا أسحق بالجبل. وفعلا قتلوا بعض الافراد... ولما وصل الوالى اليهم وجدهم مجتمعين مع الاسقف. فرفعوا صوتهم وقالوا بصوت واحد «نحن مسيحيون مؤمنون بالسيد يسوع المسيح خالق السموات والارض». فأمر الوالى جنوده أن يقتلوهم بالسيوف والرماح... فظلوا يقتلوهم حتى أفنوهم، وكانوا آلافا فى عددهم. وكان ذلك فى التاسع عش من أبيب. أما الاسقف فقد استشهد فى أنصنا بعد أن أخذه الوالى معه..
● مذبحة أخميم:
وفى جولته الانتقامية وصل أريانوس الى أخميم. وتصادف وصوله ليلة عيد الميلاد. وكان الشعب مجتمعاً فى الكنيسة ومعهم الانبا أباديون أسقف أنصنا، الذى صحبه مع أريانوس. وكان الاسقف يعظهم ويشجعهم بكلمات النعمة.
ولما علم أريانوس أن المسيحيين مجتمعين فى الكنيسة، ولم يهبوا لاستقباله ثار وغضب، وقام ومعه عدد كبير من الجند. وظلوا يقتلوا المسيحيين داخل الكنيسة، حتى جرى الدم من الكنيسة الى أزقة المدينة..
وما ان سمع الناس فى القرى والبلدان المجاورة بخبر هذه المذبحة، حتى سارعوا بالحضورا الى اخميم معلنين ايمانهم. وازدحموا حول أريانوس وكان الآباء والامهات يتسابقون فرحين قائلين «نحن ماضون الى ملكوت السموات»... وكانوا يقدمون أولادهم للسيف ويشجعونهم بقولهم «لا تخافوا فما هى الا برهة وتمضون الى العريس السمائى».. وان كنا لا نستطيع تقدير عدد من استشهد داخل الكنيسة وخارجها، لكنهم على أى حال يقدرون بالآلاف.
● مذابح انصنا:
واذا كان أريانوس والى أنصنا المكلف باضطهاد المسيحيين من قبل ديوكلتيانوس، قد صنع مذابح مروعة فى اسنا وأخميم، فلا شك انه بدأ بالمسيحيين فى بلدة أنصنا.. وقد أوردنا خبر هذه المذبحة فى كلامنا عن الانبا أباديون أسقف أنصنا[234].
وذك أنه فى زمان اضطهاده ديوكلتيانوس وشركائه، قتل حاكم انصنا، الانبا يوليانوس الاسقف ومعه خمسة آلاف راهب كانوا ساكنين فى الصحراء القريبة من المدينة[235].
● التسعة والاربعون شهيدا فى أبيتينا[236]:
استشهدت هذه المجموعة من الرجال والنساء سنة 304 ابان الاضطهاد الذى أثاره ديوكلتيانوس.. فعلى الرغم من الاوامر الامبراطورية بمنع الاجتماعات الدينية، فقد اجتمعت هذه المجموعة من المؤمنين فى بلدة أبيتينا Abitina فى شمالى افريقيان ليحتفلوا بالعشاء الربانى، فى بيت شخص يدعى فيلكس أوكتافيوس. وبينما هم يؤدون الشعائر، اذا بهم يفاجئون برجال الحكومة يحاصرونهم ويقبضون عليهم... فساروا فى الطريق ينشدون التراتيل والالحان الدينية بفرح، وعلى رأسهم داتيفوس وكان عضوا بمجلس شيوخ قرطاجنة، والقس ساترنينوس وأسرته. اعترفوا بايمانهم المسيحى. وقيدوا بالاغلال الحديدية، وأرسلوا الى قرطاجنة.
قدموا للمحاكمة أمام انيولينوس Anulinus بتهمة عقد اجتماع والاحتفال بالعشاء الربانى مخالفين الامر الامبراطورى. وتناولهم التعذيب واحدا بعد الاخر بقصد معرفة زعيمهم، فكان كل واحد منهم يحاول أن يلصق التهمة بنفسه... لانهم مسيحيون... وقد عذبوا بشدة حتى أن بعضهم مات تحت التعذيب، والبعض ماتوا جوعاً فى السجن.
وكان آخرهم صبياً يدعى ايلاريانوس ابن القس ساترنينوس. وكان قد شهد أباه وأحد ا خوته يعذبانه، وأخا ثانيا يضرب حتى يموت، وشقيقته عذراء المسئولية بطريقة ملتوية.. غير أن رد الصبى كان حاسما، اذا قال له «انى مسيحى وقد اشتركت فى الاجتماع بمحض ارادتى مع ابى وأخوتى». فأمر الوالى بايداعه السجن مع الباقى ممن حكم عليهم بالموت. وهنا دوى صوت الصبى فى ساحة المحكمة وهو يصبح «لك الشكر يا رب».
شهداء سبسطية الاربعون[(*)]:
حكم القائد الاعلى فى كبادوكية، فى جيش الامبراطور ليكينيوس سنة 320، بعد سلسلة من المحاكمات وهو التعذيب، على أربعين جنديا، رفضوا التقريب للآلهة، بأن يقضوا ليلة من ليالى الشتاء القارس البرد عراة، فى بحيرة تحمد ماؤها، قرب مدينة سبسطية بأرمينيا.. وكنوع من الاغراء، أقيم على مقربة من البحيرة حمام ساخن..
وحدث أن واحد من هؤلاء الاربعين – الذين ارتبطوا معا بميثاق الاستشهاد – ضعف احتماله، فزحف الى الحمام. غير أنه ما كاد الماء الساخن يلمس جسده حتى مات. وهنا خلع حارس الحمام ثيابه، والقى بنفسه فى البحيرة، لينال أكليل ذلك الجندى البائس، بعد أن كشفت له رؤيا. لقد رأى ملائكة يضعون أكاليل على رؤوس الشهداء التسعة والثلاثين. وأبصر ملاكا يحمل الاكليل الاربعين منتظرا من يتوجه به، بعد أن ضعف ذلك الجندى... وقد نال حارس الحمام ذلك الاكليل.
أخيرا سارع الموت اليهم فكسر الجنود سيقانهم... وفى الصباح كان الجميع قد اسلموا الروح ما عدا واحدا منهم يدعى ميليتو Melito. وكانت أمه واقفة تشهد المأساة. وحملت أجساد من أسلموا الروح الى عربة لنقلهم الى مكان حرقهم. فلما وجدت تلك الام أن جسد ابنها لم يحمل مع باقى الاجساد الى العربة (لانه كان لا يزال ينبض بالحياة)، حملته بين يديها، ووضعته مع أجساد زملائه، ليكمل شهادته، ويفوز باكليله.
تقييم الاستشهاد فى المسَيحية
والآن، بعد أن عرضنا للعذابات المروعة التى احتملها الشهداء، والميتات التى اقتبلوها، واعدادهم الضخمة من كل الشعوب والاجناس والطبقات والاعمار من الجنسين، والمعجزات التى صاحبت عذابهم واستشهادهم، وتأثير ذلك فيمن شاهدوهم... ما هو حكمنا على الاستشهاد فى المسيحية. هل كان نوعا من الجنون والجهل والحماقة، أم كان نوعا من الهروب من الحياة، أو نوعاً من الانتحار تحت ظروف قاسية، كما ادعى أعداء المسيحية!
لم يكن هكذا، بل كان ثقل مجد لاولئك الشهداء، وللسماء نفسها، وللمسيحية أولاً وأخيرا... والآن نعرض لكشف هذه النواحى.
الاستشهاد شهوة
كان احساس الشهداء والمعترفين بشرف تألمهم من أجل أنبل الاسباب – شركة آلام المسيح[238] – دافعاً لهم على الاستهانة بالعذاب والموت. بل قد تحول الاستشهاد لديهم الى ما يمكن ان نسميه، شهوة محببة. فكانوا يتقدمون الى الحكام والولاة والقضاة معلنين مسيحيتهم دون أن يبحث عنهم أحد، أو يستدعيهم، أو يقبض عليهم...
فبعد المذبحة المروعة التى عملها أريانوس الوالى فى أخميم، وبعد أن سرى خبرها الى البلاد المجاورة لأخميم، سارع الناس اليها ليلحقوا بركب الشهداء. وكان الآباء والامهات ومعهم أولادهم يتسابقون قائلين فى فرح «نحن ماضون الى ملكوت السموات»...
وقد أتيحت للبعض فرصة الهرب والتخلص من العذابات والموت، ومع ذلك رفضوا، مبرهنين على أشتهائهم الموت حبا فى المسيح، الذى سبقهم فى هذا الطريق... وقصص الشهداء مليئة بأمثال هذه اللفتات.
● فالقديس اندراوس الرسول عندما صلبوه حدثت زلزلة عنيفة فهرب صالبوه. وجاء أحباؤه لينزلوه عن الصليب فرفض، وعانق الصليب معلنا محبته للمسيح المصلوب. وكأنى بالقديس بولس يكشف هذه الشهوة حينما قال.
« وآخرون عذبوا ولم يقبلوا النجاة، لكى ينالوا قيامة أفضل» (عب 11: 35)).
● والقديس أغناطيوس الانطاكى الشهيد، الذى حكم عليه بأن يلقى للوحوش فى روما، يكشف لنا – وهو فى طريقه للاستشهاد – عن الشهوة العارمة التى كان يعتمل بها قلبه نحو الاستشهاد، والتى كشفتها رسالته الى أهل رومية[239].
● والعلامة أوريجينوس، الذى استشهد والده، اشتهى هو أيضاً ان يصير شهيدا، بل كانت تعتمل فى نفسه شهوة ملحة لسفك دمه من أجل الهه ويقول يوسابيوس عنه « ولأن غيرته المتأججة المتجاوزة حدود سنه لم تسمح له بالبقاء ساكنا، أرسل لابيه رسالة مشجعة عن الاستشهاد نصحة فيها قائلاً: «أحذر من أت غير موقفك بسببنا»[240]. وفى يوم ما، تملكت هذه الشهوة على ذلك الجندى المسيحى الصغير، ولم يطق البقاء فى بيته، ولم يذعن لتوسلات أمه، الا بعد أن أخفت ثيابه، وكان وهو فى الثامنة عشر رشيد أسرته بعد استشهاد والده... وقد سمح الله باستبقائه، من أجل نفعه الجزيل الذى قدمه لكنيسة المسيح.
ولعل كلماته الآتية تكشف عن نظرته للاستشهاد، قال «حينما ننظر الشهداء فى كل مكان متهمين، آتين من كل كنيسة ليقدموا للمحكمة، نرى فى كل منهم الرب نفسه يحاكم. كيف نشك فى ذلك، حينما نعرف من كلام الرب أنه ليس مجرد انسان عادى هو الذى يلقى فى السجن، ليحتمل البرد والجوع والعطش، بل هو نفسه الذى يتألم فى شخص المتألم ومن هنا، فانه حينما يحكم على مسيحى لمجرد أنه مسيحى، وليس لسبب آخر، أو جريمة أخرى فان يسوع المسيح هو الذى يحكم عليه فى شخصه. وتبعا لذلك، فانه يحكم عليه فى كل مكان فى الارض، حينما يتألم أناس على اسمه»[241]... هكذا نظر أوريجينوس والمسيحيون جميعا الى الاستشهاد كشركة آلام الرب.
● والقديس الانبا أنطونيوس أب الرهبان، اشتهى أن يصير شهيدا زمان الاستشهاد. ومن أجل تحقيق هذه الشهوة ترك وحدته فى الجبل ونزل الى الاسكندرية وكان يزور المعترفين فى السجن، يعزيهم ويقويهم... وقيل انه كان يلبس ثيابا بيضاء، ويقف فى الشوارع أثناء موكب الحكام، ملفتاً النظر اليه... لكن الله لم يسمح أن يصير شهيدا بسفك دمه، بل بنسكه، وحفظه لكى يكون أبا لكثيرين فى العالم كله، ممن أتبعوا خطواته...
● والقديس بيفام الاوسيمى، سأل عنه أريانوس حال وصوله الى أوسيم أما هو فصلى وقبل باب حجرته، وقال «السلام لك يا قيطونتى، التى تعبدت فيها لله الحى». ثم لبس أفخر الثياب ورشم ذاته بعلامة الصليب، وشد وسطه بمنطقة من ذهب، وركب حصانا وكان يقول «هذا هو يوم عرسى الحقيقى. هذا يوم فرحى وسرورى بلقاء ملكى والهى يسوع». وشجع أمه قائلا لها «يا أمى لا تبكى ولا تحزنى بل أفرحى، فان هذا هو يوم عرسى»... أمر الوالى أن تلقى أمه فى النار مع جمع كبير من المعترفين وودعها قائلاً «اذهبى الى النعيم يا أمى لأنه عن قليل الحق بك»... وأخيرا قطعت رأسه بحد السيف فى مدينة قاو[242] فى 27 طوبة.
● والانبا بسادة أسقف أبصاى بجوار اخميم، وهو مساق للاعدام شوهد مرتديا الثياب البيضاء الخاصة بالتقديس، فأقترب منه شاب شماس وسأله لماذا يرتدى الثياب البيضاء التى يرتديها حين ترفع القرابين. فكان جوابه «يا أبنى أنا ذاهب الى حفلة العرس، فكيف لا ألبس الملابس البيضاء»!
● وفى شمالى أفريقيا – فى الاضطهاد الذى أثاره فالريان (253 – 260) – قبض على مجموعة من المسيحيين وطرحوا فى السجن، وتحملوا أهواله شهوراً طويلة، واعترفوا جميعا بايمانهم المسيحى. واقر لوكيوس، ومونتانس، وجوليان، وفيكتوريكوس، أنهم من رجال الدين. وبناء على ذلك، حكم عليهم بالاعدام فورا، حسب تعليمات الامبراطور.
وكان معهم شاب يدعى فلافيان، اقر انه شماس. غير أن نفرا من اصدقائه وزملائه فى الدراسة من الوثنيين – رغبة فى انقاذه – اكدوا أن اعترافه باطل فأجل الوالى الحكم عليه.
وكان أن أحس بخيبة أمل كبيرة لحرمانه من تلك الرفقة الطيبة... وسبق الباقون الى مكان الاعدام. وقبل أن يعدم مونتانس رفع يديه للصلاة فى صوت مرتفع، سمعه الجميع مسيحيون ووثنيون وقال: «أن فلافيان – الذى عاقته محبة أصدقائه له – سوف يلحق بنا فى اليوم الثالث»... وكعهد لتحقيق صلاته، أمسك بالمنديل الذى كان على وشك أن يعصب به عينيه، وشقه الى نصفين، أعطى أحدهما للمسيحيين الواقفين حوله ليعصب به فلافيان عينيه بعد يومين. وكلف الاخوة أن يحتفظوا له بقطعة من الارض التى سيدفن فيها هو ورفاقه بها حتى لا ينفصل عنهم فى مماته...
وبعد يومين، دعى فلافيان. وكان اليوم الثالث أشبه بيوم البعث بالنسبه اليه. وأيقن أنه يغادر السجن الى غير رجعة. وعاد أصدقاؤه الوثنيون يتوسلون اليه أن يتخلى عن عناده قائلين، أنه من الحمق أن يترجى فرصا غامضة باهتة فى حياة أخرى... فكان رده أنه من الخير له أن يحتفظ بحرية ضميره، مقدما ذاته للذبح، عن أن يعبد حجرا... واقتيد الى مكان الاعدام... وهناك اعتلى مرتفعاً من الارض ليخطب الجمع الكبير من المسيحيين. وفى حديث قصير أعطاهم سلام الشركة مع الشهداء... ثم ترجل الى المكان المحدد، حيث عصب عينيه بنصف منديل مونتانس، وجثا ليصلى. وما أن أتم صلاته حتى تلقى ضربة السيف التى اطاحت برأسه[243].
● وفى قصة استشهاد القديسة أربسيما العذراء ومن معها من العذارى حدث أن الملك تريداته، أرسل بعض جنوده وقتلوا جميع العذارى اللواتى كن مع أربسيما، ما عدا عذراء منهن كانت مريضة راقدة فى كوخ بمفردها... وإذ لم يبصرها أحد، أو يفطن الى موضعها، خشيت أن تفوتها هذه الفرصة، فصاحت نحو الجند، فاتوا وقطعوا رأسها أيضاً[244].
● وفى مدة اضطهاد الملك الاريوسى فالنس Valens (364 - 378)، الذى أثاره ضد الارثوذكسيين، حدث أن والى بلاد ما بين النهرين (بالعراق)، نفى الاسقف والكهنة والشمامسة، الذين رفضوا الاشتراك مع الاسقف الجديد الاريوسى... فكان الشعب يخرج الى البرية ويصلى هناك... فأثار هذا التحدى الملك، وأرسل الى واليه بتشتيت اجتماعاتهم.
ففى ذات صباح خرج الوالى ومعه جنود كثيرون ليرهبوا الشعب وأثناء سيره فى المدينة شاهد امرأة مسكينة تخرج مهرولة من بيتها، وعلى يديها طفل، غير مبالية بغلق باب بيتها، مسرعة فى سيرها ومرت بين الجنود. لفت منظرها ومسلكها الوالى. فاوقفها وسألها:
«الى أين تمضين مسرعة يا امرأة؟ ».
أجابته: «انى ماضية الى الحقول حيث جميع المؤمنين».
قال لها: «الا تعلمين بأنه قد صدر أمر الملك بقتل جميع من يوجدون هناك؟ ».
قالت له: «نعم، أعلم ذلك، ولهذا أنا أجد فى السير لأبلغ هذا المكان خوفا من أن تفوتنى فرصة الاستشهاد».
قال: « ولم تأخذين هذا الطفل معك؟ ».
أجابته: «لكى يشترك معى فى هذا المجد».
وهكذا نرى أن الاستشهاد كان شهوة محببة يتوق اليها المسيحيون، ويرتمون فى احضانه.
الاستشهاد شجاعة
لم يكن الاستشهاد فى المسيحية رعونة، لكنه شجاعة مطلوبة... شجاعة كفضيلة. وقد أثرت هذه الشجاعة فى نفس القدس يوستينوس الفيلسوف الشهيد، حينما كان ما يزال وثنيا...
يقول: «فى الوقت الذى كنت استمتع فيه بمبادئ افلاطون. وفى الوقت الذى كنت أستمع فيه الى المصائب التى يكابدها المسيحيون، قلت لنفسى: حيث أنى رأيتهم لا يرهبون الموت، حتى وسط الاخطار التى يعتبرها العالم مرعبة فمن المستحيل أن يكونوا أناسا يعيشون فى الشهوة والجرائم»[245].
وكتب الشهيد كبريانوس أسقف قرطاجنة، يقول: «لقد انذهلت الجموع المشاهدة للحرب السمائية، الحرب الالهية، الحرب الروحية، معركة يسوع. لقد رأوا خدام يسوع ثابتين فى جرأة، بفكر مستسلم... محتملين سيوف العالم، لكنهم مؤمنون ومحصنون بأسلحة الايمان لقد كان المعذبون أكثر شجاعة من معذبيهم. اذ غلبت الاعضاء المضروبة الممزقة، الآلات التى ضربتها ومزقتها. لقد كانت السياط تكرر الجلدات بكل ما فى قوتها لكنها لم تقدر أن تهزم الايمان غير المنظور. لقد كان الدم يتدفق ليطفئ لهيب الاضطهاد ويبطل نيران جهنم، ويروى بذار الايمان المسيحى... ».
وفى قصص الشهداء التى قدمناها كنماذج، ما يدل على عظم شجاعتهم بصورة يعجز اللسان البشرى عن وصفها، حتى أن يوسابيوس المؤرخ يقول « ولم يكن المرء يتمالك نفسه من الدهشة أمام الثبات الذى لا يقهر، الذى أبداه هؤلاء المباركون (الشهداء)، والجلد الذى لا يتزعزع الذى أظهره أولئك الذين كانت اجسادهم لا تزال غضة فكنت ترى شابا لم يكتمل بعد الثانية والعشرين واقفا غير موثق، باسطا يديه على شكل صليب، بعقل غير متخوف، أو غير مرتعب، منشغلا فى صلاة حارة لله، دون ان يتراجع عن المكان الذى وقف فيه، بينما تكاد النمور والدببة تلمس جسده، وهى تنفث تهديداً وقتلاً. ومع ذلك ظلت أفواهها مغلقة (ولست أدرى كيف كان ذلك)، بقوة الهية لا تدرك، وعادت ثانية الى مكانها»[246].
ويقول المؤرخ المدقق دى برسنسيه De Pressense «لقد وقفت الشجاعة النبيلة التى تحلى بها المعترفون الحقيقيون بالايمان فى جلالها، ضد أسس الظلام التى للوثنية القاسية والارتداد الجبان. كان الشهداء أبطالا فى الكلام والعمل على السواء. وتكلم صوت الروح القدس القوى على أفواه الشهداء. ولم يعد السمو شيئاً غريبا على الكنيسة. انن نحس ونحن نقرأ. اجابات أكثر المسيحيين تواضعاً، أنهم كانوا عظماء فى بساطتهم، وأن الطبيعة البشرية أرتفعت فوق ذاتها، وانها ارتفعت فى القداسة بقوة الايمان فى وجود الخطر»[247].
ولقد كانت شجاعة المعترفين والشهداء المسيحيين، مثالا فريدا. لم يألفه العالم القديم بديكتاتورية حكامه. وكانت اجاباتهم التى قالوها بنغمة جديدة على سمع العالم وقتذاك. يقول يوستينوس الشهيد الفيلسوف: «لا شئ يستطيع ان يحولنا عن ايماننا. لا سيف القاتل، ولا صليب الضيق، لا أنياب الوحوش الضارية، ولا القيود، ولا النار، ولا العذاب بأى نوع بقدر ما يزيدوا آلامنا بقدر ما يزداد عدد المؤمنين، وبقدر ما يزداد عدد التلاميذ الذين ينحازون الى جانب المسيح»[248].
وفى اجابات المعترفين المسيحيين أمام الحكام ما يكشف عن عظم الشجاعة، التى لا ترهب الموت مقابل الصدق والحق[249]. وقف شاب يدعى أخاتيوس Achatius فى أزمير أمام حاكمها – زمان اضطهاد ديسيوس ليحاكم بتهمة المسيحية، قال للحاكم أنه لن يقرب القربان للامبراطور، لان القربان لا يرفع لمخلوق. وحين قال له الحاكم «إما تقديم القربان وإما الموت»، كان جوابه: «ان هذا أسلوب قطاع الطرق، فهم يخيرون المسافرين، بين تسليم نقودهم أو الموت»[250].
وفى ألوان التعذيب الذى احتملوه – والتى مجرد ذكرها يرعب الانسان – ما يدل على عظم شجاعة هؤلاء الشهداء. والمؤرخ المدقق لكى Lecky، بعد أن يعدد أنواع التعذيب المرعبة التى احتملها المسيحيون، يقول: «بين السجلات الصحيحة للاضطهادات الوثنية، هناك قصص تظهر بجلاء مدى عمق القسوة التى يمكن أن تنحط اليها الطبيعة البشرية، والمقاومة البطولية التى تبلغها.. من أجل محبة هؤلاء لسيدهم القدوس، ومن أجل ايمانهم، وحتى يظلوا أمناء، إحتمال الرجال وحتى الفتيات الصغيرات كل هذه الآلام دون أن يجفلوا أو ينثنوا بينما كانت كلمة واحدة منهم كافية لاطلاقهم وتخليصهم من كل هذه العذابات»[251].
الاستشهاد كرازة
دماء الشهداء بذار الكنيسة:
هذه العبارة المشهورة قالها العلامة ترتليانوس، الذىعاش وسط الاضطهادات، فى النصف الاخير من القرن الثانى، وكان من أكبر المتحمسين للاستشهاد... ولقد أثبتت الايام والسنين والاحداث صحة هذا القول... وقد قال أيضاً موجها كلامه الى الحكام الوثنيين: «استمروا فى تعذيبنا، أصحنوننا الى مسحوق، فان اعدادنا تتزايد بقدر ما تحصدوننا! ان دماء المسيحيين لهى بذار محصولهم. ان عنادكم هوفى ذاته معلم لأنه من ذا الذى لا يتحرك بالتأمل فيما تعملونه ليستعلم عن حقيقة الأمر. ومن ذا الذى بعد انضمامه الينا لا يشتاق الى التألم؟! ».
ان الاستشهاد بنتائجه برهان عملى لقول رب المجد: «ان لم تقع حبة الحنطة فى الأرض وتمت، فهى تبقى وحدها، ولكن ان ماتت تأتى بثمر كثير». (يو 12: 24)... هذا ما نراه عمليا، فحبة واحدة من الحنطة تدفن فى التربة، تأتى بسنابل مملوءة ثلاثين وستين ومائة... هكذا الكرمة أيضاً التى تُقلم تعطى ثمراً أكثر. وهو نفس المعنى الذى أراده رب المجد بقوله.
«أنا الكرمة الحقيقية وأبى الكرام. كل غصن فىّ لا يأتى بثمر ينزعه. وكل ما يأتى بثمر ينقيه ليأتى بثمر اكثر» (يو 15: 1).
، 2).
وفى ذلك يقول يوستينوس الشهيد فى دفاعه: «ها أنت تستطيع أن ترى بوضوح أنه حينما تقطع رؤوسنا، ونصلب، ونلقى للوحوش المفترسة، ونقيد بالسلاسل، ونلقى فى النار وكل أنواع التعذيب، أننا لا نترك ايماننا. بل بقدر ما نعاقب بهذه الضيقات، بقدر ما ينضم مسيحيون أكثر الى ايماننا وديانتنا باسم يسوع المسيح. ان الكرام يقطع أغصان الكرمة التى تحمل ثمارا، حتى تنمو أغصان اخرى. وهذا يصيرها أكثر حيوية وأكثر اثمارا. وهذا ما يحدث معنا. فالكرمة التى غرست بواسطة الله مخلصنا يسوع المسيح، هى شعبه».
والعجيب أن الرب يسوع ارسل تلاميذه كحملان بين ذئاب (لو 10: 3)!!.. كيف هذا.. ألا يخشى الله أن تفتك الذئاب بالحملان؟ كلا، انها لا تفتك بها، بل ان ما يحدث هو العكس فالحملان تحول الذئاب الى حملان مثلها.
يقول القديس اغسطينوس: «تاملوا يا أخوتى ماذا يفعل يسوع... ان ذئبا واحدا لو ألقى بين غنم كثيرة، ولو بلغوا عدة آلاف، لارتعب القطيع كله على الرغم من عدم قدرة الذئب على افتراس الكل، لكن الكل يخافونه... فأى مشورة، واى تدبير، وأية قوة هذه، حتى لا يلبث الله ذئبا وسط الغنم، بل يرسل غنما وسط الذئاب!! انه لا يقترب بهم نحو الذئاب، بل فى وسط الذئاب.. لقد كان هناك قطيع من الذئاب وقلة من الغنم، فعندما افترست الذئاب الكثيرة الغنمات القليلة تحولت الذئاب الى غنم.
لقد آمن كثيرون بسبب آلام الشهداء وموتهم، بما صاحب استشهادهم من معجزات، وما اظهروه من ثبات واحتمال وصبر... ولقد أوردنا كثيرا من هذه الامثلة، وسجل الشهداء حافل بقصص الايمان... وقد لا أكون مبالغاً إن قلت، ان الايمان المسيحى انتشر باستشهاد القديسين، أكثر مما انتشر بتعليم المبشرين... فالدماء روت بذار الايمان فصارت دوحات عظيمة، استظل بها كثيرون...
لقد كسب المسيحيون الأوائل للمسيح كثيرين، وقد نالوا هذا الكسب بموتهم اكثر مما نالوه بحياتهم أو معجزاتهم. وكما ينمو الحشيش اكثر كلما يجز، هكذا المسيحيون كانوا ينهضون بقوة جديدة كلما كانوا يحصدون[252].
الاستشهاد برهان عملى على صدق الديانة المسيحية
يقول المؤرخ الكبير شاف Schaff «نحن لا نعرف ديانة اخرى استطاعت ان تصمد لفترة طويلة – ثلاثة قرون تقريبا – فى مقاومة متصلة من التعصب اليهودى، والفلسفة الاغريقية، والسياسة الرومانية وقوتها. وما من ديانة اخرى كان يمكنها أن تنتصر فى النهاية على اعداء كثيرين، بالقوة الادبية الروحية وحدها، ودون الاستعانة بأية وسائل مادية لمساندتها»[253].
اليس فى هذا اتمام لأقوال الرب يسوع ومواعيده التى سلمها لتلاميذه.
«يلقون أيديهم عليكم، ويطردونكم ويسلمونكم الى مجامع وسجون، وتساقون امام ملوك وولاة لأجل اسمى، فيؤول ذلك لكم شهادة. فضعوا فى قلوبكم أن لا تهتموا من قبل لكى تحتجوا. لأنى اعطيكم فما وحكمة لا يقدر جميع معانديكم أن يقاوموها أو يناقضوها. وسوف تسلمون من الوالدين، والاخوة والأقرباء، ويقتلون منكم. وتكونون مبغضين من الجميع من أجل اسمى» (لو 21: 12 - 17)).
.. ألم يتم كل هذا حرفيا؟.
ان حوادث الاستشهاد مليئة بالأمثلة التى أوردناها كعينات على ذلك... أما النصرة النهائية فهى اتمام لوعده:
«فى العالم سيكون لكم ضيق، ولكن ثقوا أنا قد غلبت العالم» (يو 16: 33)).
هكذا رأينا فى سير الشهداء ان المسيح نفسه كان يظهر لبعض الشهداء، سواء بشخصه، أو بواسطة ملائكته، أو قديسيه، يعزى هؤلاء الشهداء ويقويهم... هكذا خرجت الكنيسة منتصرة فى النهاية بعد حرب ضروس، خاضت معاركها اتمام لقوله: «كل آلة صورت ضدك لا تنجح. وكل لسان يقوم عليك فى القضاء تحكمين عليه» (أش 54: 17).
كيف يمكن تعليل المعجزات التى حدثت وقت تعذيب الشهداء؟.. كيف يعود الانسان سليما معافى بعد تقطيع أعضائه، وتهرؤ لحمه؟ كيف تتخلى الوحوش الضارية الجائعة على طبيعتها، فلا تمس الشهداء ولا تقربهم؟! كيف يفقد السم تأثيره على شهداء المسيح ولا يضرهم؟
كيف يحدث هذا، الا اذا كان ذلك اتمام لكلمات رب المجد:
«ها أنا أعطيكم سلطانا لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو، ولا يضركم شئ» (لو 10: 19)).
..
« وهذه الآيات تتبع المؤمنين، يخرجون الشياطين باسمى يحملون حيات. وان شربوا شيئاً مميتا لا يضرهم... » (مر 16: 17).
، 18).
الاستشهاد برهان عملى على الفضائل المسيحية
كما تختبر المعادن بالنار، كذلك تختبر الفضائل بالآلام والضيقات... كانت الاضطهادات العنيفة التى قاستها المسيحية، برهانا على أصالة فضائلها فقد يتكلم الانسان كثيرا عن الفضائل لكن هذا لا يعنى انه إنسان فاضل، إلا إذا برهن على الفضيلة عمليا بحياته، وبخاصة فى محنة آلامه. وقد اثبت الاستشهاد أصالة الفضائل التى نادت بها المسيحية، متجسدة فى اشخاص الشهداء، الذين لم تستطع الآلام المبرحة ان تجعلهم يتخلون عنها وكبرهان على ذلك، نستعرض بعض الفضائل:
الثبات والاحتمال:
يقول العلامة ترتليانوس فى خاتمة دفاعه، موجها كلامه الى حكام الامبراطورية الرومانية وقضاتها «كثيرون من كتابكم يحثون على التشجيع فى احتمال الالم والموت. ومن أمثلهم شيشرون وسينكا وديوجنيس، وبيرهوس، وكلينكوس. ومع ذلك لا تجد كلماتهم أتباعا كثيرين، على نحو ما تجد المسيحية. فالمعلمون ليسوا بكلماتهم، بل بأعمالهم.
وهذه الصلابة التى تعيرونها هى تعلمكم. لانه من ذا الذى يتأملها ولا يتحرك ليستفسر ما هى نهايتها؟ ومن ذا الذى بعد أن يستفسر لا يعتنق مبادئنا؟ وبعد أن يعتنقها، لا يشتاق الى التألم حتى ما يصير شريكا لكمال نعمة الله؟! ».
الوداعة:
لقد أثبت المعترفون والشهداء بلا استثناء وداعتهم مقابل أعدائهم.. لم يثوروا ولم يتمردوا ومنهم الجنود والقواد والحكام... كان يمكنهم أن يفعلوا شيئاً لكنهم لم يفعلوا... وكانت أعدادهم ضخمة كافية لاثارة شغب.
وعلى سبيل المثال نذكر الكتيبة الطيبية التى كانت تضم أكثر من ستة آلاف جنديا، واستشهد افرادها عن آخرهم. لقد قالوا فى رسالة وقعوها ورفعوها الى الامبراطور مكسيميانوس: «أيها القيصر العظيم اننا جنودك، لكن فى الوقت نفسه عبيد الله... لسنا ثوارا، فالاسلحة لدينا، وبها نستطيع ان ندافع عن أنفسنا ونعصاك، لكننا نفضل أن نموت أبرياء، على أن نعيش ملوثين. ونحن على أتم استعداد، أن نتحمل كل ما تصبه علينا من أنواع التعذيب، لأننا مسيحيون، ونعلن مسيحيتنا جهارا... »[254].
محبة الأعداء:
أما عن محبتهم لاعدائهم فهى واضحة كل الوضوح.. كانوا يحبونهم ويصلون لاجلهم، اتماما لوصية معلمهم:
«أحبوا أعداءكم، أحسنوا الى مبغضيكم... وصلوا لاجل الذين يسيئون اليكم» (لو 6: 27).
، 28)... لقد اتم المسيحيون هذه الفضيلة ككنيسة وكأفراد.. فاستفانوس أول شهداء المسيحية، بينما كانوا يرجمونه جثا على ركبتيه وصرخ بصوت عظيم:
«يا رب لا تق لهم هذه الخطية» (أع 7: 60)).
وقد اورد لنا يوسابيوس المؤرخ قصة شهيد فى قيصرية يدعى بولس. هذا طلب مهلة وجيزة بينما كان الجلاد على وشك قطع رأسه. ثم رفع صوته مصليا من أجل زملائه المسيحيين، ومن أجل اهتداء اليهود، والامم الذين يعيشون فى الضلال، ومن أجل الجماهير الواقفة حوله، وتوسل من أجل القاضى الذى حكم عليه بالموت، ومن أجل الحكام. وكذا من أجل الشخص الذى كان مزمعا أن يقطع رأسه، طالبا أن لا تحسب عليهم خطيتهم من نحوه[255].
وفى خبر استشهاد القديسة صوفية[256]، ان الوالى عذبها عذابا شديدا بضربها بأعصاب البقر وكوى مفاصلها وقطع لسانها لأنها كانت تصيح تحت الآلام وتقول «أنا مسيحية» وقبيل أن تقطع رأسها، صلت الى الله صلاة طويلة، وسألته أن يسامح الوالى وجنده بما فعلوه معها، ثم أحنت عنقها للسياف.
ولم يتردد الشهداء فى أن يظهروا حبهم لمعذبيهم ومضطهديهم عملياً.
فالقديسان قزمان ودميان، صليا لاجل الوالى الذى اعتراه روح نجس بسبب تعذيبه للشهداء، فشفى للوقت[257] والقديس أبيما شفى أرمانيوس والى الاسكندرية الذى أذاقه ألوانا من العذاب. شفاه من صمم وعمى، كان قد أصيب بهما قصاصا لتجديفه على الرب[258] والقديس أباكلوج القس أقام ابن أريانوس الوالى بعد أن مات[259].
العفة والطهارة:
اما عن فضيلة العفة والطهارة، فقد كانت واضحة كل الوضوح فى حياة الشهداء، بل أظهروا تمسكهم بها حتى الموت. وقد أوردنا عدة أمثلة على ذلك[260].
الزهد فى العالميات:
وقد باعدوا بينهم، وبين محبة العالميات فى أية صورة من صورها.. فلقد صودرت أموالهم وممتلكاتهم وفصلوا من وظائفهم، ومن مشاركة الحياة العامة، وحتى الحمامات العامة، منعوا من استخدامها... والبعض عاش بعيدا عن الاعين كالذين عاشوا فى سراديب روما السحيقة... وقد فعلوا كل ذلك عن اختيار ودوافع شخصية عملا بالمبادئ التى آمنوا بها...
الشوق الى السماويات:
وبقدر ما زهد المسيحيون فى العالميات، بقدر ما اشتاقوا الى السماويات. لقد عاشوا فى العالم، لكن تطلعهم الدائم كان نحو السماء وامجادها... عاشوا فى الجسد وكأنهم أرواح بلا أجساد.. لقد جعلوا كنزهم فى السماء، ولذا كانت قلوبهم هناك... لقد أثبتوا عمليا صدق الرب:
«لستم من العالم» (يو 15: 19)).
..
ولقد اورد لنا يوسابيوس المؤرخ قصة عجيبة توضح هذا الامر... مثل خمسة شهداء مصريين أمام القضاء فى مدينة قيصرية بفلسطين، بتهمة مرافقة المعترفين الذين يعملون فى مناجم كيليكية وتشجيعهم. ولما سئلوا عن اسمائهم لم يذكروا أسماءهم الحقيقية، بل ذكروا أسماء من الانبياء، لان أسماءهم الحقيقية كانت أسماء وثنية، أطلقها عليهم آباؤهم. فأطلقوا على أنفسهم أسماء ايليا، وأرميا، وأشعياء، وصموئيل، ودانيال...
ولما سئل أحدهم عن وطنه أجاب «أورشليم» وكان يعنى أورشليم السمائية التى قال عنها الرسول بولس انها.
«أمنا جميعاً» (غل 4: 26)).
ولما كان القاضى لا يعرف مدينة بهذا الاسم[261]، أمر بتعذيبه، لكنه أكد أنه لم يتكلم سوى الصدق.. واذ سئل مرارا عن المدينة التى تحدث عنها، قال أنها وطن الاتقياء فقط.. ويقول يوسابيوس « وقد تحدث عن هذه الامور، بفلسفة وفوق ادراكه. ولم يستطيعوا أن يزحزحوه قيد شعرة بالتعذيبات... ولم تظهر عليه علامات الشعور بالآلام، كأنه لم يكن له لحم وجسم. واذ تحير القاضى، لم يطق صبرا، ظانا أن المسيحيين مزمعون أن يؤسسوا مدينة فى مكان ما، معادية للرومان. فأستعلم كثيرا عن هذا.. ولما وجد أنه لم يتزحزح عن أصراره، حكم عليه بالموت... وبعد تعذيب الباقين تعذيباً مماثلا، تصرف معهم بنفس الكيفية»[262].
[96] - يوسابيوس 8: 16.
[97] - يوسابيوس 8: 14.
[98] - كان باسيليدس وبوتامينا من تلاميذ أوريجينوس. وذكر عن بوتامينا أنها كانت أمه (عبدة)، ولأن سيدها عجز عن أن يجعلها ترضح لشهوات، أتهمها أمام الوالى بأنها مسيحية. ورشاه لكى يزيد من تعذيبها لعلها تنشئ عن عزمها بتعذيبها. وبذلك تعود اليه، والا حكم عليها بالموت. (يوسابيوس 6: 5).
[99] - Schaff, vol. 2, p. 362.
[100] - لا شك أن يتخلص انسان من حياته عمل خاطئ لا تقره المسيحيه. لكن هناك اعتبارات خاصة يجب ادخالها فى حسابنا، ونحن نقيم هذا العمل. لقد كان الذين أقدموا على هذا التصرف، يحاكمون أصلاً بتهمة مسيحيتهم. وكانت النتيجة النهائية معروفة وهى الموت. لكن الحكام الوثنيين لجأوا إلى عقوبة الدنس لسببين: أولهما لمعرفتهم أن الدنس بالنسبة للمسيحيين أبشع من الموت ذاته. فربما تحت شبح الفزع من هذا الشر المحقق يتراجع بعض المسيحيين وينكرون. وثانيهما اكتشافهم أن سرّ قوة المسيحيين هو فى احتفاظهم بطهارتهم. لذلك فقد حاولوا تحطيم هذه الناحية، لعل المسيحيين يضعفون بعد أن ينشط فيهم الجسد للذة، وبالتالى يرتدون عن إيمانهم. وبالنظر لهذه الأفكار والاعتبارات والدافع النبيل الذى دفع قلة من المسيحيين للإقدام على التخلص من الحياة – من أجل احتفاظهم بعفتهم وطهارتهم فضلا عن مسيحيتهم – فقد اعتبر بعض آباء الكنيسة هذا العمل مشروعاً بل ومحيداً، واعتبروا من أنهى حياته بهذه الطريقة شهيدا ومن هؤلاء الآباء يوحنا ذهبى الفم، وكبريانوس أسقف قرطاجنة الشهيد ويوسابيوس المؤرخ الكنسى. كما يوافق عليه القديس اغسطينوس فى كتابه مدينة الله بشرط أن يدعو اليه اعلان خاص.
[101] - يوسابيوس 8: 12.
[102] - يوسابيوس 8: 14.
[103] - يوسابيوس: شهداء فلسطين 8.
[104] - Les Saints d’Egypte T. Tome 2, pp. 96, 97 (après S. Athanase Apologie de Fuga 6).
[105] - سنكسار يومى 5، 28 بابة.
[106] - سنكسار 6 بؤونة.
[107] - سنكسار 23 مسرى.
[108] - Dictionary of Christian Antiquities, vol. 2, p. 1126.
[109] - أوردنا صورة هذه الشهادة فى كلامنا عن اضطهاد ديسيوس.
[110] - Mason: Historic Martyrs of the Primltlve Church.
[111] - Cyp. Ep. 22: 2.
[112] - Mason: Historic Martyrs of the Primitive Church.
[113] - De Pressense: The Early years of Christianity, vol, 2, ch. 2.
[114] - Origen: Ad Martyrum p. B2.
[115] - تناولنا هذا الموضوع فى موضع آخر من الكتاب.
[116] - De Pressense, vol. 2, pp. 83. 84.
[117] - Dictionary of Christian Antiquities, vol. 2, p. 1125.
[118] - Tertullian: Apol. Ch. 2.
[119] - Tertullian: Apol. , ch. 2.
[120] - يوسابيوس 5: 1.
[121] - Mason: The Historic Martyrs of the Primitive Church.
[122] - Mason: The Historic Martyrs of the Primitive Church.يوسابيوس 5: 21.
[123] - يوسابيوس 8: 9، 10.Mason: The Historic martyrs of the Primitive Church.Poul Chenau d’Orbieus: Lès Saints d’Egypte, Tome 1, pp. 271 - 278.
[124] - Mason: The Historic Martyrs of the Primitive Church.Dictionary of Christian Biography vol. 4, p. 355.
[125] - Patrologia Orientalls: st. severe d’Antioch;Mason: The Historic martyrs of the Primitive Church.
[126] - Dictionary of Christian Biography vol. 4, p. 781.
[127] - لما فيها من طقوس دينية وثنية تتعب ضمير المسيحى.
[128] - Mason: The Historic Martyrs of the Primitive Church.
[129] - Les Saints d’Egypte Tome 2, pp. 3 - 10.
[130] - Les Saints d’Egypt; Dictionary of Christian Biography V. 3. P. 3.
[131] - سيرة الشهيد يوليوس الاقفهصى. مخطوطة 226 بدير السريان.
[133] - كانت تعرف قديماً باسم انجليزى Antinoe، والآن قرية الشيخ عبادة مركز ملوى. ظلت أسقفيتها قائمة حتى منتصف القرن 14 ثم تخربت تماما فى زمان صلاح الدين الأيوبى. وهى مدينة استشهاد بعض مشاهير القديسين.
[134] - Les Saints d’Egypte Tome 2, pp. 174 - 176.
[135] - أنظر ص 187 بهذا الكتاب.
[137] - سنكسار رينيه باسيه.
[138] - كانت مدينة عظيمة وعاصمة لكل مصر السفلى وعلى بعد ميل من فرع شطانوف الشرقى.
[139] - السنكسار تحت يوم 14 بشنس.Les Saints d’Egypte T. 2, pp. 471 - 475.
[140] - كانت تسمى فى عهد الفراعنة بيرومى Peromi ومعناها قرية الطين. ومحلها الآن بلدة التينه شرقى بورسعيد. وكام موقعها خطيرا وكانت تعتبر مفتاح مصر.
[141] - مدينة القيس كانت قديما مقرا لأسقفية، وحاليا قرية صغيرة قرب بنى مزار.
[142] - راجع ص 166 بالكتاب.
[143] - Dictionary of Christian Biography vol. 1, p. 691.
[144] - Mason: The Historic Martyrs of the Primitive Church.
[145] - أنظر هذا الكتاب ص 187.
[146] - أنظر هذا الكتاب ص 177.
[147] - أنظر هذا الكتاب ص 194.
[148] - أنظر هذا الكتاب ص 164.
[149] - النسكسار – مخطوطة 270 ميامر بدير السريان.
[150] - صا الحجر أو مدينة سايس، كانت عاصمة الدلتا فى عهد أبسماتيك (الاسرة الفرعونية 26). كانت تقع على فرع رشيد جنوبى فوه.
[151] - قرب مدينة الزقازيق الحالية.
[152] - سنكسار 14 كيهك.
[153] - سنكسار 22 توت.
[154] - سنكسار 27 برمودة – مخطوطة 259 ميامر بدير السريان.
[155] - أنظر ص 141 تحت باب محاكمات الشهداء وأحاديثهم الخالدة.
[156] - أنظر ص 171.
[157] - أنظر ص 169.
[158] - مخطوطة 220 / 155 (أ) بالمتحف القبطى.
[159] - سنكسار 27 هاتور.Dictionary of Christian Biography vol. 3, p. 336.
[160] - سنكسار 25 هاتور.
[161] - Dictionary of Christian Biography vol. 2, pp. 645 - 648.
[(*)] تقول احدى الروايات أن أثناسيوس الساحر آمن بالمسيح بعد أن شرب مارجرجس السم الذى أعده هذا الساحر ولم يؤثر فيه.
[163] - Lactantius: de Mortibus Persecutorum, cc. 39 - 41, 50. 51.
[164] - سنكسار 20 أبيب، مخطوطة 274 ميامر بدير السريان وضعه البابا الاسكندرى بنيامين 38.
[165] - الشهيد المصرى مارمينا العجايبى: كنيسة مارمينا بفلمنج (سنة 1963).
[166] - الجزائر الحالية تقريباً.
[167] - السنكسار مخطوطة 268 ميامر بمكتبة دير السريان ميمر كتبة تاوضروس رئيس أساقفة انطاكية.Dictionary of Christian Biography vol. 4, pp. 956 - 957.
[168] - سنكسار 7 بؤونة.
[169] - عن مخطوطة بكنيسة تلا بالمنيا.
[170] - أنظر هذه المناقشة ص 140.
[171] - يوسابيوس 4: 15.
[172] قسم بدئ فى استخدامه منذ عهد يوليوس قيصر – انظر.Documents of the Christian Church – Genius Caesaris, p. 14.
[173] - Martyrum Polycarpi; (Documents of the Christian Church. Pp. 12 - 16).
[174] - يوسابيوس 5: 1.
[175] - Les Saints d’Egypt. Tom. 2. Pp. 570 - 577.
[176] - ابصاى مدينة بصعيد مصر. كانت تعرف فى العصر البطلمى باسم بتولومايس وحاليا المنشأة شرق بجوارأخميم.
[177] - سنكسار طبعة رينيه باسيه تحت يوم أول أمشير.
[178] - هو أحد قادة جيش ديوكلتيانوس المتقاعدين. كان مسيحيا وجحد ايمانه تذلفا لسيده.
[179] - عن مخطوطة رقم 16 بمكتبة كنيسة العذراء الاثرية بزويلة، تاريخها 1426 سنة.
[180] - عن مخطوطة بكنيسة تلا بالمنيا.
[181] - عن مخطوطة ببيعة الشهيد ببردنوها 1567 سنة.
[182] - يوسابيوس 5: 1.
[183] - يوسابيوس: شهداء فلسطين 1.
[184] - يوسابيوس: شهداء فلسطين 2.
[185] - Lea Saints d’Egypte Tome 1. Pp. 577 - 585.
[186] Dictionary of Christian Biography vol. 3. P. 482; Lea Saints d’Egypte Tome. 1. P. 309.
[187] - سنكسار 22 هاتور.
[188] - سنكسار 6 أمشير.
[189] - سنكسار 29 بؤونة.
[190] - سنكسار 24 بؤونة.
[] مخطوطة بالمتحف القبطى 95 / 474 ميامر تاريخها 1075 سنة / 1358م.
[192] - سنكسار 8 كيهك.
[193] - سنكسار أول أبيب.
[194] - سنكسار 8 برمودة.Dictionary of Christian Biography vol. 3, p. 284.
[195] - Dictionary of Christian Biography Vol. 4. Pp. 882 - 896 Patrologea Orientalis; St. Severe d’Antioch.
[196] - أع 13: 51.
[197] - يوسابيوس: شهداء فلسطين 7.
[198] - سنكسار 30 طوبة. ومعنى هذه الأسماء على التعاقب [ايمان، رجاء، محبة].
[199] - يوسابيوس 5: 1.
[200] - Mason: The Historic Martyrs of the Primitive Church.
[201] - سنكسار 11 أبيب،.Dictionary of Christian Biography Vol. 1. P. 756.
[202] - مخطوطة 220 / 155 (أ) بالمتحف القبطى.
[203] - Dictionary of Christian Biography Vol. 1, p. 62.
[204] - Mason: The Historic Martyrs of the Primitive Church; Dictionary of Christian Biography Vol. 1. P. 881.
[205] - سنكسار 4 بؤونة تحت اسم سينوسيوس – مخطوطة 267 بدير السريان.
[206] - مركز السنطة الحالى.
[207] - مخطوطة 266 ميامر بدير السريان.
[208] - سنكسار رينيه باسيه، نحت اليوم العاشر من شهر كيهك.
[209] - Mason: The Historic Martyrs of the Primitive Church.
[210] - سنكسار 7 توت.
[211] - جزء من مدينة دمنهور الحالية.
[212] - Dictionary of Christian Biography Vol. 4, p. 755.
[213] - Les Saints d’Egypt,Tome 1. pp. 511 - 517; Mason: The Historic Martyrs of the Primitive Church.
[214] - أنظر ص 113.
[215] - يوسابيوس: شهداء فلسطين 4.Mason: The Historic Martyrs of the Primitive Church.
[216] - Mason: The Historic Martyrs of the Primitive Church.
[217] - يوسابيوس: شهداء فلسطين 3.
[218] - سنكسار 14 بشنس.
[219] - سنكسار 18 برمهات.
[220] - سنكسار 12 أبيب.
[221] - Clement; Strom. 4: 8, 62 (De pressense, Vol. 4, p. 449).
[222] - De Pressense Vol. 4. P. 439.
[223] - يوسابيوس 5: 1.Dictionary of Christian Biography Vol. 1. Pp. 318, 319.
[224] - Schaff: Vol. 2. pp. 712 - : De pressense, Vol. 2. ;Dictionary of Christian Biography Vol. 3, pp. 560.يوسابيوس 4: 16 - 18.
[225] - Justin: Apal, 12: 2, 13.
[226] - Justin: Dialogue 2: 8.
[227] - يوسابيوس: شهداء فلسطين 7، 11.Dictionary of Christian Biography Vol. 4, pp. 178, 179.
[228] - أنظر ص 187.
[229] - أنظر ص 177.
[230] - أنظر ص 194.
[231] - أنظر ص 164.
[232] - سنكسار 9 بؤونة.
[233] - Lea Saints d’Egypte T. , pp. 344 - 348, 358.Dictionary of Christian Biography Vol. 3, pp. 641 - 644.
[234] - أنظر ص 204.
[235] - أنظر ص 218.
[236] - Dictionary of Christian Biography Vol. 1, p. 790; Vol. 3, p. 52;Mason: The Historic Martyrs of the Primitive Church.
[(*)] - Mason: The Historic Martyrs of the Primitive Church. Dictionary of Christian Biography Vol. 2, pp. 556, 557.
[238] - فى 3: 10.
[239] - أنظر ص 196.
[240] - يوسابيوس 6: 9.
[241] - أوريجينوس فى تفسيره لسفر أرميا 14: 8.
[242] - مخطوطة 103 / 480 تاريخ بالمتحف القبطى.
[243] - Mason: The Historic Martyrs of the Primitive Church.
[244] - سنكسار 29 توت.
[245] - Justin: Apol. 2: 12, 13.
[246] - يوسابيوس 8: 7.
[247] - De Pressense Vol. 2, ch. 2.
[248] - Justin: Dialogue with trypho.
[249] - انظر فصل محاكمات الشهداء وأحاديثهم الخالدة.
[250] - Mason: The Historic Martyrs of the Primitive Church.
[251] - Lecky: History of European Morals, Vol. 1.
[252] - Watson: Defenders of the faith.Tertullianus: Ad Scapulam, ch. 5.Justin: Apol. 2: 12, 13; Tert. Apol, ch. 50.
[253] - Schaff, Vol. 2, p. 77.
[254] - انظر ص 254.
[255] - يوسابيوس: شهداء فلسطين 8: 9 - 12.
[256] - سنكسار 5 توت.
[257] - انظر ص 178.
[258] - انظر ص 243.
[259] - انظر ص 207.
[260] - انظر ص 111.
[261] - كان اسم أورشليم قد عفت عليه السنون منذ زمان، بعد ثورة باركوكبا فى عهد الامبراطور تراجان، الذى أسس فى مكانها مستعمرة آيليا كابيتولينا.
[262] - يوسابيوس: شهداء فلسطين ف 11.
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.
- لمسة وفاء لمثلث الرحمات السراج المنير والبستان المثمر نيافة الأنبا يوأنس
- تصدير
- مقدم الطبعة الثانية
- من هو المسيحى؟
- مفهوم جديد للألم
- اضطهاد اليهَوُدية للَمَسيحَة
- الباب الأول: اضطهاد اليهودية للمسيحيين
- الباب الثانى: روما الإمبراطورية الوثنية
- الباب الثالث: مع الشهداء الأبطال
- الباب الرابع: مع الكنيسة الساهرة