مفهوم جديد للألم

مفهوم جديد للألم

الحب والألم:

المسيحية هى ديانة الحب... الحب الخالص، الحب الباذل... الحب الذى يستهين بكل شئ، ويتخطى كل الصعاب، ويصبر على كل الضيقات.

والمسيحية هى ديانة الحب... فألهها هو الحب ذاته (1يو 4: 8)، ويتميز أتباعها عن غيرهم بالمحبة (يو 13: 35)، حتى أن من يثبت فى المحبة يثبت فى الله، والله يثبت فيه. وكل من لم يعرف المحبة، لم يعرف الله (1يو 4: 8).

وإذا كانت المسيحية هى المحبة فى أبهى صورها، فهى أيضاً الالم فى مفهوم جديد، ومذاق جديد، لغرض مجيد...

هكذا صار الصليب علامة المسيحية وفخرها، وعنوان التلمذة المسيحية، وسر قوتها ومجدها. بل صار شرطاً أساسياً للتلمذة للرب.

«ان اراد أحد أن يأتى ورائى فلينكر نفسه، ويحمل صليبه ويتبعنى» (مت 16: 24)).

فى شخص رب المجد يسوع، سعى الحب نحو الألم، ليستخلص من براثنه من إقتنصهم، ويحرر من سلطانه من سباهم وأذلهم... وهكذا تغير مفهوم الألم فى المسيحية، وتغيرت مذاقته، وأصبح صليب الألم شعار المجد والغلبة والنصرة، بل الموصل اليها. وصدق من قال «أينما وجد الصليب وجدت المحبة، لأنه هو علامة الحب الذى غلب الموت وقهر الهاوية، واستهان بالخزى والعار والألم»...

الألم هبة روحية:

هكذا – بالمسيح وفيه – تبدلت صورة الألم وفعاليته ومذاقته، فارتفع الى مستوى الهبة الروحية « وهب لكم لأجل المسيح لا أن تؤمنوا به فقط، بل أن تتألموا أيضاً» (فى 1: 29)... والرب يسوع يحصى الضيقات ضمن البركات التى يعوض بها، كل من ترك مقتنياته وتبعه (مر 10: 28 - 30).

شركة مع الرب:

لقد غداً الألم فى مفهومه الجديد، شركة مع الرب المتألم.

«ان كنا نتألم معه، لكى نتمجد أيضاً معه» (رو 8: 17)).

.. «لأعرفه وقوة قيامته، وشركة آلامه متشبهاً بموته» (فى 3: 10)... وأيضاً قول الرسول بولس.

«أكمل نقائص شدائد المسيح فى جسمى لأجل جسده الذى هو الكنيسة» (1كو 1: 24)).

لذة الألم:

وهكذا أضحى الألم متعة روحية، وغدا الموت كأساً لذيذاً يرتشفها المؤمن سعيداً راضياً، ويسعى اليها جاهدا عن حب، بل ويسأل الله مصليا يتعجلها... ولا عجب، فقد تحول الموت من شئ مرعب مخيف، الى صديق محبوب أليف...

وفى مجال تغير المفاهيم الروحية، أضحت الحياة الدنيا قصيرة المدى، غربة وقتية، وثوباً بالياً يرنو المؤمن الى خلعة ليلبس عوضاً عنه ثوباً لا يفنى ولا يتدنس ولا يضمحل (1بط 1: 4).

قمة الحب:

لا عجب اذن، ان ظفرت المسيحية بسجل حب حافل، حوى أسماء لا تحصى من المؤمنين المحبين... وقد عبر كل عن حبه بطريقته الخاصة، وبقدر ما استطاع الى ذلك سبيلاً... ونستطيع أن نميز من هؤلاء صنفين صنفاً حمل صليبه وسار فى طريق الجلجثة، والصنف الآخر أبى الا أن يعتلى صليبه متشبهاً بسيدة، مقدماً ذاته قرباناً طاهراً مقبولاً على مذبح الحب والبذل، فاستحق أن تعلو صليبه كلمات حبيبه ومخلصه.

«ليس حب أعظم من هذا» (يو 15: 13)).

واذا كانت المسيحية هى الحب، فالموت فى سبيلها هو قمة الحب والبذل... بهذه النظرة المقدسة الفاحصة نظر المؤمنين فى كل أجيال المسيحية إلى الموت... وبهذه النظرة التى ملؤها التقدير والتقديس والتكريم، نظرت الكنيسة المسيحية الى الاستشهاد والشهداء فى كل تاريخها...

المسيحية والاضطهاد صنوان:

والاضطهاد يسير مع المسيحية جنباً الى جنب... يسير فى ركابها، بل ويتصدى لها، محاولا عرقلة طريقها، ككنيسة وكأفراد...

وليس الاضطهاد مُنصباً على فئة معينة أو زمان معين، فجميع الذين يريدون أن يعيشوا بالتقوى فى المسيح يسوع يضطهدون (2تى 3: 12).

«للرب حرب مع عماليق من دور الى دور» (خر 17: 16)).

.. هذا الاضطهاد يصل أحياناً الى الذروة – الى الموت – وهو ما يعبر عنه بالاستشهاد...

من هو الشهيد؟

الكلمة اليونانية μάρτυs التى يقابلها فى العربية «شهيد»، استخدمت فى أصلها اللغوى للتعبير عن انسان لديه معلومات عن أحداث سابقة مستقاة عن طريق الاشتراك فيها، لكنه لا يحتفظ بهذه المعلومات لنفسه، بل يشهد بها...

وقد أطلقت هذه الكلمة أولا على الرسل كشهود لحياة السيد المسيح وقيامته (اع 1: 8، 22). لكنها استخدمت فيما بعد – مع اتساع دائرة الاضطهاد – للتعبير عن أولئك الذى احتملوا شدائد من أجل الايمان. وهؤلاء هم من تعبر عنهم الكنيسة حالياً بكلمة «المعترفين». وأخيراً خصصت فقط للذين أقتبلوا الموت لأجل الايمان. وهذا الاستخدام الأخير هو المعروف الآن[(1)].

وفى اللغة العربية، نجد أن الفعل «استشهد» فى معناه الاصطلاحى، يعنى انساناً قتل فى سبيل الله. أما المعنى الاشتقاقى الفقهى، فالاستشهاد مشتق من الشهادة. واستشهد بمعنى سئل الشهادة، أو طلب للشهادة. والمقصود بالشهادة هنا: هى الشهادة للايمان الذى يدين به، ويذود عنه.

مأساة طويلة...

وتؤلف الاضطهادات التى حاقت بالمسيحية منذ ظهورها مأساة طويلة بدأت بالسيد المسيح نفسه وامتدت الى اتباعه... وكان وسط مشاهد الكراهية الشيطانية، والقسوة البالغة، تظهر الفضيلة المحتملة تشع ببريق أصالتها... وكان بين الحين والحين يتخلل هذه المشاهد فترات هدوء أو راحة قصيرة. وأخيراً شنت الوثنية هجمات مرعبة، وابدت مقاومة يائسة للحياة أو الموت، انتهت بالظفر النهائى للمسيحية... وكأنى بالكنيسة قد اصطبغت بهذه المعمودية الدموية، بعد أن ولدت فى العالم...!

ولسهولة الدراسة سنقسم الاضطهادات التى حاقت بالكنيسة المسيحية – وهو ما يعنينا فى هذا البحث – الى مرحلتين:

أ - اضطهاد اليهودية للمسيحية، فى فصل واحد.

ب - اضطهاد الوثنية للمسيحية، فى ثلاثة أبواب على النحو الآتى:

- روما الامبراطورية الوثنية.

- مع الشهداء الأبطال.

- مع الكنيسة الساهرة.


[(1)] The Oxford Dlctionary or the Christian Church, P. 866.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

›

اضطهاد اليهَوُدية للَمَسيحَة

‹

من هو المسيحى؟

المحتويات
المحتويات