هذا الفصل هو جزء من كتاب: الاستشهاد فى المسيحية – الانبا يؤانس الغربية .
جدول المحتويات
- لمسة وفاء لمثلث الرحمات السراج المنير والبستان المثمر نيافة الأنبا يوأنس
- تصدير
- مقدم الطبعة الثانية
- من هو المسيحى؟
- مفهوم جديد للألم
- اضطهاد اليهَوُدية للَمَسيحَة
- الباب الأول: اضطهاد اليهودية للمسيحيين
- الباب الثانى: روما الإمبراطورية الوثنية
- الباب الثالث: مع الشهداء الأبطال
- الباب الرابع: مع الكنيسة الساهرة
اضطهاد اليهَوُدية للَمَسيحَة
«اليهود الذين قتلوا الرب يسوع وأنبياءهم، وأضطهدونا نحن. وهم غير مرضين لله واضداد لجميع الناس... قد أدركهم الغضب إلى النهاية».
(1تس 2: 15، 16).
لم يقبل اليهود المسيح الهاً ومخلصاً وملكاً، على الرغم من انتظارهم اياه وتوقعهم مجيئه... لم يستطيعوا التعرف عليه وهو بالجسد، اذ رأوه وديعاً متواضعاً، لا يصيح ولا يسمع أحد فى الشوارع صوته... وعلى الرغم من أن انبياءهم سبقوا وأنبأوا بسلوكه الوديع الهادئ المتواضع، وبكل صفاته (أش 42: 2، 3، ص 53، زك 9: 9). لكن روح التمرد والكبرياء كانت تعتمل فى داخلهم، فأعمت عيونهم، وأصمت آذانهم، واثقلت قلوبهم، فقتلوا الانبياء ورجموا المرسلين اليهم (مت 23: 37)، ولم يستطيعوا أن يروا فى المسيح بالجسد ملك اسرائيل... لقد كانت أفكارهم متعلقة بالزمنيات والماديات. هم ارادوا زعيماً يحررهم من نير الرومان، ويملك عليهم ملكاً زمنياً كملك داود. ولذا، فحينما كلمهم المسيح عن شخصه المبارك، وأنه يحررهم من عبودية الخطية، ويملك عليهم ملكاً روحياً... رفضوه، ولم يحاولوا أن يفهموه، واستمروا فى عنجهيتهم، انهم ذرية ابراهيم ولم يستعبدوا لأحد قط (يو 8: 33)... ولعل هذه هى مشكلة اسرائيل حتى اليوم... الملك المادى الزمنى!!.. وأخيرً قام اليهود على المسيح وقتلوه متحملين قصاص جريمتهم، هم ونسلهم من بعدهم.
«دمه علينا وعلى أولادنا» (مت 27: 25)).
لا عجب أن تصدى اليهود لاتباع السيد المسيح، محاولين استئصال شأفتهم وقد سلكوا فى سبيل اشباع روحهم العدائية، ثلاثة سبل، واتبعوا ثلاثة أساليب، تتمشى مع تاريخهم... فحين كانوا يملكون القوة والسلطان سلكوا السبيل الانتقامى، بالتعذيب والقتل. وحيث كانت تعوزهم القوة والسلطان، كانوا يسلكون مسلكاً دنيئاً بالوشاية لدى السلطات، واثارة الجماهير. وبعد أن ولت عنهم هذه وتلك لجأوا للأسلوب الخداعى عن طريق المقاومة الفكرية...
ونود الاشارة الى انه نظرا لندرة المصادر التاريخية الموثوق بها – خلاف كتاب العهد الجديد – عن العصر الرسولى، فان اعتمادنا الاكبر سيكون على أسفاره..
أولاً: المسلك الانتقامى
وأسفار العهد الجديد مشحونة بأمثلة تعذيب اليهود للمسيحيين وقتلهم:
مع الرسل:
● قبض الكهنة والصدوقيون على بطرس ويوحنا عقب شفاء المقعد من بطن أمه، وجبسوهما ثم اطلقوهما بعد أن هددوهما (أع 3، 4).
● مرة أخرى قام رئيس الكهنة ومعه الصدوقيون وحبسوا الرسل جميعاً، لكن ملاك الرب فتح أبواب السجن ليلاً وأخرجهم، وانطلقوا الى الهيكل وبشروا الشعب. فاغتاظوا وأخذوا يتشاورون ليقتلونهم. لكنهم اكتفوا بجلدهم وتهديدهم بعد تدخل غمالائيل، وكان فريسياً معتدلاً (أع 5).
شاول الطرسوسى وجهوده ضد المسيحيين:
● ولعل شاول الطرسوسى (بولس الرسول قبل اهتدائه)، يمثل لنا اليهودى المعصب أصدق تمثيل... استعرض هو بنفسه سيرته الاولى، وغيرته الهوجاء أمام الملك أغريباس فى قيصرية، بينما كان مسجوناً فيها لاجل المسيح، قال.
«أنا ارتأيت فى نفسى انه ينبغى أن أصنع أموراً كثيرة مضادة لاسم يسوع الناصرى. وفعلت ذلك أيضاً فى أورشليم. فحبست فى سجون كثيرين من القديسين، آخذا السلطان من قبل رؤساء الكهنة. ولما كانوا يقتلون، القيت قرعة بذلك. وفى كل المجامع كنت أعاقبهم مرارا كثيرة وأضطرهم الى التجديف. واذ أفرط حنقى عليهم كنت اطردهم الى المدن فى الخارج... » (أع 26: 9 - 11)).
● وفى أورشليم قال بولس للجمع الهائج ضده.
«أيها الرجال الاخوة والآباء... كنت غيوراً لله كما أنتم جميعكم اليوم. واضطهدت هذا الطريق حتى الموت، مقيدا ومسلما الى السجون رجالا ونساء كما يشهد لى أيضاً رئيس الكهنة وجميع المشيخة، والذين اذ اخذت أيضاً منهم رسائل للأخوة الى دمشق ذهبت لآتى بالذين هناك الى أورشليم، مقيدين لكى يعاقبوا» (أع 22: 1 - 5)).
.. ولقد اشترك أيضاً فى قتل اسطفانوس أول شهداء المسيحية (أع 8: 1، 22: 20).
بولس المضطهد:
● ولما تحول شاول المقاوم الى بولس أسير يسوع المسيح، اقتبل من اليهود خمس مرات، أربعين جلده الا واحده (2كو 11: 24).
● وفى احدى المرات امسكه اليهود وجروه خارج الهيكل لكى يقتلوه، لولا أن ليسياس أمير الكتيبة التى فى أورشليم، أنقذه من أيديهم، وقيده بسلسلتين (أع 21: 30 - 33).
● ولقد بلغت كراهية اليهود للمسيحيين عامة، وله هو خاصة، حدا دفع أكثر من اربعين يهودياً أن يتعاهدوا ألا يذوقوا طعاماً أو شراباً حتى يقتلوا بولس. وتم هذا التعاقد بالاتفاق مع رؤساء الكهنة (أع 23).
باكورة من الشهداء:
ومن أشهر شهداء هذه الفترة المبكرة من تاريخ الكنيسة، الذين قتلهم اليهود: استفانوس رئيس الشمامسة الذى رجموه حوالى سنة 36 أو سنة 37م (أع 8)، ويعقوب الكبير (ابن زبدى) الذى قتله هيرودس بالسيف سنة 44م (أع 12: 2)، ويعقوب الصغير أسقف أورشليم (أخو الرب) الذى رجموه حوالى سنة 63م، وسمعان أسقف أورشليم الذى صلب سنة 107م.
عصيان باركوكبا:
على ان هناك مصائب واضطهادات حلت بالمسيحيين أثناء ثورة باركوكبا Bar – Cochba (اى ابن الكوكب)، وهو مسيح كذاب أعلن عصياناً مسلحاً قوياً ضد الدولة الرومانية فى الفترة من (132 – 135م) على عهد الامبراطور هدريان. وقد قتل جميع المسيحيين الذين لم يشتركوا فى حركته. وقد انتهى امره بالهزيمة الشنيعة بعد مقاومة يائسة، ذبح منها نحو نصف مليون يهودى. كما سيقت أعداد ضخمة منهم عبيدا الى روما، وهدمت 985 قرية يهودية، وخمسون قلعة، وخربت معظم فلسطين، وتحطمت أورشليم ثانية. ومحى اسمها. وأقيمت على أنقاضها المستعمرة الرومانية آليا كابتولينا Aelia Capitolina بصورة الاله جوبتر ومعبد للالفهة فينوس وكنتيجة لهذا العصيان منع اليهود من زيارة هذه البقعة المقدسة. والا عرضوا أنفسهم لعقوبة الموت. وكان يسمح لهم بالنظر اليها من مسافة بعيدة وينتحبون عليها فى التذكار السنوى لهدمها. [] (2).
ثانيا: مسلك الوشاية واثارة الجماهير
وهو مسلك دنئ تميزوا به فى أسفار العهد الجديد، وكانوا يلجأون اليه حينما كانت تعوزهم الفرصة للفتك بخصومهم واضطهادهم:
من أمثلة الوشاية:
● ما فعلوه مع استفانوس رئيس الشمامسة. اذ لم يقدروا أن يقاوموا الحكمة والروح الذى كان يتكلم به، حينئذ دسوا لرجال يقولون اننا سمعناه يتكلم بكلام تجديف على موسى وعلى الله، وهيجوا الشعب والشيوخ والكتبة... وأقاموا شهوداً كذبة يقولون عن استفانوس انه لا يفتر عن أن يتكلم كلاماً تجديفاً ضد هذا الموضع المقدس والناموس (أع 6: 9 - 14).
● كما سعوا بالقديس بولس لدى والى الحارث الملك فى دمشق، فأحكم مراقبة أبواب المدينة نهارا وليلا بقصد القبض عليه وقتله، لولا أن الاخوة المؤمنين دلوه من طاقة فى زنبيل من سور المدينة (أع 9: 23 - 25، 2كو 11: 32، 33).
● وفى انطاكية بيسيديه – بعد ان آمن كثيرون بسبب كرازة بولس وبرنابا – حرك اليهود، النساء المتعبدات الشريفات ووجوه المدينة، ضد الرسولين وأخرجوهما من تخومهم (أع 13: 50).
● وفى تسالونيكى تقدم اليهود الى الوالى بوشاية ضد المسيحيين قائلين.
«المسيحيون الذين فتنوا المسكونة، حضروا الى هنا أيضاً... وهؤلاء كلهم يعلمون ضد أحكام قيصر، قائلين انه يوجد ملك آخر اسمه يسوع. فأزعجوا الجمع وحكام المدينة اذ سمعوا هذا» (أع 17: 6 - 8)).
● وفى عهد الامبراطور دومتيان (81 - 96) أطلقوا اشاعة مؤداها، ان المسيحيين لهم أطماع سياسية، الامر الذى دفع الامبراطور الى التفكير فى ابادة ذرية داود الاحياء. فأرسل وأحضر من فلسطين اثنين من أقارب الرب يسوع بالجسد، وهما حفيدا يهوذا المدعو أخا الرب. لكن ما أن اطلع الامبراطور على فقرهم، ولمس بساطتهم وسمع منهم عن معنى ملك المسيح وأنه ليس ملكاً أرضياً عالمياً بل من سماوياً روحياً حتى أخى سبيلهم [(3)].
● وبعض الاتهامات الخطيرة التى راجت ضد المسيحيين فى القرون الثلاثة الأولى (قتل طفل وزنا بالمحارم فى اجتماعات المسيحيين السرية المسائية) والتى كانت سبباً فى ثورة جماهير الوثنيين ضدهم كان اليهود هم مصدرها[(4)].
من أمثلة اثارة الجماهير:
● فى ايقونية – بعد ان آمن جمهور كثير من اليهود واليونانيين – هيج اليهود غير المؤمنين المدينة كلها، ورتبوا هجوماً لرجم بولس وبرنابا، فهرب الرسولان الى مدينتى ليكأونية لسترة ودربة والى الكورة المحيطة. (أع 14: 1 - 6).
● وفى مدينة لسترة بعد ان شفى بولس المقعد من بطن أمه، اندفع الناس بحماس شديد ليكرموه هو وبرنابا. ووصل الامر بالناس الى القول ان الآلهة تشبهوا بالناس ونزلوا الينا. لكن بعض اليهود الذين أتوا من انطاكية وايقونية، هيجوا الناس ضد بولس فرجموه، وجروه خارج المدينة ظانين انه قد مات (أع 14: 8 - 19).
● وبلغوا من حماسهم ضد بولس او ضد المسيحية فى شخصه، انهم كانوا ينتقلون من مدينة الى أخرى ليثيروا الناس ضده، كما حدث حينما انتقل بعض اليهود من تسالونيكى الى بيريه لهذا الغرض (أع 17: 13).
● كما قاموا فى مدينة كورنثوس بشغب عظيم ضد بولس واقتادوه الى كرسى الولاية (أع 18: 12).
● وكان لهم نشاط خاص فى حرق بوليكاربوس أسقف أزمير حينما حرضوا الوثنيين ضده وزادوا من عنفهم بافترائهم على المسيحيين.
● وعلى مر العصور كانوا لا يتركون فرصة تسنح لهم الا وينتهزونها لأعمال الاثارة ضد المسيحيين. ومن أمثلة ذلك دورهم الذى قاموا به فى الاسكندرية تحت حكم الامبراطورية ديسيوس (249 – 251) فى مدة رئاسة البابا ديونيسيوس الاسكندرى الرابع عشر[6].
ثالثا: المقاومة الفكرية
بعد حريق الهيكل وخراب أورشليم مرتين على يد الرومان على نحو ما ذكرنا، لم تسنح لليهود فرصة لاضطهاد المسيحيين اضطهادا قائماً بذاته. على أن هذه الكوارث التى حلت بهم حطمت قوتهم القومية، لكنها لم تحطم كراهيتهم للمسيحية. فاستمروا فى اثارة الافتراءات على الرب يسوع وأتباعه... أما الوسيلة التى اتبعوها فهى التعليم عن طريق المدارس وقد قامت هذه المدارس بدور فعال فى تشويه المسيحية ومسخها وتوجيه المطاعن اليها. ومن أمثلة ذلك، ما قامت به مدارس اليهود فى طبرية وبابل فى تغذية الروح العدائية ضد المسيحية...
وهكذا نجد التلمود فى جزئه الاول المعروف باسم «المشتا Mishna»، والذى جمع أواخر القرن الثانى الميلادى، فى جزئه المعروف باسم «الجمارا Gemara» والذى جمع فى القرن الرابع المسيحى، يعكس لنا فى وضوح يهودية تلك الايام، وكيف أنها قاومت المسيحية عن طريق التعليم[7].
وقد اهتمت الكنيسة بمقاومية هذه المسلك الفكرى العدائى اليهودى. وأقدم ما وصل الينا عن هذا الخصوص:
أ - ما كتبه أحد اليهود المتنصرين ويدعى ارسطو من قرية بلا Pella وهى التى لجأ اليها المسيحيون من أورشليم قبيل خرابها الاول سنة 70م، وسماه «حوار جاسون وبابسكوس Jason and Papiscus بخصوص المسيح». ويرجع الى النصف الأول من القرن الثانى. وينتهى باقتناع بابسكوس اليهودى وعماده على يد جاسون المسيحى.
ب - حوار يوستينوس الشهيد مع تريفو Trypho اليهودى فى مدينة أفسس ويقع فى 142 فصلاً. كتبه حوالى منتصف القرن الثانى. وفيه يفند يوستينوس كل ادعاءات اليهود وافتراءاتهم. ويبين أن اليهودية لم تكن سوى مقدمة للمسيحية وأن اليهود وفقا للعهد القديم عليهم أن يؤمنوا بالمسيح[8].
ﺟ - ما كتبه ترتليانوس ضد اليهود Adversus Judoeos والاتهامات الأخلاقية التى راجت ضد المسيحيين فى القرون الثلاثة الأولى (قتل طفل – وزنا المحارم فى اجتماعاتهم) والتى كانت سبباً فى ثورة جماهير الوثنيين ضدهم، كان اليهود هم مصدرها. وقد ذكر ذلك اوريجينوس ويوستينوس[9].
ومن أساليب الخداع التى انتهجتها اليهودية عبر الاجيال، محاولتها الاساءة الى المسيحية والنيل منها ليس عن طريق مهاجمتها من الخارج هجوماً سافراً، بل باستحداث بدع فى اطار المسيحية، تنادى بتعاليم هرطقية تهدم بها المسيحية وتنال منها. وفى أمثال هذه الحالات يكون خصم المسيحية الذى يسئ اليها يهودياً يلبس ثيابا مسيحية، حتى ما يسهل عليه التسلل الى داخل الكنيسة فى هدوء.. وكتجسيد لهذا الاسلوب الخداعى فى العصر الحالى، ظهر السبتيون وشهود يهوه وغيرهم.
[] Schaff, vol. 2, P. 37.
[(3)] Watson: Defenders of the Faith, PP. 15, 16.
[(4)] Justin Martyr: Dialogue C. 17; Origen: Contra Celsum 6: 27.
[6] - منسى القمص: تاريخ الكنيسة القبطية ص 113.
[7] - Schaff, Vol. 2, P. 38, 39.
[8] - Schaff, Vol. 2, P. 107 - 109.
[9] - Origen; contra Celsum 6: 27; Justin Martyr, Dialogue c. 17.
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.
- لمسة وفاء لمثلث الرحمات السراج المنير والبستان المثمر نيافة الأنبا يوأنس
- تصدير
- مقدم الطبعة الثانية
- من هو المسيحى؟
- مفهوم جديد للألم
- اضطهاد اليهَوُدية للَمَسيحَة
- الباب الأول: اضطهاد اليهودية للمسيحيين
- الباب الثانى: روما الإمبراطورية الوثنية
- الباب الثالث: مع الشهداء الأبطال
- الباب الرابع: مع الكنيسة الساهرة