هذا الفصل هو جزء من كتاب: الخدمة الروحية و الخادم الروحي الجزء الثاني – الباباشنودة الثالث .
جدول المحتويات
- الباب الأول : الخدمة أهميتها – مجالاتها – فاعليتها
- الباب الثانى قوة الخدمة
- الباب الثالث النمُوّ فى الخدمة
- الباب الرابع التعب فى الخدمة
- الباب الخامس مسحنى لأبشر المساكين
- الباب السادس خِدمة الذين ليس لهم أحَد يذكرهم
- الباب السابع يُهيئ لِلربّ شعبَاً مستعدَاً
- الباب الثامن تكونون لى شهوداً
- الباب التاسع الخادم داخل الأسرة
الباب الثانى قوة الخدمة
إن قوة الخدمة تكمن فى عمق تأثيرها، وليس فى كثرة المخدومين.
ليس المهم عدد السامعين، بل عدد التائبين منهم.
نعم، قوة الخدمة ليست فى عدد التلاميذ، إنما فى عمق الإيمان الذى فيهم.. إن العظة قد يسمعها عدد كبير من الناس. ولكننا لا ندرى كم هم الذين تأثروا بها، وكم هم الذين حوّلوا هذا التأثير إلى حياة. وتحسب قوة العظة بمقدار الذين حولتهم إلى الحياة مع الله.
واجتماع الخدام لا تحسب قوته بعدد المحاضرات أو الخدام الحاضرين.
إنما قوة إجتماع الخدام هى فى عدد ما ينتجه من المكرسين.
والكنيسة التى لا تقدم مكرسين للخدمة، أو للكهنوت أو للرهبنة، بلا شك خدمتها ضعيفة. لأن الخدمة القوية هى خدمة ولود...
وهناك ملاحظة، وهى أن الخدمة قد لا تأتى بنتيجة سريعة!!
ولكنها لابد أن تأتى بنتيجة، ولو بعد حين...
القديس بولس الرسول بكل عظمته الروحية، وبكل قوته فى الخدمة: لما تكلم فى أثينا عاصمة اليونان استهزأوا به، وتهكموا عليه قائلين "ماذا يريد هذا المهزار أن يقول؟!" (أع18: 17).. ولم يخرج بنتيجة إلا بشخص واحد وهو ديونسيوس الأريوباغى الذى صار أسقفاً لأثينا فيما بعد.. ولكن ما لبثت أثينا أن صارت كلها مسيحية بعد حين.
السيد المسيح كانت له خدمة عامة وسط الجموع والآلاف وكانت له أيضاً خدمة وسط سبعين رسولاً.
ولكن كانت هناك خدمة مركزة وسط الأثنى عشر. وهذه ظهرت قوتها العظيمة فى نشر الإيمان.
هؤلاء الذين لا قول لهم ولا كلام، إلى أقصى المسكونة بلغت أقوالهم (مز19). وعلى أيديهم كان ملكوت الله قد أتى بقوة.. ومعهم أيضاً كانت القوة التى عمل بها القديس بولس بحسب النعمة الممنوحة له. هذا الذى قال "قد تعبت أكثر من جميعهم. ولكن ليس أنا، بل نعمة الله العاملة معى" (1كو10: 15).
أتذكر إننى حينما كنت طالباً فى الكلية الإكليريكية، وكانت دفعتنا خمسة طلبة، أن وقف أحد الأساتذة فى حفل التخرج وقال:
نحن لا ندرس خمسة طلبة فى الكلية، وإنما خمس مدن.
كان يعتبر كل طالب منا مدينة، أى أنه بعد التخرج سيتكرس خادماً للرب يتولى رعاية إحدى المدن. وللأسف لم يتكرس من دفعتنا سوى طالب واحد..
نعود إلى خدمة الآباء الرسل فنقول إن خدمتهم لم تكن تقاس بعدد الذين يسمعونهم، وإنما يقول الكتاب فى ذلك:
"وكان الرب فى كل يوم يضم للكنيسة الذين يخلصون" (أع47: 2).
نعم، الذين يخلصون، وليس كل الذين يسمعون.. هنا قوة الكلمة التى تفتح الطريق إلى الخلاص...
وهكذا عندما توليت مسئوليتى الحاضرة، بدأت بتقسيم الإيبارشيات لكى يكون كل أسقف مسئولاً عن منطقة محددة، يستطيع فيها أن يخدم منطقة مركزة، تكون خدمته فيها قوية ومثمرة.. وقد كان...
فى القديم كان المطارنة مسئولين عن إيبارشيات واسعة جداً، لا يقوى المطران على رعايتها كلها. أما الآن فكل أسقف يستطيع أن يزور كل مدينة وكل قرية فى إيبارشيته، ويرعى الجميع...
ونفس الوضع نقوله بالنسبة غلى كل كاهن فى كنيسته...
لم يكن صالحاً للخدمة ان يكون أب كاهن وحده فى كنيسة، يقوم برعاية عدة آلاف، يبلغون فى بضع الكنائس خمسة عشر آلفاً أو أكثر. فكان لابد من سيامة كهنة جدد فى الكنائس تتوزع عليهم الخدمة، فيقومون بها بجدية، يهتمون بكل فرد ويقودونه إلى حياة التوبة والنقاوة.
فليست قوة الخدمة فى عدد التابعين لك، وإنما فى عدد الذين توصلهم إلى معرفة الله ومحبته.
بعض الطوائف قد يكثر عدد الحاضرين فى اجتماعاتها، بسبب المعونات المادية التى تقدم لهم، بينما لا يكون الإيمان ثابتاً فى قلوبهم. فإن توقفت المعونات، توقف الحضور إلى الكنيسة!! فهل ندعو هذه خدمة؟!
وهناك كنائس تهتم بالأنشطة وليس بالروحيات!!
فتجد فى الكنيسة المشغل والمعرض لعمل السيدات، وتجد النادى للشباب، وبيتاً للمغتربين وآخر للمغتربات. وكذلك تجد بيتاً للمسنين، مع عدد آخر من المشروعات، دون الإهتمام بالحياة الروحية. ولكن حسناً قال الرب "وكان ينبغى أن تفعلوا هذه ولا تتركوا تلك" (مت23: 23).
أما الخدمة الروحية، فهى الخدمة القوية فى تأثيرها.
بطرس الرسول بعظة واحدة فى يوم الخمسين، قد جذب إلى الإيمان ثلاثة ألاف نفس (أع2). وهذه القوة التى تميزت بها العظة، كان سببها أن قائلها كان ممتلئاً بالروح القدس.
لم يقل الكتاب أن الناس تابوا نتيجة لعظته، وإنما نخسوا فى قلوبهم، وقبلوا الإيمان، واعتمدوا. بينما وعاظ كثيرين يلقون آلاف العظات، ولا يدخل فى الإيمان شخص واحد...
بولس الرسول – وهو أسير – حينما كان يتكلم عن البر والدينونة والتعفف، ارتعب فيلكس الوالى (أع25: 24).
السيد المسيح قال كلمة واحدة، جعلت سامعها يترك كل شئ ويتبعه.
كان متى جالساً فى مكان الجباية، فقال له السيد "اتبعنى". فترك مكان الجباية وتبعه. ولم يقل له محاضرة فى التكريس، وإنما كلمة واحدة، ولكنها كلمة قوية فى تأثيرها وفى روحها جعلته يترك كل شئ ويتبعه.. وهكذا حينما قال لسمعان بطرس وإندراوس أخيه "هلما ورائى، فأجعلكما صيادى الناس".
المهم هو عمق الكلمة، وقوة تأثيرها.
وليس عدد العظات أو عدد المؤلفات، أو كثرة الأنشطة أو كثرة المؤسسات.. هذه هى الخدمة التى نريدها: أشخاص لهم قوة الروح، يكرزون كرازة لها قوة التأثير، وكلمتهم لا ترجع إليهم فارغة، بل تأتى بثمر، وثمر كثير...
ما هى إذن عناصر القوة فى الخدمة؟
هى مقدار ما فى الخدمة من عمق، ومن حب وبذل. وأيضاً ما فيها من تأثير، ومن قدرة على تغيير النفوس إلى أفضل.
ومن الأمثلة على القوة فى العمل، ذهاب أبينا أبراهيم ليقدم إبنه الوحيد إسحق محرقة حسب أمر الرب له...
لا شك أن أبانا إبراهيم قدم ذبائح لا نستطيع أن نحصيها، فى كل مكان كان يذهب إليه. ولكن هذه الوحيدة هى التى لا يمكن أن تنسى وسط جميع ذبائحه. مع أنها كانت بمجرد النية ولم تتم!!
كانت هذه الذبيحة (بالنية) أعظم من جميع ذبائحه التى تمت فعلاً.
بل كانت أعظم من جميع الذبائح التى قدمها الناس طوال عصور التاريخ. وقد سجلها الكتاب، كدرس للأجيال، لأنها تحمل قوة لا يعبر عنها فى الحب والبذل، وفى الطاعة والإيمان، وفى ضبط النفس..
عمل آخر له قوته، هو تقديم الأرملة للفلسين. إنه مبلغ بسيط، ولكنه كان من أعوازها. لذلك امتدحها الرب، واعتبر إنها قد أعطت أكثر من الجميع. القوة هنا هى فى نوعية العمل، وليس فى كميته.. لأنها أعطت من أعوازها، وهى محتاجة وفقيرة وأرملة.
ويمكن أن توجد للأرملة التى أعطت الفلسين، أمثلة فى الخدمة
منها ذلك الخادم، الذى لا يمكن أن يعتذر عن الخدمة، وهو فى أيام الامتحانات، مع احتياجه لكل دقيقة للمذاكرة والمراجعة والأستعداد للامتحانات.. ولكنه يذهب إلى الخدمة. ولا ينسى له الله ذلك أبداً. لأن الوقت الذى أعطاه للخدمة، قد أعطاه من أعوازه...
ومثله الذى يذهب إلى الخدمة. وهو مريض، ومحتاج إلى الراحة. ولكنه يبذل من هذه الراحة التى هى من أعوازه، ويقدمها للخدمة. وبالمثل الموظف الفقير المحتاج. الذى كل مرتبه لا يكفيه. ومع ذلك يقدم العشورن وربما يكون مديوناً وقتذاك.
إن العطاء من الأعواز، يدل على حب وإيمان:
حب للذين يعطيهم، ولله الذى أعطى الوصية.
وإيمان بأن الله لابد أن يعوض، ويبارك القليل.
كما يدل هذا العطاء أيضاً على الإهتمام بالغير أكثر من الذات، ففيه إذن إنكار للذات. وهكذا فعلت أرملة صرفة صيدا، حينما قدمت قليل الدقيق والزيت الذى عندها لإيليا النبى، أثناء المجاعة...
قوة العمل تظهر أيضاً فى قصة داود أمام جليات...
إن حروباً كثيرة عرفها العالم وسجلها التاريخ. ولكن لا يوجد فيها كلها ما يماثل حرب داود مع جليات...
كان داود طفلاً بالقياس لذلك الجبار. لم تكن له قوته ولا اسلحته، ولا خبرته فى الحروب، ذلك الذى خاف منه كل الجيش..
ولكن قوة داود كانت فى غيرته وفى إيمانه..
غيرته فى قوله "من هو هذا الأغلف حتى يعير شعب الله؟!" وأيضاً فى قوله "أنا أذهب واحاربه"..
أما إيمانه ففى قوله لذلك الجبار "اليوم يحبسك الرب فى يدى" "أنت تأتينى بسيف ورمح، وأنا آتيك باسم رب الجنود..".
من أجل قوة داود – فى غيرته وإيمانه – هتفت النسوة قائلات "ضرب شاول ألوفه، وداود ربواته".. فما هى تلك الربوات؟
كانت هذه المرة الوحيدة فى حروب داود تساوى ربوات...
كم من حرب خاضها داود، وكم كانت له انتصارات، فيما بعد وهو قائد عظيم. ولكنها كلها لا تقاس بتلك الحصاة الملساء التى إرتكزت بإيمانه فى رأس جليات.. كانت تساوى ربوات، إذ كان لها عمق معين، فى غيرته التى لم تقبل تعييرات ذلك الجبار. كذلك كان هناك عمق آخر فى عدم خوفه، وعدم رهبته للموقف، بل تقدمه للصفوف بمقلاعه وحصواته بكل إيمان أن الله سيدفع الجبار إلى يده، إلى يده الصغيرة الملساء مثل حصاته..! حقاً هذه قوة... ليست مجرد العمل، بل القوة التى فيه، الإيمان الذى فيه...
قوة الخدمة قد تظهر أيضاً فى نتائجها:
مثل قوة القديس أثناسيوس الرسولى فى الدفاع عن الإيمان وكيف أنه استطاع أن يحوّل دفة الموقف كله. وكما قال عنه القديس جيروم: "مرّ وقت كاد فيه العالم كله أن يصبح أريوسياً، لولا أثناسيوس"... وبالمثل نقول عن قوة حياة القديس أنطونيوس الكبير، التى جذبت بتأثيرها الكثيرين، حتى إنتشرت تلك الحياة الملائكية فى العالم أجمع..
هناك خدمة قوية، ولا يلاحظها الناس، لأنها فى الخفاء.
قد يكون هناك اجتماع ناجح، وتلقى فيه عظة قوية لها تأثير عميق. وربما يكون سبب هذا النجاح كله، اجتماع صلاة من أجل الاجتماع. ركب منحنية أمام الله تصلى من أجل أن يمنح الله كلمة للواعظ واستجابة من المستمعين.. هؤلاء المصلون لا يراهم أحد ولكنهم يمثلون قوة فى الخفاء...
الناس يعجبون بالنجف الساطع الضياء، ولا يرون الموتور المولد للكهرباء!
ويمتدحون الضياء الذى يرونه، ولا يذكرون إطلاقاً المولد الكهربائى الذى هو سبب القوة. لكنه يعمل فى الخفاء. إنها خدمة الأساس المخفى وليس البناء الظاهر.
وكم من خدمات قوية جداً تعمل فى الخفاء، ولا يراها أحد، مثل إرجاع مرتد إلى الإيمان، أو هداية فتاة منحلة، أو مصالحة أسرة متخاصمة، إنها خدمة فى الخفاء، ولكنها قوية. وقد تكون وراءها خدمة أخرى قوية، وفى الخفاء. وهى قداس مرفوع لأجلها، وله قوته..
هناك نوع آخر من الخدمة القوية غير الظاهرة وهى الخدمة الفردية:
الناس دائماً يمتدحون الاجتماعات العامة القوية. ونادراً ما يلتفتون إلى الخدمة الفردية التى قد تكون أكثر وقعاً وتاثيراً وتأتى بنتيجة قوية فى القيادة إلى الملكوت. وتدخل فيها أيضاً خدمة الافتقاد، والجلسة الروحية بين أحد الآباء الكهنة وأسرة من رعيته. تُرى لو خيرت بين إلقاء عظة فى اجتماع يحضره المئات، وخدمة فردية لشاب ضال، أيهما تختار؟
لعازر الدمشقى سافر فى خدمة هامة لإختيار زوجة لاسحق أصبحت جدة للمسيح. وقد يسرّ الله طريقه. ولا شك أن أبانا ابراهيم كان يصلى بحرارة من أجل ذلك. وهنا نسأل:
أكان نجاح المهمة بسبب صلاة أبينا إبراهيم، أم بإخلاص لعازر الدمشقى؟
قطعاً كان النجاح بكليهما: بالعمل الظاهر للعازر فى أمانته ومحبته لسيده، وفى العمل المخفى لإبراهيم. وقبل كل شئ لنعمة الله الذى "يسرّ طريقه"، وهكذا فى الخدمة القوية، تتحد قوة العمل وقوة الصلاة.
هناك نوع آخر من الخدمة القوية، وهو خدمة القدوة والبركة.
خدمة القدوة هى خدمة صامتة، ولكنها ذات تأثير أقوى من خدمة الكلمة، لأنها تقدم النموذج العملى للحياة الروحية، وهو بلا شك أقوى من مجرد الكلام عن تلك الحياة...
أما خدمة البركة، فتتجلى فى حياة أولئك الذين كانوا بركة فى أجيالهم. لقد قال الرب أثناء شفاعة ابراهيم فى مدينة سادوم "إن وجد عشرة (ابرار)، لا أهلك المدينة من أجل العشرة" (تك18). لم يقل إن صلى هؤلاء العشرة من أجل المدينة، وإنما إن وجُدوا، مجرد وجودهم هو خدمة كبيرة لأجل المدينة.. لا يهلكهم الرب لأجلهم..
كان إيليا بركة فى بيت أرملة صرفة صيدا. وكان أليشع بركة فى بيت الشونمية. وكان يوسف الصديق بركة فى أرض مصر.
بل كان أبونا نوح بركة للعالم كله. من أجله استبقى الله حياة للبشر استمرت على الأرض.
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.
- الباب الأول : الخدمة أهميتها – مجالاتها – فاعليتها
- الباب الثانى قوة الخدمة
- الباب الثالث النمُوّ فى الخدمة
- الباب الرابع التعب فى الخدمة
- الباب الخامس مسحنى لأبشر المساكين
- الباب السادس خِدمة الذين ليس لهم أحَد يذكرهم
- الباب السابع يُهيئ لِلربّ شعبَاً مستعدَاً
- الباب الثامن تكونون لى شهوداً
- الباب التاسع الخادم داخل الأسرة