هذا الفصل هو جزء من كتاب: الخدمة الروحية و الخادم الروحي الجزء الثاني – الباباشنودة الثالث .
جدول المحتويات
- الباب الأول : الخدمة أهميتها – مجالاتها – فاعليتها
- الباب الثانى قوة الخدمة
- الباب الثالث النمُوّ فى الخدمة
- الباب الرابع التعب فى الخدمة
- الباب الخامس مسحنى لأبشر المساكين
- الباب السادس خِدمة الذين ليس لهم أحَد يذكرهم
- الباب السابع يُهيئ لِلربّ شعبَاً مستعدَاً
- الباب الثامن تكونون لى شهوداً
- الباب التاسع الخادم داخل الأسرة
الباب الخامس مسحنى لأبشر المساكين
قيل عنه فى تلك النبوة "روح السيد الرب علىّ. لأن الرب مسحنى لأبشر المساكين. أرسلنى لأعصب منكسرى القلوب. لأنادى للمسبين بالعتق، وللمأسورين بالإطلاق..." (أش1: 61).
ولعلنا نسأل: من هم أولئك المساكين الذين قد جاء الرب ليبشرهم؟ إنهم كثيرون...
فى مقدمتهم تلك البشرية المسكينة كلها، المحكوم عليها بالموت بسبب الخطية، وتحتاج إلى الفداء.
ولذلك قيل عن الرب إنه "جاء لكى يطلب ويخلص ما قد هلك" (لو10: 19). جاء يبشر كل هؤلاء بالفداء الذى سيقدمه عنهم، "لكى لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية" (يو16: 3). وهكذا وقف الملاك فى يوم ميلاد الرب يبشر الرعاة قائلاً "ها أنا أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب. إنه ولد لكم اليوم مخلص هو المسيح الرب" (لو11، 10: 2).
جاء السيد المسيح أيضاً لكى يبشر بالخلاص أبرار العهد القديم الذين رقدوا على الرجاء.
أولئك الذين قيل عنهم إنهم "لم ينالوا المواعيد، بل من بعيد نظروها وصدقوها وأقروا أنهم غرباء ونزلاء على الأرض" (عب13: 11).
جاء يبشرهم أن باب الفردوس الذى أغلق منذ خطيئة آدم، سوف يفتح بعد الصليب، وسيدخل كل أولئك الأبرار فى الفردوس... وسوف يدخل معهم أيضاً اللص اليمين (لو43: 23).
جاء يبشر البشرية التى أضلها القادة العميان من الكتبة والفريسيين (مت23) بقدوم التعليم السليم.
فسوف يخرجهم من الحرفية التى نادى بها أولئك الذين جلسوا على كرسى موسى، فأغلقوا باب الملكوت. لا هم دخلوا، ولا جعلوا الداخلين يدخلون (مت13: 23).
وهكذا جلس المعلم الصالح على الجبل، وقال للجموع عظته العجيبة التى كرر فيها عبارة "سمعتم إنه قيل للقدماء... أما أنا فأقول لكم.." (مت5).
جاء أيضاً يبشر البشرية التى فقدت الصورة الإلهية التى خلقت بها (تك27: 1) بأن أعاد لهم تلك الصورة ليحاكوها.
وهكذا ترك لهم مثالاً فى كل فضيلة وفى كل بر، حتى كما فعل هو يفعلون هم أيضاً (يو15: 13). وهكذا نصح القديس يوحنا الرسول قائلاً "من قال إنه ثابت فيه، ينبغى أنه كما سلك ذاك، يسلك هو أيضاً" (1يو6: 2).
جاء الرب يبشر المساكين. وكان من قبل، حتى فى العهد القديم، يهتم بالمساكين.
وهكذا قال الرب لموسى حينما دعاه إلى الخدمة "إنى قد رأيت مذلة شعبى... وسمعت صراخهم بسبب مسخريهم. إنى علمت أوجاعهم، فنزلت لأنقذهم" (خر8، 7: 3). وهكذا فعل الرب أيضاً فى عصر القضاة... فأقام لهم القضاة.. وخلصهم من أيدى أعدائهم.. من أجل أنينهم بسبب مضايقيهم وزاحميهم "(قض18: 2). إنه الرب الذى باستمرار يعين المساكين..
وهكذا أيضاً وقف الرب مع يعقوب فى مسكنته ضد أخيه عيسو المتجبر.
عيسو الذى قال "أقوم وأقتل يعقوب أخى" (تك41: 27). ولكن الله ظهر ليعقوب أثناء هروبه وعزاه برؤيا السلم الواصل بين السماء والأرض. وقال له "ها أنا معك، واحفظك حيثما تذهب، وأردك إلى هذه الأرض" (تك15: 28).
وكما وقف الله إلى جوار المساكين، وقف أيضاً ضد العتاة القساة. وقال لقايين أول قاتل من بنى البشر "صوت دم أخيك صارخ إلىّ من الأرض.." (تك10: 4).
وفى كل هذا ما أجمل قول الكتاب:
"يقاوم الله المستكبرين. أما المتواضعون فيعطيهم نعمة" (يع6: 4).
وقف الله مع إيليا النبى، لما كان فى موقف المسكنة، هارباً من بطش الملكة إيزابل، وهو يقول للرب "... تركوا عهدك، ونقضوا مذابحك، وقتلوا أنبياءك بالسيف. وبقيت أنا وحدى. وهم يطلبون نفسى ليأخذوها" (1مل14: 19).
ووقف الرب مع داود الشاب فى مسكنته، وهو هارب من شاول الملك الذى يطارده من مكان إلى آخر. ولكنه وقف ضد داود الملك لما تسلط وتقسى قلبه على أوريا الحثى، فعاقبه (2صم9: 12 - 12).
ووقف الله مع ليئة الضعيفة العينين التى تفتقد محبة زوجها، وأعطاها نسلاً أكثر من راحيل المحبوبة المدللة، لأن الرب يبشر المساكين...
ووقف الله مع الأمم المحتقرين من إسرائيل.
الذين كانوا "بدون مسيح، أجنبين عن رعوية إسرائيل، وغرباء عن عهود الموعد" (أف12: 2). فقربهم إليهم، وطعّمهم فى الزيتونة الأصلية (رو11) وقال "يأتون من المشارق والمغارب، ويتكئون فى أحضان إبراهيم، بينما بنو الملكوت يطرحون فى الظلمة الخارجية".
ومدح الرب قائد المائة الأممى، وقال: لم أجد فى إسرائيل كلها إيماناً مثل إيمان هذا الرجل ". ومدح أيضاً المرأة الكنعانية المتذللة قدامه...
وبشر الرب الخطاة المساكين، المذلين فى توبتهم، وأدان الأبرار المتعجرفين فى برّهم.
فعل ذلك فى مثل الفريسى والعشار. لم ينظر إلى الفريسى المتكبر، الذى وقف يصلى بانتفاخ قلب ويقول "اشكرك يارب إنى لست مثل سائر الناس الظالمين الخاطفين الزناة، ولا مثل هذا العشار. أنا أصوم يومين فى الأسبوع، وأعشّر جميع أموالى. بينما نظر الرب إلى العشار المسكين الذى فى مذلة لم يستطع أن يرفع نظره إلى فوق، بل قرع صدره فى إنسحاق وهو يقول" إرحمنى يارب، فإنى خاطئ ". فخرج مبرراً دون ذاك (لو9: 18 - 14).
كذلك فعل الرب مع الخاطئة التى بللت قدميه بدموعها، وفضلها على الفريسى الذى أدانها (لو7).
لقد بشر هذه المسكينة بالمغفرة، وقال لها "مغفورة لك خطاياك.. اذهبى بسلام".
ونفس الوضع فعله مع مسكينة أخرى ضبطت فى ذات الفعل وأذلها القساة طالبين أن تُرجم حسب الشريعة. ولكن الرب خلصها من بين أيديهم، وطلب منهم أن يلتفتوا إلى خطاياهم، قائلاً لهم "من كان منكم بلا خطية، فليرجمها بأول حجر" (يو7: 8). وقال للمسكينة "ولا أنا أدينك. اذهبى ولا تخطئى أيضاً".
وقال الرب عن الخطاة "ما جئت لأدعو أبراراً بل خطاة إلى التوبة.
وبشر كل أولئك بالخلاص عن طريق التوبة. وقال إنه يكون فرح فى السماء بخاطئ واحد يتوب، أكثر من تسعة وتسعين باراً لا يحتاجون إلى توبة "(لو7: 15). وضرب فى نفس الإصحاح ثلاثة أمثال لقبول التائبين، وفرح الرب بعودتهم إليه. هى مثل الإبن الضال، ومثل الخروف الضال، ومثل الدرهم المفقود. وما أجمل حنوه فى الشفقة على أولئك الخطاة المساكين فى عودتهم، حينما قال عن الخروف الضال:" وإذ وجده، حمله على منكبيه فرحاً "(لو5: 15).
ومن المساكين الذى جاء الرب يبشرهم، المرضى والمصروعين من الشياطين.
وقد قيل عنه فى ذلك إنه "كان يشفى كل مرض وكل ضعف فى الشعب.. فأحضروا إليه جميع السقماء المصابين بأمراض وأوجاع مختلفة، والمجانين والمصروعين والمفلوجين، فشفاهم" (مت24، 23: 4).
هكذا كان اشفاقه على المساكين من المرضى، وبخاصة الأمراض المستعصية التى يعجز أمامها الأطباء، أو التى تطول مدتها مثل مريض بيت حسدا الذى قضى فى مرضه 38 سنة، وهو مسكين ليس له إنسان يلقيه فى البركة (يو2: 5 - 9). فتقدم الرب وشفاه.
إن هذا يعطينا درساً فى الإشفاق على المرضى.
إن كنا لا نستطيع أن نشفيهم، أو نساهم فى علاجهم، فعلى الأقل نزروهم حسب وصية الرب (مت36: 25)، ونقدم لهم كلمة عزاء، ونرفع من معنوياتهم، ولا ننساهم فى آلامهم.
ومثل ذلك مرضى الروح أيضاً، الذين يئسوا من خلاصهم...
هم يحتاجون إلى من يبشرهم بالخلاص، إلى من يقول لهم ما قاله الرب لزكا العشار "اليوم حصل خلاص لأهل هذا البيت، إذ هو أيضاً إبن لإبراهيم" (لو9: 19).
انظروا عمل الرب بعد القيامة: جاء يبشر بطرس الذى بكى بكاءً مراً بسبب إنكاره للمسيح وقت صلهب (مت75: 26) فجاء يبشره فى مسكنته ومذلة نفسه، ويقول له "أرع غنمى. أرعَ خرافى" (يو16، 15: 21). كما جاء يفتقد توما فى شكوكه ويعيد إليه الإيمان (يو27: 20).
ما أجمل عبارته فى تبشيره للمساكين:
"من يقبل إلىّ، لا أخرجه خارجاً".
هو جاء أيضاً يبشر المساكين من المحتاجين. ويقول لهم "اطلبوا تجدوا، اسألوا تعطوا، اقرعوا يفتح لكم" (مت7: 7). ويعطينا بذلك مثالاً أن نعطى للمحتاجين ما يعوزهم، عالمين أننا فى ذلك إنما نعطى الرب نفسه الذى قال: "مهما فعلتموه بأحد أخوتى هؤلاء الأصاغر، فبى قد فعلتم" (مت40: 25). جميل أن نذكر هذا الأمر فى مناسبة العيد، ونبشر المساكين وجميل أن نتذكر قول الرب فى تبشيره للمساكين:
تعالوا إلىّ يا جميع المتعبير والثقيلى الأحمال، وأنا أريحكم "(مت28: 11).
ليتنا نفعل مثله أيضاً، ونعمل بكل جهدنا على إراحة المتعبين والثقيلى الأحمال. وفى نفس الوقت نحترس من أن نزيد ثقلاً على أحد، أوننتقد إنساناً فى تعبه.
وكذلك نشفق على اليائسين الذين انقطع رجاؤهم. وقيل لهم خلاص بإلههم (مز30)...
هؤلاء يقول لهم الرب لا تخافوا، ويقف إلى جوراهم. ويقول لكل منهم "أنا معك. لا يقع بك أحد ليؤذيك" (أع10: 18).
وبالنسبة إلى كل هؤلاء، يوصينا الرسول قائلاً:
"شجعوا صغار النفوس. اسندوا الضعفاء تأنوا على الجميع" (1تس14: 5).
فليكن الرب مع كل هؤلاء، يقويهم، ويقودهم فى موكب نصرته، ويبشرهم بالخلاص، له المجد من الآن وإلى الأبد آمين.
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.
- الباب الأول : الخدمة أهميتها – مجالاتها – فاعليتها
- الباب الثانى قوة الخدمة
- الباب الثالث النمُوّ فى الخدمة
- الباب الرابع التعب فى الخدمة
- الباب الخامس مسحنى لأبشر المساكين
- الباب السادس خِدمة الذين ليس لهم أحَد يذكرهم
- الباب السابع يُهيئ لِلربّ شعبَاً مستعدَاً
- الباب الثامن تكونون لى شهوداً
- الباب التاسع الخادم داخل الأسرة