هذا الفصل هو جزء من كتاب: الخدمة الروحية و الخادم الروحي الجزء الثاني – الباباشنودة الثالث .
جدول المحتويات
- الباب الأول : الخدمة أهميتها – مجالاتها – فاعليتها
- الباب الثانى قوة الخدمة
- الباب الثالث النمُوّ فى الخدمة
- الباب الرابع التعب فى الخدمة
- الباب الخامس مسحنى لأبشر المساكين
- الباب السادس خِدمة الذين ليس لهم أحَد يذكرهم
- الباب السابع يُهيئ لِلربّ شعبَاً مستعدَاً
- الباب الثامن تكونون لى شهوداً
- الباب التاسع الخادم داخل الأسرة
الباب السابع يُهيئ لِلربّ شعبَاً مستعدَاً
نعم، ما أجمل هذه العبارة التى قالها ملاك الرب فى البشارة بميلاد يوحنا المعمدان: إنه "من بطن أمه يمتلئ من الروح القدس، ويرد كثيرين من بنى اسرائيل إلى الرب إلههم. ويتقدم أمامه بروح إيليا وقوته.. لكى يهيئ للرب شعباً مستعداً. (لو15: 1 - 17) وقيل أيضاً عنه فى نبؤة ملاخى" هأنذا أرسل ملاكى، فيهيئ الطريق أمامى "(ملا1: 3) (مر2: 1).
وكيف يهيئ الطريق قدام الرب؟
بأنه "كان يكرز قائلاً: يأتى بعدى من هو أقوى منى، الذى لستُ أنا أهلاً أن أنحنى وأحل سيور حذائه" (مر7: 1) (مت11: 3) "أعدوا طريق الرب، اصنعوا سبله مستقيمة" (مت3: 3).
وكيف كان يوحنا يهيئ للرب شعباً مستعداً؟.. ذلك بقيادتهم إلى التوبة... كان يكرز بمعمودية التوبة. ويقول للناس: "أنا أعمدكم بماء للتوبة" "أصنعوا ثماراً تليق بالتوبة" (مت8، 11: 3).
نقول هذا لأن كثيرين كل خدمتهم هى قيادة الناس إلى مجرد المعرفة، وليس إلى التوبة...!
لكن ما أجمل المعرفة التى تقود إلأى التوبة... التى لا تخاطب العقل فقط، انما تعمل فى القلب ليلتصق بالله...
لقد خلق الله شعباً يملأ الأرض كلها. وهو يريد أ، الجميع يخلصون، وإلى معرفة الحق يقبلون (1تى4: 2). وقد ترك الرب هذا الشعب إلى مجموعة من الوكلاء (لو42: 12) أو إلى مجموعة من الكرامين (مت33: 21). لكى يعدّوا للرب شعباً مستعداً. ووضع أمامهم هذه الآية: "من ردّ خاطئاً عن ضلالة طريقه، يخلص نفساً من الموت ويستر كثرة من الخطايا" (يع20: 5).
والمعروف أن الخلاص بالمسيح وحده، الذى "ليس بأحد غيره الخلاص" (أع12: 4). فما معنى عبارة "يخلص نفساً" هنا؟ معناها: يقودها إلى الخلاص الذى بالمسيح يسوع. أو يهيئ هذه النفس للخلاص، بالإيمان والتوبة. فى يوم من الأيام ذهب صموئيل النبى إلى بيت لحم، ليمسح واحداً من أولاد يسى البيتلحمى ملكاً للرب. فقال: "تقدسوا وتعالوا معى إلى الذبيحة". ويقول الكتاب عنه: "وقدّس يسى وبنيه، ودعاهم إلى الذبيحة" (1صم5: 16).
فما معنى كلمة "قدّسهم" هنا؟ معناها نفس العبارة: هيأ للرب شعباً مستعداً.. وهذا الوضع ذاته قيل عن الشعب قبل سماعهم الوصايا العشر... "قال الرب لموسى: أذهب إلى الشعب، وقدّسهم اليوم وغداً.. ويكونوا مستعدين.. فأنحدر موسى، وقدّس الشعب..." (خر14، 10: 19)...
هو أيضاً هيا للرب شعباً مستعداً، لسماع كلمته...
ما أعظم هذا الأمر، أن نهيئ للرب شعباً مستعداً...
شعباً مستعداً لقبول الخلاص، شعباً مستعداً لنوال نعمة الرب فى المعمودية (إن كانوا كباراً) أو فى التقدم للتناول من الأسرار المقدسة... شعباً مستعداً للتوبة، مستعداً للشركة مع الروح القدس، أو مستعداً لخدمة الرب وبناء ملكوته.. أنظروا ماذا يقول بولس الرسول:
"خطبتكم إلى رجل واحد، لأقدم عذراء عفيفة للمسيح" (1كو2: 11).
من فيكم يستطيع أن يقدم نفوساً عفيفة للرب؟ يهيئ له نفوساً مستعدة لمحبته...
كانت هذه هى وظيفة يوحنا المعمدان. لقد هيأ هذه العروس - أى الكنيسة - للرب. هيأها له بالتوبة، بمعمودية التوبة. ولما سلّمها له، وقف فى فرح يقول: "من له العروس فهو العريس. أما صديق العريس الذى يقف ويسمعه فيفرح.. إذن فرحى هذا قد كمل" (يو29: 3).
وعروس الرب قد تكون نفساً واحدة، او شعباً أو شعوباً
قد تكون فصلاً فى التربية الكنسية، وقد تكون كنيسة بالنسبة إلى أب كاهن، وقد تكون إيبارشية بالنسبة إلى أب أسقف. وقد تكون شعباً أو شعوباً كمسئولية الآباء، وغيرهم من الأنبياء. وقد تكون الكنيسة كلها التى يقدمها المسيح، حينما يسلم الملك للآب (1كو24: 15)، أو هى أورشليم السمائية التى أبصرها القديس يوحنا الرائى.
"... كعروس مزينة لعريسها" (رؤ2: 21).
نعم، هذه هى وظيفة الخدام والوعاظ والكهنة والرعاة وكل صيادى الناس، أن يهيئوا هذه العروس - أى النفوس - لعريسها، مزينة بالفضائل "معطرة بالمرّ واللبان، وبكل أذرة التاجر" (نش6: 3).
إنهم يهيئون النفوس، فتبدو جميلة أمام الرب.
تلبس ثوب البر، أو تلبس ثياباً من نور، وينشدون لها تلك الأغنية الجميلة "كل مجد إبنة الملك من داخل، مشتملة بثياب موشاة بالذهب، ومزينة بأنواع كثيرة" (مز45).
كان هذا أيضاً هو عمل الأنبياء فى العهد القديم، وعمل الوحى الإلهى، الذى هيأ شعباً مستعداً لقبول الخلاص والفداء والتجسد الإلهى، بنبوءات ورموز...
وهو أيضاً عمل الملائكة القديسين الذين قيل عنهم:
"أليسوا جميعهم أرواحاً خادمة، مرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص" (عب14: 1).
هؤلاء هم الملائكة الحالة حول خائفى الرب وتنجيهم من كل شر... هؤلاء الذين نقول عنهم للرب فى صلواتنا باستمرار "احطنا يارب بملائكتك القديسين، لكى نكون فى معسكرهم محفوظين ومرشدين".
تهيئة النفوس هى أيضاً مسئولية كل الذين يعملون فى كرمه. فأحدهم يغرس، والثانى يسقى، والله ينمى. وكلهم عاملون مع الله (1كو9، 6: 3)... ولكن من أجل قلة العاملين فى تهيئة النفوس للرب، لذلك يقول لنا:
الحصاد كثير، ولكن الفعلة قليلون. أطلبوا إلى رب الحصاد أن يرسل فعلة لحصاده "(مت37: 9).
ومع ذلك يحتاج الرب إلى فعلة من نوعين... لا يكونون مثل أولئك الكرامين الأردياء الذين قال لهم الرب "ملكوت الله ينزع منكم، ويعطى لأمة تعمل ثماره" (مت43: 21). والذى يهيئ للرب شعباً مستعداً عليه أن يكون طويل البال، لا يضجر بسرعة. حتى إن كانت الشجرة لا تصنع ثمراً لسنوات طويلة، لا يقطعها للتو، بل يتركها سنة أخرى، وينقب حولها ويضع زبلاً، لعلها تأتى بثمر (لو8: 13).
هناك كثيرون مسئولون أن يهيئوا للرب شعباً مستعداً، منهم الآباء والأمهات فى محيط الأسرة.
الأطفال فى أيديهم عجينة لينة يمكنهم تشكيلها بالطريقة التى ترضى الرب، بالتعليم والتدريب، وبالقدوة الحسنة، وبوضع الأساس الروحى القوى، الذى تبنى عليه الحياة الروحية راسخة، لا تزعزعها محاربات العدو من الخارج...
للأسف كثير من الأسرات، تهمل تربية أولادها، معتمدة على الكنيسة ومدارس الأحد. ولكن هذا لا يعفيها مطلقاً من المسئولية أمام الله ناسين قول الكتاب:
"ربّ الولد فى طريقه. فمتى شاخ أيضاً، لا يحيد عنه" (أم6: 22).
وأيضاً قول الرسول "أيها الآباء لا تغيظوا أولادكم، بل ربوهم بتأديب الرب وإنذاره" (أف4: 6).
إن التاريخ يحدثنا عن أمهات قديسات، أعددن للرب أبناء صالحين قادوا شعوباً. مثل يوكابد الذى كان من ثمرة بطنها وتربيتها موسى النبى، ومريم النبية، وهارون رئيس الكهنة. وكذلك تلك الأم القديسة التى أنجبت القديس باسيليوس الكبير رئيس أساقفة فيصرية كبادوكيا، وأخيه القديس غريغوريوس أسقف نيصص، وأخيه القديس بطرس أسقف سبسطيه، وأختهم القديسة ماكرينا المرشدة الروحية ورئيسة دير...
هؤلاء الأمهات القديسات أدركن عمل الإشبين فى الكنيسة.
الكنيسة تسلم الأمهات الأطفال بعد المعمودية لكى يقمن - كإشبينات - بتربية هؤلاء الأطفال تربية روحية فى مخافة الله ومحبته. فإن قامت الأمهات بواجبهن الروحى، يمكنهن حينئذ إعداد شعب مستعد للرب. وتستطيع الأم أن تعطى إبنها من الروحيات أضعاف ما تعطيه له مدارس الأحد، وتحفظ له النقاوة التى خرج منها من المعمودية، بل تنميها أكثر وأكثر. وتهيئ أبناءها للرب وخدمته... وينشأ الأبناء على حياة القداسة فى (كنيسة البيت)...
كذلك عمل الكنيسة أن تهيئ للرب شعباً مستعداً...
تقوم بتهيئة عن طريق الكرازة ونشر الإيمان، وعن طريق الأسرار المقدسة: وبخاصة المعمودية والمسحة المقدسة، وسرّى التوبة والإفخارستيا. وكانت الكنيسة فى القديم تهيئ المؤمنين للعماد عن طريق فصول الموعوظين، وشرح قانون الإيمان لهم كما فى كتاب القديس كيرلس الأورشليمى.
بل كانت الكنيسة تعدّ شعباً مستعداً للإستشهاد.
تعلّمه تفاهة الحياة الأرضية، وتدربه على حياة الزهد فى المادية وتثبته فى حياة الإيمان، وتشرح له كيف أن الموت مع المسيح أو لأجل المسيح يؤهله إلى الحياة معه فى الفردوس. وأن الموت ليس سوى إنتقال إلى حياة أفضل فى عشرة الله وملائكته وقديسيه...
وما أكثر الكتب التى حفظتها لنا مكتبة أقوال الآباء وموضوعها [ا لحث على الإستشهاد]... وبهذا كله كان الشهداء يتقبلون العذابات والموت فى شجاعة وفرح...
كانت الكنيسة تعدّ المؤمنين أيضاً للأبدية.
تعدّهم لملاقاة الرب، سواء فى الموت الشخصى أو فى مجئ الرب. وكانوا يستخدمون عبارة (ماران آثا) أى ربنا أتِ، كما كتب القديس بولس الرسول (1كو22: 16).
تعدّهم للأبدية، بعدم الخوف من الموت، وبحياة التوبة والقداسة، وبالتعليق بالسماء والحياة الأخرى. وبقول بولس الرسول "لى إشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح. ذاك أفضل جداً" (فى23: 1).
كانت الكنيسة تعدّهم ضد الشكوك والهرطقات.
بتثبيتهم فى الإيمان المستقيم، وبقول القديس بطرس "مستعدين فى كل حين، لمجاوبة كل من يسألكم عن سبب الرجاء الذى فيكم" (1بط15: 3).
وكانت الكنيسة تعدّ شعبها بالرد على كل الهرطقات والبدع، وبالمجامع المقدسة وكتب الآباء وبالتعليم القوى، حتى لا ينحرف أحد عن إيمانه بما يبذره المبتدعون من شكوك...
وكانت الكنيسة بمداومة التعليم تهيئ للرب شعباً مستعداً.
كما قال القديس بولس لتلميذه تيموثاوس "لاحظ نفسك والتعليم وداوم على ذلك. فإنك إن فعلت هذا، تخلص نفسك والذين يسمعونك أيضاً" (1تى16: 4). وهكذا كانت الكنيسة تشترك أن يكون الأسقفل صالحاً للتعليم (1تى2: 3) "لكى يكون قادراً أن يعظ بالتعليم الصحيح، ويوبخ المناقضين" (تى9: 1). وحتى بالنسبة إلى المخطئين، تقول الدسقولية "اصلح الذنب بالتعليم".
وكانت الكنيسة تعدّ للرب شعباً، بالتأديب أيضاً...
كما يقول القديس بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس الأسقف "وبخ انتهر عظ" (2تى2: 4) "الذين يخطئون وبخهم أمام الجميع، لكى يكون عند الباقين خوف" (1تى20: 5). ومن أجل الإحتفاظ بقدسية الكنيسة أمر القديس بولس من جهة خاطئ كورنثوس "أن يسلّم مثل هذا للشيطان لإهلاك الجسد، لكى تخلص الروح فى يوم الرب" (1كو5: 5). ووبخ أهل كورنثوس قائلاً لهم "اعزلوا الخبيث من بينكم" (1كو13: 5).
ويقول القديس يهوذا غير الإسخريوطى "وخلصوا البعض بالخوف، مختطفين من النار، مبغضين حتى الثوب المدنس من الجسد" (يه23).
وكانت الكنيسة تهيئ للرب شعباً، عن طريق الصلاة وتشجيع صغار النفوس والضعفاء.
إذ يقول الرسول فى ذلك "شجعوا صغار النفوس، اسندوا الضعفاء، تأنوا على الجميع" (1تس14: 5). ويقول أيضاً "اذكروا المقيدين كأنكم مقيدون معهم، والمذلين كأنكم أنتم أيضاً فى الجسد" (عب3: 13).
وقيل عن السيد المسيح له المجد إنه كان "قصبة مرضوضة لا يقصف، وفتيلة مدخنة لا يطفئ" (مت20: 12).
ومن أجل تهيئة شعب مستعد لله، كانت الكنيسة تصلى أن يرسل الرب فعلة لحصاده، وأن يعطى الرب قوة للخدام، وحكمة للرعاة وسمعاً وقبولاً من المخدومين.
كذلك تشجع الشعب على السهر الدائم على خلاص أنفسهم، كما قال الرب "اسهروا وصلوا لئلا تدخلوا فى تجربة" (مت41: 26). وكما قيل عن حراسات الليل إنهم كانوا "كلهم قابضون سيوفاً ومتعلمون الحرب. كل رجل سيفه على فخذه من هول الليل" (نش8: 3).
والكنيسة تعدّ للرب شعباً مستعداً فى الحروب الروحية.
تقول لأولادها "اصحوا واسهروا لأن إبليس خصمكم كأسد زائر، يجول ملتمساً من يبتلعه هو. فقاوموه راسخين فى الإيمان" (1بط9، 8: 5). وتجعلهم مستعدين لملاقاته، بضبط النفس، وبالصلاة، والتداريب الروحية، والمداومة على الإعتراف والتناول، مستعدين ضد كل غواية وفكر "مستأسرين كل فكر لطاعة المسيح" (2كو5: 10). فى كل ما قلناه إسأل نفسك:
كم نفساً إستطعت أن تهيئها للرب، حتى تكون مستعدة للحياة معه والثبات فيه؟
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.
- الباب الأول : الخدمة أهميتها – مجالاتها – فاعليتها
- الباب الثانى قوة الخدمة
- الباب الثالث النمُوّ فى الخدمة
- الباب الرابع التعب فى الخدمة
- الباب الخامس مسحنى لأبشر المساكين
- الباب السادس خِدمة الذين ليس لهم أحَد يذكرهم
- الباب السابع يُهيئ لِلربّ شعبَاً مستعدَاً
- الباب الثامن تكونون لى شهوداً
- الباب التاسع الخادم داخل الأسرة