الباب التاسع الخادم داخل الأسرة

الباب التاسع الخادم داخل الأسرة

وضع خاطئ:

العجيب أن كثيراً من الخدام عندهم إزدواج فى الشخصية:

فهم فى محيط الخدمة بطريقة، وداخل الأسرة بطريقة أخرى عكسية

فى مدارس الأحد: ملاك طاهر، إنسان لطيف، بألفاظ كلها إتضاع ورقة، كان يقول "صلوا من أجلى، أنا الخاطئ، أنا الضعيف، غير المستحق"... أما داخل الأسرة، فهذا الخاطئ غير المستحق يبدو على حقيقته، الغضب والعنف، وربما الإنتهار والشتيمة والضرب...! لذلك فالشخص الذى يرشح للكهنوت من الخدام، لا تكفى فكرة زملائه الخدام عنه، إنما أيضاً رأى أفراد أسرته فيه...

ربما يحاول أن يكون قدوة خارج الأسرة، ولكنه فى أسرته غير ذلك. قد يفتقد ويخدم الكثيرين خارج الأسرة. ولكن لا خدمة له داخل أسرته.

وأحياناً يخدم داخل أسرته، فيتحول إلى رقيب على كل أحد، عنيف فى رقابته، معلم ومؤدب، يأمر وينهى، بطريق تنفر من الدين.

أتذكر خادما ً أيامنا، رأى عند أخته فى البيت أدوات مكياج، فثار عليها، وشتمها وصفعها على وجهها، وألقى بأدوات المكياج من البلكون!! فهل هذا أسلوب روحى فى الخدمة؟! وهل هذه طريقة تجعل أخته تحب التدير، أو تحترم خدام الكنيسة... بل لا مانع عند مثل هذا (الخادم) من أن ينتهر أباه وأمه، إن كان تصرف أحدهما لا يعجبه.

فهو إما أنه لا يخدم داخل الأسرة، أو يخدم بكبرياء وعنف.

وقد ينطوى على نفسه داخل أسرته، ويشكو من أنه يعثر من الأسرة، وأنه على خلاف بينهم فى كل المبادئ الروحية. وقد يحدث أن أسرته تمنعه من الخدمة ومن الكنيسة، لأنها ترى أن (تدينه) قد حوله إلى الصلف وإلى العنف، والبعد عن المحبة واللطف. أو ترى أنه قد أهمل دروسه وواجباته بحجة الخدمة ومواعيدها ومتطلباته.. بل أن أسرته هى التى تعثر منه ومن تصرفاته!

هنا ونسأل - من الناحية الإيجابية – عن كيفية الخدمة داخل الأسرة...

كيف يخدم؟

1 - بالتعاون مع أهل البيت:

هناك خادم يعطى درساً عن السامرى الصالح فى مدارس الأحد. ولكنه لا يكون سامرياً صالحاً فى بيته. إن الدين ليس مجرد معلومات تُلقى على الناس، إنما هى حياة نحياها... لذلك كن خدوماً ومتعاوناً فى البيت.

تدخل البيت، فلا تجد والدتك قد انتهت من تجهيز الطعام بعد..

فلا تغضب ولا تلقى محاضرة فى حفظ المواعيد، إنما أدخل وساعدها فى تجهيزه، كن معها أيضاً فى إعداد المائدة. وإن إنتهيت من تناول طعامك، فلا تتركهم يحملون بقاياك ويغسلون أطباقك. وإنما اشترك فى ذلك. هل الأمر يكلفك بضع دقائق؟ إنها شئ بسيط تساهم به فى مساعدة والدتك وأخواتك. بل تنال بركة دعاء الوالدة ومحبتها لك لأنك تساعدها ولا تتركها وحدها.

بعض (الخدام) لا يكتفون بعدم تعاونهم فى خدمة البيت. بل يحّملون أهل البيت ثقلاً فى خدمتهم.

يستيقظون من النوم، ويخرجون إلى العمل، ويتركون كل شئ مبعثراً فى حجرتهم، لمن يتولى عنهم ترتيبه! لماذا لا ترتب فراشك حالماً تستيقظ من نومك؟ ولماذا لا ترتب ملابسك ومكتبك قبل أن تخرج من البيت. لماذا تعتبر أن الخدمة هى فقط تحضير الدروس وإلقاؤها. أليست الخدمة هى أيضاً التعاون مع أهل البيت؟

لماذا لا تتعاون مع أخوتك الصغار فى أن تشرح لهم دروسهم.

أو تساعدهم فى ما يحتاجون إليه. وهكذا يحبونك ويتعلقون بك. وبهذا الحب يمكنك أن تفيدهم روحياً.

لماذا لا تتعلم بعض الهوايات التى تستطيع بها أن تصلح بعض الآلات الكهربية فى البيت أو ما يشابهها، فتساعدهم اقتصادياً بدلاً من إنقاقهم على ذلك؟

2 - نقطة أخرى فى خدمتك للبيت هى البشاشة والمحبة.

كن فى بيتك بشوشاً، تشيع جواً من البهجة والفرح فى البيت، وتجعل الكل يحبونك، وبخاصة الصغار، بوجهك البشوش الحلو، وبابتسامتك اللطيفة، وما تقصه على أخوتك من حكايات وألغاز، بمرحك ولطفك...

ولا تكن مثل أولئك الذين لا يحفظون من بستان الرهبان غير عبارة "ادخل إلى قلايتك وأبكِ على خطاياك"، ولا يحفظون من الكتاب المقدس سوى قول الحكيم "بكآبة الوجه يصلح القلب" (جا3: 7). وهؤلاء يكتفون فقط بحياة التجهم والكآبة والتزمت والبكاء، بل يريدون أن يكون كل أهل البيت مثلهم مكتئبين!!

يشيعون أن الضحك خطية! ويلومون كل من يضحك!

وإن ضحك أهل البيت، يعتبرون هذا منهم إنحلالاً!! وينسون قول الكتاب "وللضحك وقت" (جا4: 3)، وقول الكتاب "افرحوا فى الرب كل حين، وأقول أيضاً افرحوا" (فى4: 4). وإن من ثمار الروح "محبة فرح وسلام" (غل22: 5).

إن القديس أرسانيوس أشتهر بالدموع، ولكنه أمام الناس كان بشوشاً. فلا تجعل أهل بيتك يتصورون أن كل من يدخل فى الحياة الدينية، تتحول حياته إلى كآبة، لئلا يخافوا من التدين بسببك!! بل إعطهم فكرة عن البشاشة الروحية وسلام القلب.

3 - نقطة ثالثة فى خدمتك للأسرة هى إحترامك للكل.

احترس من أن يكبر قلبك بسبب تدينك، فتحتقر الآخرين أو تدينهم، أو أن تكلمهم من فوق...! لأن كثيرين حينما دخلوا إلى محيط الخدمة، وضعوا فى ذهنهم لافتة مكتوب عليها "عظ، وبخ، انتهر" (2تى2: 4). وبهذا الإنتهار أصبح أهل البيت يحترسون من ألفاظهم القاسية، وتعبيراتهم الخالية من الإحترام بالنسبة إلى الكبير والصغير. وينسون أن هذه العبارة قد أرسلها القديس بولس الرسول إلى تلميذه القديس تيموثاوس الأسقف، وذكر له الأسلوب "بكل أناة وتعليم" (2تى2: 4).

فهل أنت تقيم نفسك اسقفاً للبيت، أم أنت مجرد خادم؟

وحتى الأسقف لا يكون دائم التوبيخ، بل قيل له بالنسبة إلى الكبار "لا تنتهز شيخاً، بل عظه كأب، والعجائز كأمهات، والأحداث كأخوة.." (1تى1: 5). بل قيل عن الأسقف أيضاً أنه يكون محتشماً حليماً غير مخاصم (1تى3، 2: 3) ولا يكون غضوباً (تى7: 1)..

فلا تجعل محبة الخدمة تخرجك عن فضيلة الأدب وإحترام الغير.

والرسالة الروحية التى تريد أن تنقلها إلى الآخرين، قدمها لهم بكل محبة ولطف وإحترام، وفى عفة اللسان، وبتواضع القلب... حتى أخوتك الصغار، إن طلبت منهم طلباً، وقلت للواحد منهم "عن إذنك.. لو تسمح.. ممكن كذا".. هونفسه سيتعلم منك هذا الأسلوب الرقيق، ويستخدمه فى حديثه مع غيره، وبهذا تكون قد خدمته عن طريق القدوة العملية.

حاول فى خدمتك العائلية أن لا تجرح شعور أحد.

ولا تتكلم بكلمة تجرح شعور إنسان. بل إحترم الكل، فيحترمونك ويتعلموا منك إحترام غيرهم، ويتعلموا أيضاً اللطف فى الحديث، وأدب التخاطب، والنصح الهادئ. وإن كانت هناك نصيحة تقدمها لأبيك أو أمك، أو من فى مستواهما، فاحرص جيداً ألا تتكلم كمعلم...! احتفظ بتوقير من هو أكبر منك سناً أو مقاماً.

4 - يمكنك – بالنسبة إلى الكبار – أن تقدم التعليم غير المباشر.

كأن تحكى قصة هادفة من قصص الآباء، أو تأملاً فى أية معينة دون أن توجهها إلى أحد معين، أو خبرة لحكيم، أو فكاهة لطيفة تؤدى نفس الغرض، مع حذف كل عبارة موجعة يتصادف وجودها فى ما تقصه من القصص.

واحذر من أن تجلس إلى أبيك وتقول له "أريد يا بابا أنى أكلمك كلمتين من أجل خلاص نفسك؟.. كما لو كان خلاص نفسه فى خطر، أو كان هالكاً يحتاج إليك أن تنفذه... بل يمكن أن تحكى قصة لأخوتك الصغار، ويسمعها أبوك عفواً أو قصداً...

5 - يجب فى خدمتك العائلية أن تتصف بالتواضع والحكمة.

لا شك أن الحكمة تعلمك التواضع، وتعلمك الأسلوب المهذب الذى تتكلم به. ولا تظن أنك لكى تصلح الكبار تتجرأ عليهم، أو لكى تصلح الصغار تتسلط عليهم. ولا تستخدم أسلوباً – فيما تحاول به أن تخلص غيرك – تهلك نفسك.

كن صغيراً باستمرار فى محيط أسرتك. لا تشعرهم فيما تقدمه من نصائح، أنك أصبحت أوسع منهم فكراً، وأكثر معرفة، أو أنك أكثر منهم روحانية، وأنقى منهم قلباً...!

إنك بهذا الأسلوب المتعالى، تخسر صداقتهم، وتخسر نفسك.

ماذا تستفيد إن كانت طريقتك فى الخدمة قد علمتك السيطرة، وعودتك على الغضب والإنتهار وقساوة القلب. وأوجدت حاجزاً بينك وبين قلوب الآخرين؟!

تعلم إذن البشاشة واللطف، قبل أن تبدأ أية خدمة.

وأعرف أن كل نفس حساسة، وعليك إذن أن تراعى حساسيتها فى خدمتك لها.

6 - اعرف أن عملك هو الإقناع وليس الإرغام.

أنت مجرد شاهد للحق، كما أمرنا الرب قائلاً "تكونون لى شهوداً" (أع8: 1). أما أن تزعم أهلك وأخوتك على السلوك السليم، فليس هذا هو عملك. بل إن الله نفسه قال للشعب "أنظر قد جعلت اليوم قدامك الحياة والخير، والموت والشر.. قد جعلت قدامك الحياة والموت، البركة واللعنة، فاختر الحياة لكى تحيا" (تث19، 15: 30)، فإن أقنعتهم بالخير، وفعلوه باختيارهم، ينالون أجرهم على ذلك. أما إن فعلوا الخير إضطراراً بضغط منك، وبدون إقتناع، فأى أجر ينالونه؟!

لا تظن خدمتك أن تنصح، وترغم، وتوبخ، وتهدد، وتعاقب.

ليس هذا هو أسلوب خدمة تتخذه مع أخوتك الصغار أو أخواتك، أو مع الكبار بأسلوب أقل. وإلا فسوف تقول الأسرة عنك "ليته ما دخل فى محيط الخدمة. لقد كان قبل ذلك أكثر لطفاً وحباً وإحتراماً لغيره...

فى خدمتك لا تفقد أحداً حريته، إنما ساعده أن تتجه حريته نحو الخير. ساعد أفراد أسرتك أن يحبوا الله. وإن أحبوه سوف يحبون الخير، وسوف يفعلون الخير تلقائياً، دون إرغام، ودون توبيخ. وستكون إرادتهم قد تطهرت...

7 - وفى خدمتك احترس من الحرفية فى التعليم.

لا تكن فريسياً فى تعليمك، سواء فى داخل البيت أو خارجه.

ونذكر بهذه المناسبة موقفك من وسائل الترفيه فى داخل الأسرة أو فى خارجها. لا موقفاً حرفياً يكون سبب نكد وعكننة على الأسرة كلها، ولا موقفاً متسيباً لا قدوة فيه ولا ضوابط. إنما تصرف فحكمة، بخط واضح سليم بين الخير والشر، بحيث تكون مقنعاً، ولا متطرفاً فى رأيك، ولا مستبداً بفكرك بدون إقناع.

من حقهم أن يكون لهم ترفيه. ومن واجبهم أن هذا الترفيه يكون نقياً بلا خطأ.

لا تعاملهم كرهبان أو نساك زاهدين. وأيضاً نبههم إلى مواضع الخطأ، بحكمة وباستمرار اعطِ صورة مشرقة عن تدينك.

لا تقدم لهم الدين كدواء مرّ يجب عليهم أن يشربوه لكى يشفوا ويصحوا، إنما قدمه كمتعة روحية لهم. ولا مانع من أن يتدرجوا فى ذلك. كما فعل الآباء الرسل مع الداخلين فى الإيمان من الأمم (أع29، 28: 15). وكما قال القديس بولس الرسول لأهل كورنثوس "سقيتكم لبناً لا طعاماً، لأنكم لم تكونوا بعد تستطيعون" (1كو2: 3).

8 - قدم لهم فى خدمتك، أنموذجاً بنجاحك فى حياتك.

سواء فى حياتك الدراسية بتفوقك الذى تفرح به أسرتك، أو فى حياتك الإجتماعية بكونك موضع محبة وثقة الآخرين، أو فى حياتك الروحية بكونك بلا لوم، لا يمسك عليك أحد خطأ، أو فى حياتك العملية بصفة عامة.

إن رأوك هكذا مثالاً طيباً، يحترمون حياتك، وبالتالى يحترمون أيضاً أسلوبك ومبادئك، فيتخذونك قدوة لهم. وهكذا تكون قد جذبتهم عملياً إلى طريق الرب الذى أحبوه فى حياتك.

تحبك أسرتك، وتفتخر بك، وتقبل كلامك إن تحدثت عن الله، وإن دعوتهم إلى الكنيسة، يذهبون معك. بل قد تجد اباك يقول لأخيك الصغير "تعلم من أخيك فلان، وانظر كيف هو ناجح ومحبوب ولايخطئ فى شئ.

حينما تكون ناجحاً ومتفوقاً، وتأخذ حق الله من نفسك، قبل أن تأخذه من غيرك، حينئذ تكون موفقاً أيضاً فى خدمتك لأسرتك.

لأنك ستكون إنساناً متوشحاً بالفضيلة، ولست مجرد متحدث عن الفضيلة. وسوف تكون درساً لغيرك، حتى لو كنت صامتاً لم تتحدث...

9 - يمكنك بعد كل هذا أن تلقى كلمة الله.

ابدأ بأخوتك الصغار. إنهم يحبون الحكايات وسيحبونك جداً إن سمعوا منك حكايات، من الكتاب، من سير القديسين، من قصص الحيوانات، من أخبار التاريخ... وأيضاً هم يحبون الأناشيد. علمهم تراتيل وألحاناً. وحفظهم أيضاً أيات من الكتاب، وقدم لهم مسابقات وألغازاً... وسوف يكونون فصلاً خاصاً لك. حتى لو بدأت بطفل واحد، ثم جرّ وراءه أطفالاً من فروع الأسرة، أو من أصدقائها وجيرانها.

وسيأتى وقت تحب والدتك أن تسمع حكايتك، منهم أو منك وكذلك والدك... ويمكن أن تكون الحكايات أثناء الجلوس على المائدة، أو فى حجرة المعيشة، مقدمة للأطفال، وسيسمعها الكبار معهم، بطريق غير مباشرة.

10 - العبادة فى محيط العائلة:

يمكن للأسرة المتدينة، أن يكون لها عبادة مشتركة، بصفة عامة، أو جزئية... إنه موضوع يحتاج إلى مقال خاص.

نصائح لخدمة أسرتك

1 - لا تكن عثرة للأسرة بل اجعلهم يحبون التدين فى شخصك، ويحترمون اسلوبك فى الحياة.

2 - كن لطيفاً فى ما تقدمه من نصائح. وابعد عن روح الكبرياء والتسلط. بل احترم الكل.

3 - لا تحاول أن تفرض عليهم جواً من الخشوع الإجبارى، او جواً م التزمت والتضييق.

4 - كن حكيماً فى أصوامك، ولا تسبب قلقاً للأسرة. ولا تجعلها تشكو خوفاً عليك، فينكشف صومك خارج الأسرة.

5 - كذلك كن حكيماً فى عبادتك وخدمتك، ولا تدعها تؤثر على حياتك الدراسية، ولا على مسئولياتك العائلية.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

الباب الثامن تكونون لى شهوداً

المحتويات
المحتويات

المحتويات