هذا الفصل هو جزء من كتاب: الخدمة الروحية و الخادم الروحي الجزء الثاني – الباباشنودة الثالث .
جدول المحتويات
- الباب الأول : الخدمة أهميتها – مجالاتها – فاعليتها
- الباب الثانى قوة الخدمة
- الباب الثالث النمُوّ فى الخدمة
- الباب الرابع التعب فى الخدمة
- الباب الخامس مسحنى لأبشر المساكين
- الباب السادس خِدمة الذين ليس لهم أحَد يذكرهم
- الباب السابع يُهيئ لِلربّ شعبَاً مستعدَاً
- الباب الثامن تكونون لى شهوداً
- الباب التاسع الخادم داخل الأسرة
الباب الرابع التعب فى الخدمة
كل واحد سيأخذ أجرته بحسب تعبه (1كو8: 3).
ولسنا نقصد هنا تعب العالم الباطل، بل التعب لأجل الملكوت.
أما تعب العالم الباطل، فهو يشبه تعب سليمان فى أمور الرفاهية والغنى، حيث قال بعد ذلك "ثم التفت أنا إلى كل أعمالى التى عملتها يداى، وإلى التعب الذى تعبته فى عمله، فإذا الكل باطل وقبض الريح، ولا منفعة تحت الشمس" (جا11: 2). أما التعب الذى تتعبه لأجل الله، فهو تعبك من أجل خلاص نفسك، ومن أجل بناء الملكوت. وسوف نركز الآن على هذا التعب فى الخدمة.
إن كل تعب تتعبه من أجل الله، هو محفوظ لك فى ملكوته.
بقدر ما تتعب هنا، ترتاح فى الأبدية. وبقدر ما تحتمل هنا سوف تتنعم هناك. وكما قال أيوب الصديق "هناك يستريح المتعبون" (أى17: 3). وبحسب تعبك لأجل الله: على الأرض يحسن مستواك الروحى، وفى الأبدية يحسن مصيرك. وهؤلاء الذين تعبوا فى بناء ملكوته "يستريحون من أتعابهم، وأعمالهم تتبعهم" (رؤ13: 14).
وما أجمل قول القديس بولس الرسول عن التعب فى الخدمة:
"إذن يا أخوتى الأحباء، كونوا راسخين غير متزعزعين، مكثرين فى عمل الرب كل حين، عالمين أن تعبكم ليس باطلاً فى الرب" (1كو58: 15).
ذلك "لأن الله ليس بظالم حتى ينسى عملكم وتعب المحبة الذى أظهرتموها نحو إسمه، إذ قد خدمتم القديسين وتخدمونهم" (عب10: 6). نعم، هؤلاء سوف يستقبلهم الرب بعبارته المعزية "تعالوا إلىّ يا جميع المتعبين والثقيلى الأحمال، وأنا أريحكم" (مت28: 11). أريحكم ليس على الأرض فقط، بل فى السماء أيضاً. على الأرض ترتاح ضمائركم وقلوبكم. وفى السماء ترتاح أرواحكم..
قال بولس الرسول عن عمله فى الخدمة "أنا غرست، وأبولس سقى.. والغارس والساقى هما واحد. ولكن كل واحد سيأخذ أجرته بحسب تعبه" (1كو8، 6: 3).
إن الأنصبة فى الملكوت ليست واحدة.
فكما يقول الرسول "لأن نجماً يمتاز عن نجم فى المجد" (1كو41: 15) ومادام الله سوف "يجازى كل واحد بحسب عمله" (مت27: 16)... إذن عليك أن تبذل كل جهدك فى خدمة الله، وأنت هنا على الأرض، عالماً أن الله يرقب عملك، ويحسب لك كل تعبك. كما قال لملاك كنيسة أفسس "أنا عارف أعمالك وتعبك وصبرك... وقد إحتملت ولك صبر، وتعبت من أجل إسمى ولم تكل" (رؤ3، 2: 2).
إن تعبك يدل على مقدار محبتك لله وملكوته.
فالذى يحب الله، لا يسمح أن يعطى لنفسه راحة. بل يجاهد حتى يوصل كل إنسان إلى قلب الله. كما قيل عن داود النبى ونذره لإله يعقوب "إنى لا أدخل إلى مسكن بيتى، ولا أصعد على سرير فراشى، ولا اعطى لعينى نوماً، ولا لأجفانى نعاساً... إلى أن أجد موضعاً للرب، ومسكناً لإله يعقوب" (مز2: 132 - 5). فاسأل نفسك: ما هو مقدار تعبك من أجل الرب؟
هوذا بولس الرسول الذى تعب أكثر من جميع الرسل (1كو10: 15)، يشرح لنا بعضاً من أتعابه فى الخدمة، فيقول:
"... فى الأتعاب أكثر، فى الضربات أوفر، فى السجون أكثر، فى الميتات مراراً كثيرة. من اليهود خمس مرات قبلت أربعين جلدة إلا واحدة. ثلاث مرات ضربت بالعصى. مرة رجمت... بأسفار مراراً كثيرة. بأخطار سيول، بأخطار لصوص، بأخطار من جنسى... بأخطار من الأمم، بأخطار فى المدينة، بأخطار فى البرية، بأخطار فى البحر، بأخطار من أخوة كذبة. فى تعب وكد، فى أسهار مراراً كثيرة. فى جوع وعطش... فى برد وعرى. عدا ما هو دون ذلك: التراكم علىّ كل يوم، الإهتمام بجميع الكنائس..." (2كو23: 11 - 28).
وانت يا أخى، ما هو تعبك فى الخدمة، إذا قورن بكل هذا؟ أعرف أن كل ما تتعبه فى خدمة، مسجل لك فى سفر الحياة.
حينما تفتح الأسفار فى يوم الدينونة، وحينما تُكشف كل الأعمال، ستجد كل ما عملته مسجلاً لك... حتى كأس الماء البارد الذى تقدمه لأجل الله، هذا أيضاً لا يضيع أجره (مت42: 10). كل خطوة تخطوها إلى الكنيسة، أو فى إفتقاد إنسان، هذه أيضاً محسوبة لك، تنال أجرها فى الملكوت... كل حبة عرق تسكبها، كل كلمة تعزية تقولها... كل ذلك مسجل لك فى سفر الحياة.
لا تقل أنا تعبان فى الخدمة، ولا يشعر بى أحد!
كلا، فإن الله يقول لك تلك العبارة التى كررها لكل ملاك من ملائكة الكنائس السبع: "أنا عارف أعمالك" (رؤ3: 2). حتى إن لم تجد تقديراً على الأرض، ستجد كل التقدير فى السماء. والأعمال المخفاة سوف تظهر، وتنال عليها أجراً أكبر... بل صدقنى، حتى أتعابك التى قد نسيتها أنت، هى محفوظة عند الله. إنه يذكرها لك، لن ينساها. وسوف يقول لك فى ذلك اليوم، مع كل أخوتك الذين تعبوا مثلك وخدموا:
"تعالوا يا مباركى الرب. رثوا الملك المعد لكم منذ تأسيس العالم" (مت34: 25).
إن الله لا يمكن أن ينسى تعبك وخدمتك. بل أقول إنه حتى الرسل لم ينسوا أبداً الذين تعبوا معهم فى الخدمة. هوذا بولس الرسول يقول فى رسالته لأهل رومه "سلموا على مريم التى تعبت لأجلنا كثيراً... سلموا على تريفينا وتريفوسا التاعبتين فى الرب. سلموا على برسيس المحبوبة التى تعبت كثيراً فى الرب" (رو12، 6: 16). وعندما أرسل إلى تلميذه تيموثاوس، أوصاه أن يقيم اعتباراً حسناً، فليحسبوا أهلاً لكرامة مضاعفة، ولا سيما الذين يتعبون فى الكلمة والتعليم "(1تى17: 5).
فإن كان الرسول يذكر الذين تعبوا، فكم بالأكثر يذكرهم الله.
لذلك لا تفكر أبداً أن تعطى نفسك راحة فى خدمتك. بل اتعب فى تحضير الدروس وفى الإطلاع، واتعب فى الإفتقاد وفى حل مشاكل الناس. واصبر فى إحتمال المقاومات التى تصادفك فى الخدمة، ولا تترك خدمتك بسببها. اتعب فى إعادة الشاردين من الله الرافضين التوبة، وكما قال الرسول "خلصوا البعض بالخوف، مختطفين من النار" (يه23). واذكر قول الكتاب:
"من رد خاطئاً عن ضلال طريقه، يخلص نفساً من الموت ويستر كثرة من الخطايا" (يع20: 5).
حقاً إن النفس الثمينة التى مات المسيح لأجلها، تستحق منك أن تبذل كل تعب فى سبيل خلاصها. لذلك جاهد لا تيأس، حتى إن تأخر ثمر تعبك فى الظهور. استمر. لا تترك غيرك يتعب، وأن تدخل على تعبه (يو38: 4). بل ا شترك فى التعب، أياً كان الجهد الذى تبذله.
ولا تقف لتتفرج على الذين يتعبون. فملكوت الله ليس للمتفرجين.
إنما الملكوت للذين يتعبون فى بنائه. تأمل كيف تعب القديس أثناسيوس الرسولى فى حفظ الإيمان وفى مقاومة الأريوسين، حتى أنه نفى عن كرسيه أربع مرات. وتأمل كيف تعب بولس الرسول، واستطاع أن يقول أخيراً:
"جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعى، حفظت الإيمان. وأخيراً قد وُضع لى إكليل البر.." (2تى7: 4). تأمل أيضاً كيف تعب نحميا كثيراً لكى يبنى سور أورشليم. وكيف لا قى مقاومات، وبر عليها حتى أكمل عمله...
واعلم أنك فى خدمتك، سيشترك الله معك. ولن يتركك تتعب وحدك.
ونحن نصلى فى الكنيسة ونقول للرب "اشترك فى العمل مع عبيدك" والقديس بولس الرسول يقول عن نفسه وعن أبولس "نحن عاملان مع الله" (1كو9: 3)... إن الله باستمرار يعين خدامه فى خدمتهم: يعمل معهم، ويعمل فيهم، ويعمل بهم. لذلك فى خدمتك، حاول أن تكون مجرد آلة فى يد الله يعمل بها وصلّ فى قلبك هذا المزمور:
إن لم يبن الرب البيت، فباطلاً تعب البناءون "(مز1: 127).
لذلك فالخدمة تحتاج أيضاً إلى تعب فى الصلاة لأجلها، لكى يتولاها الله بعنايته، ولكى تشعر بيد الله فيها. لأنك ربما تفكر أن التعب فى الخدمة، هو مجرد تعب ذراعك البشرى. كلا. فقد قال الرب "بدونى لا تقدرون أن تعملوا شيئاً" (يو5: 15). لذلك جاهد فى أن تشرك الله معك فى الخدمة، بصلوات، بأصوام، بمطانيات، بصراع مع الله...
وحذار من أن تبحث عن الخدمات السهلة، أن تدخل فى الخدمة من الباب الواسع!
ذلك لأن كثيرين من الذين لا يحبون التعب فى الخدمة يهربون من الخدمات التى تحتاج إلى جهد كبير، أو التى تصادفها بعض المشاكل! ولا يقبلون إلا الخدمة السهلة. وقد يبررون الأمر ببعض كلمات تواضع! كأن يقول الشخص "أنا أصغر من هذا الأمر. أنا لم أصل إلى مستوى هذه الخدمة. أنا ليست لى مواهب"... والرب يرفض كل هذه الإعتذارات. وقال لأرميا "لا تقل إنى ولد. لأنك إلى كل من أرسلك إليه تذهب، وتتكلم بكل ما آمرك به" (أر7: 1).
الخدمة الصعبة تظهر فيها يد الله، كما يظهر فيها بذل الإنسان وتعبه.
كما تظهر فيها محبته للملكوت، ومحبته لخلاص الناس، وعدم إهتمامه بنفسه وبراحته، واستعداده لحمل الصليب فى الخدمة، وعدم تذمره على الضيقات فى الخدمة... ومثل هذه الخدمة لها أجر كبير. وهى التى دعا إليها الرب تلاميذه، حينما قال لهم "ها أنا أرسلكم كغنم فى وسط ذئاب" (مت16: 10)... ولم يهرب تلاميذ الرب من خدمة كهذه:
نعم، خير لنا أن نتعب لكى يستريح الناس.
لا أن نستريح نحن، ونتركهم يتعبون...
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.
- الباب الأول : الخدمة أهميتها – مجالاتها – فاعليتها
- الباب الثانى قوة الخدمة
- الباب الثالث النمُوّ فى الخدمة
- الباب الرابع التعب فى الخدمة
- الباب الخامس مسحنى لأبشر المساكين
- الباب السادس خِدمة الذين ليس لهم أحَد يذكرهم
- الباب السابع يُهيئ لِلربّ شعبَاً مستعدَاً
- الباب الثامن تكونون لى شهوداً
- الباب التاسع الخادم داخل الأسرة