هل كان التلاميذ في حاجةٍ إلى معلمٍ آخر يعزيهم؟

كارت التعريف بالسؤال

البيانات التفاصيل
التصنيفات أسئلة وأجوبة, الحياة الروحية المسيحية - اللاهوت الروحي, ثمار الروح القدس
آخر تحديث 11 أكتوبر 2021
تقييم السؤال من 5 بواسطة إدارة الكنوز القبطية

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ2 – العقائد المسيحية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل كان التلاميذ في حاجةٍ إلى معلمٍ آخر يعزيهم؟

أولاً: شجع السيد المسيح تلاميذه على قبول المعزى الآخر بكونه المعلم الذى لا ينافسه. بل يذَّكرهم بما قاله السيد، ويكشف لهم عن أسرار أخرى، لأنه روح الحكمة. إنه لا يأتي بإنجيل جديد، بل يذكرهم بإنجيل المسيح، ويعلن لهم ما لم يكونوا قادرين على قبوله قبلاً. إذ قال لهم: "وأما المعزي الروح القدس الذى سيرسله الآب باسمي، فهو يعلمكم كل شيءٍ، ويذكركم بكل ما قلته لكم" (يو14: 26). يقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [يدعو الروح القدس معزياً بسبب الهموم التى استحوذت عليهم حينئذ. وهذه الأقوال قالها السيد المسيح لتلاميذه مكلفاً إياهم أن يحتملوا مفارقته بأوفر صبرٍ، إذ هى علة نعمٍ عظيمةٍ صالحةٍ لهم.].

وعدهم السيد المسيح أنهم يتمتعون بمجيء "روح الحق" الذى يرشدهم إلى كل الحق. فقد سبق فقدم السيد نفسه لهم قائلاً: "أنا هو الحق"، من يقتنيه يقتنى الحق. لكنهم كيف يقتنونه؟ بالروح القدس الذى هو روح الحق، يعمل فيهم، فيثبتهم فى المسيح الذى هو الحق الإلهى.

هل أخفي السيد المسيح الحق عن تلاميذه؟ لقد جاء إلى العالم ليقدم الحق. تحدث مع تلاميذه قدر ما يحتملون، ومع الجماهير حسب قدرتهم. لكنهم كانوا عاجزين عن قبول كل الحق، لذا بعث بروحه القدس لكى يقودهم ويدخل بهم إلى أعماق جديدة فى الحق. هذا وقد أكد السيد أن روح الحق لا يعلم بشئ يناقض ما يعلم به السيد المسيح، بل ما يسمعه من الآب والمتناغم من الابن، فينطق به لمجد الثالوث القدوس وخلاص البشر.

يقول القديس أمبروسيوس: [لقد أعلن أننا بدون الروح نعيش كأطفالٍ صغارٍ. لقد قال إن الروح سيأتى، هذا الذى يجعل من الأطفال الصغار رجالاً أقوياء بالنمو، أقصد فى العمر الروحى. وقد أبرز هذا، لا لكى يجعل قوة الروح فى المركز الأول، وإنما ليظهر أن كمال القوة هو فى معرفة الثالوث[547].] كما يقول: [يقول ابن الله بخصوص الروح القدس أنه لا يتكلم من نفسه، بمعنى ليس بدون الشركة مع الآب ومعى. لأن الروح لا ينقسم ولا ينفصل، بل ينطق بما يسمع... هذا يعنى أنه لا يتكلم بدونى، إذ ينطق بالحق، إنه يتنسم بالحكمة. لا ينطق بدون الآب، لأنه روح الله. إنه يسمع لا من ذاته، لأن كل الأشياء هى من الله. لذلك ما يقوله الروح هو قول الابن ولا ينطق الروح شيئاً من ذاته. لأن الثالوث لا يتكلم بشئ خارج عنه[548].] ويقول أيضاً: [هذا لا يعنى أى سماع لكلمات واقعية (ملموسة) بل وحدة الإرادة والقوة التى توجد فى الآب والابن والروح القدس. ما يقوله الروح يقوله الابن هنا (يو16: 13). لنتعلم أن ما يقوله الروح يقوله الابن أيضاً، وما يقوله الابن يقوله الآب أيضاً، إذ يوجد فكر واحد، وطابع واحد للعمل فى الثالوث[549].].

ثانياً: يقول القديس أغسطينوس: [لا يسكن الروح فى إنسانٍ بدون الآب والابن، ولا الابن أيضاً بدون الآب والروح القدس، ولا الآب بدونهما. سكناهم غير منفصل، لكن أحياناً يعلنون عن أنفسهم برموزٍ مقتبسة من الخليقة منفصلين، ليس فى جوهرهم[550].] كما يقول: [الثالوث القدوس كله يتكلم ويعلم (يو6: 45؛ مت23: 10؛ أع10: 20)... لكنهم غير منفصلين[551].].

ويقول القديس غريغوريوس النزينزي: [إذ أبداً فى التأمل فى الوحدة يغمرنى الثالوث بإشراقه. وما أن أبدأ فى التفكير فى الثالوث حيث تستولى عليّ الوحدة. حينما يظهر لى أحد الثالوث أظن أنه الكل، يملأ عينى بالكامل، يهرب الفيض منى. ولا يكون فى ذهني المحدود جداً فى إدراكه أقنوم واحد موضع لأكثر من ذلك. عندما اربط الثلاثة فى فكر واحد أرى لهيباً واحداً، فلا أستطيع أن اقسّم النور الواحد ولا أحلّله[552].].

ثالثاً: يقول مار اسحق أسقف نيصيبين: [عندما يؤسس الروح سكناه فى إنسان، لا يتوقف الأخير عن الصلاة، لأن الروح لا يتوقف عن الصلاة فيه.].

رابعاً: يرى القديس إيرينيؤس أنه حيث يوجد روح الله تكون الكنيسة وكل نعمة، وهو الذى يهب المؤمن ثمر الروح، إذ يقول: [إننا نحفظ بكل اهتمام الإيمان الذى نتسلمه من الكنيسة، فإنه خلال عمل روح الله، يكون وديعة ثمنها عظيم، مودعة فى إناءٍ صالحٍ، تتجدد بغير انقطاع، وتجعل الإناء الذى يحفظها متجدداً. تُمنح عطية الله (الروح القدس) للكنيسة كالنسمة التى قّدمت للإنسان فى خليقته، حتى يشترك كل الأعضاء فيها ويحيون بها. فى الكنيسة تودع الشركة مع المسيح أى الروح القدس، عربون عدم الفساد، ثبات إيماننا، سلم للصعود إلى الله... فإنه حيث توجد الكنيسة يكون أيضاً روح الله، وحيث يوجد روح الله تكون الكنيسة وكل نعمة[553].] كما يقول: [كما ان الأرض القفر لا تقدر أن تأتى بثمرٍ ما لم تستقبل ماءً، هكذا نحن الذين كنا قبلاً خشباً جافاً، ما كان يمكننا أن نحمل ثمر للحياة بدون المطر الفياض الذى من العلا. لأن أجسادنا تتقبل الاتحاد مع عدم الفساد خلال غسل المعمودية، وأما نفوسنا فخلال الروح. هذا هو السبب الذى لأجله أن هذا وذاك ضروريان، لأن هذا وذاك يساهمان فى الحياة الإلهية[554].].

خامساً: بدونه لا نتمتع بالاتحاد مع السيد المسيح، ونبلغ إلى الكمال. يقول القديس إيرينيؤس: [كما أن الدقيق الجاف لا يقدر بدون سائل أن يصير عجيناً أو خبزة واحدة، هكذا نحن الكثيرون لا نقدر أن نصير واحداً فى المسيح بدون الماء الذى من السماء. هذا الماء تقَّبله الرب كهبة من الآب، والذى هو يعطيه أيضاً للذين يشتركون معه، مرسلاً الروح القدس على كل الأرض[555].] ويقول العلامة أوريجينوس: [لا نزال نحتاج إلى آخر يكشف لنا، ويعلن عن كل شئ... ومع التوبة التى كرز بها الرب والمخلص، والتحول من الشر إلى الصلاح، ومع غفران خطايانا الذى يُوهب لكل الذين يؤمنون، مع هذا فإن كمال كل الصلاح ومجمله فى هذا: أنه بعد كل هذه الأمور يتأهل الإنسان أن يتقبل نعمة الروح القدس، وإلا فإنه لا يوجد شئ ما يُحسب كاملاً بالنسبة لمن ينقصه الروح القدس الذى به نبلغ سرّ الثالوث المطوّب[556].].

يقول القديس مقاريوس الكبير: [تحتاج النفس إلى السراج الإلهى، وهو الروح القدس، الذى ينير البيت المظلم، وإلى شمس البرّ الساطعة التى تضئ وتشرق فى القلب، وتحتاج إلى الأسلحة التى تغلب بها فى المعركة.].

سادساً: الروح القدس يعمل فى الكنيسة فيجتذب الأمم للإيمان. يقول القديس إيرينيؤس: [إذ ينشط التلاميذ بذات المشاعر يسبحون الله، فيجلب الروح القبائل البعيدة إلى الوحدة، ويقدمون للآب بكور الأمم. هذا أيضاً هو السبب الذى لأجله وعد الرب بإرساله الباراكليت إلينا هذا الذى يهيئنا لله[557].].

يقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [حتى لا يقول التلاميذ للسيد المسيح: فماذا نعمل إن كانوا لم يحفظوا قولك، فلهذا السبب لا يحفظون قولنا، إن كانوا قد طردوك فإنهم سيطردوننا، إن كانوا قد أبصروا آيات لم يبصرها أحد، كائنة من غيرك، إن كانوا قد سمعوا أقوالاً لم يُسمع مثلها من غيرك ولم يستفيدوا، إن كانوا كرهوا أباك وكرهوك معاً، فلِم ألقيتنا فى معاندتهم؟ كيف نتأهل فيما بعد عندهم للتصديق؟ من يصغي إلينا من الذين قبيلتهم قبيلتنا؟ ولكى لا يفتكروا هذه الأفكار فيضطربوا، عزاهم فقال: "ومتى جاء المعزى، الذى سأرسله أنا إليكم من الآب، روح الحق الذى من عند الآب ينبثق، فهو يشهد لى" (يو15: 26). قول السيد المسيح لتلاميذه: "روح الحق"، وما يدعوه الروح القدس لكى يكون مؤهلاً لتصديقه.].

سابعاً: بالروح القدس الذى يسكن فى قلوبنا نتطلع إلى الآب فلا نتوقف عن الصراخ إلى الآب. يقول الرسول: "أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخاً يا أبا الآب" (غلا4: 6). إنه يملأ قلوبنا بالمحبة التى بدونها يكون صراخنا باطلاً، حيث يقول: "ولكن إن كان أحد ليس له روح المسيح فذلك ليس له" (رو8: 9).

ثامناً: الروح القدس يهبنا التعرف على الحب الإلهى. يقول العلامة أوريجينوس: [يليق بنا أن نتحقق كم من أشياءٍ كثيرة يجب أن تُقال عن (هذا) "الحب". وأيضاً، كم من أشياء عظيمة نحتاج لمعرفتها عن الله، حيث أنه بذاته هو "الحب". فكما أنه "ليس أحد يعرف الابن إلا الآب، ولا أحد يعرف الآب إلا الابن، ومن أراد الابن أن يعلن له" (مت11: 27)، كذلك لا يعرف أحد الحب سوى الابن، وبنفس الطريقة لا يعرف أحد الابن، الذى هو الحب ذاته، إلا الآب. بالإضافة إلى ذلك، إذ يُدعى الحب، فالروح القدس المنبثق من الآب، هو وحده الذى يعرف ما بالله، كما "يعرف أمور الإنسان روح الإنسان الذى فيه" (1كو2: 11). هنا إذن الباراقليط الذى هو "روح الحق، الذى من الآب ينبثق" (يو15: 26)، يجول باحثاً عن أنفسٍ مستحقةٍ وقادرةٍ على تَقَبُل عِظَم محبته، أى محبة الله، التى يرغب فى إعلانها لهم[558].].

تاسعاً: الروح القدس ينير أذهاننا للتعرف على تجسد الكلمة. يقول القديس هيلارى أسقف بواتييه: [لأن أذهاننا الساقطة عاجزة عن إدراك الآب أو الابن، فإن إيماننا الذى وجد صعوبة فى تصديق تجسد الله يستنير بعطية الروح القدس، رباط الوحدة ومصدر النور[559].].

عاشراً: يرى القديس باسيليوس الكبير النفوس الحاملة للروح تستنير بالروح فتصير هى نفسها روحية وتبعث نعمة على الآخرين. إنه يقول: [الباراكليت مثل الشمس للعين النقية يُظهر لك فى نفسه الصورة (الابن) التى (للآب) غير المنظور. وبالتأمل الطوباوي للصورة سترى الجمال غير المنطوق به الذى للأصل. إنه هو الذى يشرف فى أولئك الذين يتطهرون من الدنس، ويجعلهم روحيين خلال الشركة معه. وكما أن الأجسام البهية الشفّافة متى سقطت عليها أشعة الشمس، تصير بهية تعكس منها بهاءً على الآخرين، هكذا النفوس الحاملة للروح إذ تستنير بالروح تصير هى نفسها روحية وتبعث نعمة على الآخرين[560].].


[547] Of the Holy Spirit, Book 14: 3: 99.

[548] Of the Holy Spirit, 12: 2 (131, 133, 134).

[549] Of the Christian Faith, 11: 5 (133).

[550] Sermon on N. T. Lessons, 33: 21.

[551] St. Augustine: On the Gospel of St. John, tractate, 2: 77.

[552] Gregory Nazianzus: Orati xL, iN Sanctum baptisma 41. PG 417: 36c.

[553] Adv. Haer. 24: 3: 1.

[554] Adv. Haer. 17: 3: 2 PG 903: 7 A.

[555] Adv. Haer. 17: 3: 2.

[556] In Librum Jesu nave, Homilia 2: 3 PG 838: 12A.

[557] Adv. Haer. 17: 3: 2 PG 930: 7.

[558] للقمص تادرس يعقوب ملطى، الروح القدس عند العلامة أوريجينوس، تعريب دكتور جورج بطرس.

[559] On the Trinity 33: 2.

[560] Liber de Spiritu Sancto. 23: 9. PG 109: 32.

من الذي أرسل الروح القدس الآب أم الابن؟

ما هو عمل الروح القدس في حياة المؤمن؟