1- ماذا تعنى صلاة يسوع؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

1 - ماذا تعنى صلاة يسوع؟

غاية العبادة المقدسة، خاصة الصلاة، التقرُّب بالحوار الدائم مع الله. لهذا يُقَدِّم لنا الكتاب المقدس والتقليد المقدس، صوراً متعددة للصلاة حتى يجد المؤمن إمكانية الصلاة الدائمة بلا انقطاعٍ. فيبدأ المؤمن بالصلاة فى كل عمل يمارسه، حتى قبل نومه، ويشترك فى الليتورجيات، ويُصَلِّى بالمزامير كما بصلوات شخصية. ولكى يحفظ الفكر من التشتت، يُقَدِّم صلوات لا تتعدَّى بضع كلمات أو سطور، تذكره دائماً بوجود الله فى حياته وتجعله فى حالة اتصال مستمر به ويمكنه تلاوتها أو ترديدها فى أى وقت حتى أثناء القيام بأى عمل. وإذ يثق المؤمن فى قوة اسم يسوع يُرَدِّده كثيراً، وتُسَمَّى صلاة يسوع.

كثيراً ما يُرَدِّده آباء البرية هذه الصلاة أو غيرها من الصلوات القصيرة، وهى تُمَثِّل صرخة مقدمة للربّ.

كان القديس أغسطينوس يُرَدِّد العبارة التالية: "يا الله التفت إلى معونتى، يارب أسرع وأعني". وكان يدعو المؤمنين أن يُرَدِّدونها فى كل مناسبة. فى البيت وفى العمل، وأثناء الأكل والشرب، فى اليقظة وفى النوم، فى الحزن وفى الفرح، أثناء الغيرة الروحية أو الفتور فى العبادة، فإنها خير مُعين لهم.

كان القديس أغسطينوس يُسَمِّى هذه الصلاة القصيرة بالصلاة السهمية، لأنها تضرب كالسهم فى قلب الشيطان، حيث لا يقدر أثناءها أن يُشَتِّت أفكارنا.

ويحثنا القديس يوحنا الدرجي (كليماكوس) على ممارسة هذه الصلاة القصيرة، قائلاً: [اجعل صلاتك بسيطة بالتمام، لأن العشار والابن الضال تصالحا مع الله بجملة واحدة.].

15- ما هى خبرة الآباء الرهبان فى الصلوات فى الصلاة الخفية؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

15 - ما هى خبرة الآباء الرهبان فى الصلوات فى الصلاة الخفية؟

نذكر هنا أمثلة مما ورد فى فردوس الآباء والكتابات الرهبانية:

[سأل أخّ شيخاً: "ما هى فلاحة النفس حتى تُثمِر؟" فأجابه قائلاً: "فلاحة النفس هى السكوت وضبط الهوى وتعب الجسد والصلاة الدائمة والامتناع عن معاينة زلات الناس بل يتذكَّر عيوبه وهفواته هو وحده. فمتى ثبت الإنسان فى هذه الفضائل لا تتأخَّر نفسه عن النجاح والنمو حتى تُثمر".].

[قال شيخ: "إن كان راهب حريصاً مُجاهِداً بالحقيقة، فإن الله يشاء ألاّ يكون مرتبطاً قط بشيءْ من متاع هذه الدنيا حتى لا إبرة صغيرة، لئلاّ يتشتت فكره عن ذكر ربنا يسوع المسيح وتشغله عن اللجاجة بالتوبة عن خطاياه".].

[قال شيخ: "اقتن السكوت بمعرفة. اهتم بالله ولا تهم بشيء أرضى، وافحص أمورك فى قيامك وفى جلوسك. استند على الله، ومن جهة المنافقين لا تفزع".

[قال أحد القديسين: "سَلَّم إلينا الآباء هذا الطريق: أن نعمل بأيدينا، ونلازم الصمت، ونبكى بسبب خطايانا".].

القديس يوحنا كاسيان الذى اهتم أن يُقَدِّم لنا صورة حية للرهبنة المصرية فى عصره ربط بين قراءة الكتاب المقدس والصلاة النارية، كل منهما يسند الآخر بعمل الروح القدس. نلاحظ أن العملين: "المؤسسات" و "المناظرات" يضمان اقتباسات كثيرة من الكتاب المقدس. لقد أوضح أن ملكوت الله هو الغاية النهائية للحياة الروحية، فإن قراءة الكتاب المقدس والتأمل فيه يُحَقِّقان ذلك. لقد كَرَّس كاسيان المناظرتين 10، 9 والفصلين 3، 2 من "المؤسسات" للحديث عن الصلاة.

يقول إن صلوات السواعى إلزامية، وعمل الراهب هو أن يُحَوِّل تلاوة المزامير إلى صلوات شخصية تمسّ علاقته الخاصة بالله إلهه. وأيضاً فى دراسة الكتاب المقدس لا يقف الراهب عند القراءة أو التلاوة، بل يُحَوِّل النصوص إلى تأمل صادر عن أعماقه، فتصير كلمات الكتاب المقدس كأنها صادرة منه كصلاة شخصية[206].


[206] Conference 10: 14.

14- ماذا تعنى أذن القلب؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

14 - ماذا تعنى أذن القلب؟

ماذا يقصد السيد المسيح بقوله: "من له أذنان للسمع فليسمع" (مت11: 15)؟ يُعَلِّق القدّيس جيروم على هذه العبارة هكذا: [يقول إشعياء "أعطانى الرب أُذُناً" (إش50: 4). لتفهم ماذا يقول؟ لقد أعطانى الرب أُذُناً، إذ تكون لى أُذُن القلب؛ وهبني الأذن التى تسمع رسالة الله، فما يسمعه النبى إنّما يسمعه فى قلبه. وذلك كما نصرخ نحن أيضاً فى قلوبنا قائلين: أيها الأب أباً، وهى صرخة صامتة، لكن الرب يسمع الصمت هكذا بنفس الكيفية يُحَدِّث الرب قولبنا التى تصرخ: "أيها الأب أباً" (رو8: 15).].

13- كيف نعالج تشتيت الفكر أثناء الصلاة؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

13 - كيف نعالج تشتيت الفكر أثناء الصلاة؟

أولاً: الالتصاق بالرب. يقول القدِّيس مار اسحق السريانى: [اجلس فى حضرة الرب كل لحظة من لحظات حياتك، حيث تفكر فيه، وتذكره فى قلبك، وإلاَّ فإنك حين تراه بعد فترة من الزمن، تُحرَم من حرية الحوار معه بسبب الخجل، فإن الحرية العظيمة للحوار تتولَّد من الالتصاق به.

الالتصاق الدائم مع الكائنات المرافقة تشغل الجسد، أما مع الله فتشغل تأمل النفس وتقديم الصلوات... "قلب الذين يطلبون الرب يتهلل".

اطلبوا الرب أيها الخطاة، وتقوّوا فى أفكاركم بالرجاء.

اطلبوا وجهه بالتوبة فى كل الأزمنة، فتتقدَّسون بقداسة وجهه.

اجروا نحو الرب يا أيها الأشرار، فإنه يغفر الشر وينزع الخطايا[204].].

ثانياً: الصلاة بروح الرجاء. يقول القدِّيس أغسطينوس: [تذكر أن الله لطيف ورقيق ويحتمل تشتيتنا (فى الصلاة)، وينتظر أن يهبنا أن نصلى بطريقة كاملة. عندما يهبنا تلك الصلاة يقبلها منا، ولا يذكر كيف كنا نصلى قبلاً بطريقة خاطئة. إن كنت أمام قاضٍ وفى أثناء حديثك بدأت تهمس مع صديق، ماذا يحدث؟ مع ذلك فإن الله يرفعنا بالصلوات التى تقتحمها أفكار أخرى. عندما تقرأ يتحدث هو معك، وعندما تصلى تتحدث أنت معه. إن كان الأمر هكذا هل نيأس يا إخوة، ظانين أن العقوبة تنتظر من يجول فكره مشتتاً أثناء صلاته؟ لا، لنقل: "فرِّح نفس عبدك، فإنى إليك أرفع نفسى!" (مز86: 4) كيف أرفعها؟ قدر ما أستطيع حسب القوة التى تهبنى إياها؛ قدر ما اضبط أفكارى المشتتة. لأنك لطيف ورقيق لا تطردنى. قَوِّنى فاثبت، ولتحتملنى حتى أبلغ هذا[205].].


[204] A. J. wensinck: Mystic Treatises by Isaac of Nineveh, 1923, p 50. – Dana Miller: The Ascetical Homilies of St. Isaac the Syrian, 1984, p. 48.

[205] On Ps 7: 85.

12- هل الصلاة بلا انقطاع تُبَرِّر إهمالنا فى العمل؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

12 - هل الصلاة بلا انقطاع تُبَرِّر إهمالنا فى العمل؟

يقول القديس مرقس الناسك: [من يرغب فى البلوغ "إلى قياس قامة ملء المسيح" (أف4: 13)، يلزمه ألا يُفَضِّل شيئاً من الأعمال عن الصلاة، مع قيامه بالأعمال الأخرى دون أن يكون فى عوز... فيلزمه ألا يمتنع عن القيام بالعمل الخاص بالضروريات والذى ألزمته الشريعة الإلهية، تحت ادِّعاء أنه يريد التفرُّغ للصلاة. فيجب عليه أن يُمَيِّز بين الصلاة والعمل، مطيعاً الشريعة الإلهية من غير تساءل (أى منفذاً الاثنين معاً).].

11- لماذا يدعونا الرسول إلى الصلاة بلا انقطاعٍ؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

11 - لماذا يدعونا الرسول إلى الصلاة بلا انقطاعٍ؟

يقول القديس مرقس الناسك: [صلِّ إلى الله حتى يفتح قلبك فتُعايِن مدى نفع الصلاة والقراءة وتفهم ذلك بالاختبار العملى لهما.].

[يرغب الطوباوى بولس ألا نهمل الصلاة بأى حال من الأحوال، لهذا يقول "صلوا بلا انقطاع" (1تس5: 17). علاوة على هذا فإنه يشير إلى ضبط الفكر (فى الصلاة) فيقول "لا تشاكلوا هذا الدهر. بل تغيَّروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم لتختبروا ما هى إرادة الله الصالحة المرضية الكاملة" (رو12: 2)... يُوَجِّهنا الرسول بولس إلى كمال إرادة الله، مشتاقاً أن نهرب إلى التمام من الدينونة، وإذ يعلم الصلاة هى المعين على تنفيذ كل الوصايا، لهذا لا يكف عن أن يوصى بها بكل الطرق قائلاً: "مصلين بكل صلاة وطلبة كل وقت فى الروح وساهرين لهذا بعينه بكل مواظبة" (أف6: 18).].

كما يقول: [ليتنا نبدأ بعمل الصلاة، فإننا شيئاً فشيئاً لا نجد فقط الرجاء بالله بل وننال الإيمان الثابت والحب الخالص، كما نطرد الحقد، وننال محبة الإخوة وضبط النفس، والاحتمال، والمعرفة الداخلية، ونتخلَّص من التجارب، وننال عطايا النعمة والعمل الخالص للإيمان والدموع الحارة... كلها ينالها المؤمنون بالصلاة. وليس فقط هذه العطايا، بل (وينالون بالصلاة أيضاً) احتمال الآلام والحب الخالص للقريب، معرفة الشريعة الروحية... وكل ما وعد به الله للمؤمنين فى هذه الحياة أو الحياة الأخرى. وباختصار، يستحيل على الإنسان أن يستعبد صورة الله بدون عمل النعمة الإلهية والإيمان، وهما يمنحان للإنسان الذى يبقى بتواضع عظيم فى الصلاة بدون تشتيت (عقله).].

[من يفهم القول السري للطوباوى بولس: "فإن مصارعتنا... مع أجناد الشر الروحية" (أف6: 12)، يفهم أيضاً مثل الرب الذى انتهى بقوله: "ينبغى أن يُصلى كل حين ولا يُمل" (لو18: 1).].

10- ما هو ارتباط الصلاة الدائمة بالحياة الفاضلة؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

10 - ما هو ارتباط الصلاة الدائمة بالحياة الفاضلة؟

يقول القديس يوحنا كاسيان: [يوجد نوع من الوحدة المشتركة غير المنفصلة بين الاثنين (أى الصلاة الدائمة والفضائل). فكمال الصلاة هو تاج بنيان كل الفضائل، فإذا لم تتحد كل فضيلة اتحاداً مُحكَمّاً بالصلاة بكونها تاجها، لا يكون لها قوة وثباتاً. ودوام الهدوء فى الصلاة وثباته لا يمكن أن يكون أكيداً وكاملاً ما لم تسندها الفضائل، ولا يمكن اقتناء الفضائل التى تضع أساساتها اقتناء كاملاً ما لم تثبت فى الصلاة[202].].

ويقول الأب اسحق: [لا نقدر أن نُنَقِّذ هذه الوصية (الصلاة بلا انقطاع) ما لم يتنقَ عقلنا من كل وصمات الخطية إلى الفضيلة حتى يكون صلاحه طبيعياً، ويتغذَّى على التأمل المستمر فى الإله القدير[203].].

وبَّخ الأب هيسيخيوس الأورشليمى بلدد صديق أيوب لأنه طلب من أيوب: "بكر فى الصلاة إلى الرب القدير". لقد قال الأب: [ألم يكن (أيوب) خلال كل حياته دائماً يصلى؟... إنه ليس فقط لم يتوقَّف عن الصلاة مبكراً للرب، بل كان يُقَدِّمها مبكراً (1: 5) وخلال النهار وفى كل لحظة، يُسَبِّح الله سبع مرات فى اليوم (مز119: 37، 164) نهاراً وليلاً، فإن هذا بالنسبة له لم يكن غباوة. نهاية تجاربه تظهر هذا، نتيجة صراعاته (أبرزت أنه رجل صلاة).].


[202] - للمؤلف: مناظرات يوحنا كاسيان، ص210.

[203] - مناظرات كاسيان 9: 3.

9- ما هى الصلاة الدائمة التى بلا انقطاع؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

9 - ما هى الصلاة الدائمة التى بلا انقطاع؟

تتحقق استمرارية الصلاة بالتدريب على الوجود فى حضرة الله. يقول القديس باسيليوس إنه يمكن للراهب بصلواته وتأملاته الدائمة [أن يتمثَّل وهو على الأرض بطغمات الملائكة[195].] كما يقول: [إذ نكون متأكدين تماماً أن الله هو أمام أعيننا. فإننا إن رأينا أميراً أو حاكماً وندخل فى حوار معه نحفظ أعيننا ثابتة عليه، كم بالأكثر يكون ذاك الذى يُصَلِّى حافظاً ذهنه ثابتاً على الله فاحص القلوب والكلى. وبذلك يُحَقِّق الكتاب المقدس: "رافعين أيادى طاهرة بدون غضبٍ ولا جدالٍ" (1تى2: 8) [196].].

[أقول إنه يلزمنا ألا نظن أن صلاتنا تتكوَّن فقط من مقاطع (كلامية)، بل تكمن قوة الصلاة بالحري فى غاية نفوسنا، وفى عمل الفضيلة التى لها تأثيرها على كل جزءٍ وفى كل لحظةٍ من لحظات حياتنا. يُقَال: "فإذا كنتم تأكلون أو تشربون أو تفعلون شيئاً، فافعلوا كل شيء لمجد الله" (1كو10: 31). إذ تاخذ مكانك على المائدة صلِّ، وإذ ترفع الخبز قدِّم شكراً للواهب. عندما تسند ضعف جسمك بخمرٍ، تذكَّر الذى يهبك هذه العطية، لكى يفرح قلبك ويهب راحة لضعفك. هل عبر عنك احتياجك إلى الطعام؟ لا تسمح للتفكير فى الرحيم واهب الخيرات أن يعبر عنك أيضاً. إذ ترتدى ثوبك، اشكر ذاك الذى وهبك إياه. إذ تطوّق ثوبك حولك، لتشعر بحُبِّك العظيم لله، الذى يهبنا الملابس المناسبة لنا شتاءً وصيفاً، لكى تغطى ما هو غير لائق وتحفظ حياتنا.

هل عبر اليوم؟ اشكر ذاك الذى قدَّم لنا الشمس لخدمة عملنا النهارى، ويهبنا ناراً (الاضاءة) لكى تنير الليل، وتخدم احتياجاتنا الأخرى فى الحياة. ليت الليل أيضاً يوحي لنا بما يدفعنا للصلاة.

عندما تتطلَّع إلى السماء وترى جمال النجوم، صلِ إلى رب كل الأشياء المنظورة، خالق المسكونة الذى بحكمة صنع الكل (مز24: 104).

وعندما ترى كل الطبيعة تغُط فى النوم، مرة أخرى اسجد لذاك الذى حتى بغير إرادتنا يعتقنا من ضغط العمل المستمر، وبفترة راحة صغيرة يردّنا مرة أخرى إلى نشاط قوتنا.

لا تسمح لليل بأكمله أن يكون للنوم، لا تسمح لنصف عمرك أن ينقضى بلا فائدة فى نومٍ ببلادة وسباتٍ. بل قسم وقت الليل بين النوم والصلاة. وليكن نومك الخفيف ذاته تداريب للتقوى. فإن أحلامنا أثناء النوم غالباً ما تكون انعكاسات لأفكارنا فى النهار[197].

كما يكون عليه سلوكنا وسعينا هكذا تلتزم أحلامنا، بهذا تصلى بلا انقطاع، ليس بكلمات بل بكل سلوك حياتنا، هكذا تتَّحد بالله فتصير حياتك صلاة ممتدة لا تنقطع[198].].

كما يقول: [هل بقوله: صلوا بلا انقطاع (1تس5: 17) يعنى أننا نحنى ركبنا ونطرح أجسادنا أو نبسط أيدينا بلا انقطاعٍ؟ لو كانت الصلاة تعنى هذا فإننى أظن أننا لا نقدر على الصلاة بلا انقطاع. وإنما يوجد نوع آخر داخلى للصلاة بلا انقطاع، وهى رغبة القلب إلى أمر يعمله... فإن كنت مشتاقاً إلى السبت (الراحة الأبدية) فأنت لا تكف عن الصلاة. إن أردت ألاَّ تمتنع عن الصلاة، فلا تكف عن الشوق إليها، فإن استمرار الاشتياق إنما هو استمرار للصلاة[199].].

يقول القديس أمبروسيوس: [الآن إذ يعبر نور النهار، ومعه كل نعمتك وحبك، نصلى إليك يا خالق العالم، كى تحرس سريرنا فى الأعالى. لتهرب أحلامنا ولتطر تخيلاتنا، احفظنا من كل نتاج الليل، فتكون كمقادس تحت عينيك، طاهرة بالرغم من حقد عدونا.].

كما يقول: [صلاة القديس تخترق السحاب (سيراخ 35: 17)، أما الأرض فتفتح فاها، وتخفى صلاة الخاطى فى دم الجسد، كما قال الله لقايين القاتل: "ملعون أنت من الأرض التى فتحت فاها لتقبل دم أخيك من يدك"، مادمت أنت أرضاً "(راجع تك4: 11) [200].].

يقول القديس جيروم: [ "صلوا بلا انقطاع" (1تس5: 17)... كان العبرانيون مُطالَبين أن يظهروا أمام الرب ثلاث مرات فى السنة (خر23: 17)... إذ كان الكتاب المقدس يتحدث فى سفر الخروج إلى أناس صغار (فى القامة الروحية)، أما هنا فيحث النبى (الرسول) المؤمنين بالله أن يطلبوه على الدوام، إذ يأمرنا العهد الجديد بالصلاة بلا انقطاعٍ[201].].

يقول القديس جيروم: [عندما نترك السقف الذى يحمينا (أى بيتنا) لتكن الصلاة هى سلاحنا، وعندما نعود من الشارع يلزمنا أن نُصَلِّى قبل أن نجلس، ولا نعطى للجسد الواهن راحة حتى تقتات النفس.] كما يقول: [يلزم ألا نبدأ وجبة ما بدون صلاة، وقبل أن نترك المائدة نُقَدِّم التشكرات للخالق.].

ويقول القدِّيس كيرلس الكبير: [كتب بولس إلى أهل تسالونيكى: "صلوا بلا انقطاع" (1تس5: 17). وفى رسائل أخرى يوصي: "مصلين بكل صلاة وطلبة كل وقت فى الروح" (أف6: 18)، "واظبوا على الصلاة ساهرين فيها" (كو4: 2)، "مواظبين على الصلاة" (رو12: 12). وأيضاً يعلمنا المُخَلِّص عن الحاجة إلى الصلاة الدائمة بمثابرة خلال مثل المرأة التى بلجاجتها غلبت القاضى الظالم بسؤالها المستمر (لو18: 1 - 8). من هذا كله يتضح أن الصلاة الدائمة ليست أمراً عارضاً بل سمة أساسية للروح المسيحى – بحسب الرسول – مختفية فى الله بالمسيح (كو3: 3)، لذا وجب على المسيحى أن يعيش فى الله على الدوام بكل فكره ومشاعره؛ وإذ يفعل هذا إنما يصلى بلا انقطاعٍ! لقد تعلمنا أيضاً أن كل مسيحى هو "هيكل الله" فيه "يسكن روح الله" (1كو3: 16؛ رو8: 9). هذا الروح دائماً حال فيه، ويشفع فيه، مصلياً فى داخله "بأنات لا يُنطَق بها" (رو8: 26)، وهكذا يعلمه كيف يصلى بلا انقطاع.].

يحدثنا القديس أوغريس عن الصلاة بلا انقطاع، قائلاً: [لم نأخذ وصية ان نعمل ونسهر ونصوم بلا انقطاع، لكننا أُعطينا وصية أن نُصَلِّي بلا انقطاعٍ. لأن المجهودات الأولى التى تهدف إلى شفاء الجزء الشهوانى من النفس تحتاج إلى الجسد لتنفيذها، والجسد لا يقدر أن يعمل باستمرار ولا أن يكون فى حرمان (من النوم أو الأكل) على الدوام. أما الصلاة فتُنّقِّي العقل وتُقَّوِّيه فى الحرب، لأنه خُلِق ليصلى حتى بدون الجسد، ويحارب الشياطين لأجل حماية كل قوى النفس.].

[صلِّ بلا انقطاع وتذكَّر المسيح الذى ولدك ثانية!].

[إن كنت وأنت بعد فى الجسد لك رغبة أن تخدم الله مثل الروحانيين (الملائكة)، فجاهد أن يكون لك فى قلبك صلاة سرية بلا انقطاع، فإنك بهذا تقترب من أن تتشبَّه بالملائكة قبل أن تموت.].

[مع كل نفس تستنشقه اذكر اسم يسوع مبتهلاً، مع تذكُّر الموت وأنت متواضع. هذان التدريبان كفيلان بتقديم نفع عظيم للنفس.].

كما يقول: [كما أن جسدنا عندما تفارقه النفس يصير ميتاً ومملوءً نتناً، هكذا النفس التى بلا صلاة حارة تصير ميتة ومملوءة نتانة. حرمان النفس من الصلاة أَشرّ من الموت. وقد أوضح ذلك دانيال النبى الذى كان مستعداً أن يموت ولا يُحرَم من الصلاة فى أى وقت. ينبغى على الإنسان أن يتذكَّر الله، أكثر مما يتنسم الهواء ويستنشقه.].


[195] Epistle 2: 2.

[196] Reg. Brev. 201.

[197] Cf. Reg. Brev. 32.

[198] Hom. in Martyrem Julittam 3 - 4.

[199] On Ps. 13: 38.

[200] The Prayer of Job and David 8: 1: 27.

[201] On Ps. 31.

8- ما هى صلاة المخدع فى قول السيد المسيح: “وأما أنت فمتى صليت فأدخل إلى مخدعك واغلق بابك وصلِ إلى أبيك الذى فى الخفاء فأبوك الذى يرى فى الخفاء يجازيك علانية (مت6:6)؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

8 - ما هى صلاة المخدع فى قول السيد المسيح: "وأما أنت فمتى صليت فأدخل إلى مخدعك واغلق بابك وصلِ إلى أبيك الذى فى الخفاء فأبوك الذى يرى فى الخفاء يجازيك علانية (مت6: 6)؟

فهم أفراهاط Aboot Aphrahat "المخدع" هنا مثل العلامة أوريجينوس[192]، وهو أن مكان الصلاة يجب أن يكون فى الداخل، أى فى قلب الإنسان. هذا المفهوم نقابله مرة أخرى مع مار أفرآم فى "أناشيد عن الإيمان[193]".

يقول القديس أفراهاط: [تبعث نقاوة القلب صلاة أقوى من كل الصلوات التى تُتلَى بصوتٍ عالٍ. فالصمت مع العقل الأصيل أفضل من الصوت العالى لمن يصرخ. أعطنى يا عزيزى الآن قلبك وفهمك واسمع عن قوَّة الصلاة النقيَّة، وكيف أن آباءنا القدِّيسين اجتهدوا فى صلاتهم أمام الله وكيف قدَّموها كتقدمة طاهرة (مل1: 11). فبالصلاة قُبِلَت التقدمات.

الصلاة هى التى نجَّت نوح من الطوفان. الصلاة تكسي عريناً. الصلاة تهزم الجيوش. الصلاة تعلن الأسرار. الصلاة تشقَّ البحر. الصلاة شقَّت طريقاً عبر الأردن. الصلاة أوقفت الشمس فلم تغرب. الصلاة جعلت القمر يقف. الصلاة حطَّمت الخطيَّة. الصلاة اطفأت النار. الصلاة أغلقت السماء. الصلاة رفعت من الحفرة وأنقذت من النار والبحر. قوَّة الصلاة عظيمة جداً مثل قوَّة الصوم النقى. وكما شرحت وقلت لكم فى المقال السابق عن الصوم لا أمل عن أن أتكلَّم معكم هنا عن الصلاة[194].


[192] On Prayer, 2: 20.

[193] Hymns on Faith, 6: 20.

[194] Demonstrations, 1: 4 (On Praer). ترجمة الدكتور صفوت منير.

7- ما هى الصلاة العقلية؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

7 - ما هى الصلاة العقلية؟

يقول القديس باسيليوس الكبير: [انفصال النفس عن الضوضاء الخارجية يُضفى على مذبح القلب هدوءاً خفياً، فيهب ذاته لتأمل الحق. إذا استمعت لمن يقر بخطيئته تجده يقول: "ساخت من الغضب عينى" (مز6: 7). وليس الغضب فقط بل والرغبات الشريرة والمجد الباطل والغيرة التى تظلم عين القلب، وبصفة عامة جميع الشهوات تظلم النفس... فالعين المتعبة لا تستطيع أن ترى بوضوح. كذلك القلب الهائج لا يمكن أن يتأمل فى الحق. ينبغى إذن الابتعاد عن التركيز فى أعمال العالم، فنغلق القلب أمام كل فكر غريب[191].].

يقول القديس مار يعقوب السروجى: [الصلاة الشفافة تجد طريقها لدى الله، فهى تتحدث إليه، تسمعه وتثق فيه.].


[191] - تفسير المزمور 34 (33).