11 - كيف اختبر القديس أغسطينوس الصلاة الدائمة باسم يسوع؟
إذ اختبر القديس أغسطينوس قوة اسم يسوع خلال توبته عن خطاياه نادى، قائلاً: [لا يستطيع أحد أن يصلى باسم المُخَلِّص إذا كان يصلى من أجل شيء آخر غير الخلاص.].
نحو حفظ حقيقي للتراث القبطي الأرثوذكسي القديم والمعاصر
إذ اختبر القديس أغسطينوس قوة اسم يسوع خلال توبته عن خطاياه نادى، قائلاً: [لا يستطيع أحد أن يصلى باسم المُخَلِّص إذا كان يصلى من أجل شيء آخر غير الخلاص.].
كثيراً ما تحدَّث العلامة أوريجينوس عن قوة اسم يسوع بثقته فى بلوغ الغلبة والنُصرة على الخطية والشيطان وكل قوات الظلمة. فمن أقواله: [باسمه كثيراً ما تُطرَد الشياطين من البشر، خاصة إن صلينا بطريقة روحية سليمة وبكل ثقة، عظيم هو اسم يسوع الذى له فاعليته وبركاته، اسم يسوع يشفي المتألمين ذهنياً، ويطرد أرواح الظلمة، ويهب شفاءً للمرضى.].
يُقَّدِّم لنا مار اسحق السريانى خبرته، قائلاً: [حين يسكن الروح القدس داخل إنسان، لا يترك الإنسان الصلاة، لأن الروح القدس هو الذى يصلّى (يشفع فيه رو8: 26) باستمرار، سواء كان نائماً أو ساهراً، فإن الصلاة لا تنقطع عن نفسه أبداً، وسواء أكل أو شرب، أو حتى لو كان نائماً نوماً عميقاً، فإن لهج الصلاة سيكون عفوياً كخفقات قلبه.].
يقول القديس يوحنا سابا: [طوبى للذى نسي حديث العالم بحديثه معك. لأن منك تكتمل كل حاجاته. أنت هو أكله وشربه، أنت هو بيته ومسكن راحته. إليك يدخل فى كل وقتٍ ليستتر! أنت هو شمسه ونهاره. بنورك نرى الخفيات. أنت هو الآب والده. أنت أعطيته روح ابنك فى قلبه.].
لقد وهب السيد المسيح اسمه لتلاميذه، لا ليصنعوا عجائب ويشفوا مرضى ويخرجوا به الشياطين فحسب، وإنما أكَّد لهم قوة اسمه بقوله لهم: "كل ما طلبتم من الآب باسمى يعطيكم" (يو16: 23)، أى به نعبر إلى الآب ونتمتَّع بالأمجاد الأبدية.
لقد أدرك السبعون رسولاً قوة اسم يسوع، إذ قالوا له عند عودتهم من الكرازة: "حتى الشياطين تخضع لنا باسمك!" (لو10: 17).
عبَّر إشعياء النبى فى حديثه عن أنشودة الحمد عن قوة اسم الله، إذ يقول: "إلى اسمك وإلى ذكرك شهوة النفس. بنفسي اشتهيتك فى الليل، أيضاً بروحى فى داخلى إليك أبتكر" (إش26: 8 - 9).
يقول القديس يوحنا كليماكوس (الدرجى): [اهزموا أعداءكم واجلدوهم باسم الربّ يسوع، لأنه لا يوجد سلاح أقوى منه، لا فى السماء ولا على الأرض.].
ويقول القديس كيرلس الكبير: [من يزدرى باسم الله من الذين لم يؤمنوا به بعد، يعترف بقوة قدوس القديسين عندما تشرق أشعة الحق عليه.].
ويقول القديس برصنوفيوس والقديس يوحنا: [إن تذكُّر اسم الله يهلك تماماً كل ما هو شرّ وشرير.].
ويقول القديس كيرلس الأورشليمى: [من لا يُدرِك قوة المصلوب فليسأل الشياطين.].
يقول القديس مار افرآم السريانى: [اسم يسوع اسم عظيم، هو العبور من الموت إلى الحياة. لقد دخلت إليك عن طريق الحرف الأول من اسمك، الذى جعلنى أُنتشل وأدخل إلى الحق الذى لك، من أجل حُبِّك اجعلنى أعبر عن طريقك إلى الآب. وحينما أصل إليه سوف أقول: "مبارك ذاك الذى يرفع غضبه عنا من أجل ابنه"].
يُحَدِّثنا مار إسحق السريانى عن التدريب على صلاة يسوع، قائلاً: [ما نناله من المواهب بسهولة نفقده بسهولة، وكل ما نناله بمشقةٍ نحتفظ به بعناية. لذلك يجب عليكم أن تُثابروا وتعطشوا إلى ربّنا يسوع المسيح. اطلبوا وهو سوف يُسكركم بحُبِّه. اغلقوا عيونكم عن الأشياء الثمينة التى لهذا العالم حتى تستحقُّوا أن تأخذوا سلام الله الذى يملك على قلوبكم.].
ويقول القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات إنه على كافة المسيحيين أن يُرَدِّدوا اسم الربّ فى الصلاة أكثر من مرات التنفس: [يجب علينا لا أن نصلى فقط بلا انقطاع باسم يسوع المسيح. لكننا نحن مُلزَمون أن نمارسها ونُعَلِّمها للأخرين، لكل إنسانٍ على وجه العموم، إذ هى لائقة ونافعة للجميع.].
يقول القديس يوحنا كاسيان: [إنها ليست نوعاً من التخيُّل أو الحديث أو الكلمات، لكنها تنبع مثل الشرارة الناتجة عن الفحم المشتعل الذى هو حركة القلب. ومن نشاط الروح الذى لا يخمد، حيث يحمل العقل ليجتاز فوق كل الأشياء المادية التى يُمكِن أن تُرَى أو تُحَس، ويصب صلواته بأناتٍ وأحزانٍ لا يُنطَق بها.].
يقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [إنى أحثكم ألاَّ تتركوا قط قانون الصلاة، بل حين تأكلون وتشربون أو تسافرون أو تفعلون أى أمر، اصرخوا بلا توقُّفٍ: "ايها الرب يسوع المسيح ابن الله ارحمني".] كما يقول: [لا تجعل قلبك يتغرَّب عن الله، ولكن اسكن فيه، واحرس قلبك دائماً بتذكار الربّ يسوع المسيح حتى يتغلغل اسم الربّ فى القلب، وتكف عن التفكير فى أى أمرٍ آخر. ليت المسيح يتمجَّد فيك.].
يقول الأنبا أغاثون: [إذا أراد الإنسان أن يُصَلِّى كل حين، تُحاِول الشياطين أن تمنعه، لأنها تعلم أن لا شيء يُبطِل قوتها سوى الصلاة أمام الله، فمن كان يصلى يحتاج إلى جهادٍ حتى آخر نسمة.].
يقول القديس أثناسيوس: [لم يأمرنا المسيح أن نُقِيم صلاة من عشرة آلاف عبارة، لنأتى إليه لمُجَرَّد ترديدها... فنحن لا نأتى لكى نُعَلِّمه وإنما لنصارع معه، ونلتصق به بالطلب المستمر "يا ربّى يسوع المسيح ابن الله ارحمنى أنا الخاطى"، فهو حىّ وفعَّال يعمل يوماً فيوماً لخلاص الكل.].
ما تدَّرب عليه هذا السائح تدرَّب عليه كثيرون من الرهبان والمتزوجين عبر الأجيال، كل شخصِ يمارس التدريب بما يناسب ظروفه وإمكانياته. غير أن ما نتعلَّمه من هذا السائح فهو الآتى:
نُشرت قصة السائح الروسى الذى اشتاق إلى التمتُع بصلاة يسوع لأول مرة فى روسيا فى عام 1865 وتُرجمت لعدة لغات، منها اللغة العربية، وقامت كنيسة مارجرجس باسبورتنج بالإسكندرية بنشره، كما وردت هذه القصة باختصار فى كتاب حياة الصلاة الأرثوذكسية فى الطبعة الأولى عام 1952. كما صدرت عدة كتب عنها بالعربية فى لبنان ومصر. هذا الكتاب ليس مجرد قصة ولكنه اختبار روحى شيق لازم للإنسان المسيحى، مارسه كثير من الآباء فى الكنيسة الأولى بصروة أو أخرى.
قيل عن هذا السائح الروسيّ أنه ذُهِل عندما دخل إلى الكنيسة وسمع فى الرسالة إلى أهل تسالونيكى "صلّوا بلا انقطاع" (5: 17) وصار يُفَكِّر: هل يمكن للإنسان أن يعمل عملاً واحداً طيلة حياته؟
روى السائح الروسى أنه عاش لا منزل له، بل كان يجول من مكانٍ إلى آخر، لا يحمل إلا سلة على ظهره بها خبز يابس ومعه الكتاب المقدس. إذ ذهب إلى الكنيسة سمع من رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل تسالونيكى الآية: "صلوا بلا انقطاع" (5: 17؛ راجع أف 6: 18؛ 1 تى 2: 8). فتح الكتاب المقدس، وقرأ (1 تس 5: 17)، فصار يفكر كيف يُنَفِّذ هذه الوصية وهو مشغول بأمورٍ كثيرة، كيف يصلى فى كل الأوقات وفى كل مكان.
قَرَّر أن يمضى من كنيسة إلى كنيسة يسأل أشهر الوعَّاظ والمرشدين الذين ذاع صيتهم يطلب منهم الإجابة العملية على سؤاله. تحدثوا معه عن أهمية الصلاة وثمارها، لكن لم يجد من يحدثه عن كيفية ممارستها كل حين.
سمع عن أحد النبلاء فى إحدى القرى الروسية يقضى كل وقته فى الصلاة وقراءة الأسفار المقدسة. ذهب إليه وسأله عن كيفية ممارسة هذه الوصية. صمت الشخص قليلاً، ثم قال له: "الصلاة الداخلية الدائمة هى رفع دائم للنفس البشرية أمام الله. وطلب منه أن يصلى كثيراً ليختبر العذوبة التى يعلمنا الله بها كيف نصلى بلا انقطاعٍ. قال له:" صلِ كثيراً، وصلِ بحرارة، فالصلاة نفسها هى التى ستعلن لك كيف تصلى بلا انقطاعٍ... لكن الأمر يحتاج إلى وقتٍ طويلٍ ". ثم قدم له زادً ونقوداً لأجل سياحته.
اعترى السائح شعور باليأس، إذ لم يفسر له ما يريده. ثم عاد إلى القراءة والتأمل مُفَكِّراً فى كل ما قاله ذلك الأب، ولكن لم يصل إلى الحقيقة. ولم يعلم لماذا بدأ لا ينام بالليل.
مشى ما يقرب من 125 ميلاً حتى وصل إلى دير، به أب محب طيب القلب، فالتقى به. رحَّب به الأب، سأله: "أيها الأب القديس... أريد أن أعرف كيف يُحَقِّق الإنسان خلاصه؟ أجابه:" سرّ حسب أوامر الله، وأتلِ صلواتك فتخلص. "قال السائح:" لكننى سمعت أنه ينبغى أن أصلى بلا انقطاع، وهذا هو ما لست أعرفه، ولم أستطع ممارسته. أرجوك أن تفسر لى هذا الأمر "أجابه بأن عنده كتاباً للقديس ديمترى أسقف روستوف (1651 - 1709) عن التعليم الروحى للإنسان الداخلى. فقرأ فيه أن كلمات الرسول بخصوص الصلاة التى بلا انقطاع يجب أن تُفهَم كإشارة إلى الصلاة الفكرية، فالفكر فى الواقع يمكنه أن يكون دائم الاستغراق فى الله، فيعيش الإنسان بذلك فى حياة الصلاة بلا انقطاع. سأله عن الطريق الذى به يتَّجِه الذهن إلى الله على الدوام دون أن يغفل، بل يصلى دون انقطاع، أجابه إن هذا الأمر صعب حتى على الذين وُهِبوا من الله تلك العطية.
ازداد اضطراب السائح، وقضى الليلة عنده ثم عاود السير فى الطريق العام مدة خمسة أيام وهو مواظب على قراءة الكتاب المقدس.
فى الطريق التقى بأحد الآباء الشيوخ الذى أخبره عن وجود أب مُختبر فى دير بالقرب منهما. تحدث مع هذا الأب وهما سائران نحو الدير فى موضوع الصلاة بلا انقطاع. فأبرز له هذا الأب الآتى:
إذ وصلا إلى الدير وهما يتحدثان معاً، قال له السائح أن يتفضَّل ويُخبِره عن كيفية الصلاة بلا انقطاع. قَبِلّ سؤاله بلطفٍ، وأدخله إلى قلايته، وأعطاه مجلداً لأقوال الآباء يقرأ فيه. واستطرد يقول له: "الصلاة التى بلا انقطاع هى مناداة اسم الرب يسوع بالشفاه والفكر والقلب مع تكوين صورة عقلية لحضوره الدائم الثابت، وطلب رحمته خلال كل مشغولية، وفى كل وقتٍ، وفى كل مكانٍ، حتى أثناء النوم.
تُغرّس هذه العاطفة بترديد هذه الكلمات: "يا ربى يسوع المسيح ابن الله، ارحمنى أنا الخاطئ". فمن يُعَوِّد نفسه على ذلك يختبر أعمق الوسائل التى تزرع الرغبة فى أن تدوم الصلاة، وسوف تستمر هذه الطلبة دافعة لنفسها فى أعماق قلبه.
أما كيف تتعلَّم الصلاة، فسنراه فى كتاب الفيلوكاليا Philokalia (يعنى محبة الصلاح) وهو يحتوى على علم الصلاة الداخلية المستديمة، مفصلاً حسبما تناولها بالشرح خمسة وعشرون من آباء الكنيسة. يُعتبَر المُرشِد الأساسى إلى الحياة التأملية.
فتح كتاب الفيلوكاليا واختار فقرة للقديس سمعان اللاهوتى الجديد (917 - 1022م) عن الصلاة بلا انقطاعٍ: [اجلس، وفى هدوءٍ وصمتٍ. احنِ رأسك وأغلق عينيك، وتصوَّر نفسك ناظراً إلى داخل قلبك، وانقل أفكارك من عقلك إلى قلبك، وقُلْ مع كل نسمة تخرج منك: "يا سيدى يسوع المسيح ابن الله ارحمنى أنا الخاطى". قلها بتحريك شفتيك ببساطة أو قلها فقط فى عقلك، محاولاً أن تدع كل الأفكار الأخرى جانباً، وكن هادئاً صبوراً، وكَرِّر هذه الطلبة فى أحيانٍ كثيرة.] ثم طلب إليه أن يعود إليه ليُتابِع تقدُّمه، وأن يعترف إليه بكل صراحة، فإنه من العبث أن نُمارِس عملاً روحياً دون مرشدٍ لتهذيبنا. شعر السائح بدافعٍ قوى لاختبار الصلاة الداخلية المستديمة.
علم السائح أنه توجد قرية بالقرب من الدير، فذهب إليها يبحث عن مسكنٍ. هناك تمكَّن من العمل بالأجرة، إذ استأجره أحد الفلاحين ليعتنى بحديقته ويحرسها طول الصيف وأعطاه كوخاً فى أقصى الحديقة، منفرداً يعيش فيه.
كان يُمارِس ما أرشده إليه الأب، تعب كثيراً خلال هذا الأسبوع، لكن حورب بالشعور بالكسلٍ والضجرٍ والنعاس، وهاجمته بعض الأفكار، فبدأ يقرأ فى أقوال الآباء، ويُجبِر نفسه على ترديد صلاة يسوع.
اعترف لدى الأب، فطلب منه أن يُكَرِّر الصلاة ثلاثة ألاف مرة فى اليوم أثناء قيامه وجلوسه ورقاده ومشيه. قبل السائح هذا الأمر بسرورٍ وعاد إلى كوخه ووجد صعوبة فى اليومين الأولين، وبعد ذلك صار الأمر سهلاً لدرجة أنه متى توقف يشعر بدافع على الاستمرار.
عاد إلى الأب الذى طلب منه أن يكون هادئاً وأن يزيد من العدد حتى يعينه الرب. رجع إلى كوخه وصار يردد هذه الصلاة أسبوعاً آخر دون أن يتضايق، وتعلَّم كيف لا يتشتت عقله. قال له الأب: "الآن أترك لك مطلق الحرية لتصلى كما تشاء، فقط حاول أن تكرس أوقات يقظتك للصلاة، واذكر اسم يسوع دون تعداد وأن تسلم نفسك باتضاع لإرادة الرب طالباً منه المعونة. وأنا متأكد أنه لن يتركك بل سيقودك إلى الطريق المستقيم!".
قال السائح: "وبعد وقت ليس بطويلٍ شعرت كما لو أن كلمات الصلاة تخرج من شفتيَّ لتدخل إلى قلبى فى توافق عجيب. أعنى أن كل كلمة تُقَال تكون كما لو كان ينطق بها القلب مع دقاته. وحينئذ أبطلت تحريك شفتىَّ، لأن قلبى كان ينطق. وتمنيت أن أرى سيدى يسوع المسيح، فأطرح نفسى عند قدميه وأطَّوقهما وأقبِّلهما شاكراً بالدموع، لأنه وهبنى بمحبته أن أعيش باسمه فى سلام أنا المخلوق الخاطى غير المستحق.
عاودت طريق التجوال لكن لم أكن معوزاً كما كنت قبلاً. كان ذكر اسم يسوع يبعث فىَّ الفرح طوال الوقت، وكان الناس يحسنون معاملتى كما لو كانوا جميعاً يحبوننى. "بلا شك هذا الحب من الناس كان ثمرة انجذابهم إليه بسبب الفرح الداخلى المنعكس على وجهه وتصرفاته لتمتعه بصلاة يسوع دون انقطاعٍ.
ورد فى فردوس الآباء تداريب عملية لممارسة صلاة يسوع، تحت عنوان "الدعاء باسم الرب يسوع" [207] نذكر منها الآتى:
[قال شيخ: "إن كان ملء اللاهوت حلَّ فى المسيح جسديّاً كقول الرسول (كو2: 9)، فلا نقبل زرع الشياطين الأنجاس إذا قالوا لنا: إنكم إن صِحتم باسم يسوع فلستم تدعون الآب والروح القدس، لأنهم يفعلون ذلك خبثاً منهم حين يمنعوننا من الدعاء بالاسم الحلو الذى لربنا يسوع، لعلمهم أنه بدون هذا الاسم لا يوجد خلاصّ البتّة، كقول الرسول بطرس:" ليس اسمّ آخر تحت السماء، قد أعطيّ بين الناس، به ينبغى أن نَخْلُص "(أع4: 12).].
ونحن لا نشكّ البتّة في هذا الأمر، أننا إذا دعونا اسم ربنا يسوع إنما ندعو الآب والابن والروح القدس، لأننا لا نَقْبَل البتّة فرقاً ولا انقساماً ما في اللاهوت، ونعلم أنّ ربنا يسوع هو الواسطة الذي به يحصل الناس على الدنو من الله والحديث معه، كقول الرسول: "كلّمنا في هذه اللأيام الأخيرة في ابنه (عب 1: 2)".].
[قال شيخّ مثلاً: "كان إنسانً فى قريةٍ له أختّ جميلةّ، ولما كان يوم عيد فى تلك القرية، سألته أن يرسلها إلى موضع الاحتفال بالعيد، وكان أخوها يخاف أن يرسلها وحدها لئلاّ يحصل لقومٍ عثرة بسبب شبابها، فأمسك بيدها واصطحبها إلى مكان الاحتفال. وكان يدخل ويخرج وهو ماسكّ بيدها، لأنه قال: إن هى مالت إلى أيّة جهالةٍ فلا تستطيع لأننى ماسكّ بيدها". ثم قال الشيخ: "هكذا النفس مادامت ذاكرةّ اسم ربنا يسوع المسيح الذى صار لها أخاً بالتدبير، فإنه يكون كل وقتٍ ماسكاً بيدها حتى وإن هي تنازلَتْ مع الأفكار ومالت إلى ملذّات العالم فلا تصل إلى إتمام الخطايا لأنّ أخاها ماسكاً بيدها. وإن أراد الأعداء غير المنظورين أن يخدعوها، فلا يستطيعون أن يفعلوا بها شيئاً لأنّ أخاها ماسكاً بيدها إن هى تمسّكَت كل وقتٍ بالاسم المُخَلِّص الذى لربِّنا يسوع المسيح ولا ترخيه (نش 3: 4).".
"أرأيت أيها الحبيب أنّ التمسُك بهذا الذكر الصالح الذى هو اسم ربنا يسوع المسيح إنما هو خلاصّ عظيمّ وحصنّ لا ينحلّ وسلاحّ لا يُغلَب وختم خلاصٍ للنفس؟ فلا تتوانَ أن تقتنى لك هذا الكنز الذى لا يُسرَق، وهذه اللؤلؤة الكثيرة الثمن التى هى اسم ربنا يسوع المسيح الاسم المخلِّص (مت13: 46)".
"فإن قلتَ:" وكيف أقتنى لى هذا الكنز العظيم؟ "قلتُ لك:" بالعزلة عن كل أحدٍ وعدم حمل همّ جميع الأشياء، وتعب الجسد بمقدار، والصوم بمداومةٍ. هذه الأمور تلد التواضع والدموع الحقيقية وتجعلك تشعر أنك تحت الخليقة كلها، وإذا تمّ لك ذلك تصير ابناً لله وأنت على الأرض، وتنتقل من الأرض إلى السماء وأنت كائنّ فى الجسد. "النعمة هى لك يارب لأنك تصنع الرحمة مع ضعفنا حتى تنقلنا إلى ملكوتك".
[سأل أخّ شيخاً: "يا أبى، ماذا أفعل بهذه الحروب الكائنة معى"؟ فقال له الشيخ: "مداومة اسم الرب يسوع تقطعها كلها".].
[سأل أخّ شيخاً: "يا أبى، عرِّفنى الجلوس فى القلاية". فقال له الشيخ: "هذا هو عمل القلاية: أكل مرة فى اليوم، وعمل اليدين، وإتمام الصلوات الفرضية، وأفضل من الجميع أن تكون مداوماً على اسم ربنا يسوع المسيح بغير فتور، وفى كل قليل ارفع عينيك إلى فوق وقُلّ: يا ربى يسوع المسيح أَعنِّى، يا ربى يسوع المسيح تحنَّن عليَّ، أنا أُسَبِّحك يا ربى يسوع المسيح".].
[سأل أخّ شيخاً: "كيف أجد اسم ربِّى يسوع المسيح؟" قال له الشيخ: "إذا لم تحب الضيقة أولاً فلا يمكنك أن تجده".].
[سأل أخّ شيخاً: "عرِّفنى، يا أبى، كيف أتمسَّك باسم الرب يسوع بقلبى ولسانى". أجابه الشيخ: "مكتوبّ إن" القلب يُؤمَنُ به للبرَ، والفم يُعتَرَف به للخلاص "(رو10: 10)، فإذا هدأ قلبك فليرتل باسم الرب يسوع دائماً، وإذا ناله عدم هدوء وطياشة فيجب أن تتلو (اسم الرب) باللسان حتى يتعوَّد العقل، فإذا نظر الله إلى تعبك أرسل لك معونةً عندما يرى اشتياق قلبك، فيُبدِّد غلظ الأفكار المضادّة للنفس".].
[قيل: إن عدو الخير حارب (أنبا هيلاريون) بلا رحمة. ففى إحدى الليالى بدأ يسمع نحيب أطفال وثُغاء خراف وخُوار ثيران وعويل نساء وزئير أسود وضجَّة جيش وطنين صرخات مُختلفة، فارتعب من هذه الأصوات قبل أن يرى شيئاً. ففهم أنها أرواح شريرة، فركع ورشم إشارة الصليب على جبهته فاطمأن، ولكنه تطلَّع لرؤيتها فرأى فى ضوء القمر مركبةّ بفرسان مندفعة فوقه، فدعا باسم يسوع فانفتحت الأرض فجأةً أمام عينيه وابتلعت المنظر كله. فقال هيلاريون: "الفرس وراكبه طرحهما فى البحر" (خر15: 1)، وأيضاً: "هؤلاء بمركباتٍ وهؤلاء بخيلٍ، ونحن باسم الرب إلهنا نغلب" (مز20: 7).
[قيل: إن "أريستانيتى" زوجة "إلبيديوس" الوالى الرومانى، عند عودتها من زيارة القديس أنطونيوس فى مصر، تأخَّرت فى غزة بسبب مرض أولادها الثلاثة، لأنهم أصيبوا جميعاً أثناء سفرهم بمرضٍ واحدٍ يُسمَّى: semi - tertian ague، وهو شبه ملاريا ثلثية (أى تظهر أو تشتدّ كل 48 ساعة)، وقد يئس الأطباء من شفائهم، وظلَّت أمّهم تنتحب. ثم سمعت بوجود راهب فى البرية المجاورة، فنسيت شرف مكانتها ودفعتها أمومتها أن تسرع إليه راكبة على جحشٍ ومعها وصيفاتها. وقالت للقديس: "أتضرَّع إليك بالمسيح إلهنا، أتوسَّل إليك بصليبه ودمه أن تنقذ لى أولادى الثلاثة حتى يتمجَّد اسم ربنا ومخلِّصنا بين الوثنيين"، رفض القديس أولاً وقال إنه لم يترك قلايته قط، ولم يَعْتَدْ أن يدخل بيتاً ولا حتى المدينة. ولكن المرأة ألقت بنفسها على الأرض وصرخت عدَّة مرَّات: "يا خادم الله هيلاريون أرجع لى أولادى، لقد حفظهم القديس أنطونيوس فى مصر سالمين، فأنقذهم أنت هنا فى الشام". بكى كل الحاضرين، والقديس نفسه بكى بعدما رفض طلبها. ولم تتركه المرأة حتى وَعَدَ أنه سيدخل مدينة غزة بعد الغروب. ولمَّا وصل رشم علامة الصليب على السرير وعلى الأولاد المرضى ودعا باسم يسوع الاسم ذي الفعالية العجيبة، فامتلأت أجسامهم عرقاً فى وقتٍ واحدٍ، ثم لم تعافوا تعرَّفوا على أمِّهم، وقبَّل الجميع يد القديس بحرارة.].
[207] - للاستزادة راجع دير القديس مقاريوس الكبير: فردوس الآباء (بستان الرهبان الموسع).
[208] - راجع: صلاة يسوع لراهب من الكنيسة الشرقية؛ أنطون فهمى جورج: قوة الإسم – صلاة يسوع والروحانية الأرثوذكسية؛ قصص روحية هادفة: سائح روسى فى دروب الرب، يحتوى على أربعة عشر قصة.
تتَّسم تسابيح نصيبين لمار أفرآم السريانى (Carmina Nisibena) Nisiben Hymns بأنها تحتوى على مقاطع منتظمة متناغمة تناسب الاجتماعات الكنسية. وغالباً ما يوجد بها قرار عام بعد كل مقطع، يُلَحَّن لكى يُرَدِّده الإنسان فى عبادته الجماعية والشخصية تسنده فى ممارسة العبادة بروح الرجاء والفرح، وبالشعور بالحضرة الإلهية، وهى تقترب من تدريب "الصلاة السهمية" أو "صلاة يسوع"، وهى تُمَثِّل صرخة مُقَدَّمة للربّ.
يُقَدِّم لنا القديس يوحنا الذهبى الفم أمثلة لصلوات قصيرة: