كيف أقام السيد المسيح تلاميذه الاثنى عشر ورسله السبعين؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

كيف أقام السيد المسيح تلاميذه الاثنى عشر ورسله السبعين؟

تجسد كلمة الله ليحقق ملكوت أبيه، ويدعو الناس إلى التوبة والإيمان بالإنجيل: "بعدما أسلم يوحنا، جاء يسوع إلى الجليل يكرز ببشارة ملكوت الله، ويقول: قد كمل الزمان، واقترب ملكوت الله. فتوبوا وآمنوا بالإنجيل" (مر1: 14 - 15). هذه الرسالة سلمها السيد المسيح بدوره إلى تلاميذه، ليعمل هو نفسه بهم. فأقام الاثنى عشر "ليكونوا معه، وليرسلهم ليكرزوا" (مر3: 14). وفى العشاء الأخير أوصاهم بمتابعة عمل التقديس الذى قام به فى سرّ الإفخارستيا: "اصنعوا هذا لذكرى" (لو22: 19).

لا يزال السيد المسيح يقوم بعمل الكرازة والتقديس والرعاية خلال سر الكهنوت، الذى سلمه إلى الرسل والكنيسة، لنشر ملكوت الله بين البشر. فالكاهن هو أيقونة المسيح – رئيس الكهنة الأعظم – يتمتع بشرف الرعاية التى هى عمل السيد المسيح وحده، الراعى الصالح (يو10: 11، 14).

تطلع أنبياء العهد القديم إلى ربنا يسوع بكونه الراعى (إش40: 11؛ حز34: 23؛ 37: 24؛ زك13: 7)، واختبره الرسل كأسقف لنفوسنا (1بط2: 25)؛ ورئيس الرعاة (1بط5: 4)؛ والراعى العظيم (عب13: 20). إنه فى المسيح يسوع أب كل البشرية، ليس من أمر يشغله سوى أن يحمل كل البشرية فى قلبه ويدخل بهم فى حضرة الله الآب ويرعاهم، مشتهياً أن يرى الجميع العروس التى بلا عيب. يقول القديس غريغوريوس النيسى: [كيف لا أحبك يا من أحببتنى بشدة؟! رغم أنى سوداء، فقد وضعت حياتك من أجل خرافك (يو15: 13)، أنت راعيهم. ليس لأحد حب أعظم من هذا، لأنك بذلت حياتك لتمنحنى الخلاص.

قل لى إذا أين ترعى؟ (نش1: 7) عندما أجد مرعى خلاصك، حينئذ أشبع بالطعام السماوى، الذى بدونه لا يدخل أحد إلى الحياة. وحين أجرى إليك أيها الينبوع سوف أشرب من الينبوع الإلهى الذى جعلته يتدفق ليروى كل من يعطش إليك. إذ ضُرب جنبك بالحربة للوقت خرج منه دم وماء (يو19: 34). ومن يشرب منه يصبح ينبوع ماء حىّ للحياة الأبدية (يو4: 14).

إذا رعيتنى ستجعلنى أستريح بسلام خلال منتصف النهار فى النور الخالى من الظلال. لأنه لا توجد ظلال فى منتصف النهار، عندما ترسل الشمس أشعتها عمودية فوق الرأس. وستجعل ضوء منتصف النهار يُريح كل من أطعمته، وتأخذ أطفالك معك فى فراشك (لو11: 7). لا يستحق أحد أن يأخذ راحة منتصف النهار إلا ابن النور والنهار (1تس5: 5). الشخص الذى فصل نفسه من ظلمة الليل إلى الفجر، سوف يستريح فى منتصف النهار مع شمس البر (ملا4: 2) ([702]).


[702] [] نشيد الأناشيد للقديس غريغوريوس أسقف نيصص، تعريب الدكتور جورج نوار، 1993، عظة 2.

ما هو عمل رئيس الكهنة السماوى فى حياة كهنته وكرازتهم ورعايتهم؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو عمل رئيس الكهنة السماوى فى حياة كهنته وكرازتهم ورعايتهم؟

أولاً: يقيم منهم أبناء شبه سمائيين. يسكن فيهم، فيحملون الفكر السماوى، ويمارسون الحياة شبه السماوية. يقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [إذ كان يرسلهم كمعلمين للعالم كله، لهذا جعلهم وهم بشر ملائكة، محرراً إياهم من كل اهتمام أرضى، حتى لا ينشغلوا إلا باهتمام واحد وهو التعليم، بل بالأحرى أراد أن يحررهم حتى من هذا الأمر بقوله: "لا تهتموا كيف أو بما تتكلمون" (مت10: 19) ([683])]. كما يقول: [من يرغب فى اختبار الأمور الخاصة بعهد النعمة فسيجدها قليلة لكنها مخيفة ومملوءة رهبة. إنك ترى (فى عهد النعمة) الرب كفدية على المذبح، والكاهن يقف مصلياً للذبيحة، وكل المتعبدين يتلمسون ذاك الدم الثمين. إذن هل تتصور أيها الكاهن أنك لازلت من بين البشر، وأنك مازلت على الأرض واقفاً؟! أما اجتزت إلى السماء باستقامة، قاطعاً كل فكر جسدانى بعيداً عن الروح؟! ألست أنت الآن بروح مجردة عن الجسد وبعقل نقى تتأمل الأمور السمائية؟! آه! يا لها من أعجوبة! يا لعظم حب الله للإنسان! إن الجالس فى الأعالى مع الآب يُحمل فى تلك الساعة فى أيدى الكل، ويعطى ذاته للراغبين فى احتضانه ونواله!!... هل يمكن أن تزدرى بهذه الأمور أو تفتخر عليها؟! ([684])] [يُكال الماء الخارج من الينابيع الطبيعية بالأوانى والدلو، أما الماء النابع من الينابيع الروحية، فيُقاس بفهمنا ورغبتنا المتقدة ووقارنا، بهذا نقترب إليها. من يسلك بهذا الترتيب يحمل فى الحال بركات لا تعد، حيث تعمل نعمة الله فيه بطريقة غير منظورة، وتخفف عبء ضميره، ويأتى به إلى أمان وفير، وتعده بعد ذلك لكى ينسحب من شاطئ الأرض، ويحمل مرساة السماء. فإنه يمكن للإنسان الذى لا يزال يحتضن جسده ألا يكون له شئ يتعلق بالأرض، بل يضع أمام عينيه كل مباهج السماء ويتأملها بلا انقطاع ([685])]. [عظمة الكهنوت وكرامته يرتفعان فوق كل ما هو أرضى وبشرى. إنه خدمة الملائكة، ولذلك وجب على الكهنة أن يكونوا أطهاراً كالملائكة. الكهنوت فى التدبير القديم كان نبيلاً ومهيباً، لكنه يُحسب تافهاً بلا معنى إن قورن بتدبير العهد الجديد. هنا الرب الإله نفسه يقدم ذبيحة! يا لعجب محبة الله. ذاك الذى هو متوج مع الآب فى السماء، يسمح لنفسه فى الذبيحة المقدسة أن تلمسه أيدى الجميع، وتراه أعينهم. عندما قدم إيليا ذبيحة، نزلت نار من السماء (1مل18: 38)، أما هنا فعند صلاة الكاهن، الروح القدس نفسه ينزل ليشعل النفوس بالذبيحة ([686])].

ثانياً: يقتدى بمخلصه محب البشر. يقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [الكاهن بما أنه وكيل الله، يلزمه أن يهتم بسائر البشر لكونه أباً للعالم كله ([687])].

ثالثاً: يدرك أن السيد المسيح هو العامل فى كهنته وخدامه. يدخل الكاهن إلى الهيكل، العرش الإلهى، ليس من بر فيه، ولا من أجل جهاده الذاتى، وإنما مختفياً فى ذاك الذى هو موضع سرور الآب، المسيا سرّ تقديسه. لهذا يقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [حين تنظر الكاهن مقدم الذبيحة، تأمل يد السيد المسيح ممتدة بنوع غير ملحوظ ([688])]. كما يقول: [لنتشبه بأهل عرس قانا الجليل الذين دعوا المسيح إلى عرسهم، وأجلسوه فى وسطهم (1مل18: 38) ([689])].

تعد النعمة الإلهية الأنبياء والرسل والمبشرين والرعاة والمعلمين لهذه الدعوة الإلهية، وتعمل بهم، فإن أهملها أحدهم يسقط من دعوته. يقول العلامة أوريجينوس: [رعاية الخدام فى الكنيسة يدركها الفشل ما لم يرع المسيح معهم ([690])]. كما يقول: [لكى تكون "معلماً"، فهذه نعمة مجانية حسب عطية المسيح "، لذا فإنه من الواضح أن الراعى الذى يرعى قطيعه بحكمة، يحتاج إلى نعمة مجانية تعمل فيه. كيف يمكن أن يصير إنسان إنجيلياً، أو تكون قدماه جميليتين؟ مثل هذا يلزمه ان يهبه الله الجمال ([691])]. ويقول: [المهام الصحيحة للكاهن تكون ذات طبيعة مزدوجة. وهى أن يتعلم من الله خلال القراءة الدائمة فى الكتاب المقدس والتأمل فيها، وأن يُعلم الشعب. ويلزم أن يُعلم ما تعلمه من الله،" لا من تلقاء قلبه الذاتى "(انظر حز13: 2)، ولا من خلال فهمه البشرى، بل ما يرشده إليه الروح القدس. هكذا نحن إذ نتأمل فى (قصص العهد القديم)، فإننا نتذكرها نهاراً وليلاً، ونصلى على الدوام طالبين من الله أن يعلن لنا عن المعرفة الحقيقية لما نقرأه، وأن يظهر لنا كيف نحفظ الناموس الروحى فى فهمنا كما فى أعمالنا. هكذا ليتنا نتأهل للنعمة الروحية، ونستنير بناموس الروح القدس ([692])].

هكذا تُعد النعمة الإلهية الأنبياء والرسل والمبشرين والرعاة والمعلمين لهذه الدعوة الإلهية، وتعمل بهم، فإن أهملها أحدهم يسقط من دعوته.

رابعاً: الشعور بالحاجة إلى التعلم المستمر وأيضاً التعليم يرى القديس كبريانوس أنه يليق بكل مؤمن سواء كان من رجال الدين أو من الشعب ألا يتوقف عن التعلم المُستمر، فإنه ليس أحد قادر أن يُعلم دون حاجة إلى التعلم سوى الله نفسه. وجاءت رسالة القديس باسيليوس إلى أمفيلوخيوس أسقف أيقونية Iconium يمتدحه فيها، لأنه فى تواضع يريد وهو مُعلم أن يتعلم من القديس باسيليوس. أما رئيس الأساقفة باسيليوس ففى تواضع يحسب نفسه جاهلاً يطلب أن يتعلم. يقول القديس باسيليوس الكبير: [هذا هو حالى، فإننى أشكر الله، فغالباً إذ أستلم رسالة منك أيها المجاهد، نصير أكثر تعلماً وحكمة عما كنا عليه سابقاً، فبمجرد إثارة أسئلة، نتعلم أشياء كثيرة لم نكن نعرفها. وباهتمامنا بالإجابة عليها تصير أشبه بمُعلم لنا. بالتأكيد فى الوقت الحاضر، بالرغم من أنني لم أعط اهتماماً للنقاط التى تثيرها، ألتزم أن أجد إجابة دقيقة، وأن أراجع فى ذهنى ما أسمعه من الشيوخ، وبهذا أتعلم أن أكون فى التزام مع دروسهم ([693])]. [إننى مندهش تماماً لرغبتك فى التعلم بتواضعك. إنك مؤتمن على وظيفة المُعلم، ومع هذا تتنازل أن تتعلم منى، أنا الذى يبدو بلا معرفة عظيمة. ومع ذلك إذ أنت مُقتنع من أجل مخافة الرب، فتفعل ما يتردد آخرون أن يفعلوه. فإننى مرتبط من جانبى أن أبذل أكثر من طاقتى أن أسند غيرتك التقية والمهيأة لذلك ([694])].

أما عن تعليم الشعب فيقول: [مثل الكباش التى تقود القطعان، هكذا قادة قطيع المسيح. إنهم يقودوهم نحو القوت المُزدهر العطر للتعاليم الروحية، وترويهم المياه الحية بمعونة الروح، تقيمهم وتقوتهم حتى يأتوا بثمر. عندئذ تقودهم إلى الراحة والسلام من الذين ينصبون لهم شباك ([695])].

خامساً: لا يُثقل على الشعب. يقول القديس باسيليوس الكبير: [لا يزد أحد من القسوس ثقلاً على الشعب خارجاً عن قوانين آبائنا الرسل ([696])].

سادساً: ليختبر الكاهن ما يُعلم به. يليق بالكاهن أن يختبر عملياً بما يكرز ويُعلم، لأجل خلاص نفسه وخلاص من يخدمهم، ولكى لا يتعثروا فيه. يقول القديس باسيليوس الكبير: [إذا كان قس أو أسقف يُعلم أناساً، فليفتش نفسه قبل أن يتكلم لئلا يعثر نفوساً كثيرة بتعليمه ([697])].

سابعاً: أن يحسن الاستماع. يليق بالإكليريكى – أيا كانت درجته – ألا يحكم على أحد دون أن يسمع منه. لأنه مكتوب أن الذى يبدأ بالكلام قبل أن يسمع، فهذا جهل وعار ([698])].

ثامناً: أن يساند التائبين. الدور الأول للأسقف هو رعاية الخاطى، ومساندته بحنو لأجل شفائه من الخطية. [إذا سقط شخص فى خطية، واعترف بها وحزن، وكان متألم القلب، فليُعن من كبير الإكليروس أو من الأسقف، ويُعلم أن يتحفظ منها ويحزن على خطاياه الأولى (أم18: 13) ([699])].

تاسعاً: أن يكون رجل صلاة ويطلب صلوات الآخرين. يكتب القديس باسيليوس فى رسالة إلى بعض الأساقفة عن اقتدار مفعول الصلاة فى زمن التجارب فى عضد الجسد الواحد، فيقول: [لأننا واثقون من أنه وإن لم تكونوا حاضرين بالجسد، مع هذا، بمعونة الصلاة أنتم تؤدون لنا فائدة أعظم فى تلك الأوقات الأكثر صعوبة ([700])].

عاشراً: لا يتطلع إلى الأطعمة والزواج أنهما نجاسة. جاء فى قوانين الرسل 25: 2 "أى أسقف أو قس او شماس أو واحد من الإكليروس تخلى عن الزيجة أو أكل اللحم أو شرب الخمر، ليس لأجل نسك، لأنها نجسة ناسيا ما قيل إن كل الأشياء صالحة جداً فإما أن يكف عن ذلك وإلا فليُقطع ويُطرد من الكنيسة" وجاء فى قوانين الرسل 2: 37) "وصاروا سبباً لشك الجماعة". يقول القديس باسيليوس الكبير [لا ينجس قس أو أسقف شيئاً من الأطعمة جملة، إلا أن يتركه وحده لله ([701])].


[683] [] In Matt. Hom. 7: 23.

[684] [] للمؤلف: الحب الرعوى، 1965، ص47، 46.

[685] [] baptismal Instructions, 11: 7.

[686] [] De Sacerd otio, Book 4: 3 ff.

[687] [] الحب الرعوى، 1965، ص546.

[688] [] الحب الرعوى، ص27.

[689] [] أحاديث عن الزواج: الحديث الأول (منشورات النور).

[690] [] In Luc. Hom. 2: 12.

[691] [] Comm. On Eph. 17 on 11: 4 ff.

[692] [] In Lev. Hom. 6: 6.

[693] [] Letter 188 to Amphilochius, concerning the Canons.

[694] [] Letter 199 to Amphilochius canonica Secunda, 1.

[695] [] Homily on Psalm 2: 28. PG 284: 29.

[696] [] القسم الثالث، بند 51 (دير السريان، القديس باسيليوس، 2003).

[697] [] القسم الثالث، بند 62 (دير السريان، القديس باسيليوس، 2003).

[698] [] القسم الثالث، بند 61 (دير السريان، القديس باسيليوس، 2003).

[699] [] القسم الثالث، بند 93، (دير السريان، القديس باسيليوس، 2003).

[700] [] PG. 741: 32B.منشورات دير مار ميخائيل – نهر بسكنيتا الراهب غريغوريوس (إسطفان): سرّ الكهنوت، 2012، ص196 – 197.

[701] [] القسم الثالث، بند 52، (دير السريان، القديس باسيليوس، 2003).

ما هى السمة الرئيسية التى تؤهل المؤمن للعمل الكهنوتى والرعوى؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هى السمة الرئيسية التى تؤهل المؤمن للعمل الكهنوتى والرعوى؟ ([678])

الحب الحقيقى هو الذى يؤهل المؤمن للعمل الكهنوتى والرعوى، لهذا اختص ربنا يسوع بعد قيامته معلّمنا بطرس، بهذا السؤال: "يا سمعان بن يونا، أتحبنى؟... ارع غنمى" (يو21: 16). لقد عين الرب حقيقة مفهوم حب رسوله له، وطبيعته، وهدف هذا الحب. فالحب الذى كان يصدر عن معلّمنا بطرس قبل حلول الروح القدس، كان حباً حسب طبيعته ومفهومه البشريين، بدليل أنه بمقتضى هذا الحب انتهر ربنا يسوع لكى لا يُسلّم نفسه للصليب، كما فى مكابرته بحبّه أراد ان يضع نفسه عن ربه، لكنه للأسف أنكره بقسم ولعن أمام جارية، وفى مرارة نفسه بكى بكاءً مراً، مدركاً أن حبه لم يكن إلا نفاية. وفى يوم الخمسين من قيامة الرب، بينما كان التلاميذ والرسل مجتمعين بنفس واحدة حلّ عليهم الروح القدس شبه ألسنة نار (أع2: 3 - 4)، فامتلأ بطرس كبقية التلاميذ من روح هذا الحب الإلهى، الذى أعطاهم صورة الفادى الحقيقية، والراعى الصالح نفسها. هذا هو الحب الإلهى، الذى كانوا منتظرين موعده، لينفذوا هذه الكلمات: "أتحبنى... أرع غنمى".

فإذ حلّ فيهم روح الحب أمكن أن يكون لهم حق الرسولية والتبشير فى المسكونة كلها، لرعاية غنم الرب، نفوس البشر، موضع حبه وهدفه. ما كان يمكن أن تكون للرعاية وجود، بدون هذا الروح، لأنها هى عمل الله "الحب" بمن اختارهم رعاة لشعبه، وهى تهدف أولاً وأخيراً إلى نمو الرعاة والرعية بحياة الحب الحقيقى، بالروح القدس، فى شخص الفادى الحبيب.

فالراعى لا يقدر أن يتسلّم عصا الرعاية، وهى الصليب، إلاَّ إذا لبس أولاً المسيح الحبيب، وإلاَّ سرعان ما تُثقل أتعاب الرعية ظهره، وتعيّى نفسه، فيتحول إلى خادم متذمر يائس، يضيق بالخدمة وصاحبها، ويود الهروب منها. فإن كان ممن اختلسوها خلسة، فلا غرابة إذا أضحى أجيراً أو لصاً، لا راعياً. وإذا استهان بطول أناة الله ولم يتب، زحزحت النعمة منارته، وأخذ إكليله آخر، وأسرع بتهاونه إلى الدينونة الرهيبة (خر34)، كما رسم الروح القدس لمن يستهين بمحبته.

السمات المطلوبة فى المُرشح لأى درجة كهنوتية، فى نظر القديس باسيليوس هى الآتى:

أولاً: أن يكون من الساكنين فى بيت الله، الذى يعملون بغيرة مقدسة. [إذا كان قوم ساكنين فى بيت الله، يجب عليهم أن يسعوا فيه بلا حسد ولا عثرة ([679])].

ثانياً: معرفة الكتاب المقدس. [لا يُسام أحد قساً وهو لا يعرف كلام الكتب جيداً، وبالأكثر الإنجيل ([680])].

ثالثاً: تشهد حياته لإيمانه العملى، إذ يقول: [الذى يُختار ليكون أسقفاً يجب أن يكون رجلاً عفيفاً، بشوشاً، خائف (الرب)، يجاهد عن المظلومين، لا يحابى أحداً من الناس، بل يقول الحق. ولا يخشى غنياً. ولا يكون محباً للقنية، لأن هذه خطية تغرى كل الناس، ولا سيما لمن هم فى هذه الرتبة ([681])].

رابعاً: عدم البهرجة فى ملابسه. يليق بالأسقف أن يذكر الجياع والعراة بين شعبه، فلا يستطيع أن يعيش فى ترفٍ.

خامساً: يحمل روح الأبوة. [يجب على الأسقف أن يُقاتل من أجل الحق حتى الموت. ويكون أباً للأرامل والأيتام. ويتزين بالنقاوة لكى يربح الناظرين إليه، ويبكت بلطف، ويصعد وينزل، وكلامه حازم ومُملح. ولا يكون سكيراً، ولا يحسد أحداً. ولا يحب الذهب، ويحسب كل ما لهذا العالم لا شئ. ولا يكون محباً لربح باطل، بل يهرب من كل زينة فارغة ([682])].

سادساً: غير متزوج من المحرمات ولا تزوج زيجة ثانية. من شروط المُرشح لخدمة الكهنوت، أسقفاً كان أو قساً او شماساً، ألا يكون قد سبق له الزواج من المحرمات حتى إن تاب (1تى3: 2 - 6).


[679] [] القسم الثالث، بند38 (دير السريان، القديس باسيليوس، 2003، ص495).

[680] [] القسم الثالث، بند89 (دير السريان، القديس باسيليوس، 2003).

[681] [] القسم الثالث، بند 38 (دير السريان، القديس باسيليوس، 2003).

[682] [] القسم الثالث، بند39 (دير السريان، القديس باسيليوس، 2003).

ما هى حدود الأسقفية؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هى حدود الأسقفية؟

يُشدد القديس باسيليوس الكبير على أن يكون لكل مدينة أسقف. يكتب للأسقف أمفيلوخيوس ويشكره على اهتماماه بإيجاد أسقف لكنيسة إيطورية، ويقول له: [من المفضل أن يكون إنساناً مختبراً، واحداً ليوضع على رأس المدينة. ويأخذ على عاتقه مسئولية الإدارة وتفاصيلها. ولكن بشرط أن يكون خادماً لله، عاملاً، لا يُخجلنا فى شئ، ولا يبحث عن مصلحته الخاصة، بل مصلحة الكثيرين ليُخلصهم]. من المُرجح هنا أنه يتحدث عن أسقف المدينة الرئيسية، لأنه يتابع حديثه، ويقول: إذا صعب الأمر [فلنجتهد فى إعطاء المدن الصغيرة أو القرى الرئيسية التى كان لها منذ القديم مراكز أسقفية، الرؤساء المناسبين، ومن ثم نُقيم أسقف المدينة الرئيسية].


[678] [] راجع للكاتب: الحب الرعوى، الطبعة الثانية، 2005، ص12.

ما هو المفهوم الإنجيلى الكنسى لدرجات الكهنوت؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو المفهوم الإنجيلى الكنسى لدرجات الكهنوت؟

كشف القديس باسيليوس الكبير عن المفهوم الإنجيلى الكنسى لدرجات الكهنوت. فهو كرئيس أساقفة لإيبارشية لها تقديرها وثقلها إن صح التعبير، يعتبر نفسه مساوياً لبقية الخدام فى الكنيسة، إن كانوا أساقفة أو كهنة أو شمامسة. فيحسب الشماس أخاه ([675]) وابنه المحبوب ([676])، ويدعو الكاهن "المحترم جداً" ([677])...


[675] [] Epistle 3: 265.

[676] [] Epistle 2: 156.

[677] [] Epistle 3: 271.

ما هو ارتباط الإفخارستيا بترقب المجئ الأخير للسيد المسيح؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو ارتباط الإفخارستيا بترقب المجئ الأخير للسيد المسيح؟

قدمت لنا الديداكية نصاً للإفخارستيا، فيه طُلب أن تجتمع الكنيسة معاً من أقاصى الأرض فى ملكوت الله المُعد ([670])، كما يسأل الشعب بحرارة الرب يسوع أن يأتى ([671]). [أذكر يا رب كنيستك، خلصها من كل شر واجعلها كاملة فى حبك، اجمعها من الرياح الأربع، هذه الكنيسة التى تقدسها فى ملكوتك الذى أعددته لها. لك السلطان والمجد أبد الدهور. آمين. تعال أيها الرب، وليعبر هذا العالم. آمين. أوصنا لإله داود! من كان مقدساً فليقترب ([672])].

[اسهروا على حياتكم، ولا تدعوا مصابيحكم تنطفئ، ولا أحقاءكم تنحل، بل كونوا مستعدين دائماً، لأنكم لا تعرفون الساعة التى يأتى فيها ربنا.

يليق بكم أن تجتمعوا دائماً وتطلبوا ما يخص نفوسكم، لأنه لا ينفعكم طيلة زمان إيمانكم إن لم تكونوا كاملين فى اللحظة الأخيرة... عندئذ تظهر علامات الحق:

أولاً: علامة السماوات مفتوحة.

ثانياً: علامة صوت البوق.

ثالثاً: قيامة الموتى، ليس جميعهم.

لكم كما قيل: سيأتى الرب ومعه جميع قديسيه، وسينظر العالم الرب آتياً على سحب السماء ([673])].

ما هو عمل الإفخارستيا فى حياة المؤمنين معاً؟

يقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [إننا نشترك فى مائدة روحية، ليتنا أيضاً نشترك فى الحب. فإن كان اللصوص إذ يشتركون معاً فى الملح (والخبز) ينسون شخصياتهم (العنيفة). فأى عذر لنا نحن الذين نتناول جسد الرب باستمرار، ولا نقتدى بلطف اللصوص هذامع بعضهم البعض؟ هذا وإننا لسنا نشترك فى مائدة واحدة فحسب، بل ولنا مدينة واحدة أيضاً، وبيننا صداقة كافية. لنا نفس المدينة ونفس البيت والمائدة والطريق والباب ونحن من أصل واحد لنا حياة واحدة ورأس واحد وراعى واحد وملك ومعلم واحد وديان.

واحد، وخالق واحد وأب واحد إذ جميعنا نشترك معاً، فأى لوم نستحقه إن انقسمنا الواحد عن الآخر ([674])].


[670] [] ديداكية 9: 4؛ 10: 5.

[671] [] ديداكية 10: 6.

[672] [] Didache 5: 10 - 6.

[673] [] Didache 1: 16 - 2, 6 - 7.

[674] [] Homilies of St. John Chrysostom on the Gospel According to St. Matthew, vol. 10, p. 218, Christian Literature.

ما هو شعور الكهنة والشعب عند التناول؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو شعور الكهنة والشعب عند التناول؟

الإفخارستيا دواء للكهنة والشعب كمرضى، فمن لا يشعر بمرضه لا يستحق التناول. بقول القديس مارفيلوكسينوس: [عندما يوزع (الكاهن) الأسرار يصرخ قائلاً: "جسد الله يُعطى لمغفرة الخطايا، ودم ابن الله يطهر من كل خطية". إنه يعيد تلك الكلمات التى قالها الرب لتلاميذه عندما وزع الأسرار عليهم: "فيما هم يأكلون أخذ يسوع خبزاً وبارك وكسر وأعطى التلاميذ، وقال:" خذوا هذا هو جسدى ". وأخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائلاً: اشربوا منها كلكم، لأن هذا هو دمى الذى للعهد الجديد الذى يُسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا" (مت26: 26 - 28). وهكذا عندما نتوب نتقدم من تناول الأسرار التى لمخلصنا، نتقدم كخطاة محتاجين، لأنه لا حاجة للدواء إلاّ فى حالة المرض، أو للشفاء إلا لمن هو مريض، لأنه: "لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى" (مت9: 12). فمن الواضح إذا أن من يتقدم إلى الأسرار ينال غفراناً عن الخطايا أياً كان هذا الشخص، كاهناً أو من الشعب. فإذا لم يكن الروح القدس ساكناً فينا لأننا خطاة، فبأى سلطان يستدعى الكاهن الروح القدس (فى سر الإفخارستيا) وأن يقترب الشعب من الأسرار؟ ([669])].


[669] [] حول سكنى الروح القدس للقديس مار فيلوكسينوس، 2003 ترجمة نانسى جرجس.

بماذا يحذر القديس باسيليوس الكهنة عند تناول دم المسيح؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

بماذا يحذر القديس باسيليوس الكهنة عند تناول دم المسيح؟

يُحذر الكاهن من أن يشتهى شرب دم السيد المسيح بكونه خمراً، فيملأ الكأس حتى حافته، حتى يتبقى فى الكأس الكثير ليشربه. هذا ومن جهة أخرى امتلاء الكأس يعرضه أن ينسكب منه شئ على الأرض. يليق بالكاهن أن يمارس هذا السرّ بخوف الرب ووقار، ويُعطى الكرامة للذبيحة المقدسة، حتى لا يتعرض للهلاك مثل ابنى عالى الكاهن (1صم2: 29 - 34)، ولئلا يكون مثل الملك بيلشاصر الذى شرب الخمر فى أوانى بيت الرب المقدسة (دا5: 1 - 4)، أو مثل بنى قورح وداثان وأبيرام الذين قدموا ناراً غريبة، ففتحت الأرض فاها وابتلعتهم (عد16: 24 - 32) ([668]).


[668] [] راجع دير السيدة العذراء (السريان): القديس باسيليوس الكبير، 2003، ص552.

ما هى سمات الخبز المُقدم حملاً؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هى سمات الخبز المُقدم حملاً؟

يُعلق القديس باسيليوس على ذبح خروف الفصح بكونه رمزاً لسرّ التناول (خر12: 1 - 14):

1. الشمامسة الذين يعدون القرابين، ويدخلون بها، فليتحفظوا ألا يكون الخبز مكسوراً أو بائتاً من عمل الأمس أو محروقاً، أو فيه عيب، لئلا يكونوا فى دنس. لأن الخروف الذى ذُبح فى زمان العبرانيين فى مصر، هو مثال لهذا السرّ...

2. قيل: "هكذا تأكلونه وأوساطكم مشدودة، وفى أيديكم عصيكم، وأحذيتكم فى أرجلكم". هذا الكلام يخص أعضاء القلب، فيليق وسط القلب أن يكون مربوطاً بتركيز الحواس (على السرّ)، وبيده عصا الإيمان، وأرجله قائمة بحذاء السلام.

3. "لا يقرب غريب ولا غير مُختتن ليأكل الفصح". هكذا أيضاً الإنسان الذى لم ينل المعمودية، وغريب عنا وموعوظ لم ينل تماماً (العضوية الكنسية)، لا يقف حتى يعاين الفرح العظيم.

قيل "سبعة أيام تأكلون الفطير قبل أكل الخروف" (خر12: 15 - 20). الويل لنا، فإن هذا القول عار علينا. إن كان قد أمر بأن يؤكل خبز الطهارة (1كو5: 7 - 8) سبعة أيام قبل ذبح الخروف، وهى بهيمة غير ناطقة، وضعت مثالاً لما سيكون، فما عسى أن تكون عقوبة من يجسر على تناول الحمل الكامل – المسيح – بينما لا يزال فيه (فى الإنسان) خمير الشر الذى هو الزنا ومحبة النصيب الأكبر والبغضة والاغتصاب والسرقة، ولم يحزن على ذلك قبل أن يسعى إلى السر؟! ([667])].

يُقارن القديس باسيليوس بين خروف الفصح والتناول من جسد الرب حمل الله ودمه:

1. يلزم أن يكون خروف الفصح بلا عيب، ويلزم تقديم الحمل فى القداس الإلهى طازجاً وليس مخبوزاً فى اليوم السابق، ولا يكون مُحترقاً.

2. يُشوى بالنار، أى يُقدم السرّ بنار الروحانية الملتهبة.

3. يأكلونه وأوساطهم مشدودة وفى أيديهم عصيهم وأحذيتهم فى أرجلهم. الوسط المشدودة يشير إلى وسط القلب المربوط بتركيز الحواس، وبيده عصا الإيمان، وأرجله تسلك فى السلام.

4. لا يشترك فيه غريب وغير مختون، أى لا يتناولون من الأسرار من لم يتمتع بالمعمودية، أو لا يزال بعد موعوظاً.

5. لا يأكلون خبزاً به خمير، بل فطيراً لمدة أسبوع قبل أكل خروف الفصح = لا يتناول أحد من جسد الرب ودمه، إلا بنزع خميرة الشرّ بالتوبة.


[667] [] دير السيدة العذراء (السريان): القديس باسيليوس الكبير، 2003، ص547 – 549.

ماذا يقول الكاهن والشعب أثناء التناول من الجسد والدم؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ماذا يقول الكاهن والشعب أثناء التناول من الجسد والدم؟

[الذى يناول الجسد، يقول هكذا: "هذا هو جسد المسيح، هذا الذى بذله عن خطايانا"، ويقول الذى يتناول: "آمين". وأيضاً الذى يناول من الكأس، يقول: "هذا هو دم المسيح الذى أهرقه عنا"، ويجيب المتناولون: "آمين" ([666])].


[666] [] دير السيدة العذراء (السريان): القديس باسيليوس الكبير، 2003، ص546.