ما هو الدافع للنسك عند الأقباط؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو الدافع للنسك عند الأقباط؟

النسك فى الكنيسة القبطية ليس غاية فى ذاته يشتهى المؤمنون بلوغها، إنما هو تجاوب عملى للمحبة الإلهية. فإن كان ربنا قد قدم حياته لأجلنا، يليق بنا نحن من جانبنا أن نتوق إلى تقديم حياتنا ذبيحة حب من أجل الله. إننا نزهد الملذات الزمنية كعلامة عن شوقنا الداخلى للتمتع بالنعيم الأبدى خلال الحياة الجديدة فى المسيح يسوع. المؤمنون خاصة الرهبان لهم هدف واحد ألا وهو التمتع بملكوت الله الداخلى كعربون لملاقاة الله وجها لوجه فى الحياة الأبدية.

ما هى غاية الحياة النسكية عند الأقباط؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هى غاية الحياة النسكية عند الأقباط؟

بينما ارتبطت أغلب الحضارات القديمة بالحياة الزمنية، فكانوا يسعون وراء الملذات الوقتية، إذا بالفكر المصرى يُبتلع بالعالم الآتى. فكان المصريون القدماء يعتقدون فيما يسمى بالقيامة، أى فى إمكانية عودة الميت إلى الحياة أبدياً إن مورست بعض الطقوس. لهذا يلزم تحنيط الأجساد فى مقابر مختومة، حتى لا يقدر أحد أن يزور القبر ويسكن فيه غير النفس.

لذلك كانت المقابر تزود بكل احتياجات الحياة اليومية من ملابس وطعام وشراب وأوان وسكاكين وكراسى وأسلحة ومركبات وحلى للنساء وأدوات لعب للأطفال.

عندما قبل الأقباط المسيحية ازداد شوقهم للعالم الآتى، والتهب حنينهم إليه، لكن على أساس إنجيلى. فعوض انشغالهم بعودة الأرواح إلى الأجساد المحفوظة فى المقابر، اشتهوا أن ترتفع أرواحهم وأفكارهم وقلوبهم لتنعم بالحياة السماوية حتى وهم بعد بأجسادهم يسلكون على الأرض. بمعنى آخر، شوقهم للعالم الآتى دفعهم لممارسة الحياة النسكية على أساس إنجيلى.

هل النسك (التقشف أو الزهد) فى الكنيسة القبطية إنجيلى؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل النسك (التقشف أو الزهد) فى الكنيسة القبطية إنجيلى؟

تعرف الكنيسة القبطية باتجاهاتها النسكية، ليس فقط بسبب انطلاق الحركات الرهبانية فيها، وإنما كملامح تمس حياتها كلها وعبادتها. قامت هذه الاتجاهات ليس بكون النسك هدف فى ذاته، ولا على أساس أن الجسد بطبيعته شرير، وإنما يحمل فكراً إنجيلياً سماوياً.

"لأنه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟ (مت16: 26).

"بع كل مالك، ووزع على الفقراء... وتعال اتبعنى" (مر10: 21؛ لو18: 22).

"أقمع جسدى واستعبده، حتى بعد ما كرزت للآخرين، لا أصير أنا نفسى مرفوضاً" (1كو9: 27).

هذا الفكر الإنجيلى وجد استعذاب عند الأقباط الذين التهبت قلوبهم بمحبة الأبدية.

ماذا نلمس فى الأسرار الكنسية المفرحة؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ماذا نلمس فى الأسرار الكنسية المفرحة؟

تكشف الأسرار الكنسية عن محبة الله الفائقة.

† تقيم من المؤمن ابناً خاصاً لله (فى سرّ المعمودية).

† وهيكلاً لروحه القدوس قائد حياته واهب النصرة (فى سرّ الميرون).

† وتهبه مائدة سماوية لينمو (فى سرّ الإفخارستيا).

† وتغسله من كل دنس لينمو فى القامة، ويصير أيقونة المسيح (فى سرّ التوبة والاعتراف).

† ويتمتع بمشاركة المسيح عمله الكهنوتى (فى سرّ الكهنوت).

† وتقيم من بيته وكالة السماء (فى سرّ الزواج).

† وأخيراً إن تألم يجد السيد المسيح ينحنى بالحب ليحتضنه، كل الأعضاء تتألم معه وتصلى لأجله (فى سرّ مسحة المرضى)!

هذا هو سرّ الحب الإلهى، أو سرّ العرس السماوى.

ماذا يرى آباء الكنيسة فى قول يعقوب الرسول: “أمريض أحد بينكم؟ فليدعُ شيوخ الكنيسة فيصلوا عليه ويدهنوه بزيت باسم الرب، وصلاة الإيمان تشفى المريض، والرب يقيمه، وإن كان قد فعل خطية تُغفر له. اعترفوا بعضكم لبعض بالزلات، وصلوا بعضكم لأجل بعض، لكى تشفوا” (يع14:5-16)؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ماذا يرى آباء الكنيسة فى قول يعقوب الرسول: "أمريض أحد بينكم؟ فليدعُ شيوخ الكنيسة فيصلوا عليه ويدهنوه بزيت باسم الرب، وصلاة الإيمان تشفى المريض، والرب يقيمه، وإن كان قد فعل خطية تُغفر له. اعترفوا بعضكم لبعض بالزلات، وصلوا بعضكم لأجل بعض، لكى تشفوا" (يع5: 14 - 16)؟

يرى العلامة أوريجينوس أنه يليق بالمؤمن أن ينشغل بالتمتع هو وإخوته بالحياة المقدسة فى الرب ونوال غفران خطاياه، ففى عظاته على سفر اللاويين (1 - 16) يعدد بعض المناسبات التى يستغلها المؤمن للتمتع بهذه العطية:

أولاً: عندما نتمتع بالمعمودية ننال غفران الخطايا (مر1: 4).

ثانياً: إن سمح الله لنا بآلام الاستشهاد ننال المغفرة.

ثالثاً: إذ نقدم عطاء للمحتاجين فهو مغفرة الخطايا، إذ يقول الرب: "بل أعطوا ما عندكم صدقة فهوذا كل شئ يكون نقياً لكم" (لو11: 41).

رابعاً: ننال مغفرة الخطايا إن كنا نغفر خطايا إخوتنا، إذ يقول الرب المخلص نفسه: "فإنه إن غفرتم للناس زلاتهم، يغفر لكم أيضاً أبوكم السماوى. وإن لم تغفروا للناس زلاتهم، لا يغفر لكم أبوكم أيضاً زلاتكم" (مت6: 14 - 15).

خامساً: يُقدم لنا غفران الخطايا بقوله: "فليعلم أن من ردّ خاطئاً عن ضلال طريقه، يخلّص نفساً من الموت، ويستر كثرة من الخطايا" (يع5: 2).

سادساً: تُغفر الخطايا حيث يوجد فيض من الحب، وذلك كقول الرب نفسه: "قد غُفرت خطاياها الكثيرة لأنها أحبت كثيراً" (لو7: 47). ويقول الرسول: "لتكن محبتكم بعضكم لبعض شديدة، لأن المحبة تستر كثرة من الخطايا" (1بط4: 8).

سابعاً: مغفرة الخطايا خلال الندامة، وإن كان ذلك يتم بصعوبة ومجهود، حيث يغسل الخاطئ فراشه بدموعه (مز6: 7).

ثامناً: يقدم يعقوب الرسول الفرصة للمريض أن يدفعه المرض ليستدعى كهنة الكنيسة ويضعوا أياديهم عليه ويدهنوه بزيت باسم الرب، وصلاة الإيمان تشفى المريض، كما تُغفر له خطاياه (يع5: 14 - 15).

هكذا يرى العلامة أوريجينوس أن المؤمن الحكيم، وإن كان يطلب شفاء جسده، مسلماً حياته الزمنية فى يدى مخلصه ليعمل ما فيه خيره. ما يشغله هو التمتع بأبديته، فيجد فى مرضه الفرصة سانحة أن يقدم توبة صادقة ويعترف طالباً من الرب غفران خطاياه.

ويميز القديس يوحنا الذهبى الفم فى مقاله بخصوص الكهنوت المسيحى بين محبة الوالدين لأبنائهم حسب الجسد، ومحبة الكاهن لابنه حسب الروح. فالوالدان ينشغلان ألا يُغضب ابنهما أصحاب المراكز العالية والسلطة، لأن هذا ليس فيه نفع للابن، أما الكاهن فما يشغله أن يقيم مصالحة بين الابن لا مع الحكام والملوك بل مع الله نفسه.

ويرى الأب قيصريوس أسقف Arles أن يعقوب الرسول يدعو المؤمنين أن يلجأوا إلى الكنيسة عندما يعانون من الأمراض وليس إلى السحرة والعرافين، لأن الكنيسة تطلب للمؤمن شفاء جسده وخلاص نفسه.

لماذا تحدث الرسول يعقوب عن سرّ المرضى؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

لماذا تحدث الرسول يعقوب عن سرّ المرضى؟

الكنيسة كعروس تشارك المريض آلامه فيصلى الكهنة مع الشعب وعائلة المريض من أجله، لينال شفاء نفسه وجسده أيضاً. "أمريض أحد بينكم، فليدعُ قسوس الكنيسة، فيصلوا عليه، ويدهنوه بزيت باسم الرب، وصلاة الإيمان تشفى المريض، والرب يقيمه، وإن كان قد فعل خطية تُغفر له" (يع5: 14 - 15).

فى سرّ مسحة المرضى لا يزال السيدّ المسيح نفسه ينحنى على المرضى ليسكب عليهم محبته الإلهية والتصاقه بالإنسان المريض المتألم.

تطلب الكنيسة بروح عريسها أن يشفى أولادها، لكنها تقدم مشيئته لا مشيئتنا البشرية الذاتية، فقد يكون لخير المريض، بالرغم من مغفرة خطاياه، أن يبقى فى المرض لأجل تزكيته أو تأديبه أو بحكمة إلهية أخرى كما حدث مع بولس الرسول فى مرضه. "فقال لى تكفيك نعمتى، لأن قوتى فى الضعف تكمل. فبكل سرور أفتخر بالحرى فى ضعفاتى لكى تحل علىّ قوة المسيح" (2كو12: 9). لذلك تصلى الكنيسة قائلة:

[يا من أقام ابن الأرملة وابنة الرئيس من الموت لما أمرهما بالقيام، وأقام لعازر من بعد موته بأربعة أيام من الجحيم بسلطان لاهوته، أقم عبدك هذا من موت الخطية، وإن أمرت بإقامته إلى زمان آخر، فامنحه مساعدة ومعونة لكى يُرضيك فى كل أيام حياته.

وإن أمرت بأخذ نفسه فيكون ذلك بيد ملائكة نورانيين يخلصونه من شياطين الظلمة – انقله إلى فردوس الفرح ليكون مع جميع القديسين بدمك الذى سُفك من أجل خلاصنا الذى به اشتريتنا لأنك أنت رجاؤنا...].

بماذا ننصح الأبناء؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

بماذا ننصح الأبناء؟

يقول القديس جيروم: [لتطيعى والديك ممتثلة بعريسك ([889])].

ويقول العلامة أوريجينوس: [لنتعلم يا أحبائى الخضوع لوالدينا... خضع يسوع وصار قدوة لكل الأبناء فى الخضوع لوالديهم أو لأولياء أمورهم إن كانوا أيتاماً... إن كان يسوع ابن الله قد خضع لمريم ويوسف، أفلا أخضع أنا للأسقف الذى عينه لى الله أباً؟!... ألا أخضع للكاهن المختار بإرادة الله؟! ([890])].

فى رسالة كتبها القديس جيروم إلى أم وابنتها قام بينهما نزاع، جاء: [كان الرب يسوع خاضعاً لوالديه، لقد احترم تلك الأم التى كان بنفسه أباً لها. لقد كرم أباه حسب التبنى هذا الذى كان المسيح نفسه يعوله! حقاً، إننى لا أقوم للأم شيئاً، لأنه ربما يكون فى كبر سنها أو ضعفها أو وحدتها ما يعطيها عذراً كافياً، لكننى أقول لك أيتها الابنة: هل منزل أمك أصغر من أن يحتملك، هذه التى لم تكن بطنها صغيرة عن حملك؟! ([891])].

وكتب إلى لئيتا يرشدها فى تربية ابنتها جاء فيها: [كونى مدرسة لها، نموذجاً لما تريدين أن تكون عليه فى طفولتها... لا تفعلى أنت أو والدها شيئاً مما إذا قلدتكما فيه تكون قد ارتكبت خطية... بسيرتكما تعلماها أكثر مما تعلمانها بوصاياكما ([892])].

كما يقول: [يأمرنا الكتاب المقدس بطاعة والدينا، ولكن من يحبهم أكثر من المسيح يخسر نفسه ([893])].

يقول القديس أغسطينوس: [لكنك تقول إننى أخشى غضب من هم أعلى منى، اعمل كل وسيلة ألا تغضبهم حتى لا تُغضب الله. يا من تخاف أن تكدر من هم أعلى منك، انظر عما إذا كان هناك إله أعلى من الذى تخاف تكديرهم، فبكل وسيلة لا تغضب الأكبر منك... والدك ووالدتك هما أول من هم أكبر منك، فإن كانا قد علماك الحق وأحضراك إلى المسيح، فلتسمع لهما فى كل شئ، وينبغى طاعتهما فى كل أمر. ليتهما لا يوصيان بما يخالف من هو فوقهما حتى يُطاعا].

كما يقول: [حقاً يليق بالأب ألا يغضب عندما يُفضل الله عنه! ولكن عندما يأمر الأب بما لا يناقض الرب فيلزم الاستماع إليه كما لله، لأن طاعة المرء لأبيه أمر إلهى ([894])].


[889] [] راجع للمؤلف: إنجيل لوقا (تفسير 2: 49).

[890] [] راجع للمؤلف: إنجيل لوقا (تفسير 2: 49).

[891] [] للمؤلف: الحب العائلى، 1970، ص64، 63.

[892] [] للمؤلف: الحب الأخوى، 1964، ص287.

[893] [] Ep. To Hoeliodorus.

[894] [] Ser. On N. T. lessons; on the Psalms 1: 71.

ما هى أهم النصائح العملية التى يقدمها القديس يوحنا الذهبى الفم للوالدين؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هى أهم النصائح العملية التى يقدمها القديس يوحنا الذهبى الفم للوالدين؟

أولاً: اختيار اسم الطفل. يرى القديس يوحنا الذهبى الفم أو أول درس يقدمه الوالدان لطفلهما هو اختيار اسمه، فقد عالج هذا الموضوع فى شئ من الإطالة، مطالباً ألا يُدعى الطفل باسم أحد أفراد الأسرة، بل باسم أحد الشهداء أو الرسل أو الأساقفة ([880]). وكأنه أراد من الوالدين أن يدركا أن طفلهما ينتسب للأسرة السماوية أكثر مما لهما أو لعائلتهما. فالطفل يعتز باسمه الذى ناله ليتشبه بالشهداء والرسل والأساقفة، مقدماً قلبه بالكامل مُكرساً للرب. بناء على هذه النصيحة يرى البعض أن أول هدية تقدم للطفل فى عيد ميلاده (أو عماده) هى أيقونة القديس الذى يحمل الطفل اسمه.

ثانياً: تعليمه الرضا والقناعة. يقول الحكيم: "القليل مع مخافة الرب خير من كنز عظيم مع هم. أكلة من البقول حيث تكون المحبة خير من ثور معلوف ومعه بغضة" (أم15: 16 - 17).

ثالثاً: توجيهه نحو الأسفار المقدسة. يجنى الوالدان أول ثمرة من هذا التوجيه، حيث يدربهما الكتاب المقدس على الطاعة للوالدين. فيجد الوالدان فى أبنائهما روح الوداعة والطاعة لهما.

[لما كان تقديم النصح للأبناء ضرورياً يوجه الرسول خطابه إلى الآباء، قائلاً: "وأنتم أيهاالآباء... ربوهم بتأديب الرب وإنذاره" (أف6: 4). أتريد أن يكون ابنك مطيعاً؟ ربه من البداية على تعليم الرب وتهذيبه. لا تظن أنه ليس من الضرورى أن يصغى الطفل إلى الأسفار المقدسة، فإن أول ما يسمعه منها هو: "أكرم أباك وأمك" (خر20: 12)، وفى الحال تبدأ تجنى مكافأتك. لا تقل إن الكتاب المقدس للرهبان، هل أريد أن أجعل ابنى راهباً؟ ليس من الضرورى أن يكون راهباً. اجعله مسيحياً!].

رابعاً: تسليمه فى يدى الرب! [أودعيه فى يدى ذاك القادر أن يجعله عظيماً. ومن هو هذا؟ الله! أودعت حنة صموئيل فى يدى الله. لم يكن رئيس الكهنة عالى قادراً بالحقيقة أن يشكله، فقد فشل فى تشكيل ابنيه. إنه إيمان الأم وغيرتها جعلاً كل شئ ممكناً].

خامساً: إدراك اهتمام الله نفسه بتربية الأبناء. هذه النفوس ثمينة فى عينيه. فهو الذى خلق فى الوالدين الأبوة والأمومة، خلال هذا الدافع "الوالدية" يشعر كل من الأب والأم بالالتزام بتربية الطفل.

[يعطى الله نفسه اهتماماً عظيماً بتربية الأبناء. هذا هو السبب الذى لأجله وضع مثل هذا الانجذاب الطبيعى فى الوالدين نحو أطفالهما، وذلك لكى يضع الوالدين فى مركز يُلزمهما برعاية أطفالهما بالضرورة. لقد شرع قوانين خاصة بهذا الاهتمام، وأسس أعياداً تأمرنا أن نوضح معانيها لأبنائنا. فلخص معنى الفصح فى التعليم التالى: "وتخبر ابنك فى ذلك اليوم قائلاً: من أجل ما صنع إلىّ الرب، حيث أخرجنى من مصر" (خر13: 8). صنع نفس الأمر بخصوص الشريعة. فعندما تحدث عن البكر أضاف مرة أخرى: "ويكون متى سألك ابنك غداً قائلاً: ما هذا؟ تقول له: بيد قوية أخرجنا الرب من مصر، من بيت العبودية. وكان لما تقسى فرعون عن إطلاقنا، أن الرب قتل كل بكر فى أرض مصر، من بكر الناس إلى بكر البهائم، لذلك أنا أذبح للرب الذكور من كل فاتح رحم، وأفدى كل بكر من أولادى" (خر13: 14 - 15). خلال هذا كله يأمره الله أن يقود أطفاله إلى معرفة الله. حتى بالنسبة للأطفال أنفسهم أمرهم الله كثيراً بخصوص الوالدين، مكافئاً المطيعين ومجازياً العاصين، حتى يجعلهم فى موضع أكثر اعتزازاً عند الوالدين].

سادساً: تقدير قيمة الطفل وقدراته. يتطلع القديس الذهبى الفم إلى الطفل فى تقدير عجيب واعتزاز به، فيرى فى الأطفال فلاسفة فى تكوينهم، مصارعين فى تداريبهم، ومواطنين يتشكلون ويتهيأون للسكنى الأبدية فى السماء ([881]). يرى القديس فى الطفل مدينة ذات أبواب أو مداخل كثيرة فالنفس يقطنها حكام أو قضاة صالحون وأيضاً أشرار غير موقرين. لذا يحتاج الطفل إلى نواميس تضبط التصرفات الخاطئة. فالتسيب يقود إلى دمار المدينة ([882]). أما أبواب المدينة التى تحتاج إلى حراسة فهى الحواس الخمس: اللسان (التذوق والكلام) والنظر والشم واللمس والسماع ([883]).

سابعاً: الحنو والتحذير من العقوبات البدنية! يقول الشهيد كبريانوس: [إن أردت بالحق أن تحب أطفالك، إن أردت أن تظهر لهم عذوبة الحب الكامل الأبدى، يلزمك أن تكون بالأكثر مترفقاً، لكى بأعمالك البارة تستودع أطفالك مع الله].

ويرى القديس يوحنا الذهبى الفم أن الأب الحكيم (أو الأم) يلزمه أن يكف عن الاستخدام المستمر للعقوبة البدنية، أو ما يدعوها بالعصا. فإن استخدام العصا يقود الطفل إلى الاستخفاف بها وعدم المبالاة بالعقوبة، كما لا تولد فيها محبة الفضيلة ([884]). ويقول القديس أغسطينوس: [التوبيخ يجب أن تسبقه الرحمة لا الغضب ([885]).

ثامناً: ليكن تعليم الطفل وتدريبه حسب قدراته ([886]).

تاسعاً: التعليم بالقوة.

عاشراً: الاهتمام باختيار من لهم تأثير على الطفل.

حادى عشر: الاهتمام بتقديس حواس الطفل. جاء فى تعليم الاثنى عشر رسولاً: [مجد الآباء قداسة أبنائهم].

ثانى عشر: اهتمام الوالدين بتوجيه طفلهما نحو نقاوة القلب الداخلى ([887]).

ثالث عشر: عدم السماح للطفل بالذهاب إلى المسارح ([888])، وتشجيعه على الزواج المبكر.

رابع عشر: عدم بث مفاهيم خاطئة فى أذهان الأبناء.

خامس عشر: اهتم بخلاص أولادك! [إن كنا نحاسبهم عما تعلموه فى المعاهد العالمية، فلماذا لا نسألهم عم سمعوه فى بيت الرب؟].

سادساً عشر. تشجيع الأبناء على التكريس. [الأبناء القديسون الذين يكرسون قلوبهم وحياتهم يكونون سنداً لآبائهم. فمن أجل داود النبى بارك الرب ابنه سليمان وبعض أحفاده كحزقيا الملك، وأيضاً كان صموئيل النبى الذى جاء ثمرة صلوات أمه هو سرّ بركة أيضاً لأمه].

سابع عشر: رب ابنك فلا يربه الزمن! [إن جاهد الآباء الصالحون ليقدموا لأبنائهم تربية صالحة، لا نحتاج إلى شرائع وقضاة ومحاكم ولا إلى عقوبات. فالذين ينفذون العقوبات، وُجدوا بسبب عدم وجود أخلاقيات فينا].

ثامن عشر: تهيئتهم للزواج المقدس. [لنأخذ لهم زوجات فى سن مبكر، حتى يتحدوا مع عرائسهم بأجساد طاهرة غير فاسدة].


[880] [] The Upbringing of Children and Vainglory, ch 47.

[881] [] The Upbringing of Children and Vainglory, ch 38 - 39.

[882] [] The Upbringing of Children and Vainglory, ch 23 - 26.

[883] [] The Upbringing of Children and Vainglory, ch 27 - 37.

[884] [] The Upbringing of Children and Vainglory, ch 30.

[885] [] الحب العائلى، 1970، ص43.

[886] [] The Upbringing of Children and Vainglory, ch 52.

[887] [] The Upbringing of Children and Vainglory, ch 66 - 74.

[888] [] The Upbringing of Children and Vainglory, ch 77.

ماهى نصائح القديس يوحنا الذهبى الفم للوالدين فى تربية أولادهم؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ماهى نصائح القديس يوحنا الذهبى الفم للوالدين فى تربية أولادهم؟

يتطلع القديس يوحنا الذهبى الفم إلى دور الآباء فى تربية أطفالهم أنه عمل مقدس، يمارسه الآباء لقدموا لله ذبائح شكر موضع سروره وبهجته. يؤكد أنه لا يطلب كل طفل الحياة الرهبانية أو أن يُعد لها، إنما يعلم الآباء أبناءهم أن "يكونوا وقورين (فى الرب) من شبابهم المبكر" ([876]). إذ يدعوه عملاً مقدساً، يجعل من الوالدين أن يقتربا إلى أطفالهما لا منذ ولادتهم بل وهم فى البطن كما إلى مقدسات إلهية، بروح التقوى، مسنودين بروح الله القدوس، ليقدموا لله ما يليق بهم. إنهم عطية الله، وكلاء عن هذه العطية الفائقة. يقول القديس يوحنا الذهبى الفم:

[أن يكون (للمؤمن) أطفال هذا يمس الطبيعة، أما تربيتهم وتعليمهم فى الفضائل فهو أمر يخص الفكر والإرادة]. [لا أعنى بالالتزام بالتنشئة هو ألا يُترك الأطفال يموتون جوعاً فحسب، كما يقف كثيرون عند هذا الحد بخصوص أطفالهم، فإن هذا تعلنه الطبيعة نفسها كما بصوت عالٍ، ولا يحتاج إلى كتب أو سنن لتعليمه. إنما ما أتكلم عنه هو الاهتمام بقلوب الأطفال والتقوى. هذا واجب مقدس، من ينتهكه يرتكب بصورة ما جريمة قتل للأطفال].

[هذا الالتزام يخص الآباء كما الأمهات أيضاً. يوجد آباء يضحون بكل شئ لكى يؤمنون لأطفالهم معلمين للتمتع بالملذات، ويجعلون منهم ورثة أغنياء. أما أن يصير الأولاد مسيحيين ويمارسون التقوى، فلا يبالون كثيراً بهذا. يا للعمى الذى يُحسب جريمة! إنه إهمال سخيف، مسئول عن الارتباك الذى يجعل المجتمع فى مرارة. لنفترض أنك تُعد لهم ممتلكات عظيمة. فإنهم إن كانوا يجهلون كيف يسلكون فى حياتهم، فحتماً لن تدوم هذه الممتلكات معهم. إنها ستتبدد، وتهلك مع أصحابها، ويصير ميراثاً غاية فى الخطورة!].

[سيكون أبناؤك فى غنى بما فيه الكفاية على الدوام، إن تقبلوا منك تنشئة صالحة، قادرة أن تدبر حياتهم الأخلاقية وسلوكهم. هكذا ليتك لا تجاهد لتجعلهم أغنياء، بل لتجعلهم أتقياء، سادة على أهوائهم، وأغنياء فى الفضائل. علمهم ألا يفكروا فى احتياجات مخادعة، فيحسبون أنهم يُكرمون حسب مستواهم الزمنى (العالمى المادى). راقب بلطف تصرفاتهم، ومعارفهم وأصدقاءهم، ولا تتوقع أية رحمة تحل من عند الله إن لم تتمم هذا الواجب].

ركز القديس يوحنا الذهبى الفم على النقاط التالية:

أولاً: لا تشغلنا ممتلكاتنا عن تربية أبنائنا. [إننا نهتم بممتلكاتنا من أجل أبنائنا، أما أبناؤنا أنفسهم فلا نبالى بهم قط! أية سخافة هى هذه؟! شكل نفس ابنك باستقامة، فينال كل ما تبقى بعد ذلك، فإنه متى كان بلا صلاح لا ينتفع شيئاً من الغنى، أما متى كان صالحاً فغنه لا يصيبه ضرراً من القفز].

ثانياً: لا نوبخهم كمنبوذين بل كأبناء. [ليتنا لا نمنعهم من عمل ما هو مقبول بل مما هو ضار، ولا نتهاون معهم كمنبوذين بل كأبناء ([877])]. [لا تغيظوا أولادكم كما يفعل الكثيرون بواسطة حرمانهم من الميراث، أو التبرؤ منهم، أو معاملتهم بتصلف كأنهم عبيد لا أحرار].

ثالثاً: تعليمهم حب الحكمة الحقيقية. [إن علمناهم من البداية حب الحكمة الحقيقية، ستكون لهم ثروة أعظم وأفضل مما يجلبه الغنى. إن تعلم طفل التجارة أو نال تعليماً عالياً فى مهنة مربحة للغاية، هذا كله يُحسب كلا شئ إن قورن بفن التخلى عن الغنى. إن أردت أن تجعل طفلك غنياً علمه هذا. أن يكون بالحقيقة غنياً فلا يشتهى الممتلكات العظيمة، ولا يحيط نفسه بالثروة، بل لا يطلب شيئاً!].

رابعاً: قدم له الأمور العظيمة لا التافهة. [لا تسأل كيف يمكنه أن يتمتع بعمر طويل هنا، بل كيف يتمتع بحياة ابدية لا نهائية فى الحياة العتيدة. لا تجاهد لتجعل منه خطيباً بارعاً... لست أقصد أن التعليم الزمنى بلا قيمة وأن نتجاهله، وإنما يلزمك الا نرتبك به فى مبالغة!].

خامساً: سلّمه فى يدىّ الرب! [لماذا ترفضون الاقتداء برجل نساء العهد القديم القديسين؟ أخبرونى، خاصة أنتن أيتها الأمهات، فلتفكرن فى حنة كمثال، أنظرن ماذا فعلت. لقد أحضرت ابنها الوحيد صموئيل إلى الهيكل حينما كان لا يزال طفلاً!... (1صم1: 28) أؤدعيه فى يدىّ ذاك القادر أن يجعله عظيماً. ومن هو هذا؟ الله!... لتخجلوا أيها الرجال أمام حكمة هذه المرأة].

سادساً: لتقتدوا بالآباء المهتمدين بأبنائهم. [لتقتدوا بأيوب الذى كان يهتم باستمرار بأبنائه، ويقدم ذبائح لأجل الرحمة عن أى فعل خاطئ ربما ارتكبوه خفية (أى1: 5). لتقتدوا بإبراهيم الذى لم يشغل نفسه بطلب الغنى مثل انشغاله بحفظ كل عضو فى بيته شريعة الله، فشهد الرب له. "لأنى عرفته لكى يوصى بنيه وبيته من بعده أن يحفظوا طريق الرب ليعملوا براً وعدلاً" (راجع تك18: 19)].

سابعاً: الاهتمام المبكر بتربية الطفل. يطالب الذهبى الفم شعب الله أن يبكروا فى تربية أطفالهم قدر المستطاع. فإن الطفل فى بدء حياته يكون أكثر استعداداً لقبول التوجيه ([878]). فإن تأخر الشخص فى بدء التربية يصعب تغيير شخصية الطفل وتوجيهها إلى ما هو أفضل ([879]).

[إن كان الرسول يأمرنا أن نهتم بالآخرين أكثر من اهتمامنا بأنفسنا، وإن كنا نحسب مخطئين متى أهملنا ما هو لنفعهم، ألسنا بالأكثر نكون مخطئين إن كان هذا يخص من هم قريبين منا؟ سيقول لنا الرب: "ألست أنا الذى أعطيت لهؤلاء الأطفال مكاناً فى عائلتكم؟ ألست أنا الذى عهدت بهم لرعايتكم، وجعلتكم سادة وحراساً وقضاة عليهم؟ لقد أعطيتكم سلطاناً كاملاً عليهم. سلمتهم بالكامل لأيديكم من أجل تنشئتهم. ستخبروننى أنهم لم يريدوا أن يحنوا رقابهم للنير، وأنهم طرحوه عنهم. لكن هذا كان يُمكن تجنبه من البداية ذاتها. كان يليق بكم أن تحنوا نفوسهم الصغيرة تحت نير الالتزام، وتعودوهم على ذلك، وتعلموهم هذا، وتضمدون الجرح فى بداية انفتاحه. كان يليق بكم أن تقتلعوا الزوان عندما بدأ يظهر حول النبات، وما كان يليق بكم أن تنتظروا حتى تتعمق جذوره، فصار لا يمكن ضبط الأهواء وترويضها بتقويتهم تدريجياً خلال تكوينهم ونموهم].

[الأبناء الخاضعون والمخلصون لله فى طاعتهم لشريعته يجدون مصدر فيض للسعادة حتى فى هذه الحياة الزمنية. الرجل الفقير مع أخلاقيات مسيحية يوحى للآخرين بتقديم الوقار له والحب. بينما من كان له قلب شرير منحرف، لن يُنقذك كل غناك من غضب كل أحد حولك وبغضه لك].

[الشاب الذى تهبه نشأة صالحة ليس فقط يتمتع بتقدير عام، وإنما سيصير عزيزاً جداً لك أنت أيضاً. سيكون التصاقك به ليس عن انجذاب طبيعى مجرد، وإنما لثمرة فضائله. لهذا فإنك فى شيخوختك تتقبل منه ثمرة خدمات محبته البنوية. سيكون عوناً لك. وكما أن الذين لا يوقرون الرب يستخفون بوالديهم، فإن الذين يوقرون الله، أب كل البشر، سيقدمون كل أحترام للذين أعطوهم الحياة].


[876] [] The Upbringing of Children and Vainglory, chapter 19.

[877] [] In 1 Tim hom 9.

[878] [] The Upbringing of Children and Vainglory, ch 20.

[879] [] The Upbringing of Children and Vainglory, ch 21.

هل يجوز للرجل أن يعيش مع زوجته إن زنت ورفضت التوبة عن زناها؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

هل يجوز للرجل أن يعيش مع زوجته إن زنت ورفضت التوبة عن زناها؟

يقول هرماس: [إذا اكتشف (الزوج) أن (زوجته) تزنى، ورفضت أن تتوب، فإنه يكون شريكاً معها فى زناها وخطيتها إن عاش معها ([875])].


[875] [] Hermas: The Shepherd, Commandment 1: 4: 5.