ما هى القداسة فى الفكر المسيحى؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ6 – المفاهيم المسيحية والحياة اليومية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هى القداسة فى الفكر المسيحى؟

الله القدوس يريد فى أبنائه القداسة أو الصلاح والفضيلة، لا ليمارسها المؤمن إلزاماً بل بكامل حريته، وإلا فقدت أصالتها وحافزها. الله الذى وهب الخليقة فى السماء وعلى الأرض حرية الإرادة لا يقبل أن يُلزم خليقته لممارسة الحياة الفاضلة بغير إرادتهم.

ما هى الفضيلة المسيحية؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ6 – المفاهيم المسيحية والحياة اليومية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هى الفضيلة المسيحية؟

الفضيلة فى قلب المؤمن الكنسى هى اتحاد مع العريس السماوى، وتمتع بالشركة معه فى سماته السماوية، بقيادة روحه القدوس. ففى كل صباح، إذ يُصلى المؤمن صلاة باكر ويسبح بها، يذكر قيامة السيد المسيح، العريس السماوى، فيدرك إمكانية قيامته فيه، بالتمتع بحياة جديدة سماوية متجددة لن تقدم ولا تشيخ. يتمتع بعربون الحياة المقامة فى المسيح يسوع، فى قلبه وفى سلوكه كعربون الكمال السماوى. بفكر إنجيلى يكشف القديس يوحنا الذهبى الفم عن الفضيلة أنها ليست مجموعة أخلاقيات نلتزم بها، إنما أولاً وقبل كل شئ هى اتحاد مع المسيح الذى صار لنا براً وقداسة وفداءً (1كو1: 30). يقول القديس كيرلس الكبير: [ينبوع كل بركة هو المسيح "الذى صار لنا حكمة من الله"، إذ فيه صرنا حكماء وامتلأنا بالمواهب الروحية. الآن من كان متزن العقل يؤكد أن معرفة هذه الأشياء التى فيها نتقدم بكل وسيلة بالحياة المقدسة السامية والنمو فى الفضيلة إنما هى عطية من الله يتأهل الإنسان للفوز بها[28]].

يقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذى فى السماوات هو كامل "(مت5: 48). ينشر السيد اسم" السماوات "فى كل مكان بغزارة رافعاً أذهانهم" [29]].

[لقد نزل الله (ليقدم الشريعة) عندما صعد موسى إليه (على جبل سيناء)، أما هنا فالروح القدس ينزل عندما ارتقت طبيعتنا إلى السماء، أو بالأحرى إلى العرش الملوكى[30]].

[بينما ننتظر القيامة المُقبلة يطلب منا قيامة أخرى، طريقة حياة جديدة فى هذا العالم تنبع عن تغير فى طرقنا القديمة. عندما يصير الزانى طاهراً، والطماع رحوماً، والعنيف لطيفاً. هنا أيضاً قيامة، هى استباق للقيامة المقبلة. كيف يكون هذا قيامة؟ إنها قيامة، لأن الخطية تموت ويقوم البرّ، الإنسان القديم يتحطم والحياة الجديدة الملائكية تنتعش. عندما تسمع عن الحياة الجديدة تطلع إلى تغير واختلاف عظيم[31]].

[صار المسيح كل شئ بالنسبة لكم: المائدة والملبس والمنزل والرأس والأصل. "فإنكم جميعاً الذين اعتمدتم قد لبستم المسيح" (غل3: 27). انظروا كيف صارملبسكم؟ أتريدون أن تعرفوا كيف صارطعامكم؟ يقول المسيح: "كما أنا حى بالآب، هكذا من يأكلنى يحيا بى" (يو6: 58)؟ وقد صار منزلكم: "من يأكل جسدى يثبت فىّ وأنا فيه" (يو6: 57). ويظهر أنه هو أصلنا وأساسنا عندما يقول: "أنا هو الكرمة وأنتم الأغصان" (يو15: 5)، لكى يظهر أنه أخوكم وصديقكم وعريسكم، يقول: "لا أعود أدعوكم عبيداً، إذ أنتم أصدقائى" (يو15: 15). مرة أخرى يقول القديس بولس: "قد خطبتكم لرجل واحد، لأقدم لكم عذراء عفيفة للمسيح" (2كو11: 2). وأيضاً "ليكون بكراً بين إخوة كثيرين" (رو8: 29). لم نصر فقط إخوته بل أولاده، إذ يقول: "هأنذا والأولاد الذين أعطانيهم الرب" (إش8: 18). لم نصر أولاده فقط بل وأعضاءه وجسده (1كو12: 27). إن كانت هذه الأمور التى أشرت إليها غير كافية لتبرهن على حُبه ولطفه اللذين يظهرهما لنا، يُقدم لنا شيئاً آخر أكثر تقرباً من هذه عندنا يتحدث عن نفسه أنه رأسنا (أف1: 22، 23) [32]].


[28] On Luc hom. 119.

[29] In Matt. hom 9: 18.

[30] In Matt. hom 3: 1.

[31] In Rom Hom 10. PG 480: 60 B - C.

[32] Baptismal Instruction. 13: 12, 14.

ما هى أهم الفضائل التى يتسم بها الإنسان المسيحى؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ6 – المفاهيم المسيحية والحياة اليومية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هى أهم الفضائل التى يتسم بها الإنسان المسيحى؟

  1. المحبة: لله وللقريب وأيضاً حتى للأعداء. يقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [هذه الفضيلة تجعل الإنسان مُتشبهاً بالله. لاحظ كم الفضائل الأخرى التى تقل فى أهميتها عن المحبة، هذه التى يرتكز محورها حول جهاد الإنسان ذاته ضد الشهوات، ومقاومته للنهم، والجهاد ضد محبة المال والغضب. أما المحبة فهى فضيلة يشترك فيها الإنسان مع الله ذاته. لهذا يقول المسيح: "صلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم، لكى تكونوا أبناء أبيكم الذى فى السماوات" (مت5: 44 - 45). اكتشف بولس أن المحبة هى تاج الفضائل، فسعى إلى غرسها بعناية فائقة[1]]. ويقول القديس أغسطينوس [من ليس له المسيح ليس له ثمر... لا تتعجب مما يحدث بعد ذلك، عندما تقود المحبة الطريق[2]].
  2. فرح[3]: أحياناً يصور كل من القديسين بولس الرسول ويوحنا الذهبى الفم بملامح حازمة دون ابتسامة، مع أن كليهما يحملان فى سيرتهما كما فى كتابتهما خط الفرح العجيب. يمكننا القول إنهما فى نظراتهما لله كما للكتاب المقدس والكنيسة والعبادة والخط الاجتماعى حتى التوبة الخ. يشع منها الفرح فى حياتهما كما فى دعوتهما الجميع للحياة التقوية السماوية، وكأنهما أشبه بدينامو يُولد فرحاً لكل من يلتقيان به أو يتحدثان إليه. الكنيسة فى جوهرها العروس المتهللة بعريسها السماوى. به تقدم كما فى الأعالى، وهى بعد على الأرض بالجسد. بالعضوية الحقيقية فى الكنيسة يسمو الإنسان، فيصير حتى جسده الترابى أشبه بالسماوى، الذى ينتظر بتهليل شركة الأمجاد الأبدية. يقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [لنعجب إلى أين رفع الكنيسة؟ لقد رفعها كما بوسيلة مُعينة، واقامها فى الأعالى، وأجلسها على عرش سام[4]]. أما سر الفرح فهو الآتى:
  1. الرجاء والصبر فى الضيق مع الصلاة الدائمة (رو12: 12).
  2. مشاركة الفرحين بالفرح معهم (رو12: 15؛ 1كو12: 26).
  3. تمتعنا بالفرح فى الروح القدس (رو14: 17).
  4. الفرح بالحكماء للخير والبسطاء للشر (رو16: 19).
  5. الفرح بتوبة إخوتنا (2كو2: 2؛ 7: 9).
  6. نفرح حينما نكون نحن ضعفاء وإخوتنا أقوياء (2كو13: 9).
  7. نفرح بالعاقر التى يصير لها أولاد، أى ثمر الروح (غل4: 27).
  8. نفرح حين يُنادى بالمسيح سواء بعلة أو بحق (فى1: 18).
  9. يدعونا الرسول أن يفرح الكل معه (فى2: 18، 28).
  10. يفرح الرسول لأنه يكمل نقائص شدائد المسيح فى جسمه (كو1: 24).
  11. انتظارنا ربنا يسوع المسيح فى مجيئه (1تس2: 19).
  1. إنسان السلام يحمل فى داخله سلاماً لا تُحطمه الضيقات أو الأحزان، حتى وإن انسكبت الدموع عن عينيه، أو شارك الأخرين أحزانهم. يقول القديس باسيليوس الكبير: [من يطلب السلام يطلب المسيح، لأنه هو سلامنا (كو1: 20)، الذى يجعل الاثنين واحداً (أف2: 14)، صانعاً السلام بدم صليبه سواء على الأرض أو فى السماء[5]]. ويقول القديس إكليمنضس السكندرى: [الإنسان هو أداة سلام... آلة سلام واحدة، يستخدم الكلمة وحده الذى به نكرم الله[6]]. أما سر السلام فهو الاتى:
  1. سلام لكل من يفعل الصلاح (رو2: 10).
  2. إذ قد تبررنا بالإيمان لنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح (رو5: 1).
  3. لأن ليس ملكوت الله أكلاً وشربا بل هو برّ وسلام وفرح فى الروح القدس (رو14: 17).
  4. إله السلام سيسحق الشيطان تحت أرجلنا (رو16: 20).
  5. الله قد دعانا فى السلام (1كو7: 15).
  6. الله ليس إله تشويش بل إله سلام كما فى جميع كنائس القديسين (1كو14: 33).
  7. الله هو مصدر السلام: "سلام من الله ابينا والرب يسوع المسيح" (2كو1: 2؛ غل1: 3).
  8. الوحدة الكنسية: لأنه هو سلامنا الذى جعل الاثنين واحدا ونقض حائط السياح المتوسط (أف2: 14، 17).
  9. الاقتداء بالرسل: "وما تعلمتموه وتسلمتموه وسمعتموه ورأيتموه فىّ، فهذا افعلوا، وإله السلام يكون معكم (فى4: 9).
  10. الهروب من الشهوات الشبابية والسلوك فى البرّ والإيمان والمحبة والسلام (2تى2: 22).
  1. طول الأناة: إن كان الله يُدعى الطويل الأناة، محب كل البشر، يليق بنا كأبناء له أن نحمل ذات السمة، فلا نشتهى الانتقام من مقاومى الحق مهما كانت شرورهم. يقول ابن سيراخ: "الطويل الأناة يصبر إلى الوقت الملائم، بعد ذلك تعاوده البهجة بقوة" (سى1: 20). هكذا يميز ابن سيراخ بين إنسان يُظلم فيغضب ويثور، وآخر يسقط تحت الظلم، فيحتمل بطول أناة. الأول وإن كان غضبه قائم على ظلم حل به، غير أن غضبه هو الذى يُمثل ثقلاً على نفسه فيسقط، وإن ظن أنه يُبرر نفسه. أما الثانى فيحتمل إلى حين فى صمت ثم يعاوده السرور، ويشهد الكثيرون له وهو صامت لا يدافع عن نفسه. وأيضاً يقول ابن سيراخ: "يرفض كثيرون أن يُقرضوا ليس لأنهم أشرار، وإنما مخافة أن يُسلبوا بلا سبب. مع ذلك، كن طويل الأناة مع من هو فى ظروف بائسة، ولا تدعه ينتظر صدقاتك" (سى29: 7 - 8). هكذا يدعونا ابن سيراخ أن نحتمل بطول أناة متى كان طالب القرض أو الصدقة فى ظروف قاسية. يليق بنا أن نعين المسكين فنُتمم وصيته، فهى أفضل من الذهب والفضة.
  2. اللطف: فى الحديث وفى التعامل بحكمة بدون رخاوة كما بدون تشدد، يقول القديس غريغوريوس النزينزى: [ليتنا لا نضرب (بالفأس) سريعاً، بل نغلب باللطف، لئلا نقطع شجرة التين وهى قادرة أن تحمل ثمراً إن تعهدها كرام ماهر لإصلاح حالها! [7]].

تقول القديسة أنثوسا: [إن الذى يحب لا يتمنى أن يحكم أو أن يتسلط، بل بالأحرى يكون أكثر امتناناً إذا تلقى طلبات. إنه يفضل أن يقدم الخدمات بدل أخذها، لأنه يحب والأخذ لا يشبع شهوته. إنه لا يبتهج فى اختبار اللطف، كما فى أن يكون لطيفاً، لأنه يفضل أن يحفظ صديقه على ارتباط معه بدل أن يكون مديناً له، أو بالأحرى إنه يتمنى أن يكون مدينا لصديقه وأن يكون صديقه الدائن. إنه يتمنى أن يمنح الخدمات لا كمن يقدم خدمات بل كمن يفى ديناً.

عندما تفقد الصداقة، نربك بخدماتنا الذين نخدمهم، ونضخم الأمور الصغيرة. إنما عندما توجد الصداقة فإننا نخفى الخدمات، ونتمنى أن نظهر الأمور الكبير كصغيرة حتى لا نظهر صديقنا كمدين لنا بل على العكس كدائن ونحن كمدينين.

أنا أعرف أن كثيرين لا يفهمون ذلك، والسبب هو أننى أتحدث عن أمر سماوى. إنه كما لو أنى اتحدث عن بعض النباتات التى تنمو فى الهند والتى لم يختبرها أحد. لا تستطيع اللغة أن تظهر هذه النبتة، حتى ولو استعملنا عشرات الآلاف من الكلمات. حتى الآن، كل ما أقوله يبقى بلا جدوى لأنه لا يقدر أحد أن يصفها. هذه النبتة قد غُرست فى الملكوت، وأغصانها مُحملة لا بالجواهر، بل بالحياة التى لا تنتهى، الحياة الأكثر متعة من الجواهر.

ولكن عن أى نوع من المتعة أنت ترغب هل بالكلام؟ هل هى المتعة الشائنة أم المتعة الفاضلة؟ إن حلاوة الصداقة تتخطى كل المتع الأخرى. أنت قد تذكر حلاوة العسل، غير أن العسل قد يؤدى إلى التخمة، بينما الصديق لا تحدث له تخمة طالما هو صديق.

تزداد الشهوة عند إرضائها، بينما هذه المتعة لا يمكن لها أن تتركنا مشبعين.

إن الصديق أكثر حلاوة من الحياة الحاضرة. لهذا، يتمنى كثيرون الموت بعد رحيل أصدقائهم. مع الصديق، يصبح النفى محتملاً، بينما بدون الصديق لا يختار أحد العيش حتى فى موطنه. حتى الفقر محتمل مع الصديق والغنى والصحة لا يُطاقان بدونه].

  1. صلاح. ماذا يقصد الرسول بولس من الصلاح؟ وما هو مصدره؟

إنه ليس مجرد سلوك أخلاقى، وإنما هو أولاً وقبل كل شئ عمل الثالوث القدوس فى حياة المؤمن:

  1. هو عطية الأب للمؤمن كابن له، إذ يقول: "فكونوا متمثلين بالله كأولاد أحباء" (أف5: 1).
  2. عطية للسيد المسيح القائم من الأموات، إذ يقول الرسول: "لأنكم كنتم قبلا ظلمة، وأما الآن فنور فى الرب اسلكوا كأولاد نور. لأن ثمر الروح هو فى صلاح وبرّ وحق (أف5: 8 - 9). إذ بالحب العملى نتمثل بالله النور نحمل شركة طبيعته، فنحسب" أولاد نور "، لا مكان لظلمة الموت فينا، بل ننعم بنور القيامة، خلال هذا المفهوم يوصينا الرسول أن نسلك عملياً كأولاد للنور مُتمتعين بقوة القيامة وبهجتها فى داخلنا، مُعلنة فى حياتنا اليومية وسلوكنا الخفى والظاهر، تاركين أعمال الظلمة غير اللائقة بنا.
  3. هو ثمر الروح القدس الساكن فى المؤمن والقائل والعامل فيه، إذ يقول: "وأما ثمر الروح فهو: محبة، فرح، سلام، طول أناة، لطف، صلاح...." (غل5: 22).
  1. الإيمان. سبق لنا الحديث عن الإيمان فى الجزء الأول من الكاتيكيزم، بكونه مصدر العقائد المسيحية وهو ثمر الروح فى حياة الإنسان المشتاق للخلاص والتمتع بالميراث الأبدى. يقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [لن نتخلص من شرور هذه الحياة الحاضرة إلا بالإيمان. ولهذا فقد تميز كل من عاش بالإيمان، إبراهيم وإسحق ويعقوب، وهكذا أنقذت راحاب الزانية، وهؤلاء الذين وردت أسماؤهم فى العهد القديم، وأيضاً الذين وردت أسماؤهم فى العهد الجديد. لأنه يقول: "بالإيمان راحاب الزانية لم تهلك مع العصاة إذ قبلت الجاسوسين بسلام" (عب11: 31). ولم تفكر فى نفسها، كيف سيستطيع هؤلاء الأسرى والمنفيون ومالمهاجرون الذين يعيشون حياة ترحال "حياة البدو"، أن ينتصروا علينا نحن الذين نملك مدينة وأسوار وأبراج؟ لأنها لو قالت هذا، لدمرت نفسها وهؤلاء معاً، المر الذى كابده أجداد هؤلاء عندما أنقذوا آنذاك. لأن الجواسيس – فى القديم – بسبب عدم الإيمان، عندما رأوا أناس طوال القامة وعمالقة، انهزموا بدون حرب، لأنهم قالوا: "لا نقدر أن نصعد إلى الشعب لأنهم أشد منا. فأشاعوا مذمة الأرض التى تجسسوها فى بنى إسرائيل، قائلين الأرض التى مررنا فيها لنتجسسها هى أرض تأكل سكانها. وجميع الشعب الذى رأيناه فى هذه الأرض هم أناس طوال القامة فكنا فى أعيننا كالجراد وهكذا كنا فى أعينهم" (عد13: 31 - 33). أرأيت كيف أن هوة عدم الإيمان هى عميقة، وكيف أن سور الإيمان هو عظيم؟ لأن عدم الإيمان أهلك آلاف، بينما الإيمان لم ينقذ راحاب فقط، بل جعلها أيضاً حامية لكثيرين[8]]. كما يقول: [إن ما يعلنه هنا ليس إلا هذا: "الإيمان بى ليس بالأمر العادى، لا يأتى خلال براهين بشرية، بل يحتاج إلى إعلان من فوق، وإلى نفس تدبيرها حسن يجتذبها الله لكى تتقبل الإعلان[9]].
  2. الوداعة والتواضع: لإزالة روح الغضب عناص وعن إخواتنا. يقول القديس مار إسحق السريانى: [طوبى للإنسان الذى يعرف ضعفه، فإذ يدرك هذا يصير بالنسبة له أساساً وبداية لكل ما هو صالح وجميل إذ يتحقق الإنسان ويدرك بالحق أنه ضعيف، ينتزع عن نفسه كل بريق يبدد المعرفة، ويصير بالأكثر يقظاً على نفسه. لكن لا يقدر أحد ان يُدرك ضعفه ما لم يتخل قليلاً عن الأمور الصغيرة ويتجاهلها ويُحاط بالتجارب، سواء فى الأمور التى تُسبب آلاماً فى الجسد، أو بالطرق التى بها تخضع النفس للآلام. عندئذ فقط إذ يتأمل ضعفه، يتحقق عظم المعونة التى تأتى من الله. عندما يدرك إنسان أنه فى حاجة إلى عون إلهى، يُقدم صلوات كثيرة. وما أن يُقدم طلبات كثيرة، يتواضع قلبه، فإنه لا يحتاج أحد ويطلب ما لم يكن متواضعاً. "القلب المنكسر والمتواضع لا يرذله الله" (مز51: 17). ما دام القلب غير متواضع لا يكف عن الجولان، فإن التواضع يجعل القلب فى تركيز[10]].
  3. النقاوة والتعفف: أو طهارة القلب والجسد والعواطف والأفكار وحتى للأحلام. يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [يظهر أنه ليس ممكناً للنفس أن تتحد بالله غير الفاسد بأية وسيلة ما لم تصر تقريباً طاهرة خلال عدم الفساد، حتى تنعم الشبه بالشبه، وتقيم نفسها كمرآة تتطلع نحو نقاوة الله، فيتشكل جمال النفس بالشركة فى الجمال الأصلى والتمتع بانعكاسه عليها[11]]. ويقول القديس أغسطينوس [من يلتصق بقطيع المسيح خلال علاقة جسدية فقط بقلب مخادع، لا يمكن أن يُقال عنه انه فى الكنيسة، وأنه فى شركة الروح، لأن "الروح القدس المؤدب يهرب من الخداع" (حك1: 5) [12]].
  4. الطاعة لله وللوالدين والرؤساء والقادة الكنسيين والمدنيين، وأحياناً حتى للأطفال والشباب من أجل كسبهم للملكوت. يقول القديس باسيليوس الكبير: [فى اختصار، أدرك أنه يوجد ثلاث أوضاع تقودنا إلى الطاعة بطريقة حتمية.
  1. أما خلال الخوف من العقاب فنبتعد عما هو شر، فنكون فى وضع العبيد.
  2. أو لكى نسعى لنوال المكافأة فنتمم الوصايا من أجل منافعها، فنكون كمن يطلب الربح.
  3. أو نمارس الصلاح من أجل الصلاح ذاته، ومن أجل حبنا للذى وهبنا الناموس، متهللين بأننا تأهلنا لنخدم الله الصالح العظيم، فنكون فى مركز البنين[13]].
  1. الترفق: نترفق مع كل من نتعامل معهم من كل الطبقات كما مع الحيوانات والطيور بل وبحكمة مع الزروع والجماد، فإن كان قد خلق لنا هذا العالم بجماله، فلا نفسد حتى الطبيعة ما استطعنا. يقول القديس أمبروسيوس: [هذا السامرى الصالح الذى هو رمز للسيد المسيح، الذى هو حارس للأرواح[14]، لن يتركك إنما يتحنن عليك ويشفيك. لم يترك السامرى الصالح المُلقى بين حى وميت، لأنه رأى فيه نسمات حياة، فترجّى شفاءه. أما يبدو لك أن الإنسان الساقط فى الخطية، بين حى وميت يستطيع الإيمان أن يجد فيه سمة حياة؟! إن كان الساقط بين حى وميت، صبّ عليه زيتاً وخمراً، لا تصب خمراً بلا زيت، حتى تكون له راحة مع آلام التطهير. أتكئه على صدرك، قدمه لصاحب الفندق وادفع الدينارين لأجل شفائه، وكن له قريباً! ولن تكون له قريباً ما لم تتعطف عليه، لأن القريب هو الذى يشفى ولا يقتل. فإن أردت أن تكون له قريباً، يوصيك السيد المسيح قائلاً "اذهب انت أيضاً واصنع هكذا" (لو10: 37) [15]].
  2. الكرم والسخاء: فنقدم ما استطعنا بسخاء وفرح دون انتظار لمقابل. يتحدث الرسول عن سخائه مع شعبه دون انتظار لمقابل، إذ كنت لهم: "وأما أنا فبكل سرور أنفق وأنفق لأجل أنفسكم، وإن كنت كلما أحبكم أكثر أحب أقل" (2كو12: 15). إنه يُسرّ بأن يُقدم ممتلكاته ووقته وقوته وكل ما يشغله لحساب أولاده، وأيضاً أن يتألم ويموت لأجلهم. إنه كالشمس التى تُستهلك لتضئ للآخرين يقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [كان يعتبر أمراً واحداً مُشيناً، وهو أن يُهتم بشئ أكثر من الخلاص. لهذا لم يترك حجراً لم يُحركه، ولا ادّخر وسعاً من أجل خلاص الناس، سواء بالوعظ أو العمل، حتى لم يبخل بحياته. لقد عّرض حياته للموت مرات عديدة، ولم يتردد فى إنفاق أى مال إن كان يمتلكه! ولماذا أقول: "إن كان يمتلكه"؟ لأن كان يُعطى بسخاء. ليس فى هذا تناقض، لكن اسمعه يقول: "وأما أنا فبكل سرور أنفق وأنفق لأجل أنفسكم" (2كو12: 15)، وخاطب أهل أفسس قائلاً: "أنتم تعلمون أن حاجاتى وحاجة الذين معى خدمتها هاتان اليدان" (أع20: 34) [16]]. [من حق بولس أن يأخذ، لكنه لم يرد أن يفعل ذلك. نحن أيضاً يلزمنا أن نتمثل بسلوكه[17]].
  3. الأقدام والشجاعة: يقف فى جانب الحق دون مداهنة، مهما كان الثمن، وبحكمة حتى لا يُفسد الحق بالغضب وعدم المحبة. "تشددوا وتشجعوا، لا تخافوا ولا ترهبوا وجوههم، لأن الرب إلهك سائر معك، لا يهملك ولا يتركك (تث31: 6). تقدّم السيد المسيح إلى تلاميذه وسط الأمواج الهائجة ليُعلن لتلاميذه ان الضيقات هى المناخ الذى فيه يتجلى السيد وسط أولاده. إنه لا ينزع الآلام، وإنما يتجلى أمام أعينهمن مُعلناً حضرته وأبوّته ورعايته قبل أن يُهدئ الأمواج، إذ قال لهم:" تشجعوا!، أنا هون لا تخافوا "(مت14: 27).
  4. العدالة والحق: فلا يظلم أحداً مهما كان فقره أو جهله أو صغر سنه أو قلة إمكانياته. يقول الرب فى اليوم الأخير: "لا أعرفكم من اين أنتم، تباعدوا عنى يا جميع فاعلى الظلم! (لو13: 27). إذ يسيطر الطمع على الإنسان، ليس فقط لا يعطى مما لديه للمحتاجين، بل يسلب ما هو للغير فيكسر بيوت الفقراء ويجردها، لا يخجل من ان يُحطمها بالعنف. من يتصدق بأموال ظلم بها إخوته، لا يحمل فى صدقته حباً روحياًن ولا حتى بشرياً، إذ يعطى إنساناً ويظلم آخر. يقول البابا أثناسيوس الرسولى: [إذا قدمت للإله جزءا مما اقتنيته ظلماً اغتصاباً، فلن يقتل الإله عطيتك... فلترحم من ظلمته، صانعاً معه رحمة ومحبة، عاملاً بالصلاح، وبذلك تقدّم رحمة وحقاً. فالله لا يشاركنا جشعنا، ولا يشاطر اللصوص والسالبين، ففى استطاعته أن يطعم الفقراء الذين عهد لنا بهم، لكنه يطلب ثمار البرّ ومحبة الناس].
  5. الحزم: يسلك المؤمن بروح الحزم فى اعتدال وبحكمة، فلا يضغط على إخوته ويحطمهم، ولا يتهاون معهم فيدفعهم نحو اللامبالاة. كلمة الله بالرغم من ترفقها بالخطاة، وفتحها أبواب الرجاء أمام الجميع، لكنها حازمة وقوية، لا تعرف "الميوعة" تعلن الحق وتظهره، وتكشف الباطل وتسحقه. يقول القديس أمبروسيوس: [يجب أن تكون هناكن معايير حقيقية لكلماتنا وتعاليمنا حتى لا تأخذ مظهر اللين والزائد أو الخشونة المُغالى فيها]. [فى هذه الوظيفة لا يليق بالراعى أن يكون قاسياً وعنيفاً، ولا يكون متساهلاً جداً، لئلا يكون فى الحالة الأولى كمن له سلطان جائر، وفى الحالة الثانية كمن يهين بلا سبب وظيفته التى نالها].
  6. ضبط النفس: فى الحديث مع أن أخطأ تكلم معه بروح الثقة فى عمل الله معه وفيه يسلك بروح إيجابية، خاصة إن انتقد عمل أحد يحرص ألا يُحطمه أو يفقده الرجاء. يقول الرسول: "كل من يجاهد يضبط نفسه فى كل شئ، أما أولئك فلكى يأخذوا إكليلا يفنى وأما نحن فإكليلا لا يفنى" (1كو9: 25). ويقول ابن سيراخ: "أعط وخذ واضبط نفسك، فلا سبيل إلى التماس الرفاهية فى الجحيم" (سى14: 16). "لا تتبع أهواءك، بلا اكبح شهواتك" (سى18: 29). ويقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [من يريد أن يكون مُعلماً، يلزمه أولاً أن يُعلم نفسه. فكما ان من لم يصر جندياً صالحاً لا يقدر أن يكون قائداً، هكذا أيضاً بالنسبة للمُعلم لذلك يقول: "حتى بعدما كرزت للآخرين لا أصير أنا نفسى مرفوضاً" [18]].
  7. رؤيته للهدف. تصرفات المؤنم ليس انفعالات بلا حكمة حتى وان دافع عن الحق. إنما يلزم أن تكون له رؤية واضحة لتحقيق هدفه ومساعدة إخوته للسلوك بروح الحق. يرى القديس إكليمنضس السكندرى أن هدف الإنسان الروحى أن يتعرف على الله (الحق) ويراه[19] وجهاً لوجه، أى يعبر إلى كمال المعرفة بالإلهيات من خلال الإيمان، وذلك خلال خبرة الحياة النقية والتأمل الدائم. فإن كنا قد عبرنا من الوثنية إلى الإيمان، فيليق بنا أن نعبر من الإيمان إلى المعرفة[20]، لنرى الله ونعرفه. هذه المعرفة هى هبة إلهية نقبلها خلال الابن، وذلك بقبولنا إياه وتشبهنا به، أى خلال نقاوة القلب، نُعاين الله وندرك ما يبدو للآخرين غير مدرك[21]. يقول القديس إكليمنضس السكندرى: [الغنوسية التى هى المعرفة وإدراك الأمور الحاضرة والمستقبلية والماضية، كأمور أكيدة وموثوق فيها، يمنحها ابن الله الذى هو "الحكمة" ويعلنها[22]. يركز الرسول بولس على ضرورة وضع الهدف أمام أعيننا، إذ يقول: "أيها الإخوة أنا لست أحسب نفسى إنى قد أدركت، ولكنى أفعل شيئاً واحداً، إذ أنا أنسى ما هو وراء وامتد إلى ما هو قدام. أسعى نحو الغرض، لأجل جعالة دعوة الله العليا فى المسيح يسوع (فى3: 13 - 14). سرّ قوة الرسول بولس إدراكه عدم بلوغه بعد الكمال، لا بروح اليأس والتهاون، وإنما بالسعى والجهاد مُدركاً أن السيد المسيح نفسه يطلبه ويسعى إليه لكى يفديه ابناً له. بينما يود أن يدرك المسيح، يعلم تماماً أن المسيح أدركه. فغيرة الرسول على خلاص نفسه لا تُقارن صارت جامدة. إلى حيثما بلغ الشخص فليخف لئلا يتطلع إلى الوراء من تلك النقطة (تك19: 26). يلزمه أن يسير فى الطريق، فليتبع المسيح[23]]. كما يقول: [بقى الرجاء الذى أظن أنه يقارن بالبيضة. فإن ما نرجوه لم يتحقق بعد، ذلك مثل البيضة التى لم تصر بعد كتكوتاً... فالرجاء يحثنا على ذلك: أن نستخف بالأمور الحاضرة وننتظر الأمور العتيدة" ننسى ما هو وراء "، ومع الرسول" تمتد إلى ما هو قدام "[24]].

كما يقول الرسول: "قد جاهدت الجهاد الحسن أكملت السعى حفظت الإيمان. وأخيراً قد وُضع لى إكليل البرّ الذى يهبه لى فى ذلك اليوم الرب الديان العادل وليس لى فقط بل لجميع الذين يُحبون ظهوره أيضاً" (2تى4: 7 - 8). يُعلق القديس يوحنا الذهبى الفم على هذه العبارة، قائلاً: [كتب الرسول هذا ليعزيه... يقول: "جاهدت الجهاد الحسن"... هل هذا الجهاد حسن وقد وجد فيه سجن وقيود وموت؟ نعم، لأنه جهاد من أجل المسيح خلاله ننعم بأكاليل عظيمة!... ليس جهاد أسمى من هذا! إكليله بلا نهاية، إكليله ليس من أوراق الزيتون، والحكم فيه ليس بشرياً، والمشاهدون ليسوا بشراً، إنما سيكون المسرح مزدحماً بالملائكة! (فى حلقات المصارعة) يجاهد الناس أياماً كثيرة ويحتملون المصاعب لأجل ساعة ينالون فيها الإكليل، وعندئذ تنتهى كل بهجة فى الحال. أما هنا فالحال مختلف تماما. الإكليل أبدى، له بهاؤه ومجده وكرامته، لهذا يجب أن نفرح[25]].

وأيضاً يقول: "ألستم تعلمون أن الذين يركضون فى الميدان جميعهم يركضون، ولكن واحداً يأخذ الجعالة؟ هكذا اركضوا لكى تنالوا. ولك من يجاهد يضبط نفسه فى كل شئ، أما أولئك فلكى يأخذوا إكليلاً يفنى، وأما نحن فإكليلاً لا يفنى" 01كو9: 24 - 25). كان المشترك فى هذه الألعاب يعيش بنظام دقيق للطعام ويمتنع عن شرب الخمر والأطعمة الشهية، ويتدرب على احتمال الحر والبرد ويلتزم بنظام صعب. فالمصارع يُدرب نفسه ويضبط جسده لكى يبلغ أعلى مستوى فى السباق. وواحد فقط يقدر أن ينال الجائزة، غالباً ما كانت من النباتات يوضع على رأس المنتصر. إنه إكليل يفنى. أما المؤمنون فإنهم إذ يُدربون أنفسهم فى سباق الحياة، فيستطيع كل واحد منهم أن ينال إكليل النصرة الذى لا ينحل. يدرب الملاكم نفسه حتى متى واجه خصمه فى حلقة الملاكمة يستطيع أن يُوجه الضربة حسناً. وإن فشل فى التدريب الحسن سيضرب بذراعيه يُمنة ويُسرى كمن يضرب الهواء. عندئذ يصير هدفاًصائباً من خصمه. هكذا يلزم أن يدرك المؤمن قيمة جسده لهذا لم يرد الرسول أن يكون كمن يضرب الهواء.

  1. الالتزام بالمسئولية: يلتزم بالواجبات التى عليه، ولا يستخف بأية مشورة تُقدم له. يقول الرسول [لأنه إن كنت أبشر فليس لى فخر، إذ الضرورة موضوعة علىّ، فويل لى إن كنت لا أبشر (1كو9: 16). يقول القديس يوحنا الذهبى الفم: [لن أكف عن القيام بواجبى مهما تكن الأسباب، فقد وُجدت هنا من أجل هذا العمل[26]].
  2. الأمانة والإخلاص: أمين فى الكثير كما فى القليل، لا ينسى محبة الآخرين له، وإخلاصهم، فيرد الحب بالحب، والإخلاق بالإخلاص. وفى نفس الوقت يطلب نعمة الله ليرد حتى الشرّ بالخير، والمعونة لمن أساء إليه. لا يقبل أن تدخل العداووة فى فكره أو قلبه مهما كان موقف الآخرين له.
  3. المثابرة والجلد: إنسان الله لا يعرف اليأس مطلقاً حتى النفس الأخير، ولا يتوقف عن الجهاد حتى على سرير الموت. يدعونا ابن سيراخ أن نختار أصدقاءنا من المثابرين لا المتراخين إذ يقول: "ثابر مع الإنسان التقى، الذى تعرف أنه يحفظ الوصايا، وتتفق نفسه مع نفسك، وإذا سقطت يُشاركك آلامك (ابن سيراخ37: 12). يقول القديس أنبا أنطونيوس: [يستحيل عليك أن تصير صالحاً أو حكيماً فى لحظة، إنما تحتاج إلى الدراسة والحرص والتمرن والتدرب والجهاد الطويل (وفوق الكل) الرغبة القوية نحو الخير. الإنسان الصالح المُحب لله والذى يعرف لله بحق، لا يهدأ قط عن أن يصنع، بدون استثناء، كل الأمور التى ترضى الله. ولكن مثل هؤلاء أن تلتقى بهم[27]].
  4. رؤيته المملوءة رجاء: لا يُركز على المصاعب التى تواجهه، بل بروح الرجاء بثقة فى نعمة المسيح وقيادة الروح القدس له.
  5. الامتنان: فكره وقلبه لا يُكفان عن تقديم الشكر لله ولكل أحد، مهما كان عطاء الآخر بسيطاً للغاية. يقول الرسول: "اشكروا فى كل شئ لأن هذه هى مشيئة الله فى المسيح يسوع من جهتكم" (1تس5: 18). شاكرين كل حين على كل شئ فى اسم ربنا يسوع المسيح لله والآب (أف5: 20). الشكر فى كل شئ هو سمة خاصة بالسمائيين، الذين إذ يدركوا الله كلى الحكمة والحب يشكرونه من أجل صلاحه وتدبيراته الصالحة. بهذا فإن المؤمن لا يقدر أن يشكر فى كل شئ بلسانه ما لم يحمل، خلال المعمودية، الطبيعة الجديدة السماوية والمستنيرة، فيلهج قلبه بتسبحة شكرلا ينقطع. يشعر أنه مدين لأبيه السماوى بكل حياته، مُدركاً أبوة الله له ورعايته الفائقة، فتصرخ أعماقه بتسابيح الحمد الخفية، وينفتح لسان إنسانه الداخلى بالترنم كما فعل الأطفال والرضع عند دخول السيد أورشليم. إن قبلنا فى المسيح الحياة السماوية صار التسبيح نابعاً من أعماق القلب طبيعياً، يتجاوب معه كل كيان الإنسان، حتى إن كان وسط الضيق. هذا ما هزّ الوثنيون إذ رأوا المسيحيين يُسبحون الله داخل السجون، خاصة حين يصدر الحكم بقتلهم. فى القرنين الرابع والخامس على وجه الخصوص كانت الأديرة المصرية وبراريها فراديس لا تسمع فيها سوى صوت التسبيح غير المنقطع، كما أخبرنا القديس يوحنا كاسيان. والكنيسة تعلن طبيعتها المتهللة بالرب بالتسبيح فى كل ليتورجياتها، كما فى الصلوات الخاصة بكل عضو.
  6. الوقار: فى الكلام مع الابتسامة الهادئة وتحاشى الضحك خاصة بصوت عالٍ. فقد كتب بيلاطس لهيرودس عن السيد المسيح أنه دائم الابتسامة، ولم يوجد قط ضاحكاً ووجد فى ظروف مُعينة باكياً.
  7. محباً للخدمة: سواء للأفراد أو العائلات أو الكنيسة أو الوطن، أو للبشرية، يطلب الخير للجميع ما استطاع، حتى للذين سقطوا فى جرائم خطيرة. يرى القديس أغسطينوس أنه مادام الإنسان لازال على قيد الحياة فإن الله يترجى خلاصه مهما كانت شروره.
  8. تقديم الخدمة للأخرين: بغض النظر عن سنه أو جنسيته أو جنسه أو ديانته أو مبادئه وفلسفته.
  9. حكيم ومشير وصالح: فهو يطلب مشورة صالحة لنفسه، ويُقدم مشورة صالحة للغير عندما استطاع.
  10. الصدق: إن كان الشيطان يُدعى الكذّاب وابو الكذابين، يلزمنا أن نلتصق بالصدق مهما كانت التكلفة.
  11. المهذب صاحب الأخلاق الكريمة: يليق بنا أن نتعامل بروح الوقار والاحترام بأسلوب مُهذب (أخلاقى) متذكرين أن كل البشرية خُلقت على صورة الله ومثاله.
  12. الولاء والإخلاص: يليق بنا أن نتسم بالولاء والإخلاص فى كل معاملاتنا، خاصة فى العمل ولا نقبل ما ينادى به البعض اننا نعمل قدر ما يُقدمون لها من أجر يلزمنا ان نسلك بإخلاص حتى مع الذين يخطئون فى حقنا.
  13. أن نكون عصاميين وكادحين، لا نتوقف عن العمل بمثابرة وجهاد حتى النفس الأخير.
  14. بُعد النظر: فنتعامل مع الطفل الصغير كمن نُدربه على روح القيادة بحكمة بما يناسب إمكانياته وقدراته ومواهبه، مشتهين فيه أن يصير أكثر منا فى قدراته ومواهبه ومعرفته، ليخدم المجتمع بل وكل إنسان يلتقى به. ايضاً لا نتوقف عن العمل متطلعين إلى الثمر الذى يجنيه الجيل القادم أو الأجيال القادمة، فكثيرون غرسوا أشجاراً صغيرة وهم يعلمون أن أبناءهم سيأكلون من ثمارها.
  15. قبولنا للتعلم: بلا توقف، ففى كل يوم نتعلم درساً جديداً حتى اليوم الأخير من حياتنا.
  16. تحقيق رسالتنا كأناس الله: فالرسول بولس كان يُذكر شعبه أنهم سفراء عن المسيح (2كو5: 20)، وأبناء الله، لذا ينبغى أن يكونوا أناس صلاة بلا انقطاع!
  17. أن نكون مُتحفظين: فلا نسلك بروح اللهو، كأن حياتنا بلا هدف ولا قيمة، بل نضع نصب أعيننا الميراث الأبدى الذى نقتنيه بفضل دم ربنا يسوع المسيح كهبة مجانية مدفوعة على عود الصليب. إننا مدعوّون للقاء مع ربنا على السحاب بكوننا العروس السماوية التى تلتقى بعريسها السماوى، وتزفها الطغمات السماوية فى موكب سماوى ويدخلون بها إلى حضن الآب.

[1] - فى مديح القديس بولس، عظة 3.

[2] Sermons on N,T. Lessons 1: 39.

[3] - الكاتب: سر الفرح فى فكر القديس يوحنا الذهبى الفم،.

[4] In Eph. Hom. 3.

[5] Homilies 10: 16.

[6] Paedogogus 4: 2.

[7] Oration 32.

[8] - راجع تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية، عظة 3: 6، ترجمة د. سعيد حكيم يعقوب.

[9] Homilies on St. John, Hom. 2: 45.

[10] A. J. Wensinck: Mystic Treatises by Isaac of Nineveh, 1923, p. 70; Dana Miller: The Ascetical Homilies of St. Isaac the Syrian, 1984, p. 67.Robert Llewelyn, the Joy of the Saints, Spiritual Readings throughout the Year, Springfield, Illinois, 1989. P. 31.

[11] Concerning Virginity 11. PG 368: 46 BC.

[12] Sermons on NT Lessons 32: 21.

[13] Reg. Fus. Introduction, 1.

[14] - كلامة "سامرى" معناها "حارس".

[15] - راجع للكاتب: ترفقوا بالخطاة للقيس أمبروسيوس، 2005.

[16] - فى مديح القديس بولس، عظة 3.

[17] In 2 Cor. Hom 2: 27 - 3.

[18] In 1 Tim. Hom. 5.

[19] Strom. 10: 2.

[20] Strom. 10: 7.

[21] Strom. 8: 6.

[22] Stromata 7: 6.

[23] Sermons on N. T. Lessons, 10: 41.

[24] Sermons on N. T. Lessons 8: 55.

[25] In Tim. Hom 9.

[26] In 1 Cor. PG 354: 61.

[27] - الفيلوكاليا، الجزء الأول، 1993، القديس أنطونيوس الكبير 170 نصاً عن حياة القداسة 40.

ما هى نظرة القديس بولس للفضائل المسيحية؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ6 – المفاهيم المسيحية والحياة اليومية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هى نظرة القديس بولس للفضائل المسيحية؟

أ. لم يُصنف الرسول بولس الفضائل المسيحية إلى سلوكيات تمس حياة المؤمن الداخلية وأخرى تخص أسلوب معاملاته مع الله وعبادته، وثالثة تخص علاقته بأسرته، ورابعة تخص علاقته بكل إنسان أياً كان جنسه أو جنسيته أو مركزه الاجتماعى أو الكنسى، وخامسة تخص سلوكه مع الشخص الذى يحمل له عداوة لسبب أو آخر أو دون وجود أسباب للعداوة، وأيضاً سلوكه بخصوص علاقته مع السمائيين، وسلوكه مع إبليس وجنوده.

ب. قدم الرسول لنا قائمة مختصرة وبسيطة لعمل الروح القدس فى حياتنا الداخلية ليُعدنا للسلوك فى كل مجالات حياتنا. إذ قال: "وأما ثمر الروح فهو: محبة، فرح، سلام، طول أناة، لطف، صلاح، إيمان، وداعة، تعفف، ضد أمثال هذه ليس ناموس" (غل5: 22 - 23).

ج. قدم الرسول هذه القائمة التى لثمر الروح لكى تكون دستوراً لحياة المؤمن فى كل جوانبها، وأعطى لأناس الله خاصة آباء الكنيسة أن يقدموا فى شئ من التفصيل عن ممارستنا للفضائل، لا كأخلاقيات نلتزم بها، بل كثمر عمل الروح القدس فى المؤمن بكونه ابن الله وكعضو فى جسد المسيح وكهيكل الله وروح الله يسكن فيه.

ما هو ارتباط الفضائل بالحياة فى المسيح؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ6 – المفاهيم المسيحية والحياة اليومية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو ارتباط الفضائل بالحياة فى المسيح؟

كل إنسان مهما كانت شروره يحمل فى داخله اشتياق أن يكون مُتسماً بالفضائل. وقد تحدث كثير من الفلاسفة ورجال التعليم والتربية منذ القديم عن الفضائل. وكان كثير من الملوك والولاة والقادة يهتمون أن يُسلموا أبناءهم فى أيدى فلاسفة كى يُدربوهم على الحياة الفاضلة اللائقة بهم.

كان الرسول بولس يفتخر أنه من جهة الناموس فريسى... من جهة البرّ الذى فى الناموس بلا لوم (فى3: 5 - 6). وإذ التقى بالسيد المسيح، أدرك أنه بالناموس تعرّفنا على الخطايا التى نرتكبها (رو3: 20) ولم يعالجها (غل2: 16)، إنما يحثنا على الالتقاء بالسيد المسيح (رو10: 4) الذى يهبنا الاتحاد معه وينعم علينا ببرّه. لذلك عندما يتحدث الرسول عن "الحياة فى المسيح" (رو8: 2)، فهو يعنى التمتع ببر المسيح أو بالشركة فى سماته فنتمتع بالفضائل قدر ما يليق بنا.

هذه الفضائل تمس كل جوانب حياتنا: الحياة الشخصية، والأسرية، والعمل، والحياة الاجتماعية الخ. يصعب تخصيص فضائل لجانب معين من الحياة، لأن الحياة فى المسيح هى حياة واحدة لها فاعليتها فى كل جوانب الحياة. والحياة الفاضلة أشبه بلؤلؤة كثيرة الثمن لها جوانب مختلفة.

ما هى الحركة الرهبانية القبطية اليوم؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هى الحركة الرهبانية القبطية اليوم؟

لعل أحد ملامح الكنيسة القبطية الأرثوذكسية اليوم هو التزايد المستمر فى راغبى الالتحاق فى الحياة الديرية، حتى بدأ التفكير فى تعمير الأديرة التى خلت من الرهبان. أديرة الرجال منتشرة فى المناطق الصحراوية، أما أديرة النساء ففى داخل المدن.

اهتم البابا كيرلس السادس بتعمير دير القديس مارمينا بجوار الإسكندرية. كما اهتم البابا شنوده الثالث بتعمير دير القديس الأنبا بيشوى بوادى النطرون، حيث أقام فيه مقراً بابوياً لحبه الشديد للرهبنة، يقضى فيه قرابة نصف الأسبوع بانتظام.

هذا وقد التحق بالأديرة رهبان من الشبان الذين هاجروا إلى أمريكا وكندا وأستراليا بعد أن نجحوا فى حياتهم العملية.

ما هو أثر الرهبنة المصرية على العالم المسيحى؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو أثر الرهبنة المصرية على العالم المسيحى؟

الرهبنة القبطية كأعمق حركة إنعاش روحى حدثت فى تاريخ الكنيسة، جذبت رهبان من بلدان كثيرة فجاء إلى مصر يونانيون ورومان وكبادوكيون وليبيون وسريان ونوبيون وأثيوييون وغيرهم.

فى اختصار شديد كان للرهبنة القبطية أثرها على العالم المسيحى:

1. قام البابا أثناسيوس بنشر الفكر الرهبانى أثناء نفيه فى تريف (336 - 337)، وعندما هرب إلى روما سنة 339. كما كتب "حياة أنطونيوس" سنة 357 الذى انتشر فى العالم.

2. تُرجم النظام الباخومى إلى اليونانية بواسطة بالاديوس وإلى اللاتينية بواسطة جيروم. زار القديس باسيليوس الأديرة الباخومية (337 - 358) وتأثر بها.

3. قوانين الأب بندت (480 - 550) استقاها من النظام الباخومى.

4. إذ عاش القديس يوحنا كاسيان سبع سنوات فى مصر سجل كتابية الشهيرين عن الرهبنة القبطية: "المناظرات"، "الدساتير".

5. عاش الأب أوغريس البنطى (346 - 329) الذى احتل مركزاً رئيسياً فى تاريخ المسيحية الرومانية، كراهب فى منطقة نتريا لمدة عامين، وفى منطقة القلالى لمدة 14عاماً.

6. قام القديسان جيروم (342 - 450) وروفينوس (345 - 410) بزيارة مصر.

7. قضى بالاديوس أسقف هيلينوبوليس ومؤرخ الرهبنة الأولى سنوات كثيرة مع رهبان مصر، وتتلمذ على يدى الأب أوغريس، ووضع كتاب: "التاريخ للوسياكى" حوالى سنة 419م.

8 - تتلمذ مار أوجين على يدى القديس باخوميوس، وأسس ديراً فى نصيبين ببلاد فارس، كما ترجم القوانين الباخومية إلى الفارسية والسريانية فى منتصف القرن الرابع. بحسب التقليد الكلدانى قيل أن سبعين راهباً مصرياً قاموا بمساعدته فى إنشاء عدة أديرة هناك.

9. تتلمذ القديس هيلاريون من غزة على يدى أنبا أنطونيوس وحين عاد إلى بلاده مارس الحياة النسكية.

10. تهذب القديس أبيفانيوس أسقف سلاميس بقبرص (حوالى315 - 403) بالفكر الرهبانى القبطى.

11. حوار سلبيكوس ساويرس حوالى 430م، سجل ما رآه الرحالة بوستيميان فى زيارته إلى مصر عام 399مقدماً نظرة رائعة للرهبنة المصرية.

12. زارت الراهبة الإسبانية إثيريا (ايجريا) مصر فى القرن الرابع.

13. زارت الأم القديسة ميلانيا الكبرى الرومانية برية مصر.

14. أقام القديس يوحنا الذهبى الفم فى أحد الأديرة الباخومية فى صعيد مصر، من سنة 373 حتى 381م.

من هم أهم القيادات الرهبانية؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

من هم أهم القيادات الرهبانية؟

1 - القديس بولا الطيبى (رئيس السواح): كتب سيرته القديس جيروم عام 374 أو 375م. نشأ فى شمال الصعيد، نال قسطاً وافراً من العلوم اليونانية والمصرية، وإذ بلغ السادسة عشرة من عمره نال قسطاً وافراً من الميراث عن والديه. وفى أثناء اضطهاد داكيوس (حوالى سنة 250م) انطلق إلى البرية بعد أن تعرض لرغبة بطرس اخوه فى اغتصاب ممتلكاته. وإذ بلغ من العمر المئة والثلاثة عشرة سنة يمارس الحياة الملائكية وهو على الأرض التقى به القديس أنطونيوس، حيث ناداه الأنبا بولا باسمه، وصارا يتحدثان عن عجائب الله ويسبحانه. عند الغروب نزل غراب كان مستقراً على نخلة والقى خبزة كاملة أمامهما، مع أنه كان قد اعتاد أن يلقى نصف خبزة للقديس الأنبا بولا. فى اليوم الثالث صرف الأنبا بولا الأنبا أنطونيوس ليُحضر له ثوب القديس أثناسيوس الذى وهبه إياه، لكى يكفنه به. وإذ عاد الأنبا أنطونيوس وجد الأنبا بولا راكعاً كمن يصلى، وأخيراً اكتشف أنه قد رقد. جاء أسدان وحفرا فى الرمل حتى يدفن القديس بولا.

2 - القديس انطونيوس الكبير: ولد حوالى سنة 251م فى مدينة كوما (قمن العروس) بمصر الوسطى. فى الثامنة عشرة من عمره، إذ سمع الإنجيل: "إن أردت أن تكون كاملاً فاذهب وبع أملاكك وأعط الفقراء. وتعال اتبعنى" (مت19: 21)، قام ببيع ممتلكاته وأودع أخته فى بيت العذارى، وسكن فى كوخ يتتلمذ على يدى رجل قديس. بعد فترة رحل إلى الصحراء الغربية ليجاهد بنفسه فى قبر منحوت فى جانب الجبل. وفى سن الخامسة والثلاثين استقر على الضفة الشرقية من النيل فى منقطة بسبير، حيث عاش متوحداً، فجاء كثيرون يطلبون التلمذة. انطلق إلى البرية الداخلية بجبل القلزم ليعيش فى هدوء. لكن محبته الداخلية ألزمته بزيارة الإسكندرية ليسند الشهداء عام 316م، ويسند البابا أثناسيوس ضد الأريوسية عام 352م. جاء إليه كثيرون يتتلمذون على يديه. وتنيح عام 352م.

3 - القديس باخوميوس (الأنبا باخوم أب الشركة): وُلد بصعيد مصر حوالى سنة 290م، وقبل المسيحية فى مدينة إسنا بالصعيد بسبب كرمهم وحبهم للأعداء، فترك الجيش واعتمد حوالى سنة 307 فى "شينوفسكيون". تتلمذ على يدى القديس أنبا بلامون المتوحد، حتى ظهر له ملاك وأرشده لتأسيس نظام الشركة. كان قائداً ناجحاً محباً لخلاص النفوس، فأسس أديرة كثيرة بصعيد مصر بنظام دقيق مُحكم، كما أنشأ دير للراهبات تحت قيادة أخته. ترجمت أصول نظامه إلى اليونانية واللاتينية، استخدمها الأنبا باسيليوس الكبير، كما اُستخدمت فى بلاد الغال فى القرن الخامس، تبناها بندكت أب الرهبنة الغريبة وقيصريوس أسقف أرل.

4 - القديس آمون: عاصر الأنبا أنطونيوس، ولد حوالى سنة 275م، ولما بلغ الثانية والعشرين من عمره ألزمه عمه بالزواج، فعاش مع زوجته فى نتريا كناسكين وبعد 18 سنة طلبت منه زوجته أن ينفرد عنها، فخرج إلى جبل نتريا والتف حوله كثيرون، فأسس نظام الجماعات جنباً إلى جنب مع الوحدة. نظام الجماعات هو نظام وسط فيه لا يلتزم الرهبان بالشركة اليومية فى العبادة معاً والطعام وإنما يومى السبت والأحد فقط. غالباً ما كانوا يسكنون فى قلال أو مغائر متقاربة، حول كنيسة فى الوسط.

5 - القديس مقاريوس الكبير: (حوالى سنة 300م – 390) مؤسس رهبنة الجماعات ببرية الإسقيط، زار القديس أنطونيوس على الأقل مرتين. ألزمه والده بالزواج، لكن الله سمح بانتقال زوجته البتول. سكن فى كوخ بقرية يمارس الحياة النسكية حوالى عشرة سنوات تحت مشورة أحد النساك. تاق إلى الوحدة فسكن فى الإسقيط. وكان يرافقه شاروب. عاش محباً للعبادة والنسك بقلب متسع بالحب فتتلمذ على يديه كثيرون، فجاء إلى البرية شرقيون وغربيون للتلمذة.

6 - القديس شنوده رئيس المتوحدين: كان أباً (رئيساً) للدير الأبيض فى أتريب بصحراء طيبة لأكثر من 56عاماً (القرن الرابع / الخامس)، قاد 2200 راهباً، و1800 راهبة. دعى رئيس المتوحدين إذ مارس الوحدة من حين إلى آخر، كما شجع رهبان ديره على الانسحاب نحو البرية بعد ممارستهم حياة الشركة. فى سنة 431 رافق القديس كيرلس الكبير فى مجمع أفسس المسكونى. اشتهر بحركة تحرير الأدب القبطى من كل ثقافة هيلينية، ولم يسمح لأجنبى أن يلتحق بجماعاته، لذا حُسب قائداً سياسيا ومصلحاً اجتماعياً بجانب عمق روحانياته.

7 - القديسة الام سارة: وجدت أول جماعة رهبانية نسائية فى العالم فى مدينة الإسكندرية على نحو القديس سينكليتيكي وحفظ البابا أثناسيوس سيرتها وتعاليمها كما اسس القديس باخوميوس ديرين للراهبات، وظهرت راهبات متوحدات فى البرية. وجاء إلى مصر بعض أمهات دير أجنبيات مثل القديسة ميلانيا الكبرى (سنة 374) وحفيدتها ميلانيا الصغرى (سنة418). هذا ولا نتجاهل القديسة مريم المصرية التى تابت فى أورشليم، وعاشت 48سنة فى البرية عبر الأردن لم تر وجه إنسان سوى القديس سوزيما مرتين فى السنتين الأخيرتين من حياتها.

كثير من الراهبات نلن عطية القيادة الحقيقية والتمييز الروحى، منهم القديسة سارة التى قيل عنها إنها عاشت 60 عاماً بجوار النهر لم ترفع عينيها قط لتنظره. لها أقوال كثيرة حفظت مع أقوال آباء البرية.

8 - القديسة إيلاريا: فى القرن الرابع، ابنة الإمبراطور زينون، هربت إلى شيهيت حيث مارست الحياة النسكية فى زى راهب، ولما أصيبت أختها ثيؤبستا بروح شرير أرسلها شيوخ البرية إليها لتصلى عليها دون أن يعرفوا أنها فتاة. فصلت عليها طوال الليل وكانت تقبلها، وإذ شفيت أخبرت الإمبراطور عن الراهب (ايلارى) الذى شفاها وكان يقبلها فانزعج، وإذ دعاها إلى القصر كشفت له أمرها أنها ابنته بعد أن وعدها ألا يعوقها عن العودة إلى مغارتها.

9 - سينكليتيكى القديسة: يعدّها بعض المؤرخين نداً للقديس الأنبا أنطونيوس كوكب البرية، فكما كان الأنبا انطونيوس أباً لجميع الرهبان، كانت سينكليتيكى أماً لتلك المجموعة المتناسقة من العذارى المتبتلات، اللاتى جعلن من وادى مصر الخصيب مقراً للنعمة الإلهية. وُلدت من أبوين شريفين استقرا فى الإسكندرية ليكونا على مقربة من مدرستها العظيمة، وكانا قد أنجبا ولدين وبنتين فأرادا أن يثقفانهم بأسمىَ أنواع الثقافة التى لم تكن متوفرة سوى فى مدرسة الإسكندرية. فُجعت هذه الأسرة بوفاة أصغر إخوة سينكليتيكى فى صباه، أما الأكبر فقد انتقل إلى عالم الخلود ليلة زفافه، وكان من أثر الصدمتين أن اندفعت سينكليتيكى إلى التفكير والتأمل فى مباهج العالم ومفاتنه فى نظرها سراباً خادعاً.

ظلت سينكليتيكى مداومة على أصوامها وصلواتها ونسكها وتعبدها فى بيت أبويها إلى أن انتقلا إلى عالم النور، وعند ذاك وزعت أموالها على الفقراء وأخذت أختها وذهبت إلى مقبرة العائلة حيث عاشت بضع سنوات، وفى تلك الفترة ضاعفت أصوامها وصلواتها وتأملاتها.

جاء لزيارتها عدد غير قليل من الشابات. البعض منهن لمجرد رؤيتها وأخذ بركتها، والبعض الآخر مستفسرات عن حل مشاكلهن. وكان من الطبيعى أن تتأثر بعضهن بقدوتها ويمكثن معها ويشاركنها حياة النسك والتأمل.

تركت مقبرة العائلة وأخذت زميلاتها ليعشن معاً فى مبنى خارج المدينة، وكرست حياتها لخدمتهن صائرة قدوة وصورة حية لما تنادى به من تعاليم، ولذلك أحبتها زميلاتها وأخلصن الولاء لها وأطعنها عن رضى وحبور. تزايد عدد الشابات اللواتى خضعن لرياستها سنة بعد الأخرى، وكان بعضهن يقضين معها فترة من الزمن يعدن بعدها إلى بيئتهن ليحملن إلى أهلهن النعمة المنعكسة عليهن من حياة سينكليتيكى.

بلغت القديس الثمانين من عمرها وكانت حتى ذلك الوقت تتمتع بصحة تامة، وفجأة أصيبت بمرض مزعج، فقد غطت القروح جسمها من قمة الرأس إلى أخمص القدم حتى أفقدها القدرة على النطق. تضاعف ألم القروح بحمى عالية موجعة فكان صبر القديسة شبيهاً بصبر أيوب إذ تحملت كلما أصابها برضى وطول أناة. وقبل انتقالها بثلاثة أيام رأت جمهوراً من الملائكة ومعهن عدد من العذارى، وتقدموا إليها قائلين: "إننا أتينا لندعوك فتعالى معنا". وما أن سمعت هذه الكلمات حتى تبدل حالها فبدت كشخص جديد إذ اكتنفها نور بهى، وعاشت بعد ذلك ثلاثة أيام كاملة استنار الراهبات خلالها بالنور السماوى المنعكس عليهن من رئيستهن المريضة، ثم انتقلت إلى كنيسة الأبكار.

لقد أراد البابا أثناسيوس الرسولى أن يبين عظمة قداسة هذه الراهبة المكرسة فكتب سيرتها هو بنفسه فبذلك يكون قد كتب سيرة الأنبا أنطونيوس بوصفه أباً للرهبان كما كتب سيرة القديسة سينكليتيكى بوصفها أماً للراهبات.

كيف بدأت الحركات الرهبانية فى مصر؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

كيف بدأت الحركات الرهبانية فى مصر؟

من مصر انطلقت كل النظم الرهبانية المنتظمة إلى العالم كله، وذلك فى القرن الرابع، لترد قلب الكنيسة إلى الحياة الداخلية بعد أن قبلت الدولة المسيحية، وانفتح باب الإمبراطور أمام الأساقفة والكهنة. غير أن هذه النظم التى أسسها الأقباط لم تظهر خلال خطة كنيسة مُسبقة، إنما ظهرت إلى النور خلال حب طبيعى التهب بقوة فى قلوب كثير من المسيحيين الأوائل.

1. فى العصر الرسولى، مارس كثيرون النسك بغية التمتع بكمال الإنجيل.

2. أشعل الاتجاه الإسخاتولوجى (الأخروى) فى الكنيسة شوق المؤمنين نحو مجئ عريسهم، فاستحسن بعض المؤمنين أن يعيشوا فى حياة البتولية مكرسين كل أقواتهم للعبادة كتهيئة لوليمة العرس السماوى. وفى القرن الثانى، كانت العذارى المسيحيات فى سميرنا وكورنثوس يسرن فى مواكب الليتورجية خلف الكهنة، أمام الأرامل. كذلك وُجدت جماعات كثيرة من العذارى فى الإسكندرية وفى مدن كثيرة من العالم، وكانت المقالات الخاصة بالبتولية تمثل جزءاً حياً من كتابات الآباء فى الثلاثة قرون الأولى.

3. شعر بعض العذراى والنساك بالحاجة إلى جو روحى معين، فكانت العذراى يعشن معاً واستحسن الرجال ترك المدن ليعيشوا فى أكواخ بسيطة فى القرى، وكانوا يُدعون "مكرسون". وإذ شعر البعض بالعطش نحو الحياة الملائكية هربوا إلى البرية، ولم نعرف منهم إلا القليل مثل القديس الأنبا بولا السائح الذى عاش قرابة تسعين عاماً فى البرية (حوالى 250 - 341م).

4. بظهور القديس أنبا أنطونيوس تأسست الحركة الرهبانية، وأعتبر أب الرهبنة فى العالم كله، وإن كان قد سبقه كثيرون، ذلك لعلاقته الوثيقة بقادة الكنيسة خاصة البابا أثناسيوس الذى كتب عنه للعالم الرومانى. ولأنه فتح مغارته بعد حوالى عشرين عاماً من العزلة التامة ليتتلمذ على يديه قادة رهبان، ويحاور الفلاسفة ببساطة إيمانه، ويستقبل الحكام كما كان للقديس دوره الحى فى الكنيسة فنزل إلى الإسكندرية يسند الشهداء ويقف ضد الأريوسية.

5. ظهر القديس باخوميوس أب الشركة الذى شعر أن نظام التوحد لا يناسب كل راغبى الرهبنة، فأقام جماعة رهبانية داخل أسوار الأديرة، وقد مدحه المتوحدون على ذلك.

6. أقام القديسون أنبا مقاريوس الكبير وأنبا أمون وغيرهما نظام الجماعات فى منطقة وادى النطرون. حيث جاء كثيرون من أنحاء العالم يمارسون الحياة النسكية على أرض مصر، ويكتبون عنها لينقلوا الفكر إلى الخارج. هذا ويلاحظ أن قادة هذه الأنظمة الثلاثة لم يتعصبوا لأنظمتهم، بل كانوا يتزاورون ويمتدح كل منهم النظامين الاخرين.

7. قامت الحركة الرهبانية النسائية جنباً إلى جنب مع حركة الرهبنة للرجال، وساهم الرهبان فى بناء أديرة النساء. وظهرت قيادات نسائية لها دورها الفعال مثل الأم سارة والأم ثيؤدورة. كما تخفى بعض النساء المصريات والأجانب فى زى رجال وعشن حياة ناسكة فى أديرة الرجال وغلبن بنسكهن وجهادهن وروحانياتهم الكثيرين.

ما هو ارتباط النسك بالحياة الكنسية؟

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ3 – الكنيسة ملكوت الله على الأرض – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو ارتباط النسك بالحياة الكنسية؟

كثيراً ما تحدثت عن النسك فى الكنيسة القبطية ومفاهيمها اللاهوتية وحياتها التعبدية وسلوكها. لذا اكتفى هنا بإبراز النقاط التالية:

1. أثر الحياة النسكية على الكنيسة القبطية واضح فى عبادتها، فالألحان طويلة لكنها ممتعة ومبهجة للنفس، أصوامها كثيرة تتعدى النصف سنة سنوياً، ليتورجياتها تتركز حول انتظار مجئ السيد المسيح (بفكر اسخاتولوجى).

2. عُرفت الكنيسة القبطية بكثرة عدد شهدائها حتى يتطلع البعض إلى بقائها كعمل إلهى معجزى. مدن بأسرها استشهدت، وكان الشهداء يواجهون مضطهديهم بفرح إذ ينتظرون التمتع بإكليل الاستشهاد.

3. كان للفكر النسكى الروحى أثره على اللاهوت الإسكندرى، إذ حمل اتجاهاً خلاصياً، فتركز اللاهوت فى التمتع بالخلاص (سوتيريولوجى). اللاهوت ليس موضوع أفكار فلسفية للمباحثات بقدر ما هو متعة لتذوق عمل الله الخلاصى فى حياة المؤمن.

4. الحياة النسكية لا تعنى معاداة الجسد وحواسه وطاقاته، وإنما بالحرى التطلع إليه بقدسية خاصة كمعين للنفس.

5. إن كانت الحياة النسكية قد مهدت الطريق لبدء انطلاق الحركات الرهبانية بكل صورها من نظام الوحدة، ونظام الجماعات، ونظام الشركة، فإن هذه الحركات كانت تهدف إلى حياة الاتحاد مع الله، بصورة أو بأخرى. لهذا فهم المؤمنون الوحدة لا بمعنى العزلة عن الناس بل الوحدة مع الله. فالراهب حتى وإن عاش فى البرية وحده لا يعتزل بقلبه البشرية، بل يحملهم بالحب فى قلبه، يصلى من أجلهم، ويئن مع أنينهم، مشتاقاً نحو خلاص الكل.

6. قاوم كثير من الآباء المصريين المبالغة فى النسك، خاصة إن كان بدون إفراز (تمييز) أو بدون حكمة.